أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ياسين الحاج صالح - وراء ثلاثة جدران فولاذية أو أربعة















المزيد.....

وراء ثلاثة جدران فولاذية أو أربعة


ياسين الحاج صالح

الحوار المتمدن-العدد: 2937 - 2010 / 3 / 7 - 19:05
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في عشرينات أعمارهم، الفرق محدود بين شبان بلداننا وغيرها. يتمتعون والطموح وطاقة الابتكار وروح الحرية نفسها المميزة لجيلهم في كل مكان. بعد حين تصطدم أنشطتهم بجدران صلبة. أولها هياكل السلطة الاستبدادية. هذا محتم بفعل غيريتهم ورغبتهم في الخدمة والعمل العام، وبفعل عدوانية وخبث وأنانية تلك الهياكل. ما ليس محتما هو شكل الاصطدام ومحصلاته. يحصل أن يكون عنيفا يحطم الشاب أو الفتاة، أو أقل عنفا يعطِّله ويعزله، أو احتوائيا يقلبه على نفسه ويدفعه لاستبطان القيود التي فرضت عليه. حيال ذلك، يهاجر من يستطيع. ولا يكاد أحد ممن لا يستطيع تحقيق شيء من تطلعاته أو الحفاظ على معنوياته وإرادة العمل العام.
هذه خبرة متواترة. في مجتمعاتنا، بتفاوتات محدودة، هناك سور صيني عال وغير مرن، يؤثر على حياة الناس جميعا ولا يكاد يتأثر بجهودهم لزحزته أو تعديله أو توسيع هوامش حياتهم فيه. ورغم أن أسوار السلطة هذه أقل دموية في هذا العقد الأول من القرن الحادي والعشرين مما كانت في العقدين الأخيرين الفظيعين من سابقه، إلا أن أساس ذلك هو أن أنها تواجه بتحديات قليلة اليوم. ليس لدينا أسباب وجيهة لتوقع ألا ترد بقسوة مهولة لو واجهتها تحديات مماثلة. لن تفرط بملك طالت إلفتها به، ولم تعد تستطيع أو تتخيل العيش دون عز أدمنته، وازدادت غرورا بفعل دوامه. في الأمر مليارات ومليارات قبل أي شيء آخر. الجنة وأكثر على الأرض.
وإلى "السلطة" كقوة جمود منيعة على التغير، يضاف التشكل المعاصر للدين، الأثر المجمل للتعاليم والتربية والمؤسسات الدينية الإسلامية اليوم. في صيغته الاجتماعية يطور الإسلام المعاصر مواقف محافظة تفصل بين الجنسين، وتثابر على التمييز بينهما (في الميراث وفي تعدد الزوجات..)، كما يرعى وعيا ذاتيا متمحورا بإفراط حول الدين، وانعزاليا تاليا حيال شركاء الوطن غير المشاركين في الدين. وفي صيغته السياسية يتطلع إلى السلطة كلها، وإلى رد الشرعية إلى "الشريعة"، هذا حين لا يطمح إلى أسلمة كلية جديدة لمجتمعاتنا تحت لواء مبدأ "الحاكمية الإلهية". وهو في جميع أحواله محافظ على المستويات القانونية والتعليمية والثقافية.
هنا أيضا تصطدم الجهود التجديدية والإصلاحية بجدار صلب غير مرن، لا يكتفي بعدم التأثر بها، بل هو يُدوِّخ أو يهمش أو يشل المبادرين إليها، من أمثال نصر حامد أبو زيد ومحمد شحرور وجمال البنا وغيرهم. جهودهم لا تقدر بثمن من حيث أنها تصنع شرعية إسلامية للاختلاف والانشقاق وحرية الاعتقاد والضمير، إلا أنها لما تحدث بعد ثغرة في الجدار الصلب، سياج الدوغما على قول محمد أركون.
هذا فوق أن قوة الجمود الدينية تعزز من جمود وتصلب غريمتها، قوة الجمود السياسية، ما يتسبب في شعور عام بالانسداد، لا ريب أن له "فضل" عميم في انتشار روح التشاؤم والخوف من المستقبل في بلداننا، وكذلك في حلم الهجرة الذي يتملك نصف شبابها على ما أظهر تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2002. دون أن ننسى أخيرا أن الطائفية نتاج امتزاج الدين مردودا إلى الهوية مع السياسة مجردة من المبدأ الوطني.
وبينما لا نقر بأن الطائفية عامل أولي مستقل في أي من مجتمعاتنا المعاصرة، إلا أن مسار التطورات السياسية فيها وحولها، والسوية الفكرية والسياسية والأخلاقية المتدنية لنخب السلطة والنخب السياسية عموما في العالم العربي، يتجه نحو تعزيز الطوائف وتعزيز احتكار كل منها لولاء المنسوبين إليها. من ليسوا كذلك منا لا يجدون ثمرة لجهودهم ويهمشون. لقد سارت تطورات الوضع اللبناني خلال عقود ليس نحو مزيد من تمركز النظام اللبناني حول الطوائف، بل ومزيد من صلابة هذه مقارنة بأية صيغ انتظام اجتماعي مختلفة عنها. ويبدو أن الأمر مثل ذلك في العراق أو هو متجه في المسار نفسه. والأمر ليس مختلفا كثيرا، حتى في مجال الثقافة العالمة، في بلدان المشرق كلها. في المحصلة تبدو الطائفية قوة جمود إضافية، ترفع الطلب على السلطة الاستبدادية وتحد من فرص الانشقاق والاستقلال الفكري والأخلاقي.
وفوق هذا كله ثمة جدار فولاذي رابع، يتمثل في اليد الطولى الإسرائيلية. هذا ليس محققا في فلسطين وحدها التي تعاني من انكشاف أمني واستراتيجي واقتصادي مهول أمام إسرائيل، بل هو محسوس بكثافة في لبنان وسورية، وكذلك في محيط عربي أوسع على ما شهد التطاول على مواقع في العراق وتونس سابقا، ومؤخرا في دبي. إسرائيل قوة جمود جوهرية في المشرق العربي، لا تكاد تتأثر بجهود العرب الحربية والسلمية بفضل ما تحظى به من غطاء أميركي وغربي استثنائي، نوعا وكما. ولا يبدو أن هناك شيئا مناسبا يفعله العرب حيال الواقعة الإسرائيلية بما يعطل أو يحد من تأثيرها التجميدي أو المقيد لتطورهم واستقلالهم. ولا ريب أن الأصل في ذلك هو أن إسرائيل انبنت على جريمة تحطيم شعب واقتحام لصوصي لمحيط غريب عليها ولا تقبل المساواة معه، فلا سبيل أمامها إلا المضي قدما في حماية ما نالته بمزيد من الجريمة. وفي هذا هناك تماثل بنيوي عميق بين علاقة إسرائيل بمحيطها العربي وبين علاقة نخب السلطة بمحكوميها في بلداننا. يوغل الطرفان في تحصين أنفسهما حيال المحيط (عموم العرب في حالة، وعموم المحكومين في حالة..)، ولا يقبلان منه ما هو أقل من استسلام تام لا يقيدهما في أي شيء مع ذلك. هذا فوق أنهما يطوران عقائد تفوق حضاري وثقافي حيال المحيط الواقع تحت رحمتهما، ونظرة تشاؤمية مفرطة إلى العالم من حولهما.
مطوقة بثلاثة أو أربعة جدران فولاذية كهذه، كيف لمجتمعاتنا ألا تكون مشلولة، وكيف لهذا الشلل ألا يطور التفاعلات الأشد سمية وتدميرا ذاتيا فيها: الفساد والطائفية والتفكك العام وكره الذات والغير والعالم والتشاؤم المنتشر؟ الحلول الممتنعة تفسح المجال لتحلل متنوع الأشكال.
فإن كان لنا أن نتجنب التحلل المميت لا مناص من خرق هذه الجدران الفولاذية. وأولها الجدار السياسي، إلى أن نأتي عليه وعلى أشقائه من أصولها.
الشبان الذين كانوا في عشريناتهم مثل غيرهم في كل مكان، يمسون في بلداننا أدنى قدرة وأقل إنتاجية وأكثر إرهاقا من غيرهم مع التقدم في العمر. ربما يصيرون أكثر "حكمة"، لكنها الحكمة التي تثبِّت خبرات الإخفاق والحصار وتدرجها في مخطط عمومي دهري. نتغلب على الخيبة بأن نستبطنها، بجعلها اسما آخر للحياة.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,555,371,838
- هل سورية معرضة للزوال ما لم يكن حكمها استبداديا؟ نقاش مع حاز ...
- الظاهرة الإسلامية.. صحوة أم رِدَّة، أم ربما فرصة؟
- الإصلاح الإسلامي وإيديولوجية الإصلاح الديني
- العدل... ولو انهار العالم
- لماذا نتخلف؟ ولم لا يكف تخلفنا وحده عن التقدم؟
- في تفقد الواقع وأشياء أخرى
- فكأنك في -مثل غابة للحيوانات-..بعد 41 عاما موصولة!
- العلمانية كسردية صغرى..
- وعي الحاضر وتأهيل الذات (كلماتٌ لمجلة -الحوار- في ذكرى انطلا ...
- التطور بالتذكِّر: -جملكية- أم سلطانية محدثة؟
- أسئلة وردود حول قوانين الأحوال الشخصية
- في نقد النظرة التجزيئية ومنطق الاستبدال الإيديولوجي
- وضع -الدين العام-.. مناقشة في الشأن الديني السياسي العربي
- في الفتوى و-التفاتي- وصناعة التقليد
- الشعبوية إذا تنتحل.. قناع الكونية
- بصدد أزمة الفكرة الديموقراطية في التفكير السياسي العربي
- في نقد السياسوية: -إعلان دمشق- والطريق المسدود
- في شأن ما يطرحه علينا الاستفتاء السويسري من أسئلة أخلاقية وس ...
- -العلمانية الأمية-: في المحصلات المحتملة للفصل بين العلمانية ...
- الدولة السلطانية المحدثة وسيف الحروب الأهلية


المزيد.....




- خلال زيارته للسعودية.. بوتين يقدم -صقر كامشاتكا- للملك سلمان ...
- ترامب: لا أمانع أن تحمي روسيا أو الصين أو نابليون بونابارت أ ...
- الملكة إليزابيث: خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أولوية ال ...
- السعودية - روسيا.. من يحتاج من؟
- سوريا: الجيش النظامي يدخل منبج والقوات الأمريكية تعلن تلقيها ...
- خان سينقل وجهة نظر إيران إلى السعودية
- شاهد: شغب في مطار برشلونة احتجاجاً على الأحكام ضد قادة انفصا ...
- هل انهارت أحلام الأكراد بالحكم الذاتي بعد طلب المساعدة من دم ...
- شاهد: شغب في مطار برشلونة احتجاجاً على الأحكام ضد قادة انفصا ...
- هل انهارت أحلام الأكراد بالحكم الذاتي بعد طلب المساعدة من دم ...


المزيد.....

- كانطية الجماهير / فتحي المسكيني
- مقتطفات من كتاب الثورات والنضال بوسائل اللاعنف / يقظان التقي
- يا أمريكا أريد أن أكون ملكًا للأردن وفلسطين! النص الكامل / أفنان القاسم
- ماينبغي تعلمه! / كورش مدرسي
- مصطفى الهود/ مشاء / مصطفى الهود
- قصة الصراع بين الحرية والاستبداد بجمهورية البندقية / المصطفى حميمو
- هل من حلول عملية لمحنة قوى التيار الديمقراطي في العراق؟ / كاظم حبيب
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الثامنة: القطاع ... / غازي الصوراني
- الدولة المدنية والدولة العلمانية والفرق بينهما / شابا أيوب شابا
- حول دور البروليتاريا المنحدرة من الريف في ثقافة المدن. -3- ا ... / فلاح علوان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ياسين الحاج صالح - وراء ثلاثة جدران فولاذية أو أربعة