أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف: الانتخابات والدولة المدنية والديمقراطية في العراق - دياري صالح مجيد - جغرافية الانتخابات في العراق بين الحتمية والامكانية















المزيد.....

جغرافية الانتخابات في العراق بين الحتمية والامكانية


دياري صالح مجيد

الحوار المتمدن-العدد: 2936 - 2010 / 3 / 6 - 01:39
المحور: ملف: الانتخابات والدولة المدنية والديمقراطية في العراق
    


دأب البعض من المختصين في مجال الدراسات الجغرافية – السياسية على الاهتمام في السنوات الاخيرة بما شهده العراق من انتخابات , في محاولة لتفسير السلوك الانتخابي والنتائج التي تفرزها الانتخابات بل في بعض الاحيان محاولة التنبؤ بتلك النتائج مسبقاً في ظل مجموعة من العوامل الاساسية التي يدرسها الجغرافي في تحليله لمثل هذه الظاهرة معتمداً على كشف العلاقة بين عوامل الجغرافية الطبيعية والبشرية بصورة خاصة وبين مخرجات العملية الانتخابية , وهو عُرفٌ جرت عليه ومشت على خطاه العديد من الدراسات الاكاديمية التي حصل من خلالها الدارسون على شهادات علمية , قادت البعض الى التاثر بهذا الموضوع البراق واللماع لانه بالاساس يمس ويدغدغ مشاعر واحلام كل الاحزاب التي تريد تعميق فكرة الترابط المكاني ما بين التركيبة السكانية للعراق والنتائج الانتخابية في اطار من الحتمية المقيتة التي لا تُظهِرُ في مجتمعاتنا الا صورة عن عمق التشويه الذي يُمارس ضد الناخبين بالطريقة التي تقودهم الى انتخاب الاحزاب التي تتطابق بالضرورة مع اديانهم , مذاهبهم وقومياتهم .

التطابق الحتمي هذا بالضرورة يحيلنا الى افكار المدرسة الحتمية التي تعد واحدة من اقدم مدارس الفكر الجغرافي التي تناولت التاثير الحتمي للبيئة على الانسان في تفسير حركاته ونشاطه ونتاجاته لا بل حتى نظام الحكم المتبع في دول العالم المختلفة , هذا الفكر جاء انعكاسا لرؤى العالم الالماني راتزل الذي سُوقت افكاره بشكل اوسع خارج اوربا على يد تلميذته الامريكية الاصل المس سمبل التي قالت بان الانسان هو ابن البيئة التي يعيش فيها فهي التي ربته ورعته وواجهته بالمشاكل وهمست له بالحلول . هذه هي النظرة الضيقة والقاصرة لدعاة الفكر الحتمي التي حولت الانسان الى مجرد نتاج لافرازات البيئة , وهنا لايُقصد بذلك البيئة الطبيعية فحسب وانما بالضرورة في ظل التقادم الزمني , يُقصد بها ايضاً البيئة الاجتماعية , وكأن قدر الانسان ان يبقى وسيبقى محكوماً بمعطيات تلك البيئة لا يستطيع منها الفكاك ولا يؤمل في ان يكون لديه القدرة على تغيير ما فيها من ثوابت جرت العادة والتقادم الزمني على مسالة تحويلها الى مسلمات لا يجوز الخروج عليها او المساس بها . لتكون وفقا لهذه الرؤية الضيقة والقاصرة في التعاطي مع الانسان , لا ككائن مبدع ومتجدد وانما كعبد مطيع فقط لنواميس البيئة الطبيعية والاجتماعية , عملية العلاقة بين التركيبة السكانية بمختلف تشعباتها والنتائج الانتخابية , علاقة ارتباط حتمي , بمعنى اذا ما افترضنا ان التوزيع الجغرافي للاديان في العراق بنسب معينة ولتكن مثلاً 90 % مسلمين و البقية ديانات اخرى , فان المفهوم الحتمي لجغرافية الانتخابات سيؤشر بالضرورة توجه الناخبين للادلاء باصواتهم بنسب موازية لنسب هذا التركيب للاحزاب الاسلامية والاخرى . واذا ما كانت نسبة الشيعة مثلاً 60 % والسنة 30% ( مع اعتذاري لهذا التقسيم الذي اسوقه مثالاً فحسب لا كرؤية طائفية ) في العراق ككل او في مدينة من مدنه , فان الرؤية الحتمية لعلاقة هذه الارقام بالانتخابات ستؤشر الى الى ان الفوز بالحتم سيكون للاحزاب الشيعية على اعتبار ان المنتمين الى المذهب الجعفري ومن منظور حتمي لن يذهبوا للادلاء باصواتهم الا لاحزاب شيعية صرفة والعكس صحيح مع المكون الاخر . اما اذا ما افترضنا التقسيم الجغرافي للمجتمع على اساس عرقي وقلنا بان نسب العرب 70 % والاكراد 20% على سبيل المثال ( وهي نسب غير واقعية ) والبقية تشغلها قوميات اخرى في احدى المحافظات ولتكن بغداد, فان الرؤية الحتمية لجغرافية الانتخابات ستشير بالضرورة الى توزع المقاعد البرلمانية بالطريقة التي تعكس هذه الرؤية التوزيعية لنسب القوميات في المدينة او مجمل الدولة .

اعتقد بان ادراك البعض , في بداية العهد بالتوجه الانتخابي في العراق , لهذه الحتمية البدائية هو الذي قاد الى تكوين الاصطفافات الطائفية في تكتلات حزبية كبيرة لتشتمل على ثلاث تكتلات رئيسية هي الشيعية , السنية والكردية , تلك التكتلات حكمت ايضاً توجهات البرلمان وفقاً لهذه الحتمية عبر الية التصويت في العديد من القرارات المصيرية التي شهد بعضها اضطرار احد اطراف التكتلات القيام بالتحالف الجغرافي – السياسي لممثلي الدوائر الانتخابية , اما بهدف تمرير قانون او تعطيل قوانين عديدة . وهنا لا يمكن لنا ان ننسى حجم الخسائر المادية والبشرية التي قدمها الناخب العراقي الذي عزز من الرؤية الحتمية للعلاقة بين التركيبة السكانية كاهم مكون في دراسة جغرافية الانتخابات وبين المصائب التي تركها ما سُمي بالسلوك الانتخابي المُعزز بدوافع الدين والمذهب والهوية القومية . في ظل ذلك ما كان يستطيع المرء ان يتخيل بان يقوم احد الاكراد في كردستان بانتخاب قائمة غير قائمة التحالف الكردستاني وما كان لاحد ان يتصور بان يحصل هذا التحالف على اصوات طيبة في المناطق الجنوبية , طالما ان حتميات العلاقة بين التركيبة السكانية وعملية توزيع المقاعد البرلمانية هي التي حددت مسبقاً حصة كل تكتل من هذه التكتلات .
لقد واجه الفكر الحتمي ردة فعل عنيفة من قبل جمهرة من الجغرافين ذاتهم عندما انتفضوا على الافكار العتيقة التي رأت في الانسان مجرد كائنٍ سلبي يخضع بالامس في توجهاته لتاثير عناصر البيئة الطبيعية , ويخضع اليوم في رؤاه واختياراته لتوجيه العناصر المُشكلة للعقلية الجمعية في المكان الذي يعيش فيه خاصة في ظل ما تمارسه العديد من المؤثرات في ترسيخ معطيات التوجه لهذه العقلية وبالتالي في تشكيل وصياغة السلوك الانتخابي لدى اكبر عدد ممكن في المدن العراقية وفقاً لرؤية جغرافية تجعل الانسان محاطاً بحلقة المجموع التي لا يقدر على الخلاص من تاثيرها في قراراته المصيرية ومنها اختيار مرشحيه . لذلك برزت على انقاض الفكر الحتمي مدارس عديدة كان من بينها ومن اهمها المدرسة التوافقية التي لا تؤمن بالضرورة لا بالحتم المطلق الذي يحول الانسان الى عبد , ولا بالامكان المطلق الذي ينظر للانسان على انه السيد المطلق والمتحكم برايه وتوجهاته دون ان يكون للعوامل الاخرى دور في صياغة هذا التوجه والسلوك خاصة على صعيد الانتخابات . لذا فالانسان في ظل هذه الفكرة يتحول الى عنصر فاعل وايجابي حيثما كان بامكانه التغلب على المؤثرات التي تريده عبداً مقلداً بشكل اعمى ومطبقاً ما يُراد منه ومتبعاً في سلوكه الانتخابي التصويت القائم على غريزة الانتماء على اساس الدين او المذهب او العرق, وليس على اساس ما يؤمن به من برامج انتخابية للاحزاب السياسية المختلفة .

في مقابل ذلك لا زال انصار هذه المدرسة يؤمنون بان الحتم يُمارس دورهُ بكل ثقله المخرب لدور الانسان الابداعي والفعال في صياغة مستقبله خاصة في البيئات او الدول والمدن التي لا يستطيع الانسان , بالضرورة بسبب عدم تطوره العلمي والتكنولوجي وبالتالي افتقاده القدرة والجراة على الخروج على النواميس التي اقرها المجتمع كاعراف وقواعد تحكم سلوكه ورؤاه خاصة فيما يتعلق بالانتخابات , الا ان يكون فيها انعكاسا لما تفرزه تلك البيئات من فلسفات تشجع الانسان على الجراة في التعاطي مع ذاته ككائن فاعل سياسياً ومنتج اجتماعياً من عدمه . لذلك نجد بان التجربة الانتخابية في الغرب ذاته الذي افرز لنا مفهوم جغرافية الانتخابات قد نبذ هذه العلاقة القائمة على التطابق المكاني بين مناطق تركز اصحاب بعض الديانات او المذاهب وامكانية فوز مرشحي الاحزاب التي تتحدث باسم مثل تلك الاديان والمذاهب , اذ من النادر ان تجد مثل هذا التطابق في العديد من تجارب الانتخابات التي حصلت ولا تزال في تلك البلدان والا فاذا ما تجذرت فيها تلك الرؤى الضيقة , لكان ذلك كارثة على كل قيم الديمقراطية التي اوصلتها الى محطات مهمة في مجال العلاقة بين الحكومة والمجتمع , وبالتالي يُعد ذلك مدخلاً لاثارة التساؤل الاتي : لو كانت جغرافية الانتخابات انعكاساً حتمياً لاعراق ومذاهب المجتمع , كيف اذاً وصل شخصٌ مثل اوباما لحكم اكبر دولة في العالم اليوم ؟ .

رغم ايماني بان التجربة العراقية في الديمقراطية و الانتخابات تجربة حديثة وستحتاج منا الى الصبر لمدة طويلة كي يصل الناخب العراقي الى مستوى فكري و سلوك انتخابي مجرد من الميول الخاصة بالحتم الذي يعبر عن علاقة غير صحية بين الناخب والمُرشح , الا انني لا استطيع الا القول بان استمرار الدفع باتجاه ترسيخ الحتمية في السلوك الانتخابي خلال الدورات الانتخابية القادمة , ما هو الا انتكاسة حقيقية لمفهوم الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة , لذا امنياتي بان يتحرر الناخب العراقي من هذه الحتميات التي بالتاكيد ستجبر في ظلها كل الاحزاب الى اعادة النظر في برامجها لا على اساس الطائفة والعرق وانما على اساس ما يلائم التوجهات الحقيقة في كل دائرة انتخابية عبر معرفة احتياجات ابناء تلك الدائرة ومعرفة عناصر الضعف الجغرافي فيها لا من اجل استغلالها بل من اجل التعاطي معها بما يعمل على الارتقاء بتلك الدائرة الجغرافية , لنتحول في ظل ذلك بدلاً من رسم خرائط تثبت كارثة التطابق المكاني بين تركيبة المجتمع القومية والطائفية ونتائج الانتخابات , نحو رسم خرائط توضح حجم التطابق المكاني بين نتائج الانتخابات وطبيعة التغيير الذي لمسه المواطن من سياسات الاحزاب في مدينته ليعطي صوته مستقبلاً لهذا او ذاك المرشح الذي خدمه فعلا وليبقى الدين والطائفة والقومية مسالة شخصية وليست مجالا للدعاية الانتخابية في التاثير على سلوك الناخب , وكل انتخابات وانتم بالف خير .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,468,761,020
- كيف يتوجب علينا النظر الى ماكتبه كيسنجر مؤخراً حول العراق ؟
- احدى الروايات الايرانية تجذب اهتمام مترجم امريكي
- الوجه البريء للبرنامج النووي الايراني
- التصعيد الجديد في المنطقة لمصلحة من ؟
- اقتل سلطانا تصبح سلطانا ... اقتل شعبا كالعراق تصبح مجاهدا
- قطع الارزاق ومن ثم الاعناق .....رسالة مفتوحة الى السيد نوري ...
- هل مشكلة الكورد الفيلية في الجنسية؟
- الثقافة في العراق على أعتاب عام جديد
- هواجس الكتابة في الحوار المتمدن
- تضارب المصالح الأمريكية-الروسية في القوقاز
- حرية المرأة في العراق وأثرها في المنطقة
- انتخاب أوباما وأوهام التغيير
- هل ستساهم روسيا في تقسيم جورجيا؟
- هل يمكن للنظم العربية ان تؤثر في السياسة الأمريكية؟
- حرب القوقاز وعسكرة البحر الأسود
- حرب القوقاز من وجهة نظر الإدارة الأمريكية
- حرب القوقاز وأثرها على أذربيجان
- نظام الأمن الجماعي في القوقاز... بين الفكرة والتطبيق
- العلاقات الجورجية - الأبخازية
- خط الأنابيب باكو-جيهان وحرب القوقاز


المزيد.....




- الساحل الشمالي بمصر يستقطب نجوم العالم.. وفيتالي لـCNN:سأعود ...
- عبر ستار أسود على معروضاته.. متحف بريطاني يسلط الضوء على انق ...
- جولة داخل ورشة صانع سفن يقضي وقته بصناعة قوارب لن تبحر أبداً ...
- الرئيس السوداني المعزول عمر البشير يمثل أمام القضاء لبدء محا ...
- إرجاء حل المجلس العسكري وتشكيل مجلس السيادة في السودان
- شاهد: نصبٌ تذكاري وحفلُ تأبين في وداع أول أنهار آيسلندا الجل ...
- بريطانيا في اليمن؟ محققون أمميون يعثرون على شظايا قنبلة بريط ...
- فن الرمال الساحر يستغرق ساعات ويمسحه الموج في ثوان
- الأمير أندرو -منزعج- من الزج باسمه في قضية جيفري إبستين
- شاهد: نصبٌ تذكاري وحفلُ تأبين في وداع أول أنهار آيسلندا الجل ...


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ملف: الانتخابات والدولة المدنية والديمقراطية في العراق - دياري صالح مجيد - جغرافية الانتخابات في العراق بين الحتمية والامكانية