أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - يوسف محسن - المفكر ميثم الجنابي : في فتح النقاش والجدل بشأن الظاهره الصدامية ( 2 )















المزيد.....

المفكر ميثم الجنابي : في فتح النقاش والجدل بشأن الظاهره الصدامية ( 2 )


يوسف محسن
الحوار المتمدن-العدد: 2926 - 2010 / 2 / 24 - 00:08
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


المفكر ميثم الجنابي
في فتح النقاش والجدل بشأن الظاهره الصدامية ( 2 )
ملاحظة : جزء من كتاب بعنوان (تشريح الظاهرة الصدامية ) سوف يصدر قريبا في بغداد
تقديم وحوار : يوسف محسن

• هل نستطيع وضع تعريفا خاصا بالتوتاليتارية الأوربية، وصالحا للاستعمال في نفس الوقت تجاه الظاهرة التوتاليتارية العراقية؟
تفترض الإجابة على هذا السؤال الانطلاق من تحديد ماهية التوتاليتارية وخصائصها وسماتها وتفحص مقدماتها وأصولها لكي يكون بإمكاننا رؤية الحصيلة النظرية بهذا الصدد. عندها يمكنني تحديد موقفي من "التوتاليتارية الأوربية" بمختلف أشكالها، وبعد ذلك إلى ما غيرها.
وسوف لن أتوقف عند الجدل المتعلق بدقة هذا المصطلح من عدمه وعما إذا كان يفي بالغرض أم لا، كما قال بذلك كثير من المفكرين والباحثين أمثال غيدنس وشابيرو. فهي أمور لا تغني البحث كثيرا. بمعنى إنني سآخذه كما هو بوصفه مصطلحا "شائعا" ومعبرا عن ظاهرة فريدة لها خصائصها وتاريخها الذاتي في العالم المعاصر.
فمن حيث المصطلح ليست التوتاليتارية سوى الصيغة المعربة للكلمة اللاتينية totalitas، أي الكل أو الامتلاء. أول من استعمله في ميدان العلاقات السياسية موسوليني. فقد استعمل هذا المصطلح الذي بلوره المفكر السياسي الايطالي جوفاني جينتيلي، الذي انطلق من الفكرة القائلة، بأنه لا حدود ولا أماكن لا يحق للدولة التدخل بها. وان الدولة التوتاليتارية هي تجسيد للروح الأخلاقي للشعب، مع ما يفرضه ذلك من ذوبان الفرد في البنية العامة للدولة وحركاتها السياسية.
غير أن التوتاليتارية، بوصفها ظاهرة تاريخية سياسية فكرية وثقافية ظاهرة غاية في التعقيد. لكنه تعقيد يختبئ وراء ملامحها الجلية والبسيطة! وفي هذا تكمن دوما خصوصية الظواهر الكبرى. إذ ليس هناك من ظاهرة لعبت هذا الدور المأساوي والعنيف في التاريخ الحديث والمعاصر أكثر مما لعبته الظاهرة التوتاليتارية. انها صنعت بقدر واحد "بداية" و"نهاية" التاريخ المعقد للقرن العشرين. إذ احتوت بقدر واحد على "أمل" التاريخ ومأساة الوجود. وما بينهما تراوحت حصيلة تاريخ الحداثة وخاتمته. مع ما في ذلك من كمون هائل للاحتمالات القائمة في العولمة المعاصرة، باعتبارها مرحلة البدائل الكبرى.
وفيما لو أهملت هذه الجانب، رغم ما له من أهمية بالنسبة لفهم خصائص "المشروع الكوني" للنزعات التوتاليتارية الكبرى" ومن ثم أثرها بالنسبة لمصيرها التاريخي في مواجهة المسار الطبيعي التاريخي للعولمة، فان التوتاليتارية كانت وما تزال تحتوي في أعماقها على احتمال التشويه والتخريب الفعال للبحث عن بدائل عقلانية. من هنا عدم دقة الفكرة السائدة في تحديدها للتوتاليتارية على انها مجتمع عقلاني – تكنوقراطي مغلق، ينزع من الإنسان إنسانيته. انها تحتوي دون شك على عناصر عقلانية جزئية بمعنى معارضة للدين والتدين، لكنها لا تقل عنها "كفاءة" في تصنيع الإيمان القهري! أما نزعها لإنسانية الإنسان فهو احد نتائجها الملازمة بسبب سيادة فكرة الواحدية الأيديولوجية التي تقترب من حيث نيتها وغايتها ووسيلتها بنفسية وذهنية العبودية القديمة.
وضمن هذا السياق يمكن الإقرار العام بالفكرة القائلة، بان التوتاليتارية ظاهرة سياسية واجتماعية وثقافية خاصة، بوصفها الصيغة القادرة على اختبار مختلف المنهجيات النظرية في الموقف من ماهية التوتاليتارية وتحديد خصائصها ونقدها الفكري والسياسي. وقد يكون التيار الروسي النقدي في موقفه من التوتاليتارية الأكثر قربا من فكرة التحليل المنهجي السياسي والثقافي للظاهرة التوتاليتارية بوصفها ظاهرة ثقافية – سياسية، كما نلمحها في مواقف وأراء كل من بيردياييف، وبولغاكوف، ونوفوغورودسيف، وستروفه، وفيودوروف، وفرانك وغيرهم. إذ اجمعوا بصورة عامة على ربط ظهور التوتاليتارية بطبيعة الأزمة العامة للحضارة الأوربية الغربية وكيفية انكسارها في الواقع الروسي. إذ وجدوا في الماركسية تعبيرا عن هذه الأزمة وتمثلا لها. كما أن روسيا أصبحت حقلا تجريبا لهذه الأزمة المزدوجة (الأوربية الغربية والروسية في ميدان الثقافة والسياسة). إذ جرى تجريب فلسفة الأزمة (الماركسية في واقع روسيا المتأزمة، بوصفها "الحلقة الأضعف" في سلسلة الأزمات الأوربية بداية القرن العشرين. فقد أدت الأزمة الاجتماعية الثقافية الروسية إلى انتصار الدكتاتورية البلشفية المتلبسة بهيئة دكتاتورية التوتاليتارية. وهي الفكرة التي قال بها بيردياييف ثم أيدها في وقت لاحق كل من فيودوروف وستروفه. إذ أكد فيودوروف على أن طبيعة هذه الأزمة في ظروف روسيا هي نتاج لديناميكية الغربنة الأوربية وانحلال العلاقات التقليدية مع ما ترتب عليها من تشوه في الوعي الاجتماعي وتشوش في الرؤية السياسية والاجتماعية والثقافية.
بعبارة أخرى، إن التيار الروسي في تحليله لماهية التوتاليتارية ودراسة أسباب ظهورها ونقدها انطلق من مواقفه الخاصة تجاه مظهرها الروسي. بمعنى أن مواقفه كانت محكومة بمعايشته لمصير الدولة والنظام السياسي والأمة الروسية التي تعرضت إلى أول تجريب خشن للنزوع التوتاليتاري. وهي الحالة التي وجدت تعبيرها النقدي ايضا فيما يسمى بتقاليد معارضة اليوطوبيا في الإبداع الأدبي والفني كما نراه على سبيل المثال في أولى المحاولات التاريخية الساخرة والعميقة في كتابات زامياتين (نحن) 1920، ورواية بولغاكوف (قلب كلي) 1924، وما تبعها لاحقا بعد عقود من الزمن كما هو الحال في رواية جورج اوريل (1984) التي كتبها عام 1948.
لكننا حالما ننتقل إلى ميدان الفكر السياسي والاجتماعي والفلسفي، فان انعكاس فهم مقدمات ومضمون الظاهرة التوتاليتارية ونقدها يأخذ بالبروز مع ثلاثينيات القرن العشرين، كما هو جلي على سبيل المثال لا الحصر في كتاب اورتيغا – إي- كاسيت (انتفاضة الجماهير) الصادر عام 1930. فهو من بين أوائل من تكلموا عن ظهور "الإنسان الجماهيري" المنظم على أساس أيديولوجيات كارهة وعصبية. غير أن المزج التام بين تحليل مقدمات ظهور التوتاليتارية ونقدها يبدأ بالتراكم مع كتاب هكسلي (حول العالم الغريب الجديد) الصادر عام 1932. إذ نعثر فيه هنا للمرة الأولى على تحديد ماهية النظام التوتاليتاري على انه مجتمع عقلاني تكنوقراطي مغلق، يحول الإنسان إلى مسمار في آلة الدولة تفقده إنسانيته. كما انه مجتمع ونظام يقتل القيم الإنسانية من حب وفنون ودين. في حين ربط هايك في كتابه (الطريق إلى العبودية) الصادر عام 1944 ظهور التوتاليتارية بالاتجاهات الاشتراكية المعارضة لليبرالية، أي تلك الاتجاهات التي رفضت فكرة القيمة المطلقة للفرد والشخصية الإنسانية، بحيث جعلت من الإنسان مجرد أداة لغاية أسمى! وهو الاتجاه الذي عمقه الفيلسوف بوبر لاحقا في نقده للتوتاليتارية كما وضعه في كتابه (المجتمع المفتوح وأعداؤه) الصادر عام 1945، أي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وصراع التوتاليتاريات الدامي. إذ انطلق من مقدمة فكرية تقول، بان التوتاليتارية ظاهرة قديمة. وأنها موجودة في "المجتمع المغلق" في معارضة المجتمع المفتوح. والمقصود بالمجتمع المغلق هو البنية التقليدية البدائية القبلية. وإذا كان مضمون الثورة التاريخية الكبرى للإنسانية يقوم في تأسيس الانتقال من المجتمع المغلق إلى المجتمع المفتوح، فان التوتاليتارية الجديدة هي رجوع إلى المجتمع المغلق. انها تتمثل نفسية الرجوع إلى المغارة وسيادة الانغلاق عبر إرساء أسس السيادة المطلقة للدولة. بحيث نراه يجد فلسفة أفلاطون السياسية مصدرا فكريا أساسيا للتوتاليتارية، انطلاقا من فكرة أفلاطون القائلة، بان العدالة هي ما يفيد الدولة ويستجيب لمصالحها. وبالتالي ليست فلسفة أفلاطون بهذا الصدد سوى احد نماذج الهندسة السياسية الاجتماعية الطوباوية. والطوباوية تؤدي بالضرورة إلى العقائدية الجزمية. بينما المهمة تقوم ليس في إسعاد البشر بل في تخفيف معاناتهم. بينما اعتقد كانيتي بان التوتاليتارية هي اقرب ما تكون إلى تمظهر مكثف لصيغة أولية نموذجية تعيد إنتاج نفسها في الوعي والسلوك العملي. وهو تفسير نفسي اجتماعي كما لو انه يريد القول، بان التوتاليتارية موجودة في النفس البشرية وأنها قديمة شأن كل مظاهر السيطرة والخضوع والهيمنة والتحكم. بينما وجد توينبي في التوتاليتارية بديلا وتعويضا عن الدين.
أما حنة اريندت، ، فانها قد تعرضت إلى ظاهرة التوتاليتارية بصورة محترفة وموسعة منذ وقت مبكر، أو بصورة أدق بعد بروز اغلب معالمها بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وسقوط النازية والفاشية. ففي كتابها (اصول التوتاليتارية) الصادر عام 1951 يمكننا رؤية ملامح النازية الألمانية بوصفها النموذج "الأرقى" للتوتاليتارية. وكتابها كما أشرت لا يتسم بمنهجية عميقة ومتجانسة، لكنه يحتوي على تصوير دقيق ومتوسع لمظاهر التوتاليتارية الألمانية وتقديمها على انها نموذج شامل . وهو تحليل ونقد لا يخلو من ردود الفعل النفسية والأخلاقية عما في النازية من إفراط في إرساء أسس المنظومة التي "تفقد الإنسان من إنسانيته" وتجعله عنصرا فعالا في "جمهور" أو "رعاع" مبتهج ومتحمس فيما تقوم به الدولة من جرائم تجاهه وتجاه الجميع. من هنا فكرتها عما تدعوه بالطابع المجرم للنظام التوتاليتاري وقدرته في الوقت نفسه على حصول تأييده الجماهيري. الأمر الذي يجعلها تتكلم عن أن اصول التوتاليتارية تقوم في تحول الطبقة (الاجتماعية) إلى جمهور (رعاع) في المرحلة الامبريالية. والرعاع ليس ما هو متعارف عليه، بل ظاهرة اقرب ما تكون إلى رعاع جمعي، أي رعاع من كافة الفئات والطبقات. وهي ظاهرة تبلغ ذروتها في التقاء الرأسمال والرعاع. فالرأسمالية تقضي على الطبقات وتجعل الجميع رعاعا (نزع الطابع الطبقي)، مع ما يترتب عليه من تهشيم وتدمير للتمايز الاجتماعي والفئوي للبشر بوصفها المقدمة الاجتماعية الضرورية لتمثيلهم السياسي في مؤسسات حقوقية. من هنا غياب وتلاشي الحرية السياسية. وهي الحالة التي تجعل من المكن فكرة القائد والزعيم الضروري. مع أن زعماء التوتاليتارية لا يختلفون عمن سبقهم. والفرق فقط في سيطرتهم الشاملة. إذ ليس في الزعامة التوتاليتارية كاريزما (حسب الطريقة الفيبرية). أما شخصية هتلر فإنها لا تتمتع بقوة الكاريزما بقدر ما كانت تقوم في قدرته على خداع القوى المعارضة من خلال نظرتهم إليه باعتباره ديماغوجيا. كما أن ستالين لم يكن شخصية كاريزمية ويفتقد إلى ابسط قدرات الخطابة. إن الجوهري بالنسبة لصعود التوتاليتارية هو "الجمهور" أو "الرعاع" من خلال استنادهما إلى الدعاية والتنظيم، اللذين يتوقفان بدورهما ايضا على "الجمهور". غير أن فاعلية الدعاية تعمل حالما يصبح الشعار السائد هو "إرادة القائد – قانون الحزب". وكذلك سيادة واستحواذ الأيديولوجية على عقول وأفئدة الجماهير من خلال توظيفها الدائم والشامل. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الأيديولوجية هي أداة سياسية وليست معرفية. من هنا قيمة وفعالية المنظمات الأيديولوجية (المؤدلجة) والتنظيم الهرمي الصارم في الإدارة والمنظمات المحكومة بقاعدة "من ليس معنا فهو ضدنا"، أي كل ما يتوج الخطاب التوتاليتاري باعتباره خطابا لا عقلانيا.
إننا نقف هنا أمام تنوع كبير ومختلف لكنه يكمل احده الآخر فيما يتعلق بتحديد مقدمات وماهية التوتاليتارية. لكن الدراسات والأبحاث تجمع فيما يتعلق بتحديد سمات التوتاليتارية باعتبارها ظاهرة مميزة للقرن العشرين. وفيما لو أجملنا نتائج مختلف الدراسات والأبحاث المحترف بهذا الصدد فمن الممكن إجمالها بست سمات كبرى وهي: نظام وسيادة الحزب السياسي الواحد، النظام الدكتاتوري، التحكم العام والصارم للدولة في كل جوانب الحياة الفردية والاجتماعية والسياسية والروحية، استعمال العنف المنظم والشامل (العنف الجماعي والسياسي)، والأيديولوجية الواحدة الشاملة (الحكومية) المتحكمة في كل شيء، وأخيرا الزعامة المطلقة المعصومة للقائد الفرد الفذ.
مما سبق يتضح بأنه لا اتفاق جوهري حول ماهية التوتاليتارية، إلا فيما يتعلق بالحصيلة المتعلقة بسماتها، التي يمكن وضعها في تحديد ماهية التوتاليتارية. وهي سمات دقيقة وتعمم في الواقع الصفات الجوهرية الكبرى المميزة للتوتاليتارية "الأوربية" وغير الأوربية، بما في ذلك "العراقية". إلا أن المضمون الأعمق وراء هذه "الوحدة" تكمن في الاختلاف التاريخي والثقافي والسياسي الفعلي القائم وراء ظهور نماذج توتاليتاريات مختلفة ومتباينة، بما في ذلك بالنسبة لآثارها اللاحقة على الدولة والأمة والثقافة. وهي قضية شائكة وكبيرة لكنني سوف اكتفي بوضع أسس الرؤية المنهجية العامة لمقدمات وماهية "التوتاليتارية الأوربية" ونماذجها المختلفة (الشيوعية والفاشية والنازية) و"العراقية". ذلك يعني إننا نستطيع الحديث عن "توتاليتارية أوربية" غير أن لكل منها خصوصيته القومية والأيديولوجية والاجتماعية. وهي خصوصية تجعلها أحيانا مختلفة ومتعارضة بل ومتضادة. لكن ذلك لا يتعارض مع التقائها الجوهري فيما يمكن دعوته بالمرجعية الخفية الكامنة وراء هذا التباين، ألا وهي مرجعية "فكرة البدائل الشاملة". فالتوتاليتارية هي فكرة "البديل الشامل"، وبالتالي فهي فكرة بدائل الواحدية العقائدية والسياسية. وإذا كان نشوؤها وتكاملها النظري (الأيديولوجي) قد برز في النصف الأول من القرن التاسع عشر، فان النصف الأول من القرن العشرين هو زمن تجسيدها العملي. ذلك يعني أن قرنا من الزمن (البيان الشيوعي عام 1948) وظهور "المعسكر الاشتراكي" والإزالة التامة لمشاريع البدائل المنافسة (الفاشية والنازية) للشيوعية الستالينية (1948). وللاستطراد فقط أود الإشارة هنا إلى ظاهرة تستحق البحث ألا وهي أن هذا "القرن" كان أيضا زمن الصيرورة الخفية للمشروع الصهيوني وظهور "إسرائيل" بوصفها الضريبة التي حصل عليها اليهود مقابل "جرائم النازية" فقط!).
وعندما نضع هذا "القرن" الزمني ضمن سياق تحديد ماهية ومقدمات ظهور التوتاليتارية الأوربية، فان "مأثرته" بهذا الصدد تقوم في انه زمن الصعود العارم للفكرة الراديكالية على ضفاف التيار الليبرالي العقلاني السائد للرأسمالية. ومن ثم لم تكن الراديكالية الأوربية في الواقع سوى الوجه الآخر للمرجعيات المتحكمة في آلية بلورة وفاعلية الليبرالية الأوربية. فقد صنعت الأخيرة في مجرى تطورها مرجعية "الأوربية المركزية" ووضعتها بوصفها جزءا من التطور التلقائي الأوربي في صلب رؤيتها لبدائل الكونية. وهي بدائل كانت تتسم في مجرى قرون عديدة بالدموية والعنف المصدر للخارج. فقد جرى التنفيس عنه بإبادة شعوب وقارات واحتلال هو الأقسى والأعنف في تاريخ البشرية. وهذا بدوره لم يكن إلا الوجه المحسن بسبب فاعلية الفكرة الليبرالية والربح المادي من سحق رياء وتناقض المهمة "الأخلاقية والروحية" للكنسية، بوصفها "مركز الوحدة الأوربية". بعبارة أخرى لقد استعاضت الليبرالية الأوربية مركزية بديلها الاقتصادي الاجتماعي والثقافي مركزي الكنيسة الروحية العقائدية. أما الراديكالية الأوربية فقد تكاملت أيديولوجياتها الكبرى من خلال نفي الليبرالية والكنسية. مما كان يحتوي في أعماقه على مركزية المادة والروح. وهو الشيء الجوهري الذي صنع بوعي ودون وعي آلية التوتاليتارية التي وجدت منفذها في مجرى الأزمات الكبرى للدولة والأمة والثقافة بهيئة بدائل كبرى للدولة والأمة والثقافة. فقد أخذت الراديكالية الأوربية رحيق الأنساق القائمة في وعي ولاوعي المركزية الأوربية، بوصفها الوجه الجديد لتقاليد الكنيسة الكاثوليكية (العالمية). فقد ظلت وما تزال تقاليد الكنيسة النصرانية ونظامها المختزن في دهاليز اللاوعي الثقافي (منظومة التحكم والسيطرة الكنسية) كامنة في وعي ولا وعي الثقافة الأوربية السياسية، رغم تعرضها الشديد للنقد والتثلم. وقد يكون تطويع وتأويل تقاليد وتاريخ اليونان والرومان والكنيسة الكاثوليكية من اجل بلورة "بديل" قومي – أوربي – عالمي احد أمثلتها الظاهرية. فقد بدأ "بالاكتشافات الجغرافية" وانتهى بالكولونيالية. وعملت في مجرى قرون من اجل أن تكون "الأوربية" عالمية. ومن هذه الذروة انطلقت الراديكاليات الأوربية الكبرى من شيوعية وفاشية ونازية. والفرق بينهم بهذا الصدد يقوم في أن نفسية وذهنية الهيمنة تعتمد في الشيوعية على "الطوعية" (مع انها كانت مبنية من حيث يقينها السياسي الأيديولوجي الأول على فكرة "الثورة العالمية" و"تصدير الثورة") والإكراه بالقوة والعنف والإرهاب القومي والعرقي الأسطوري في الفاشية والنازية. الأمر الذي يعطي إمكانية القول، بان فكرة المركزية العالمية التي حكمت الكنيسة والليبرالية الأوربية والراديكاليات الكبرى الدائرة فيما يمكن دعوته بفلك قوة المثال ومثال القوة، هي المرجعية الكامنة والخفية وراء صعود "التوتاليتارية الأوربية". وخصوصية كل منها تقوم في شراسة فعلها المنظم من اجل صنع مجتمع تجريبي تكنوقراطي مغلق لا يخلو من عقلانية لكنها شكلية وجزئية. وذلك لان التوتاليتارية "تراكم" في شحذ فكرة وهواجس "الوحدة" المطلقة. من هنا إمكانية جمعها بين كل العناصر المتناقضة من غضب السفهاء إلى حلم الأنبياء! وفي هذا تكمن خطيئتها الفكرية والروحية. إن التوتاليتارية خطيئة وليس خطأ! وهي الصفة التي تجسدها كل توتاليتارية بطريقتها الخاصة. ولا تخرج "التوتاليتارية العراقية" (البعثية الصدامية) عن هذا التحديد الصارم، كما هو الحال بالنسبة للتوتاليتارية الشيوعية (الستالينية) والايطالية (الفاشية) والألمانية (النازية).





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- الهيمنة الذكورية كبنية سوسيو – ثقافية
- الجسد بوصفة سؤال سلطة المعرفة
- التس المفاهيم معرفيا ( الاسلام / الحداثة )
- داريوش شايغان: مكر الحداثة
- آريون وساميون ثنائية العناية الالهية
- ايقونة اوباما
- دائرة التخارج اصلاح ديني ام اصلاح سياسي ؟
- الحركات العلمانية في العراق
- الاخفاق في صناعة سرديات الذاكرة المؤسسة للمخيال السياسي العر ...
- ماهية الاسطورة المؤسسة للمخيال السياسي العراقي؟
- الجماعات الدينية العراقية سوسيولوجيا
- التوافقية ديمقراطية تمثيلية ام ديمقراطية محاصصة ؟
- المخيال الكولونيالي
- الرواية نواة السرديات الكبرى علي بدر انموذجا
- صباح العزاوي الشاعر الهارب نحو حافات الجنون
- د عقيل الناصري : الارث الفلسفي والسوسيولوجي والثقافي يلعب دو ...
- لوطنة العالم
- الذاكرة الموتورة ....... اشتغال السياسي ومركزته في الثقافة ا ...
- منتظر الزيدي والمخيلة الجمعية وهوس صناعة البطل
- الدين / الديمقراطية التباسات العلاقة في المجال الاسلامي


المزيد.....




- ما هي قصة سفن الأشباح على شواطئ اليابان؟
- إسطنبول تغير أسماء شوارعها بسبب غولن
- ما الذي دفع ترامب لشكر نظيره بوتين هاتفيا رغم خلافاتهما؟
- برّي و-خبرته- ببحصة الحريري!
- أسر ضحايا الماليزية المفقودة يوجهون أصابع الاتهام إلى بوينغ ...
- لكزس تطرح نسخة خارقة من -LC500-
- مجلس الاتحاد الروسي يحدد يوم 18 مارس المقبل موعدا لإجراء الا ...
- أنباء من اليمن: العميد طارق صالح على قيد الحياة!
- الحوثيون: إتهام إيران بإمدادنا بصاروخ لاستهداف السعودية محاو ...
- اليابان توجه ضربة جديدة لنظام كوريا الشمالية


المزيد.....

- ثورة في الثورة / ريجيە-;- دوبريە-;-
- السودان تاريخ مضطرب و مستقبل غامض / عمرو إمام عمر
- انعكاسات الطائفية السياسية على الاستقرار السياسي / بدر الدين هوشاتي
- لماذ الهجوم على ستالين... والصمت المطبق عن غورباتشوف ؟ / نجم الدليمي
- التنمية الإدارية وسيكولوجيا الفساد / محمد عبد الكريم يوسف
- كتاب أساطير الدين والسياسة-عبدلجواد سيد / عبدالجواد سيد
- اري الشرق لوسط-تأليف بيتر منسفيلد-ترجمة عبدالجواد سيد / بيتر منسفيلد--ترجمة عبدالجواد سيد
- كتالونيا والطبقة والاستقلال / أشرف عمر
- إسرائيل القديمة: حدوتة أم تاريخ؟؟ / محمود الصباغ
- العلمانية وحقوق الإنسان / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - يوسف محسن - المفكر ميثم الجنابي : في فتح النقاش والجدل بشأن الظاهره الصدامية ( 2 )