أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - يوسف المساتي - دولة الرسول: دينية أم مدنية؟؟














المزيد.....

دولة الرسول: دينية أم مدنية؟؟


يوسف المساتي
الحوار المتمدن-العدد: 2972 - 2010 / 4 / 11 - 10:06
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


شكلت هجرة الرسول (ص) نحو يثرب محطة نوعية، إذ أعلنت عن ميلاد مشروع دولة بمميزات خاصة، و هو الأمر الذي جسدته خطوات عدة قام بها محمد (ص)، كان من بينها تغيير اسم يثرب إلى المدينة – سبق و أن توقفنا عند دلالات هذا التغيير في مقالنا المنشور بمنتدى الأحداث يوم الجمعة 05 دجنبر 2008 بعنوان: "فتح مكة و الفصل بين السلطتين"- و التي تلتها خطوة أهم و أعمق عرفت بصحيفة المدينة، و هي تلك الوثيقة التي عقدها الرسول (ص) مع كافة الأطياف المتواجدة بالمدينة (أوس، خزرج، يهود...)، و التي حددت واجبات كل طرف و حقوقه، و قبل أن نتوقف عند أهم بنودها فإنه من الضروري أن نتساءل حول سبب اختيار محمد (ص) يثرب ليهاجر إليها؟، و لمحاولة الإجابة لا بد من استحضار معطيان أساسيان:
أولا: إذا كان احتضان قريش للكعبة قد جلب لها احترام بعض القبائل العربية، فإنه و بلا شك سيجلب نقمة البعض الآخر، و يمكن لنا أن ندرج محاولة أبرهة الحبشي تهديم الكعبة في هذا الإطار، التي و برغم فشلها إلا أنها و بلا شك قد خلقت تطلعا عند بعض القبائل العربية لإزاحة قريش من موقعها. و بالتأكيد أن ظهور نبي جديد كان سيدفع أكثر من قبيلة لتأييده حتى تحول مركز السيادة إليها، و هذا ما سيحدث في فترة لاحقة مع مسيلمة الكذاب، حيث سيؤيده الكثيرون -رغم اقتناعهم ببطلان ادعائه للنبوة- لسحب البساط من تحت أقدام قريش. فلماذا حدث العكس مع محمد (ص)؟، و رفضت أغلب القبائل دعوته عندما كان يعرض نفسه عليهم؟.
يبدو أنه من الصعب تقديم جواب قطعي، لكن في اعتقادنا الشخصي، أنه من الضروري وضع الروايات التي تتحدث عن هذه الفترة موضع شك بسبب ما يطبعها من مؤثرات درامية، ذلك أنه و في ظل خريطة قبلية معقدة بالشكل الذي كانت عليه في شبه الجزيرة، لم يكن من الصعب على الرسول (ص) أن يقيم تحالفات قبلية في مواجهة قريش، إلا إذا كان هو يرفض هذا الأمر، لأنه لم يكن يبحث عن مجرد تحالف قبلي عادي، بل كان يبحث عن شيء آخر مختلف لا يوجد إلا في يثرب، و هذا ما يقودنا للمعطى الثاني.
ثانيا: كان النظام القبلي هو الطابع السائد في شبه الجزيرة العربية، و لكن يثرب لم تكن قبيلة بالمعنى الحرفي لهذه الكلمة، و لم تصل إلى درجة المدينة، بل كانت في منزلة بين المنزلتين. غير أن واحدا من أهم مميزاتها هو ذلك الغنى الذي كان يطبع تركيبتها البشرية بسبب تراكمات تاريخية متعددة، لا مجال للخوض فيها الآن، لكنها –يثرب- في الآن نفسه كانت مفتقدة لأي سلطة منظمة للعلاقات بين أفرادها، و هذا ما يفسر سبب المعارك التي كانت تندلع بين الأوس و الخزرج بشكل متكرر.
و بالتأكيد أنه في ظل هذه الوضعية لا بد أن ترنو عيون سكان يثرب نحو سلطة محايدة تقوم بتنظيم علاقات وضمان حقوق كافة الأفراد داخلها، و هو ما يعني ضرورة قدومها من خارج يثرب. هذا التطلع إضافة إلى ما كان يروجه اليهود عن قرب ظهور نبي جديد فيها، سيجعل البنية النفسية لسكانها –يثرب- مستعدة و متلهفة لاستقبال الوافد الجديد.
نخلص من خلال ما سبق إلى أن اختيار الرسول (ص) يثرب ليهاجر إليها لم يأت كنتيجة للروايات الدرامية التي قدمتها لنا المصادر الإسلامية، و إنما لكونه –محمد (ص)- قد وجد فيها ذلك المجتمع الذي ينشده و القائم على التعدد، الاختلاف، التنوع، و الحاجة لسلطة تقوده. و هو الأمر الذي سيظهر فيما عرف بصحيفة المدينة، و التي جاءت لتضع أسس مشروع الدولة الجديدة.
و لعل أول ما يلفت الانتباه في صحيفة المدينة هو تمثيلها لكافة الأطياف المتواجدة بها (المهاجرون، الأوس، الخزرج، اليهود ...)، مع خلوها من أي تمييز بينهم على أساس الدين أو اللون أو الجنس، أو تمييز المسلمين عن غيرهم في الحقوق و الواجبات. كما لم تتم الإشارة إلى الإسلام كدين رسمي أو أنه يحضى بمكانة متميزة مقارنة مع باقي الأديان –اليهودية بشكل خاص- داخل دولة المدينة. بل على العكس من ذلك نجد بنودا في الصحيفة تنص صراحة على تساوي كافة الأديان داخل الدولة، من خلال التصريح بأن "لليهود دينهم و للمسلمين دينهم، مواليهم و أنفسهم، إلا من ظلم و أثم فإنه لا يوتغ (لا يهلك) إلا نفسه و أهل بيته"، أو ما ورد في بند آخر "الجار كالنفس غير مضار و لا آثم". و هذه البنود تعلن صراحة على أن الدولة لكل المواطنين، و أن الدين يبقى علاقة شخصية بين الخالق و عبده، شرط مراعاة المصلحة العامة و احترام الآخر.
و إذا كان من الصعب استعراض كافة بنود الصحيفة، فإننا نود التأكيد على أن ما تنظر إليه المصادر الإسلامية على أنه تسامح و مؤاخاة من الرسول (ص) تجاه الآخر -اليهود بصفة خاصة-، يتجاوز ذلك بكثير إذ هو في حقيقته وضع لأسس دولة المواطن أيا كان دينه أو معتقده، مع ضمان سير عادي للحياة داخل الدولة، و يكفي أن نذكر أن الرسول (ص) توفي و درعه مرهونة عند يهودي، و هو ما يحتمل أكثر من قراءة و دلالة.
و بذلك يكون محمد (ص) قد أحدث نقلة نوعية في مفهوم الدولة، ناقلا إياها من القبيلة القائمة على روابط محددة إلى دولة المدينة المفتوحة لكل الأديان و المعتقدات، و التي ناموسها الأساسي هو مراعاة المصلحة العامة، إن دولة الرسول (ص) التي يرى الكثيرون أنها قامت على الدين، و أنها دولة دينية، هي في الواقع نقيض ذلك، إذ هي دولة مدنية تفصل بين ما هو ديني و ما هو سياسي فصلا يكاد يكون جذريا، و تكثر الشواهد في هذا الصدد و التي سنخصص لها مساهمات قادمة.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- فتح مكة و الفصل بين السلطتين
- مدخل إلى تفكيك الجذور التاريخية للحجاب
- فتوحات إسلامية أم غزوات استعمارية
- الدولة الإسلامية و أساليب التمويه الإيديولوجي
- الآخر في الدولة الإسلامية : جدلية القرب و النبذ
- جذور التطرف الإسلامي


المزيد.....




- محام: سيف الإسلام القذافي يمارس النشاط السياسي في ليبيا
- اشتباكات بين الشرطة الإسرائيلية ويهود متشددين
- مؤتمر -دور الفتوى في تحقيق الاستقرار-
- محامي عائلة القذافي: سيف الإسلام سيعود للعمل السياسي
- بي بي سي في الرقة بعد طرد مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية
- دعوة للتحرك ضد تسريب أوقاف مسيحية بالقدس
- خطط لتكثيف الاستيطان اليهودي بالضفة الغربية
- هداية لـ (الزمان): الحكومة مقصّرة بإعادة المسيحيين لمناطقهم ...
- محامي عائلة القذافي لـ-سبوتنيك-: سيف الإسلام يعود للعمل السي ...
- البنك الاسلامي للتنمية يدعم قطاع الطاقة في غامبيا


المزيد.....

- الوصاية على الدين الإسلامي و احتكار الحقيقة ... / محمد الحنفي
- لا عدالة و لا تنمية في خطاب العدالة و التنمية / محمد الحنفي
- هل من الدين الإسلامي إزعاج الأطفال، والمرضى، والعجزة، بالمبا ... / محمد الحنفي
- متى نصل فعلا إلى تحقيق: أن الدين شأن فردي... / محمد الحنفي
- الإسلام و التعبير عن الاصطفاف الطبقي بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- كيف يرد المثقفون الدين؟ بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- اليسار الديمقراطية العلمانية بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- بحث في الإشكاليات اللغوية في القرآن / عادل العمري
- النزعة مركزية الإسلامية / عادل العمري
- تلخيص كتاب تاريخ الفلسفة العربية الاسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - يوسف المساتي - دولة الرسول: دينية أم مدنية؟؟