أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مفيد مسوح - موسم العـز






















المزيد.....

موسم العـز



مفيد مسوح
الحوار المتمدن-العدد: 884 - 2004 / 7 / 4 - 06:24
المحور: الادب والفن
    


مهرجانات بعلبك الدولية - 1960

د. مفيد مسوح

الإهداء:
إلى زوجتي الغالية
رفيقةِ أيامي ..
بعِزِّهـــا ..
وبعَصْـفِ ريحِهـــا
الملحمـة الفولكلورية الرحبانية
مَوســــم العـــــــزّ
مزامير للعمل والحب
أبو ظبي - 2004 د. مفيـد مســوح


ـ ياشبـاب .. وْقـََـفو شوي ..
أنا بدي شيل مع أهل العريس

مسرعين ودون أيِّ ترددٍ يتحرك جميع المتوجسين لينهوا مشهد الحزن البالغ الذي خيَّم على الساحة قبل لحظات فتزول علائم الخيبة والوجوم التي اعترت وجوه أبناء وبنات الضيعة ورجالها ونسائها ومعهم الزوار أهلِ العريس، الذي سبَّبَ فشلُه بـ (شَيْل القـَيْمة) اضطرار المختار التوجهَ إلى العروس (نجـلا) بلهجة غنائية حزينة تكتنفها الحيرة والانكسار:
- نجـلا !! .. نحنـا بدنــا نبقى هـَونْ .. روحـي وحدك !!

ولم يخفِ الجمع تعجباً كبيراًً ولـَّدتـْه تلك المبادرة من قبل الشخص القادم، ولم يكن حضورُه متوقعاً ولكن فرحتهم بالنتيجة السعيدة أبطلت العجب وأرجأت الاستغراب إلى حين، لمناقشاتهم اللاحقة بعد أن تستتبَّ الأمور .. فالمهم أن يبقى العرسُ عرساً!

رفْعُ العريس للـ (قـَيـْمة) باليدين إلى أعلى الرأس استعراضاً لفتوته وقوته أمام الحضور قبيل العرس شرطٌ للاستمرار بطقوسه وفرحه لا يجوز التنازل عنه أو المساومة به.
يعود هذا التقليد إلى مئات السنين وربما الآلاف .. وكون غالبية الناس من أهل المدن أو الجيل الشاب حتى من أبناء القرى لا يعرفونه، لا يعني أنه كان محدوداً فيما مضى .. فقد اعتاد أهل القرى في بلاد الشام في مئات السنين الماضية على ربط أفراح أعراسهم بمواسم جَنْي المحاصيل التي تأتي غالباً في فصلي الربيع والصيف وعلى تشكيلِ هذه الأفراح بطقوس جميلةٍ ذاتِ دلالات، فامتحان قدرة الفتيان على رفع أثقالٍ، قد تطالبهم الأيام والظروف بالتعامل معها أو مع أثقلَ منها، يُطمْئِن الأهلَ بأن أولادهم أصحاء أقوياء وهم رجال المستقبل ..
مباريات رفع هذه الأثقال لها من الأهمية ما تحظى به المواسم والبيت والتربية بأشكالها من عناية وهي تتطلب اختياراً دقيقاً لأثقالَ ملائمةٍ من حيث الشكل والوزن .. ومما يزيد من جمالية هذا الطقس أن (القـَيْمة) ليست حجراً عادياً عديمَ الفائدة بل هي إحدى مقتنيات البيت المستخدمة في تحضير الطعام (جرن الكبة أو طاحونة الحبوب - الجاروشة) أو في دكِّ تراب السطح دفعاً لتسرب مياه المطر عبر مساماته (المدحلة أو المحدلة بالعامية).
كانت أعراس القرى لا تخلو من تنافس شبانها طيلةَ فترة ما قبل العرس وخلاله .. وتكون مصاحبةً لحلقات الدبكة والتقاول بالزجل (القول) وأشعار المفاخرة والغزل والوصف والحماس إضافة للولائم العامرة بالمآكل التي تأتي التـَبُّولة وأنواع الكِبَّة في مقدمتها وبالمشروبات الروحية المصنوعة محلياً وعلى رأسها العَرق المنزلي الفاخر الـمُثلث التقطير (متلَّت).

طقوس أعراس الضيعة ومواسم جني المحاصيل المرتبطة بحياة الناس والمحاطة بهالات الحب والفرح والسلام والتعاون كانت المواد الثرية التي غَرَف من جرارها الأديبان والفنانان الكبيران الأخوان عاصي ومنصور الرحباني منذ أواخر خمسينيات القرن المنصرم ليقدموا لنا وللأدب الإنساني الخالد أعمالاً يفخر بها الوطن وتاريخ الفن فجاء هذا الأدب شعبياً واقعياً صادقاً محفزاً على فعل الخير وحب الوطن والإخلاص لمقدساته وصانعاً للفرح والسعادة ..

من هنـا جاء العمل الرحباني العظيم (موسم العز) الذي قُدِّم في مهرجان بعلبك ثم على مسرح مدينة معرض دمشق الدولي عام 1960 باشتراك صباح ووديع الصافي ونصري شمس الدين وفيلمون وهبي وغيرهم من رواد المسرح الرحباني ومن إخراج الكاتب والمخرج المصري كامل التلمساني (1918-1972).
"موسم العز" باكورةُ الأعمال المسرحية الرحبانية بدأ الأخَوان العبقريان بها المنهجية الواقعية في المسرح الغنائي بديلاً عن اسكيتشاتهم الغنائية السابقة فكانت بداية موفقة جعلت جمهورَهم في البلدان العربية وعلى الأخص في بلاد الشام ينتظرون جديدَهم كلَّ عام في مهرجانات بعلبك الدولية ومهرجانات الأنوار ومعرض دمشق الدولي أو حفلات كازينو لبنـان أو قصر البيكاديلي في بيروت وغيرها. وقد سبق للرحبانيين أن ظهرا على المسرح الغنائي في أعمال أخرى كان أولها (مهرجان عيد الليمون) الذي أصبح بعده عيداً وطنياً .. لقد سَجلت أعمالُ الرحابنة وتاريخُهم هاجساً وشغفاً كبيرين لخلق أعيادٍ لفرح الوطن والشعب خارج الإطار الديني ومفاهيم العيد التقليدي الانعزالي!
محور هذا العمل الرائع والفريد من نوعه هو الحب والعمل في الضيعة اللبنانية النموذجية التي تكونت لدى أهلها عبر التاريخ تقاليدُ العمل الجماعي المنتج المرتبط بالأرض وباحتياجات الناس وبحياتهم ومشاعرهم وفنهم. وفي الحقيقة فإن ما يميز أدب الضيعة اللبناني على وجه الخصوص ارتباطه المتين بالطبيعة ومكوناتها الجميلة المتوفرة بكثرة في القرى الجبلية ذات التضاريس المتنافرة والمتنوعة والملونة والتي تتآلف عناصرها من جبال شاهقة صخرية ومكسوة بغابات الأرز والسنديان أو ببساتين الأشجار المثمرة إلى الوديان الجافة ووديان الأنهار المحاطة بالأشجار المتنوعة والسهول المزروعة والشطآن الصخرية الجميلة وضيوف كل هذه الأماكن من الطيور المتنوعة والحيوانات الأليفة إلى السمـاء الفسيحة وغيومِها تتعانق بحنان مترف معها قممُ الشوامخ من جبال لبنان الأخضر البديع.
في هذه الضيع تعلَّم الأهالي على مر العصور كيف يقاتلون الصخر لتمهيد الأرض وتنظيم الحقول ومواسمها وزرعها بما يفيدهم من نباتات وأشجار وتعلموا كيف يحافظون على صداقتهم الروحية والمادية مع طبيعةٍ انعكس جمالها على مفردات الناس وأدبهم وطقوسهم وعاداتهم وملامح الطيبة والود والجمال في وجوههم بأصدق التجليات، فكان الإنسان اللبناني الخلاق والمبدع والذي ما أن يلتقي بالجديد ويتقبلَه ويستوعبَه ويلمَّ بتفاصيله حتى تولدَ من داخله فكرةُ الإبداع الأجـدِّ والأفضل في أسفارٍ لا تنتهي، مداها الزمن كلُّه ومحطاتُها عتباتٌ تتلألأ عزاً وشموخاً وكبرياء في كل صفحات التاريخ الإنساني.
فلقد عرف لبنان في مراحل باكرة جداً صناعة الحرير من شرانق دود القز والتي خرجت أسرارُها بأعجوبة من الصين، بلدِ الحرير الأول في التاريخ والذي تكتَّم على هذه الأسرار على مدى قرون طويلة قبل أن تتكشَّفَ حقيقةُ هذا الخيط السحري لشعوب الشرق الأخرى وتصلَ بعدها إلى سوريا القديمة، حيث أظهر نسَّاجوها في ذاك الزمن مهارةً فائقة في تربية دود القز وصناعة الحرير وغزلـه وتلوينه، وغطَّت بساتينَ القرى اللبنانية والسورية أشجارُ التوت بأوراقها الخضراء النضرة، غذاءِ دودة القز، صانعةِ خيط الحرير الرائع.
ومن سوريا وساحلها النشيط انتشرت تربية القز وصناعة الحرير لتعمَّ البلدان الأوروبية.
في ظل النظام الإقطاعي المسيطر على الأراضي والصناعات المرتبطة بالمنتوجات الزراعية كانت صناعة الحرير حكراً على كبار الملاك ورجال السياسة الذين تحكَّموا بالفلاحين ومربِّي القز وكرَّسوا هيمنتهم الاقتصادية والاجتماعية واستغلالَهم للعاملين في هذه الصناعة الذين بقوا تحت رحمة المتحكمين بصناعة خيوط الحرير وتجارتها وتجارة المنسوجات الحريرية. إلا أن هذا الواقع المرير لم يلغِ استمتاع الفلاحين بعملهم وإنتاجهم وما يحيط بـ (قطف الحرير) و (موسم العز) من قدسيةٍ ومن طقوسٍ محببة ارتبطت بها حالةُ الرخاء والبحبوحة ورافقتها مواسم الفرح والأعراس.
كنا في الطفولة نستمتع إلى حد كبير ونحن نراقب نموَّ شرانق الحرير المنثورة على أوراق التوت النضرة فوق أطباق مصنوعة من شرائح القصب اليابس أو قش الحنطة أو خليط التبن مع روث البقر، محاطةٍ بأغصان (الشـِّيح) لتأمين الدفء اللازم لتسلق وعمل الشرنقة الذي أثار إعجابنا ..
يرقات القز تلتهم ورق التوت بشراهة وتفرز فيه لعابَها السحري الذي يتحول لدى ملامسته الهواء إلى خيط يلتف حول اليرقة مشكلاً الشرنقة البيضاء ذات الشكل البلحي. انهماك اليرقة بأكل أوراق التوت وإنتاج الخيط يُرهقـُها، لذا فهي تمر بفترات هدوء واستراحة يسمونها (الصَوم) .. ومن فمها يخرج عند إنتاجها للخيط 2.5 ميليمتراً في الثانية دون توقف إلى أن ينتهي عمرها القصير، وتعطي الشرنقة خيطاً يصل طوله إلى مئات الأمتار.
ونحن أطفال كنا نراقب جمع الشرانق في باحات بيوت الضيعة وتجميعها وتسخينها لقتل الفراشات داخل الشرانق وتحضيرها للبيع لتجار ينقلونها إلى دمشق أو بيروت إعداداً لتصديرها إلى أوروبا. كنا نتصور أن ربح هذه الشرانق (الفيالج) لا بد أن يكون كبيراً بالمقارنة مع ما يتطلبه الحصول عليها من جهد ولكن ظنَّـنا خابَ بعد أن أجابتنا مربِّيات القز بأن سعر البيوض المستوردة غالباً من اليابان وكلفة الشرانق النهائية ليست قليلة وأن الحصول على رطل واحد من الحرير يحتاج إلى ما لا يقل عن عشرين ألفاً منها والرطل بالكاد يكفي لصنع عشرة فساتين فقط أو مائة شال نسائي متوسط الطول.
نساء القرية ورجالها كانوا يعتبرون موسم القز مَلِكَ المواسم ويربطونه بالعز والبحبوحة .. البيوت التي اضطرها العجز المادي للاستدانة أيام فصل الشتاء من أصحاب الدكاكين أو المعماريين أو المرابين كانوا يسدون ديونهم من هذه المواسم فتُفرَجُ كرْبـَتُهم ويدبُّ الفرح في نفوسهم .. ومَن دفعت به الضائقة إلى تأجيل عرس ِ مَن بلغَ سنَّ الزواج مِن أبنائه تحققَ أملُه مع موسم القز - موسم العز.
كانت أشجار التوت ذهباً لا تقل قيمته عن القز - الذهب الأبيض - نفسه. بساتين التوت الكثيفة جنائنُ لا تقل جمالاً عن بساتين الكرز والمشمش وبيارات الليمون، سُوِّرتْ للحماية وعُشِّبتْ أرضُها ونُظـِّفتْ أغصانُها ومُشِقتْ أوراقُها الخضراء بعناية لتقدَّم إلى القز المدلل، صاحبِ الفضل على الكثيرين .. من ملوك وسلاطين تفاخروا بأرديتهم إلى التجَّار والصنَّاع وقد ازداد ثراؤهم باحتكار أنواع منسوجاته، حتى الفلاحين والفنانين والنساجين وقد وجدوا فيه مورداً للعيش لا يعلو عليه مورد .. ولا ننسى دلعَ الفتيات والنساء والدُّمقْلسُ الفاخرُ يتراقص على إيقاعات أجسادهن الرشيقة ساتراً حيناً وكاشفاً أحياناً مواطنَ الجمال والفتنة فتتراقص قلوب الفتيان المرهفة تجاوباً مع عيونهم وقد سحرها جمالُ الأجساد البضَّة وزادتـْها سحراً ألوان الحرير الباهية.

العمل في المراحل الأولى للموسم الذي يستمر لمدة شهرين فقط، يقتصر غالباً على النساء اللاتي تبدأ مهمتُهن بنثر البيوض وتأمين الجو المعتدلِ الحرارة الملائمِ للتفقيس وجلبِ أوراق التوت الطرية فقط، فدودُ القز بخلاف الجراد لا يأكل سوى الأخضر الطري، وكذلك باستمرار وحماية الديدان التي سرعان ما يبدأ تكوُّنُها خالقاً مساحات دبيبٍ وحيوية يزداد سحرُها عندما يبدأ نسْج الشرانق البيضاء على خلفيات الورق الأخضر .. فإذا بنا أمام لوحةٍ تزداد الضيعة بها جمالاً ووجوه أهلها بهجة وتفاؤلاً.
أما في مراحله الأخيرة فيتعاون شبان الضيعة وفتياتها، رجالها ونساؤها في جمع الشرانق وقتل الفراشات داخلها بالتسخين بالماء أو بالهواء الساخن أو تحت أشعة الشمس منعاً لهذه الفراشات من ثُقب الشرنقة وإتلاف الخيط الحريري. ثم يقومون بتكديس الفيالج وتصنيفها وترتيبها وتجهيزها للبيع .. طقوسٌ رائعة في العمل والتعاون وتبادل التمنيات الطيبة ترافِقـُها مظاهرُ الفرح من حلقات الدبكة والغناء والضيافة والمبارزات إلى إشهار علاقات الحب أو إعلان الخطوبة أو تحديد مواعيد الأعراس ..
هذه الضيعة بطبيعتها الساحرة وأهلها المتحابِّين عشاقِِ العمل والغناء والرقص وطقوس قطف الحرير كانت المسرح الذي ألهم الرحابنة لإخراج رائعتهم مزاميرَ للعمل والحب وهم في بداية مرحلة تكوين الشخصية الفنية اللبنانية في الأدب الواقعي فجاءت المسرحية نموذجاً مميزاً لهذه الشخصية سيستمر الرحابنة على منواله طيلةَ الحقبة اللاحقة.
تتكون المسرحية من فصلين، بخلاف الأعمال السابقة المؤلفة غالباً من ثلاثة فصول، وقد جاءت بقالب الدراما التقليدية (بداية استعراضية – عقدة – حل ونهاية إيجابية سعيدة) وظَّفها الرحابنة بنجاح كبير في محورين متلاصقين: العمل والحب.
فالضيعة هي مجتمع أبنائها وأهاليها وساحة نشاطات أعمالهم وهمومها وملعب الفتوة والفرح واللهو وحلبة مختلف أشكال المنافسة السلمية وهي مدرسة الحب ورواياته وأشعاره وأغانيه وملتقى العشاق ومَصبُّ مشاعرِهم.
وفي هذه الضيعة تتمثل قيم المجتمع اللبناني في الحياة العملية المنتجة وفي صناعة الفرح والسلم وتكريس حب الوطن والإخلاص له والتفاني من أجل عزته وتقدمه.
بطلة المسرحية (نجلا) أحلى فتيات الضيعة الحالمات بالحب في مواسم الفرح .. صاحبةُ القوام الجميل والوجه الحسن والصوت الرائع الذي طرُبَ به أهلُ القرية في لقاءاتهم وأعيادهم واهتزَّت بسماعه مشاعرُ الشبان الذين حلموا بصاحبته حبيبة ً وشريكة ً في حياتهم. لقد كان اختيار الفنانة (صباح) لدور نجلا موفقاً إلى حد كبير نظراً لما تمتعت به من مهارات في التمثيل والغناء وهي في مجدها الفني المتصاعد ولها من العمل السينمائي والمسرحي في مصر ولبنان رصيدُ أصحاب العروش. وقد سبق أن اشتركت في فيلم كتب حواره مخرج "موسم العز" كمال التلمساني واسمه "سلـِّم عَ الحبايب" قبل سنتين إي في العام 1958 في مصر.
كما أن اختيار وديع الصافي لدور (شاهين) ونصري شمس الدين لدور (المختار - فارس) زاد من غنى ونجاح وشمولية هذا العمل المسرحي المتميز والذي حصد نتائجَ باهرة في حينه بالرغم من أن النسيان طواه فيما بعد فغابت المسرحية حواراً واقتصر تداولُ جمهور صباح ووديع ونصري لأغانيها مسلوخة ً عنها ولم يتناولْها أيٌّ من الكتاب أو النقاد بالدراسة والتحليل .. لقد ظُلم هذا العمل الإبداعي الرائع حتى هذا اليوم .. فتعالوا نعشْ جمالـَه وقيمته بعد أربعة وأربعين عاماً من النسيان ..
أقترح، لتحقيق المزيد من المتعة والفائدة، تكرار قراءة الدراسة إلى جانب سماع الشريط المسجل أو القرص (موسم العز).

ساحة الضيعة تنتظر بعد ظهيرة كل يوم ربيعي وصيفي فتيانَها وفتياتِها وزوارَهم من الضيع القريبة يتقاطرون لتبادل الأحاديث والاستفسارات وعبارات المجاملة والاطمئنان عن الأهالي والمواسم ويتسايرون ويتمشون في دروبها المطلة على الوديان الجميلة او المتوجهة إلى الينابيع يستمتعون بالمناظر الخلابة ويستنشقون هواءها العليل. فإذا جلسوا تلونت حلقاتُهم بمختلف أشكال الفرح والطرب والمفاخرة والتنافس.
تضعُنا المسرحية في مشهدها الأول في ساحة الضيعة التي التقى فيها لإحياء العيد فتيانٌ وفتياتٌ منها مع ضيوفهم من الضيعة المجاورة. لحن الافتتاح تؤديه مجموعة من الآلات الوترية والنفخية والإيقاعية تصاحبها أغنية خفيفة بطريقة الأنشودة تقدم لنا الساحة والعيد وفتيانَ الضيعة وفتياتِها:

العيدْ السَّاحةْ السهريِّةْ تـْطـوِّلْ وتـْزيدْ
الضيعةْ الحلوةْ المضويِّةْ بليلةْ هالعيدْ

تكرر الجوقة هذا البيت كلازمة لعدة أبيات أخرى تصف الضيعة وجمالها والعيد والصبايا بلفتاتهن التي تحمل من حكايا العشق ما تَسعد به القلوب وتحلو به السهرات. وقد جاء اللحن بقالب المارش الخفيف الهاديء المتموج كنسائم الربيع ليتمكن الجمع من الوصول إلى الساحة على نغماته العذبة.
ننتقل بعد نهاية الأغنية التي يشترك الجميع في أدائها إلى صورة انقسام الحضور بمرونة إلى فريقين أحدهما يمثل فتيانَ وفتياتِ الضيعة ومعهم المختار (نصري شمس الدين) وسبْع (فيلمون وهبي) ومخُّول (منصور الرحباني) بينما يمثل الآخر ضيوفـَهم القادمين من الضيعة المجاورة وعلى رأسهم (عبدو)، صاحبُ الشأن في مسرحيتنا، وشاهين (وديع الصافي). يبدأ الحوار التنافسي الجميل بين الفريقين المتواجهين أمام (القـَيْمة) تمْتحنُ قُدُراتِ الفتيان العضلية:
فريق الضيعة: هايدي القَيْمةْ
الفريق الضيف: هايدي القيمة ؟
فريق الضيعة: فيكن ليها ؟
الفريق الضيف: فينا عليها
فريق الضيعة: ونحنا فينا
الفريق الضيف: قيموها
فريق الضيعة: منقيمـا
الفريق الضيف: يـا الله
فريق الضيعة: يا الله ... إي مخُّول هي مخول هي مخول .. يا الله .. هالله هالله هاي !!
الفريق الضيف: قيموها
مخول ينجح وفريق الضيعة يدعو عبدو من الفريق الضيف ليُقيمَها بدوره:
- قرب يا عبدو قيما
- يا الله يا عبدو قيما
(مرْهج يفاجيء الجميع متدخلا):
- ما فيك تقيما يا عبدو
(عبدو متحديا):
- تعا انتَ قيما يا مرْهج
(المجموع مذهولاً):
- مرْهج القلاعي ! .. مرهج القلاعي؟
مرهج يقيم القيمة مستعرضاً قوته ومتباهياً .. ومتحدياً عبدو الذي يحاول ويفشل
- شو يا عبدو؟
- تقيلةْ ومْساقَبْ سهران
- شو يا عبدو؟!
- تقيلة .. ومْساقَبْ سهران

فريق الضيعة يتشفى ويهزأ .. ومخول يتباهى بانتصاره
الفريق الضيف معترفاً بالهزيمة:
- بالقـَيمات
- بالقيمات شو؟
- بالقيمات غْلبـْتونا .. بالقيمات غْلبـْتونا .. تـْعَو تا نْجَرِّبْ عَ الدَّبكة
- عَ الدَّبكة ..
- يا الله .. يا الله ..

فريق الضيعة يبدأ الدبكة مع أغنية (هويدا هويدا لك) يؤديها المختار وشاهين .. والفريقُ الضيف يراقب باستهزاء !

الدبكة في القرى السورية واللبنانية فنٌ شعبي تراثي صاحَبَ أفراحَ الناس كلـِّها منذ أقدم مراحل التاريخ فعبَّروا به عن سعادتهم في مناسبات الحصاد وجني المحاصيل ومواسم الحرير وسلقِ الحنطة وعصر العنب لصناعة العرق والنبيذ إضافة إلى مناسباتهم الدينية والوطنية .. أما أعراسهم فلا تكتمل دون استمرارية حلقاتها لأيام لا تقلُّ عن الثلاثة وتصل إلى السبعة يتكاتف فيها الصبايا والشباب مُظْهرين براعة ً في الحركات المتواترة على إيقاع الطَّبل وأنغام الزَّمْر والمِجْوز وبمصاحبة مغنٍ أو مغنية أو فرقة فتتراقص كلمات أغانيهم الجميلة مع (الدبـِّيكة) في انسجام بديع يحْيي الفرحَ في القلوب والغِبطة في النفوس ويبثُّ الحيويةَ في الأجساد .. حركات الدبكة فنيةٌ تقوم على التوافق الهارموني وتتطلب مهارة ودقة في التجاوب مع الإيقاع وكذلك مع اختيارات قائد الحلقة الذي يأخذ مكانه في أول السلسلة ويكون طرفها الثاني حراً وتتلون حركاته صعوداً ونزولاً وانحناءً ثم امتداداً بفتح الذراعين تعبيراً عن الرغبة في التحليق والامتداد لنشر الفرح والسعادة إلى أوسع مدىً. وللدبكة وفنونِها مصطلحاتٌ خاصة تميزها عن فنون الرقص الأخرى.
التنافس في القدرة على الدبكة على الأنغام الصعبة والإيقاعات السريعة تقليدٌ اعتادت عليه شِلَلُ الشبيبة في القرى وحصل بعضهم بسببها على ألقابٍ مثل (فلان دبـِّيك عَ الأول). للرحبانييَّن فضل كبير في إحياء هذا الفن الرائع وتطويره فقد أسسا الفرقة الشعبية اللبنانية التي كان إحياء التراث مهمتها الرئيسية وقدموا في جميع أعمالهم المسرحية اللاحقة عشرات الدبكات على أغاني فيروز ووديع ونصري وصباح وغيرهم وانتظر جمهور الرحابنة دوماً جديدَهم في هذا المجال وكانت فقرات الدبكة، وهي جزء من مسرحيتهم، محطاتٍ للراحة والتنفس خاصة في أعمالهم الدرامية ذاتِ المواقف الحزينة أو المعقدة دون أن يقلل ذلك من أهمية اعتماد الدبكة وسيلةً تعبيرية استُخْدمت ببراعة في نقل المعنى الدرامي.

يقدم مخول وسبع والمختار وأصدقاؤهم من أهل الضيعة دبكة (هويدا هويدا لكْ يا هويدا هويدا لي // ناركْ وَلا جنِّةْ هَلي) بجدية وبما تتطلبه الدبكة من حيوية .. يؤدي الأغنية شاهين الذي يمثل الطرف المتحدِّي لذا فقد حرص على أن تكون أغنيتُه سريعةَ الإيقاع كيما يصعب على فريق المختار التمشي مع جُملها المتلاحقة كتيارات رياح الغرب فتقلُّ تمايلاتهم وتخفُّ دقَّاتُ أرجلِهم التي تحتاج إلى زمن يسرقه الإيقاع السريع في أبيات شاهين:
يا ويلي ويلي ويلي ويلي قصِّتو شعرا الطَّويل وقصِّي قصِّتو
يا با راحتْ لَبوها وصِّي وصِّيتو يا با شايبْ ما ريدو جوزَ إلي
هويدا هويدا لكْ يا هويدا هويدا لي ناركْ ولا جنِّة هلي ..

ثم:
يا ويـْلي ويلي عَ الحجلْ رقْص الحجل كرْج الحجــلْ
يا حلوةِ اللي عَ الجبــلْ ضلـِّي ضحكـي وتـْدلــــــلي

تليها اللازمة السريعة و(كودا) أظهرت ضعفاً في المهارة عند المختار (الكهل) وجماعته.
فريق عبدو الضيف لم يُعجب بدبكة مخول وسبع والمختار والصبايا التي بدت باهتةً عجز مؤدوها عن متابعة وتلبية الإيقاع السريع في أغنية شاهين. صرخ عبدو ورفاقه منتقدين بتحدٍ:
شو ها الدبكة .. شو ها الدبكة ..
وبتحدٍ يتهيأون:
نحنا ؟! يا الله يا الله ..
الفريق الضيف يشرع في دبكة حماسية على نغمات مجْوز القصب بدون غناء وبمزيد من الحركة والتمايل وخبط الأرجل ..

ويحييهم فريق الضيعة معترفا لهم بالنصر:
- بالدبكة ..
- بالدبكة شو؟
- بالدبكة أنتو غلبتونـا
- هـــاي ...

سبع، وقد عزَّ عليه الانكسار والهزيمة:
شوفو يا إخوان غْلبْنا بالقيمة غْلبْتو بالدبكة .. تعاو تا نْجّرِّبْ بالقول ..
يا انتو بتبكو .. يا ..
الفريق الضيف:
مِنْجرِّب بالقـولْ ..

الذي سيفتتح القول هنا هو الخاسر في جولة الدبكة .. أي فريق الضيعة الذي يمثله المختار (نصري شمس الدين).


التحاور بالصيغ الشعرية فنٌ قديم رافق أفراح الناس ومناسباتِهم الاحتفاليةَ بمختلف أنواعها فحظي على حب المستمعين وإصغائهم إليه وتفاعلهم معه. وقد تطور الشعر الشعبي، الذي بقي حياً في حياة السوريين عبر العصور، بفضل مُحْدثين متبنِّين للتراث الشعري والأدب الشعبي وكان الرحابنة َ بعضُ هؤلاء، فقد أدخلوا في أعمالهم الدرامية عناصر هامة وشيِّقة من مخزونات الشعوب التراثية بعد تهذيبها وتلوينها واستخدام القوالب الحديثة والتصرف أيضاً بالكلمات. والحقيقة أن ذاكرةَ الشعوب في الوطن السوري الكبير كانت أمينةً لهذا التراث عبر الأجيال فبقيت ألوانُه عامة والشعريةُ منه على وجه الخصوص الزادَ السخيَّ للتعبير بصدق وقوة وجمالية عن مشاعر الناس وأحلامهم وقناعاتهم وعادادتهم الحلوة .. عن مواقفهم ورؤاهم وتطلعاتهم وعن حبهم للوطن والإخلاص له والاستعداد للتضحية من أجله ..
وللزجل وطقوسه في جبال لبنان وسوريا رونقٌ وسحرٌ وجاذبية استقطبت ملايين المعجبين. أما حلباتُه فقد شهدتْ لقاءاتِ تنافسٍ تاريخيةٍ سُجـِّلتْ تفاصيلـُها حكاياتٍ تلذَّذَ الرُّواةُ باستعراضها وتناولِ حواراتها بالتحليل والتفسير مما زاد من روعة الشعر وقوته. وللزجلِ ملوكٌ تربَّعوا عروشَه عن جدارة واستحقاق ولم يقلِّلَ هذا من سطوع عشراتِ الأسماء من شعراء الزجل الذين يحْيونَ حفلاتِه وملتقياتِه في أماكن مختلفة وأمام حشود الجماهير العاشقة لهذا الفن.
وحصَّةُ الزَّجل في الأدب الرحباني كبيرة ومتنوعة في الشكل والجوهر وقد تلونت بها أعمالُهم الدرامية قبل فيروز ومعها وبعدها. لقد جادت قريحةُ منصور وشعراءَ آخرين فطاحلَ فقدَّمت تـُحَفاً من الحوارات الزجلية ومواويل العتابا والميجانا والقرَّادي والمخمَّس وغيرها صبغت الدراما الرحبانية بالصبغة الشعبية التلقائية وبالصدق والشاعرية.
معظم حوارات الزجل تتركز على التفاخر بالقوة والتميز والتفوق والجمال والثراء والقدرة على الإبداع ويرافق هذا التفاخر مقارنةٌ مع الطرف الآخر لا تخلو من السخرية والاستهتار والتحدي ووعد الجمهور بكسرالخصم وضمان هزيمته .. ويزيد من جمال اللقاء حميَّةُ أعضاء كلٍ من الفريقين وحماسهم وسعيهم للإبقاء على حالة القوة والحضور وسرعة البديهة لدى قائد الفريق عن طريق إيحاءاتهم وترديدهم وإيقاعات دفوفهم. ويتطور الحوار وتزداد سخونته مع تمسك كل من الفريقين بطروحاته ووجهة نظره ولكن لجنة التحكيم وجمهور الحاضرين، الذي يتابع بترقب بالغ وهو منقسم تبعاً للولاء لأحدهما، ينتظرون النهاية التي يحددها عجز فريق عن الرد على آخر ما يقوله الفريق الآخر الذي (يقفل عليه) فتُعْلِنُ اللجنة ربْحَه وانتصاره.

يبدأ المختار فارس التحدي بالتفاخر بنفسه وبجماعته بأبيات من الزجل:
أوف أوف ..
قالو لي في قوَّالِةْ صرتْ مْقلَّـقْ
وَينو شيخ القوَّالِةْ يِحْضرْ هلـَّقْ

مجموعة المختار تردد:
قالو لي في قوَّالِةْ صرتْ مْقلَّـقْ
وَينو شيخ القوَّالِةْ يِحْضرْ هلـَّقْ
فارس:
وَينو شيخ القوَّالةْ يطلّْ قـْبالي
نحنا مِن مَطْرحْ عالي فوق مْعلَّقْ
المجموعة:
قالو لي في قوَّالِةْ صرتْ مْقلَّـقْ
وَينو شيخ القوَّالِةْ يحْضرْ هلـَّقْ
شاهين يرد بالقول:
أوف أوف ..
مَطرحْكنْ ها اللي مدلَّى وعالي مْجلا
شاهين الوادي علا وفوقو حلـَّقْ
المجموعتان:
قالو لي في قوَّالِةْ صرتْ مْقلَّـقْ
وينو شيخ القوَّالةْ يحْضر هلـَّقْ
زيادة في التنافس لجأ المتقاولان إلى مبدأ التقصير:
فارس: نحنا عَ العالي زرعنا حجار شـْقعْنا
شاهين يـُثـنِّي: حْجارتْكنْ من مَقـْلعْنا لما شلَّق
فارس يـثـلـِّث: عْشقـْنا العزّْ وشو جينا لعندو حكينا
شاهين يقفـل: العزّْ اللي عـْشقتو فينا قلبو معلَّقْ
فارس: أوف أوف
هنا يبدو التردد والتلكؤ على وجه فارس الذي لم يُمهلْه فريق شاهين:
مجموعة شاهين: جاوبْ .. جاوبْ .. ما فيكن مين يجاوب ؟ ..
نحنا ضيعةْ أرجلْ ضيعة ..
جاوبْ .. جاوبْ ..

يخيِّمُ الوجوم والقلق على أهل الضيعة ويتوجه مخول وسبع والآخرون مغادرين الساحة خائبين وعاتبين على المختار الذي لم يتوِّج انتصارَهم المتمثلَ برفْع مخول للقيمة، في حين فشل عبدو بذلك، بقيادة الدبكة ولا بالقول .. لقد عجز فارس على الرد على آخر ما قاله شاهين الذي لم تمنعْه طيبتُه من التفاخر بقوته وحسن صوته وأشعاره الجميلة ودبكة مجموعته الناجحة .. فالرد على تفاخر المختار بمصاحبة أهل ضيعته للعز وعشقهم له جاء سهلاً على لسان شاهين: "العز الذي تتحدثون أنتم عنه بتفاخر قلبُه معلقٌ فينا!!" .. وهل بإمكان شاهين الرد على هذا القول؟!

مأزق أهل الضيعة كاد أن يودي بهم إلى الانكسار والرضوخ لولا أن حلوتَها وصاحبةَ الصوت القوي نجلا تقدمت مُنْقذةً فتيانَها، تردُّهمْ إلى الساحة وتعيد إليهم زُهوَّهم بضيعتهم.
تقترب نجلا:
يا شبابْ لْوَينْ ع السَّاحةْ ارْجعو
نحنا ما قـْطعنا الأمل لا تفزعو
شاهين لو صوتو بْيوصلْ عَ السَّما
منْسكّتو ومنسكِّت رجالو معو

الفرقة تردد:
مِنْسكّتو ومنْسكِّت رجالو معو ..

شاهين متفاخراً ودون اكتراث:
نجلا يا بنت صْغيَّرة شو بْتعملي
وقدَّام شاهين السِّباع مْجنْدلة

نجلا بثقة وعنجهية:
نحنا بناتْ جرود مَرْباها الرّعود
بالسِّلْم وردْ ونار يوم المَرْجلة

شاهين باستصغار:
يا بنت رْجَعي والوقت سانح
أنا عفوي لكي بْها العيد مانح

نجلا مؤكدة قوتها ومتحدثة باسم أهل الضيعة التي تبادلها العشق والولاء:
منْردّ العفو .. وحدك بْترجع ياشاهين مقصوص الجوانح ..!!!!
يتوقف شاهين وتبتهج المجموعة وتصرخ بزهوِّ المنتصر وقد عادت إلى الوجوه الفرحة وملأت الساحة أهازيجُ الرِّضى من كلا الطرفين .. فقد أحيا نجلا وشاهين مشاعرَ الحب والصداقة الحلوة بين أهل الضيعة وضيوفهم وكرَّسا بروعةِ ما قالاه الروحَ الرياضية عند المتنافسين:
نجلا وشاهين تـْلاقو ملُّو الدنيي تـْلاحينْ
نجلا وشاهين تـْلاقو متل التلج وصنـِّينْ
يانجمة الْتنْدهلا دنيتنا عَ مهلا
بدنا نسهر للصبحيِّة مع شاهين ونجلا..
مع شاهين ونجلا .. مع شاهين ونجلا ..
وإذ لا بد من الاعتراف لنجلا وللضيعة بقدرتهم وبراعتهم، وتجاوباً مع رغبة الفريقين بقضاء سهرية ممتعة مع النجمين وصوتيهما العذب يبدأ شاهين، الذي أذهله صوتُ نجلا وقوتُها، مُـوَّالَه بلحنٍ هاديء وكلمات الغزل الرقيق معرباً عن إعجابه بنجلا ومحبته :
صوتك حُلو والقلب ما بْينسى
يا غرّة الـ عَ الليل مضْويِّةْ
صوتك حلو والقلب ما بْينسى
يا غرّة الـ عَ الليل مضْويِّةْ
يا شِلـِحْ زنبقْ كل ما بِقـْسى
بيهدرو عْيونك بِعَيْنَيِّي
(الفرقة بابتهاج وفرح السهرة والعيد يطالبون نجلا بالغناء):
حِلْيتْ بالعيد السهرية بدنا من نجلا غنية (2)
يا نجلا يا شلْح الزَّنـْبق يا شلال زهور وشلق
يا وردة مزروعة بْفيـِّة هاتي غنية غنية
يا نجلا يا شلح الزنبق يا شلال زهور وشلق
يا وردة مزروعة بـْفيِّة هاتي غنية غنية
(نجلا، مزهوَّةً بالنصر أمام شاهين وبالبرهان على كفاءة الضيعة، تشرع بالغناء وقد تألَّق وجهها دلعاً بعد سماع أبيات الغزل من شاهين الذي تحبه من كل قلبها وتغني له وليس لغيره):
(الموال)
تنهَّدْ يا قلبي ودقّْ عا باب الحلو
بلكي بيفْتحلك وهيك بتسألو
و مْنسألو شو بدَّلو شو ها لْجفا
وبعدنا والعمر بعدو بأوَّلو ... أوف .. أوف .. أوف يا با ..

يا أمي طلّْ مْن الطاقة و عليي دلّْ مْن الطاقة
شلحْلي فلّْ مْن الطاقة و غمزْني وفلّْ مْن الطاقة

و يا أمي صوتو بكَّاني لما حاكاني
حسَّيتْ بْحالي تعبانة ومتل الفزعانة
صار يْقلَِي مُشْ مشتاقة قلتلُّو بُكرا منتلاقى (2)
و يا أمي طل من الطاقة ...

قاللي من الوردة الجورية هديني شي هدية
قلتلو الناس حْواليِّي بيشتلقو عليّي
شفْت الوردة حنُّو وراقا مدري كيف عطيتو باقة (2)
و يا أمي طل من الطاقة ...

هذه الأغنية الرائعة من تلحين فيلمون وهبي، تؤديها نجلا صاحبة الصوت العذب والدلع الأنثوي تتجاوب معها جوقة الفتيان والفتيات مما يزيد شاهين حباً فيغني مُغرَماً بنجلا بحيويةٍ يهبُّ معها الشباب والصبايا إلى الدبكة حيث قدمت لهم الفرقة الموسيقية مدخلاً بديلاً عن الموال الذي أجله شاهين لنهاية الأغنية:
يا أم الضَّفاير حلوة والجبين العالي
مضْوي جمالك مضْوي مْشَعْشع بالليالي
الكورس يردد وشاهين يعيد الكوبلة:
عْيونكْ واللون الأخضر وقلوب التتحسر
يا خصرك منتور مزنـَّر شو بْتخطر عَ بالي
الكورس: يا أم الضَّـفاير حلوة ..

لوحي بالغرّة الغضَّة وزهور المبيضَّـة
قلبي ياما وياما قضَّى من حبك الغالي
الكورس: يا أم الضفاير حلوة ..

موال:
يا وردةِ اللي ألفْ شوكةْ سورها
إلا طيور الوعر ما بتـْزورها
بوابة اللي كلها شمس ودفــا
ياريتني يا ريتني ناطورهـــا

ميلي ببراجك ميلي وخلِّيكي مقابيلي
لما بإيدكْ توميلي بيجيكي لحالي
الكورس: يا أم الضفاير حلوة ..

اختيار كلمات الغزل والإعجاب الكبير بنجلا في هذه الأغنية اللطيفة يعكس شاعرية مبْكرة عن الرحبانييَّن أساسها التصاق هذين العملاقين بالطبيعة الجبلية الخلابة من جهة والصدق العميق في مشاعر الحب من جهة ثانية والثقافة الواسعة في الشعر والموسيقا والأدب من جهة ثالثة. هذه الأرضية خلقت عند الرحابنة إمكانياتٍ هائلة للإبداع الفني والأدبي وقدرةً خارقةً على تكديس الصور أمامنا بسخاءٍ لم يعرفه أدبٌ غنائي آخر على الإطلاق، قال عاصي:
"إن الرائعَ هو ما كان منسجماً ومتناسقاً مع الطبيعة والحياة".
الوردة التي تشكل سوراً لها آلافُ الزهور حمايةً لها من العابثين وغير المرغوب بهم لها بوابة وحيدة تـُدْفِئـُها شمسٌ حنون .. يحلم شاهين أن يكون ناطورها !!
تختم الأغنية بلحن يتهادى مع انخفاض متدرج في الصوت يصاحب المغادرة

وتنتهي سهرة العيد .. يودع الأصحاب بعضهم البعض وتودع الضيعة ضيوفَها ويغادر شاهين وقلبُه ما يزال يرفرف لنجلا .. شِلـْحِ الزنبق ذات العينين الساحرتين والصوت الحلو والضفائر المتدلية فوق الكتفين والجبين العالي، بينما يتابع أهلُ الضيعة أحاديثََهم عن السهرة والعيد وأغانيه وصوت نجلا وصوت شاهين وما خلقاه من فرح وسعادة ..

ساحة الضيعة في الأدب الرحباني جزءٌ لا يتجزأ من عناصر العمل الدرامي وقد استخدمها عاصي ومنصور أفضلَ استخدام منطلقـَين من مكانتها في حياة أهل الضيعة. فعلى مر العصور كانت الساحة، وهي الفسحة الكبيرة التي تقع في قلبها ومنها تتفرع الطرق إلى الحارات في أطرافها رابطةً إيّاها بالضِّيع المجاورة، مَلْقى أهلِها في جلسات الأنس المسائية وأيام الأعياد والأعراس والمناسبات المختلفة وحتى الحزينة منها. لذا أصبحت الساحة لصيقةََ حياة الناس وشاهدَ تحركاتهم ونشاطاتهم ومخزن الحكايا والذكريات. عينُ الماء والطريق إليها هما الآخران عنصران جماليان على مستويي الزمان والمكان وظَّفهما الرحبانيان بنجاح وجمالية ممتعة في نقل معلومات معينة أو أخبار أو في نقلنا من حالة إلى أخرى أو من زمن لآخر.
بانتهاء سهرة العيد، التي لم يعرِّف السيناريو مناسبتَها كي يجعلنا نرى الساحة زاهيةً دوماً وأهل الضيعة في حالات فرح وبهجة دائمة، تنقلنا الموسيقى الهادئة إلى اليوم التالي وقد انبلج الصباح ورمتِ الشمس بأشعتها الذهبية على الحقول والبساتين بأشجارها الباسقة وأوراقها الساحرةِ النضارة والاخضرار وبراعمها التي لم تتفتح بعد. وأوَّلُ ما تتنفس الضيعة به في صباحها الباكر رحلةُ الصبايا إلى العين لملء جرارِهن من مياهها الرقراقة الطيبة وهن يتحدثن عن سهرة العيد ويتذكرن الفرح والسعادة:
حديث شاعري:
- شو كان مْبارح هالعيد // شو زينة وشو عناقيد //
شو غنُّـو نجلا وشـاهين // وشو زرعو مواعيد //
- شاهين .. يِهْدر صوتو متـْل الرِّيح بْصنين
- وهُوِّي .. متـْل الشاهين

وكما كانت الحال في الساحة التي استعرض المخرج فيها عبر ألوان الفرح وبهجة العيد شخصياته الرئيسية التي ستتفاعل مع الحدث الدرامي في المشاهد اللاحقة، قدمت لنا العينُ ما عندَها من أسرار العُشْق وحكاياه. إلى العين، حيث تقف الصبايا وتتحادثن لبعض الزمن قبل العودة، يتقدم (مرْهج القلاعي) الذي تتحاشى البناتُ الاحتكاكَ به والتحادثَ معه .. فمرهج صعلوك منبوذ وليس له في الضيعة بيت ولا أرض ولا أقارب أو أصدقاء .. لقد اختار لنفسه الصعلكة والتسكع في أحراج الضيعة أسلوباً لحياته عزله عن أهلها .. ولكنه ما فتيء يقترب بين الحين والآخر مُلاحقاً بنظراته الفتيات الجميلات وحسرةٌ تملأ قلبه الكسير فيدور الحوار المنغَّم التالي:
- شو قلتوا؟
- مين ؟! .. مرهج القلاعي!! .. شو بدك يا مرهج؟
يقترب معترضاً على ما سمعه من حديث لم يرق له على ما يبدو:
- قلتو شاهين!!
- شو ما سْمعت تخمين؟ ومبارح بهالعيد تـلاَّ الدني تْلاحين!
- لأ .. نجلا صوتا أحلى
- نجلا وشاهين // تـْنَينْهن حلوين // كانو مبارح هيكْ مِلْهيِّين//
زرعو الأرض ياسْمين وحْساسين
يستشيط مرهج غضباً .. فهو لا يريد أن يسمع اسم شاهين إلى جانب اسم نجلا .. بعصاه الغليظة يخبط أرض العين معبراً عن هذا الغضب فتحتج إحدى الفتيات:
- طـُولْ عمرك هيك يا مرهج // لافي عَهالضيعة مدْري مْنين //
مئذي إنتْ يامرهج // ليش تا جرَّحْت أرض العين //
شو إنتْ يا مرهج // مرهج القلاعي //
مربى الحراش السود // إبن القلاعي //
صوتو حلو شاهين .. شو بيئـْذيك //
صوتو حلو نكاية .. نكاية فيك ..
غنَّى لـْنجلا وقلـّْها تْلاحين ..
زرعو الأرض ياسْمين وحْساسين
شو زعـَّلكْ؟
بتحبها ؟! بتحبها تِخْمين !!
يزداد مرهج غضباً فيخبط بعصاه ثانية:
- بس !!

بعد مشهد العين نستعرض مشاهدَ من حياة الناس وأشغالِهم اليومية في المنازل والأرض والطاحونة وعلى الطريق .. تعبِّر عنها الفرقة التي تردد بالتناوب مع (نصري) وهي تؤدي الدبكة الجماعية بحيوية تتلاءم وموضوع الأغنية ومكانها وما يتطلبه من حيوية تظهرها حركات الخِفَّةِ المتناسقة، وهي من ألحان فيلمون وهبي:
عَمْتغزل عَمْتغزل تحت التينة على جَرْش البرغل وتـْلاقيني
...
عَ مَطْحنة وحدي نْكون سْويـِّة ونصير نحكي ونحكي بالسهريـِّة
إلخ ..

الأغنية في الأدب الرحباني متميزة بما تذخر به من غِنى في كافة عناصرها – اللحن والكلمات والأداء.. يستمتع من يستمع إليها مستقلة عن العمل المسرحي الذي أُلفتْ من أجله ولكن الاستمتاع يكون أكبرَ وأعمقَ عند الاستماع إلى نفس الأغاني من خلال العمل. وفي كل الأحوال لم يترك الرحبانيان ومعهم مؤلفو أغاني مسرحياتهم الخالدة فرصةً إلا واستخدموها ببراعة لتحميل أغانيهم أحلى المعاني وأقوى التعابير وأجمل الصور عن حياة الناس وعلاقات المحبة والتعاون بينهم وعن قدسية الوطن وترابه وجماله وخيره الدافق وعن حب العمل والاستمتاع به وعن الفرح والمسرة. ها هو المختار يغنِّي للطاحونة وخيرِها المشرور وحيوية الرجال المنهمكين بنقل الحنطة والطحين والبرغل فيما تتغندر الفتيات وهنَّ يغزلْن الصوف تحت فيء شجرة التين، في صور لا تخلو من الإشارة إلى أيام الصيف كي تجعلنا هذه الأغنية نشعر بالزمن وقد مرَّ بنا من العيد الأول باتجاه الشتاء فالعيد الثاني!
وتمر الأيام ..
نجلا كباقي صبايا الضيعة تتلذذ مشوارَ العين يومياً مع أولى خيوط الضوء تستنشق نسائم الصباح الباردة الملونة بإيقاعات حركات الناس إلى حقولهم وأعمالهم وتـُمتِّع ناظريها بلوحات الطبيعة الخلابة وألوانها الساحرة وتآلفاتِها البديعة فتتحرك عندها مشاعرُ الغبطة والسعادة وتتذكر الحبيب الذي حنَّ له قلبُها وقد مر زمنُ دون أن يسعدَ بلقائه هذا القلب الفتيُّ العاشق فتنتطلق بأغنية فردية هادئة ولحن حزين (اللحن لفيلمون وهبي)، مخاطبة (طير الزعرورة) تطلب منه السفر إلى حبيبها وتسليمه صورتها والتحدث إليه:
يا طير الزَّعرورة .. وَدِّيلو هالصُّورة
وقلو بالقفص عَ العين .. علْقانة شحرورة
...
قلو يطلّ عليِّ .. وما ينْسى الهْدية
وَعَدْتو بْغنيـّة .. وَعَدْني بـْتنورة

وحْياتك وحيْاتك .. روحْ صوبو وحياتك
خدلو عَ جْناحاتك شي وردة زْغيُّورة
وياطير الزعرورة ..

لكأن منصور في ذاك الزمن يقدم هذه الأغنية أيضاً (علقانة شحرورة) هديةً لصباح التي لُقِّبتْ بـ (الشحرورة أو شحرورة الوادي) تكنياً بعمَّها (الشحرور)، شاعرِ الزجل اللبناني الكبير أسعد الفغالي.
نجلا التي تختلف عندها، كما هي الحال عند الآخرين، أيام الفرح والعيد عن الأيام الأخرى التي ينشغل فيها الرجال بأعمالهم وتدبيراتهم المتعلقة بشؤون الأرض والبناء والتجارة والأعمال، لم تكن تتوقع أن ترى شاهين كثيراً .. فهو من ضيعة ثانية ويتردد إليهم في مناسبات منها أعياد القِطاف ومواسم القز وما شابه ذلك. مع أنها كانت تتمنى أن ترى شاهين الذي رأت فيه الرجولةَ التي أُغرمتْ بها والشاعرية التي تتوق إلى مرافقتها والحب الكبير الذي تحلم به. في العيد الماضي، عيد الضيعة المحبَّب إلى قلوب أهاليها غنَّى لها شاهين وتغزَّلَ بصوتها ووجهها النضر وجبينها العالي وضفائر شعرها الذهبي ولباسها الأنيق الناعم وقوامها الفاتن .. وهي بدورها غنَّت لشاهين فكان العيد الذي (ملأ الأرض بالياسمين والحساسين) ..
وما أن تهمَّ نجلا برفع جرتها المليئة بماء العين إلى كَتِفِها استعداداً للعودة إلى البيت حتى تحينَ منها التفاتةٌ جانبية فترى شاهين وقد قدِم من بستانه البعيد حالماً برؤية نجلا فكان له ما تمنى. حيَّاها فَرِحاً بقالبٍ غنائي منغـَّم معبراً عن شوقه الكبير:
- الله معـِكْ يا زنبقةْ بالفيّْ
نجلا فرحةً تبدي دهشتَها وتسأل بنفس الطريقة الغنائية:
- شاهين شو جابك عَ ضيعتنا
- ما فيش بـِهالعين شربة ميّْ؟
- بـْتسْقيك وبـْتفرح مْوَيـِّتنــا
تقدم نجلا الماء لشاهين فيشرب بمتعة وتلذذ .. فالتي روت ظمأه حبيبةٌ لها في قلبه مكانةٌ كبيرة وتذكِّرُه بسعادةِ أيامٍ مضتْ:
- بتتذكَّري بالعيد؟
- بتـْذكر
- غْنــاني وحكي ونْبيد!
- بتذكر
- وصوتك ضُوي بشـْرايط وزينه
وغِمِرْ شعرك هالمدرَّى غِمِرْ ..
يا لفـْتة البعدا بْتكويني ..
وتروح تشْلَحْني ععيد العمر
- وبعد هاك العيد شو عاد صار
لما رْجعتْ عاضيعتكْ شاهين
لا شالْ لوَّحـْلكْ ولا زنـَّارْ
وْضيعتكْ كلا حلا وْحلوين !
- غَمْزت الشَّمس دْراج ضيعتنــــا
وشفْتك يا نجلا من الشَّمس أحلا
حلْوين في عِنَّا بْجيرتنا
وكلّْ حلوة بْشوفها نجلا ..
- والْمَحْرَمِة اللي خدْتها مني؟
- جايي أنا عَ عين ضيعتكن
جايب معي بَدالا لَحلوتكن .. لوّحي فيها سألي عني ..
- ولوين؟
- رايح
- هيك؟ّ
- لا حكينا .. نحنا ولا يدرى حدا فينا
- ولا بعد نتلاقى؟
- مْنتلاقى .. بكره عَ قطْف القز لاقينا
- قطف الحرير؟
- موسم القز
- موسم العز .. قطف الحرير ..
ويقفلان معاً بلحن يمتزج فيه الحزن بالحب والتفاؤل:
كتير كتير يا قلبي كتير .. بدَكْ تنْطر موسم الحرير (2)
- غَدِي عَ قطف القز لاقينا
- غدي عَ قطف القز لاقينا
- لاقينـــا

اللقاء الشتوي الحزين، الذي قطع حلم نجلا وشكـَّها بجدوى حبها الكبير لشاهين وغرامه بها باليقين الذي صارحها به، انكسر معه قلبُها ولم يبق لها إلا الكتمان وطيِّ قصة الحب البريء والعودة إلى الضيعة وجمالها وأهلها المتحابين المتعاونين والذين يحبون نجلا ويتفاخرون بها. هذا اللقاء الذي تم على انفراد لم يسمع أحد بما دار خلاله من حديث بين العاشقـَين إلا أن الفضوليين من فتيان الضيعة، ممن لا يروق لهم أن يروا شاهين، الغريب، وقد اختطف منهم حلوتـَهم، كانوا يراقبون من خلف الأشجار شاهين ونجلا ولقاء الغرام يجمعهما بعيداً عن الآخرين .. ولما كان الاثنان قد تبادلا أغاني الحب في أعياد الضيعة فإن ظنـَّهم بعلاقة الحب بين شاهين ونجلا قد ثبَّته اللقاء:
يتحاور الرقيبان سبع ومخول:
- هايدي مُشْ نجلا؟
- هايدا مُشْ شاهين؟
- ومدْري شو قلا
- الهيئة متّـفقين
- تعا تا نْخبـِّرْ .. مين ما شفنا منقلُّو نجلا حبّتْ شاهين!

الموسيقا تعزف لحناً تراثياً دون غناء (عبدو حابب غندوره وغيرا ما بدُّو .. وهاي غندورة مغرورة وعلقانة بعبدو) يرافق تحركات الشابين الخبيثين سبع ومخول لنشر خبر الحب بين شاهين ونجلا بالهمس في الآذان محوِّلـَين إياه إلى إشاعةٍ بين الأهالي بقصد النيل من غريمهما شاهين وقد تخلل الموسيقا والتهامس نظرةٌ من سبع لمخول وقوله: ولـَّعت !ْ في مشهدِ مرحٍ أراد المخرج أن ينهي به حالةَ الحزن التي تركنا فيها مشهدُ وداع نجلا وشاهين.

إلى الربيع، حيث ستبدأ مراحل التحضير لتفقيس القز، ننتقل عبر أغنية خفيفة تقدِّمُها نجلا الدلوعة التي يستجيبُ للـ أوف، ما أن تقولها لمرة واحدة، صبايا وشباب الضيعة فيشكلوا سلسلةَ الدبكة، أميرةَ المرح والسعادة:
عَ الليْلكي عَ الليْلكي ... زهر العاصدْرك ليْلكي
مشمش بْعلبكْ ما اسْتوى .. لولا اسْتوى جبْنا ليكي

الأخوان رحباني يقدمان العمل الرائع على مسرح مدينة بعلبك الأثرية ضمن فعاليات مهرجانها السنوي .. وبعلبك مدينة مضيافة أهلُها يتحلّون بالكرم والجود وبحبهم للفن أما بساتينها فالخير فيها دفـَّاقٌ وأشجار المشمش تتراقص أغصانها بأزهارها الليلكية اللون على ألحان عمالقة الفن .. والشاعر منصور الرحباني لا يوفر فرصةً يعرب فيها عن امتنانه وتقديره ومحبته لأية قرية على امتداد الوطن اللبناني الكبير فكيف إذاً مع بعلبك المضيافة الضاحكة لضيوفها على الدوام:
خيَّال بـِراس الجردْ .. يرْمحْ ويخْطرْ بالجردْ
وسألتْ عن لون الوردْ .. ردُّو وِقالو ليْلكي
...
مشمش بعلبك هالسّنة .. تعوَّقتْ عَ الحلوين سنة (2)
بْتحلا دني بتعبس دني .. إنتي ضْحكي وضَلي ضْحكي
...
يا قلبْ يا قلب الحلو .. يا طفل يا صغيـَّر حلو
روح اشْتكي مِنَكْ إلو .. إلا إلو لا تشْتكي

عَ الليلكي عَ الليلكي ... زهر العاصدرك ليلكي
مشمش بْعلبك ما اسْتوى .. لولا اسْتوى جبنا ليكي

وتستمر الصبوحة تغني لبعلبك وزهر المشمش الليلكي اللون بينما تنهي الفرقة الدبكة الجميلة وقد توجهت السلسلة خارجة من المسرح إلى الكواليس .. أما نجلا فقبل أن تترك الساحة يفاجئها صوت قادم من خلف الأشجار وحوار منغَّم مفْعم بالرومانسية كلماتٍ ونبرات:
- صوتك حلو نجلا
- مرهج القلاعي !!
- صوتك حلو نجلا .. تلاّ هالمراعي
- من أيْمتي مرهج بتسمعني؟ .. من أيْمتي بتْحبّ الغناني؟
- من أيْمتي ! .. من عِمِرْ ضيَّعني .. وبسّْ صوتك بسّْ بكَّاني ..
من أيْمتي ! .. من عِمِرْ ناسيني .. من يوم ما كنتِ صغيرة ..
ولوَّنْتي هالأرض بالزينة
- مرهج يا ها الصياد مَرْبى الحِرْشايات ومْعاشِر الدَّغْلات ..
تاريك كنت تـْشوف البْنيـَّات !
- كنت شــوفك تكْبري وتحْلي .. كنت شوفك تكْبري وتحْلي ..
تهلِّي عَ الحْفافي .. وزنَّارك الدافي يرقص يلوّحلي
وهجّْ فوق صخور ... وخلف النْسورة دور..
وحشْتي لا وحـْشة الغابات متلا وَلا الغروب عَ الحورات
وتضلّ بِدرْبي
القمْطة العمْتحلى
الحلوة اللي تِغْلى
وتغْلى على قلبي
- مرهج .. شو عَمْبتقول يا مرهج ؟
- لو لا بْتِجي وبِتْراقبي مرهج .. والهوا متـْلج ..
والدني ضْبابة .. وعَ كعبْ شي غابة ..
بيت وجـْنينة وبوابة
- مرهج إنتْ غلطان .. لا قلبنا قلبك ولا دربنا دربك ..
- أنا مش غلطان
- وأنا ما بحَّبك
- ليش؟
- ليش ؟ .. مين اللي بيعرف ليش؟ .. بيريد ما بيريد هالقلب مش بالإيد
- ليش؟
- ليش .. مين اللي بيعرف ليش ..
- شاهين !! شاهين بتْحبِّيه؟
- شاهين حبَّيْتو .. جمَّعتْ وعطيتو .. قلبي شو بعمل فيه؟
- ليش؟
- ليش ؟ .. مين اللي بيعرف ليش

هذا الحوار الذي ولـَّـد حالة من الاضطراب والحزن عند نجلا له ما يبرره في ثقافة القرية. كما أن له دلالاتٍ كبيرةً في سياق العمل الدرامي قصد الرحابنة من خلاله الإشارة إلى مفاهيم أهل القرى التي لا ترحم المنبوذ منهم ولا تعترف له بحقوقه كسائر شبان الضيعة .. فمرهج القلاعي شابٌ اختار الصيدَ مهنةً فأبعده عن ساحة الضيعة وأهلها وحياتها وأصبح (مُعاشر الدغلات) و(مَربى الحراج) ولم تعد له مواصفات فتيان الضيعة الذين يعملون في ضوء النهار يشربون ويأكلون معاً ويعشقون ويخطبون ويتزوجون فتكون لهم منازل ومواسم .. لا بل تستكثر الضيعة عليه مشاركته إياهم الأفراح .. لقد فاجأ الجميع كلما حضر تجمعاً (مرهج القلاعي ؟!) وأكثر من ذلك .. ها هي نجلا التي أتاها مرهج خلسةً بعد لقائها الفاصل بشاهين، وقد غمر وجهَها الحزن، يحاورها في حبه، ترد عليه بدلع مشوب بالتحقير إذ هو مرهج الصياد الذي لا يعرف عنه أنه يهتم بالفتيات:
مرهج يا ها الصياد مربى الحرشايات ومْعاشر الدغلات ..
تاريك كنت تـْشوف البْنيـَّات !
ومهما كان السبب في تحول مرهج إلى صياد خارج عن الحياة العادية لأهل القرية فإن السيناريو قصد تسليط الضوء على شاعريته غير المعترف بها. مرهج الصعلوك صديق الطبيعة والأحراج والمغامر الجريء والقوي الفخور بعضلاته المفتولة وشخصيته ذات القوة والعنفوان يحتفظ بأعماقه بشخصية الفتى العاشق الذي يحلم كسائر الشبان بدفء الحب وببيت وبستان ، فوحشته في دروبه الوعرة فوق الصخور وهروبه من الضيعة إلى الغابات كانت بسبب نجلا الصغيرة التي راقبها وهي تكبر وتحلى فكَبُر حلمُه بأن تكون حبيبته..
ولم لا وقلبه يزداد ولعاً بنجلا وجمالها الفاتن وغنائها الساحر .. حبه بريءٌ وشاعريتُه صادقة وحلمه بسيط ولكنه يعني كثيراً بالنسبة إليه (بيت وجنينة وبوابة).
ولكن مفاهيم الضيعة الرافضة للتسكع والصعلكة تجد عند نجلا الفرصة لتأكيد نبذها لمرهج:
مرهج إنتْ غلطان .. لا قلبنا قلبك ولا دربنا دربك ..
وبالرغم من هذا الموقف فإن الشاعرَ العاشق الصياد والصعلوك مرهج أثار في نفس نجلا الحيرة والاضطراب (ليش ؟ مين اللي بيعرف ليش؟ بيريد مابيريد هالقلب مش بالإيد) .. وبديهيٌ أن جمهور المشاهدين تأثر بهذه الشاعرية وهذه المصارحة من مرهج لنجلا فأعاد في نفسه بعض الاعتبار لهذا الشخص المظلوم!

الصعلوك في الأدب الرحباني إحدى الشخصيات المهمة والحاملة للكثير من الوظائف في البناء الدرامي. الروح الثورية في الثقافة الرحبانية، التي ترى في الاضطهاد الطبقي سبباً لانعدام العدل وبالتالي لما يحيط بحياتنا من مظاهر بؤس وفقر وتناحر وتمايز، تنعكس على تطور الحدث الدرامي من خلال شخصية الصعلوك، حيث تعيد تلك الثقافةُ حالة الشخصية وسلوكيتها المرفوضة من المجتمع إلى الشروط الظالمة التي كان صاحب الشخصية ضحية لها.. وانطلاقاً من هذا المفهوم ومن الخلفية الإنسانية للرحابنة التي طبعت كافة أعمالهم يعيد المؤلفان الاعتبار لهؤلاء عن طريق توظيفهم لحل عقدة الدراما صانعاً منهم أبطالاً سرعان ما يستحوذون على رضى ومحبة من قـَذف بهم من قبل إلى درك الانعزال. ربما كانت شخصية مرهج القلاعي هي شخصية الصعلوك الأولى في الأعمال الدرامية ولكنها اعْتُمدت مراراً فيما بعد لتنهي العقدة أو لتكوِّن الجسرَ الذي يصعد على درجاته الحلُّ الرحباني (ملهب المهرِّب في مسرحية "يعيش يعيش" والبياع في مسرحية "دواليب الهوا" والحرامي والشحَّاذ في مسرحية "المحطة" إلخ ..).

شاعريَّة مرهج وحبُّه الصادق وقلبه الذي يخفق محبةً لنجلا وتعلقاً بها لم تحلْ دون انكسار حلمه في نهاية أوصدتْ نجلا الباب فيها أمامه وهو خائبٌ (لا قلبنا قلبك ولا دربنا دربك) وهي مذهولة وحزينة (بيريد ما بيريد هالقلب مش بالإيد) .. شاهين الذي تحبه لن يكون لها .. ومرهج الذي يحبها لا يمكن أن تكون له .. ولا بد إذاً من قبول الواقع .. وليكن لنجلا أيُّ عريس من شبان القرية أو القرى المجاورة وهم أيضاً مولعون بحبها !!

على الجانب الآخر .. شاهين، الذي تقدم به السن، يخطط للزواج والاستقرار وهو لذلك يستشير قلبه، بعد أن أبعده عقلـُه عن فكرة خطبة نجلا التي يحبها، بسبب فارق السن بينهما:
سَألْنا القلب شو بْتطْلُب .. قال بدُّو الحلوة اللي هيِّي
سَألـْنا الحلوة شو بْتطْلُب .. قالت عَمِّرْلي علِّيـِّة

ننتقل مع هذا المشهد إلى الفلسفة الرحبانية في مكانة ودور الزواج والأسرة الجديدة في تكوين المجتمع عبر أغنية (عمِّر يا معلِّم العمار)، فشاهين الذي يتهيأ للزواج لا بد له من بناء (أوضة ودار) كي (يرتاح القلب بفيِّتـْها) و تغزل البنيـَّة ذات الزنار خيوطَها على عتبة هذه الدار .. بقي إذاً أن يسأل شاهين عن معماريٍ ماهرٍ مثل ذلك الذي بنى (البيت اللي مزنَّر ... والحارة الخلف الدوَّارة .. والدوَّارة الخلف الحارة) وبعد أن يتساءل الأصدقاء (شو الظاهر فيها وما فيها !!) ينصحونه بـ (سليمان اللي من ضبيـِّة) فهو شيخ المعمرجيّة الذي بنى كل البيوت (مافي بيت ولا عليـّة إلا شغل سليمان اللي من ضبية) ويذهب وفدٌ إلى سليمان الذي يجيب بدون تردد (يكـْرم إيه) .. وتنطلق الأغنية الجميلة الوطنية يؤديها وديع مع الفرقة في دبكة حيوية تصرخ بأعلى صوت:
عمـِّرْ يا معلـِّم العمار وعلـِّي حارتنا ..
عمـّرْلي شي أوضة ودار بتعْمرْ دنيتنا
عمِّرْ تا نعمِّرْ لبنان .. ويعلا عَ الغيم البنيان
وسيـِّجْ تانْسيـِّجْ بزهور .. بْورد بْتفاح بْرمـَّان
تعْلا عمار وتضْوي قمار وعمـِّر يا معلـِّم العمار
عمِّر تا نْعمِّر لبنان .. ويعلا عَ الغيم البنيان
هالمـرَّة سيـِّجْ بزنود .. بقلوب بْعَزم بْإيمان
شـْقَع حجار خْلاق فكار وعمـِّر يا معلـِّم العمار

وسليمان من قرية الضبيّة اسم لمعماري تعرفه منطقة (زوق مكايل) وما يحيط بها وصولاً إلى (عمشيت) ومازالت الأحاديث حتى اليوم عن مهارته والعمارات الأصيلة الجميلة ذات الأقواس والقباب والقناطر العالية والمنحوتات التزيينية التي اشتغلها وأشادها مع فريقه من حجر لبنان الكلسي الأبيض. وهنا يُسجـَّل أيضاً للرحبانيَّين واحدةً من التفاتات الوفاء لأناسٍ ذوي فضل أو لمناطقَ وقرى وبلْدات تأكيداً منهم على الشمولية الوطنية في مسرحياتهم الشعبية.

أغنية شاهين أثارت شبان الضيعة ظناً منهم بأنه يحضر نفسه قبل الموسم ليعلن خطوبته على نجلا، حبيبة قلبهم وهم يرفضون أن تكون لغيرهم، فهذا سبع يبتدع فكرةً لعرقلة العرس .. فإن كان لا بد لنجلا من أن تكون لشاهين فليكن عرسهما باهتاً:
سبع: وكَ يا مخول
مخول: إيه
سبع: شاهين أحسن منا؟
مخول: لـَه
سبع: مش نحنا أحق بنجلا؟
مخول: إيه
سبع: بدك ياه ياخدا؟
مخول: لـَه
سبع: عفاك
ناطرني؟
مخول: إيه
سبع: تعبان؟
مخول: لـَه
سبع: هيه .. في عندي خطَّة فِرجة .. بدنا نخلِّي عرسن يطلع ما إلو رَهجة
مخول: كيف؟
سبع: هاه !! قرِّبْ تاقلك .. روح تمرَّنلي عَ قَيمة تقيلة ما يكون حدا فيه يقيما
ويوم العرس مـْنشْلح القيمة بالأرض .. والرجَّال يقيما
مخول: إيه

هذا المشهد وما تلاه من حوار يشير إلى الرغبة الدفينة في نفوس شباب الضيعة لإبقاء حلوتهم نجلا فيها.. تلك الرغبة التي لن تتحقق لأن مجتمع هذه القرى اتـَّسم بشيوع المفاهيم التقدمية تجاه المرأة وحريتها في اختيار شريك عمرها فلا يفرض الأهل على ابْنتهم عريساً أو يحرمونها من رغبتها في الزواج بمن تحب. سبع ومخول يظنان أن العيد القادم على الأبواب سيشهد عرس نجلا وشاهين وهما لا يشكان في حقيقة تعلِّقِ الأمر بنجلا فقط .. حالة الغيرة والإحباط عند الشاب الخبيث سبع تركت له فرصة وحيدة للتعبير عن عدم ارتياحه بأن يحرِّض مخول و يتفق معه على عرقلة إتمام العرس. والتقليد يشترط، كما قلنا، أن ينجح العريس بـ (شَيْل القـَيْمِة) للاحتفال بالعريسين وإلا فإن (العرس بْيوقف .. ونجلا بتروح بْلا عرس .. بْلا إي ويهـــا) كما شرح سبع للفتاة التي ستفتتح حفلة العرس. لذلك يسعى الخبيثان لاستبدال القيمة المعهودة بواحدة ثقيلة أملاً بفشل العريس وإيقاف حفلة العرس. والزواج بدون عرس مليء بالأغاني والـهلاهيل والرقصات والدبكة والمبارزة بالسيف والترس لا يشفي قلوب الشبيبة ولا تكتمل فيه سعادة الحالمين. بهذه الطقوس الرائعة المرافقة لأعراس القرى يكتسب الزواج صفة القدسية التي تجعل من المؤسسة الأسرية رابطاً لا تنفصم عراه بسهولة .. فبالعرس الذي تسجله ذاكرة الضيعة ويستعيده صداها في زوايا التفاخر ومنعطفات الأيام يتأكد الحب الذي على أساسه يقوم الزواج وتأسيس الخلايا الجديدة في مجتمع السلام والمسرة.

أما نجلا فإن لديها من الأسرار ما تتكتم عليه .. وهي ليست مضطرةً هنا للمجاهرة بأن الحب الذي يجمعها بشاهين ليس بالحب المثمر وإنما هو حبٌ عذريٌ أساسه عشق الوطن وملء الأيام بالسعادة والجمال والفن وتكريس المحبة بين الناس .. وما سيكشفه العيد مختلفٌ تماماً عن ظنون سبع ومخول وما نشراه من شائعات. وتبقى لشاهين مكانته الكبيرة في نفس الفتاة ذات الشخصية القوية التي ترد على سبع القادم إليها محاولاً النيل في حديثه من شاهين فأوصله جـُبنه إلى حالة من التلعثم والتردد بينما قابلته نجلا بعدم الاكتراث .. تتدخل الفرقة لتقدم لنا حوارية ثنائية تضيف بصورها مزيداً من الضوء على المفاهيم السائدة فيما يتعلق بالحب والزواج ومعايير القبول والرفض والاختيار. فالشاب الذي يتفاخر أمام إحدى الفتيات بقوله:
- أنا أهلي ربـُّوني .. لوز وسكَّر طعْموني
لولا بطْلبْ ستّ الحسن .. ستّ الحسن بْيعطوني
عنا مْزارع عنا ضْياع .. ومْطارح ما بقى تْساع
أنا أهلي ربـُّوني .. بـِدنْيا بْساتينا وْساع
يجدها لا تهتم لثرائه ورعاية أهله وهم كبار ملاك الأراضي فتقابله بالاستهتار والتمسك بأهم ما تؤمن به كشرط للزواج وهو الحب:
- أنا أهلي ربُّوني .. عَ الخبزة والزيتونة
ومش رح آخـُد إلا شبْ .. كون بْحبّو ياعّيوني
نحنا ما عنَّا بْساتين .. عنا دوَّارة ياسْمين
ما منْآمِنْ غير بالحب .. وحاجي تتعب يا مسكين

بهذا المشهد يختتم الرحبانيان الفصل الأول من الملحمة بعد أن وضعانا في جو القرية ومجتمعها بعناصره ومفاهيمه وفي مكانة الحب ودوره في حياة الناس وسعادتهم. فما قدماه من حوار وأغانٍ ودبكاتٍ وصور ببراعة فنية فائقة الإبداع أخذتنا عبر منحوتاتها ولوحاتها وفضاءاتها الرحبة إلى أعمق خبايا الذاكرة وحكايا التاريخ.
ويأتي الربيع .. ضيفُ لبنان العزيز يُسعِدُ بألوانه وألحانه أهاليها وجبالَها وبساتينها وشطآنها ولغبطته هو الآخر لا تراه يستعجل الرحيل فيمتد بحسنه وبهائه على حساب الصيف الحار باعثاً في نفوس اللبنانيين وضيوفهم المزيد من الفرح والحب والسعادة.
وأول ما يبشر به الربيع أخضرُ أوراقه الذي يأتي شجر التوت في مقدمته فتتسابق الغصون الطرية الغضَّة انبساقاً وكأنها تقدم نفسها بنزاهة وكرم لتكون طعاماً لدود القز الذي ينتظر الوجبات الطيبة يلتهما بشراهة تخال معها عشقاً يَسْعَدُ به ورق التوت مثلما يَسْعَدُ القز وهو منهمكٌ يحضر نفسَه لتقديم الخيط المقدَّس. في هذا الجو الربيعي الساحر يمتزج التعب بالفرح وتترافق مشاعر الاستمتاع بالأمل والتفاؤل وبالأحلام التي أقلـُّها البحبوحة .. فما بالك إن هي ارتبطت بالأعراس؟!
عبر الأغاني نستعرض مراحل العمل في دود القز الذي أصبح الآن جاهزاً للـ (قطف) يتقاطر الأصدقاء من القرية المجاورة بأريحية ومحبة للـ (عون):
- عَ العونْ يا شباب عَ قطف الحرير
نسمعها من أحد رجال الضيعة موجَّهةً إلى جميع الأصدقاء في حارات الضيعة وبساتين أصدقائهم من الضيعة الجارة معلنة البدء بموسم القطف الذي يَسعد به المتعاونون وقد راحوا يجمعون شرانق الحرير بهمة ودقة وفرح لساعات طويلة يتخللها الغناء والرقص والدبكة وتبادل أجمل عبارات المودة والسعادة بالخير يتدفق ذهباً أبيض.
يبدأ الفصل بصرختين متبادَلتين من نجلا وشاهين تعْبُران الوادي ويرتدُّ الصَّدى مُرجِعاً معه الجميلَ من الذكريات:
- شاهيــــــــن
- نجـــــــــــلا
كلاهما بشوق بالغ ينتظر الآخر .. ألم يقلْ كلاهما للآخر عند العين (بكره عَ قطف القز لاقينا) وهما يعلمان بأن موسم القز لن يكون عيداً بدون أغانيهما الجميلة.
ويُسرع الشباب والصبايا تلبية لطلب جامعي القز.
اللحن الذي اختاره عاصي لأغنية قطف الحرير أحد الألحان التي تظهر فيها البراعة المبكرة لهذا الموسيقار الكبير الخالد. فالـ (ألليغرو) الذي تقاطر معه القادمون للعون من كل صوب صوَّرَ بنجاح حالة الانهماك التي أمَّنتِ القالبَ الذي مر الزمن من خلاله، إضافة إلى تسلسل كلمات الأغنية الرائعة يؤديها نصري ووديع وصباح ببراعة وعذوبة وسرعة واختصار مما جعلنا نقبلُ بسهولة الانتقال السريع إلى تجهيز المحصول وعرضه على المشترين. قدرةٌ خلاقة عند العظيمين عاصي ومنصور وعند المخرج الكبير كامل التلمساني ومهنيةٌ نادرة في ذاك العصر أحدثتا دوياً في عالم المسرح الغنائي العربي الوليد وارتقت بالمشاهد والمستمع العربي إلى مستوىً عالٍ من الذوق الرفيع والتفاعل مع الحدث الدرامي إلى درجة أصبح من الصعب على المسرح الغنائي الرحباني أن يقدم أعمالاً أقل إبداعاً .. لقد خلق هذا العمل بالذات مشاهداً يطالب المبدعين بالجيد فقط ولا يقبل دون ذلك. وقد اعترف الرحبانيان بما أحدثاه من ثورة في عالم الإبداع الغنائي المسرحي وعلِموا وأقروا بأن عليهم فعل الكثير من أجل الاستمرار في كسب رضى مشاهديهم المتميزين بالثقافة العالية والحس السليم والذوق الرفيع.

الجوقة تغني: عَ الشيح القزّْ ياطير اللي بالحقلة ..
والموسم عزّْ والحلوة نقْلة نقْلة (2)
فديدان القز التي سكنت منذ أسبوع زوايا التفرع في أغصان الشيح البنية اللون والعارية من الورق وعملت بنشاط وهمَّة في حياكة الشرنقة البيضاء أكملت عملها الآن وقد حبست نفسها في الداخل ضحيةً لإسعاد الناس بحرير تبتهج برونقه القلوب. وهاهي الشرانق تملأ عيدان الشيح مكونة لوحاتًٍ خلابةً ومناظرَ بديعةً ستستمتع الأيادي الناعمة بالتقاطها برقَّةٍ وحنان واحدة واحدة ثم تتراكم في الأواني لتأخذ طريقها إلى ساحات التشميس أو مراجل التسخين فالتجفيف فأكياس الغلَّة بانتظار التجار.
والجوقة هنا تحذر الطيور من الاقتراب من القز المنشور والذي يغريها ببياضِه الناصع .. وتجنباً لحملات الطيور المخربة يصنع أصحاب القز تماثيل من الأغصان والملابس (فزَّاعات) توهم الطيور بوجود أشخاص قرب القز فتخشى الاقتراب.
غناءٌ جميل تتوافق ألحانه مع إيقاعات الحركة وتواتر العمل وتزينه ألوان الوجوه تنبض بالحياة والقز الأبيض سعيدٌ بالأكف التي تحتضنه بحنان وكأنك ترى الفراشات داخل الشرانق تشارك القاطفين فرحتهم وتتراقص على أنغامهم العذبة.
المختار: شوفو عَ العالي ..
الجوقة: ألله ..
المختار: موسمنا الغالي ..
الجوقة: ألله ..
المختار: وتـْلوح قبالي ..
الجوقة: ألله ..
المختار: غمار الحرير والنـَّقلة خلف النـَّقلة
الجوقة: عَ الشيح القزّْ ياطير اللي بالحقلة ..
والموسم عزّْ والحلوة نقلة نقلة
شاهين: ألله يعافيكن
الجوقة: أهلا ..
شاهين: جينا نساعدكن
الجوقة: أهلا ..
شاهين: ونْغنِّي مَعكن
الجوقة: أهلا
شاهين: بقطف الحرير ما بْعمرو مْنحمل تقلة
الجوقة: عَ الشيح القزّْ ياطير اللي بالحقلة ..
والموسم عزّْ والحلوة نقلة نقلة
نجلا: اليوم الحبايب عنا .. والملقى طايب عنا
والسكر دايب عنا ولبس الحرير بتشوفو شو بْيلْبقلي
الجوقة: عَ الشيح القزّْ ياطير اللي بالحقلة ..
والموسم عزّْ والحلوة نقلة نقلة (2)
جوقة الرجال وقد وصلت إلى نظرهم إطلالة وفود التجار قادمين من بيروت لشراء الحرير:
جوقة النساء: طلُّوا الشرَّاية
المختار: لاقوهن
جوقة النساء: وصلوا الشرَّاية
المختار: حاكوهن
جوقة النساء: أهلا وسهلا بالشراية .. الحرير محسَّن للغاية (2)
جوقة الرجال: أبو حمزة .. أبو حمزة ..
جوقة النساء: أهلا وسهلا بأبو حمزة

وبعد تبادل عبارات التحية والشوق، كلاماً منغمـَّاً يعرب أبو حمزة، وقد تلألأ القز أمامه، عن إعجابه وقراره شراء الموسم كله:
أبو حمزة: بدنا كل الموسم
الجوقة: يالله
أبوحمزة: بعتو؟
الجوقة: بعنا
ويبدأ عد أكياس فيالج القز ووجوه أصحابه تفيض بالسعادة والفرح، أما أبوحمزة فلا يخفي رضاه الذي لا يكتمل دون الحلويات هديَّة الموسم (الحلاوة الجوزية) يقدمها المضيفون بينما يطالبه المختار بـ (ردِّة حلوة بيروتية)
ويبدأ الاحتفال بالموسم بحضور التجار .. لقد أراد الرحبانيان الإشارة باعتزاز إلى حُسْن العلاقات بين أهل المدينة ملوك التجارة وأهل القرى ملوك القز عبر السهولة والنعومة في إنجاز عملية الشراء وكذلك من خلال جو الفرح الذي أعقبها وقد امتلأ بالأغاني والدبكة والرقصات الجميلة.

كمٌّ هائل من المعاني تحمله الوصلة الغنائية التي تتالت بمواويلها وأبياتها وحوار المغنين مع الجوقة. لقد جاء وقت الراحة والاسترخاء بعد عناءٍ ومحصولٍ وخيرٍ دافق. تفتتح الاحتفال نجلا ببيت:
أوف أوف أوف أوف
يا وردة من فوق العين .. هادي بزْرارك هادي
ويا عين الفوقك وردة .. قوِّي نبْعِك بزيادة

هكذا هي الأمور في شعر منصور حين يمتزج غناء الفرح بالصلاة .. الصلاةِ للأرض كي تزيد من خيرِها والصلاةِ للنبع كي يزيد من تدفق مائه الطيب .. والصلاةِ للمواسم استزادةً لوافرها الذي يبعث السعادة والمسرَّة في النفوس .. أليس هذا ما يتمناه الناس الطيبون لأنفسهم وللآخرين!!
أما شاهين، الضيف والصديق والمحب فلا يخفي فرحته بتوفيق أحبائه، فينشد مواله البدوي:
سـَقالله يوم بتْصيروا لنا قرابْ .. ونملي من منابعكن لنا قرابْ
ما تقولوا لنا أهل ولنا قرابْ .. وبعدن طيبين وبالحيـاه ..
يا باي .. يا باي ..
تتبعه نجلا بموال من نفس النمط تظهر فيه براعتها وقدرات صوتِها الرخيم ونَفَسِها الطويل:
حلو يامن بأرض الدار خطَّيتْ .. على ذبحي حبر عَ وراق خطَّيتْ
وإنتْ يا منْ بسود العين خطَّيتْ .. الحبيس الـ طول عمرو ما خِطي
يا ويل ويلي يا ويلي ..
يجيب شاهين مخاطباً الليل بموال لبناني:
يا ليل يا ما فيك غنَّيْنا .. زرعنا الحكي الطيَّب حوالينا .. (2)
نْصلِّي لضحكة (2) ننْدر السهرة .. نسْقي الحلا مْن دموع عينينا
يا با ي يا باي يا با ..
نصلِّي لضحكة ننْدر السهرة .. نسْقي الحلا مْن دموع عينينا ..
أوف أوف ..
عْيونك ...
وينتقل من الموال إلى أغنية من تلحينه وكلمات منصور:
عيونك أخدوني وْرِمْيوني
وْعَ آخر دنيي ودوني ومن آخر دنيي جابوني
وْما بعرف وَين شَلَحوني .. عْيونك
الجوقة تردد اللازمة: عْيونك أخدوني وْرِمْيوني
وعَ آخر دنيي ودوني ومن آخر دنيي جابوني
وما بعرف وين شَلَحوني ..
من أجمل ما قيل في الغزل الغنائي:
عيونك يا بحيرة ميّْ وردْ وزنْبق غمزاتُن
مرَّةْ بيحنُّو شويّْ مرَّة بْتقْسى لفتاتن (2)
خايف دخلك لينسوني وإغرقْ بالميّْ وينسوني عيونك
الجوقة: أخدوني ورميوني
وعَ آخر دنيي ودوني ومن آخر دنيي جابوني
وما بعرف وين شَلَحوني ..
وديع: عْيونك يا حدّ السيف ومدهَّبْ بِغنيِّةْ
مرَّةْ بيكونو صيف مرَّةْ فيهن شتوية (2)
ما دامن رضيو وحبوني لشْ تَ بالآخر جرحوني عْيونك
الجوقة: أخدوني ورمْيوني
وعَ آخر دنيي ودوني ومن آخر دنيي جابوني
وما بعرف وين شَلَحوني ..
لا شك بأن الأغنية موجهة لنجلا حبيبةِ قلب شاهين وهو يرى جمالَ الحياة في وجهها البريء وعينيها الساحرتين اللتين ساحتا العالم به ثم تركتاه في هُيامه عاشقاً كسير القلب!
الفرقة تنتبه إلى أن الاحتفال بدأ يأخذ منحى المعاناة الشخصية بين الحبيبين نجلا وشاهين فأرادت، احتراماً للضيوف، العودة إلى جو العيد الكبير.. موسم الحرير!:
الجوقة: وانْ كان بَدَّكْ تِعْشق .. تاجرْ بالحرير
والعشق يا عيني .. بدُّو مال كتير
هذه الأغنية فولكلورية خفيفة معروفة قبل المسرح الرحباني وقد رددها المحتفلون بأعراسهم ومواسم القز .. أعاد عاصي توزيعها دون الابتعاد عن النغمة الأصلية وقد أدتها الفرقة مع نجلا ممهدةً بها لأغنية من تأليف منصور أضافت بلذَّةِ كلماتها ونعومة لحنها متعةً للعيد والضيعة وضيوفها.
نجلا: ناسي يا حبيبي شو رحْنا مْشاويرْ
بحبك يا حبيبي .. كتير كتير كتيرْ
الجوقة تردد:
وانْ كان بدك تعشق .. تاجر بالحرير
والعشق يا عيني .. بدو مال كتير
وانتقال فوري إلى أغنيةٍ تفيض نعومةً وأنوثة شيقة:
كيفْ ما بعملْ تعبانةْ .. وين ما بقْعد فزْعانةْ
الهوا شو قليل الزوق ..
بيطيِّرلي فستاني بيطيِّرلي فستاني
الجوقة ترددها كلازمة
نجلا: لبسْتِ الْفستان الحرير .. حلو كتير كتير (2)
بسْ كيف ما بعمل بيطير .. هالفستان مربَّاني
بسْ كيف ما بعمل بيطير ..
هالفستان مربَّاني هالفستان مربَّاني
الجوقة تردد اللازمة
نجلا: فستاني من وراق الوردْ .. مْسوسح الساحل والجردْ (2)
بلبسو بعز البرد .. وببقى منِّيش بردانه
بلبسو بعز البرد ..
وببقى منِّيش بردانه .. ببقى منِّيش بردانه
الجوقة تردد اللازمة
نجلا: قلبي يا فستان عليك .. رقصو القلوب حْواليك (2)
انضلّْ الهوا يعمل هيك .. رح ضبَّكْ بالخزانة
انضلّْ الهوا يعمل هيك ..
رح ضبَّكْ بالخزانة.. رح ضبَّكْ بالخزانة
الجوقة تردد اللازمة ثم ترددها نجلا داعيةً أبا حمزة ومرافقيه لرقصة الحرير.
ما أجمل هذه الأغنية التي عبرت فيها الفتاة نجلا عن حبها للحرير والفستان الحريريَّ تتراقص أطرافُه الرقيقة وقماشه الناعم على قدِّها الرشيق فيزداد كلاهما حلاوةً وإعجاباً بالآخر ولكنها لم تخفِ حَرَجَها من مداعبة الهواء ونسائمه الفضولية التي تحاول أخذ أطراف الفستان على أجنحتها فتـُتعِبُ نجلا الخجولة وتفزعُها .. أما الجوقة فلم تكتفِ بالموسيقا الآلية ترافق أصواتَ الشبيبة بل أضافت عنصراً جمالياً يُسجَّل إبداعاً آخرَ وليس أخيراً للرحابنة تمثل باستخدام إيقاعات الكفين بتصفيقة سريعة توافقت مع اللحن إمعاناً في وصف حالة الفرح الجماعي. التصفيق المنغَّم صاحَبَ أغانٍ أخرى واستُخدم وسيلةً للتصوير الإيقاعي في مسرحيتنا الرائعة.
أما التاجر أبو حمزة وجماعته فقد قاموا إلى الساحة وسط تشجيع الشبيبة يؤدون الرقصة الرجالية الذي تحولت إلى دبكة على لحن أغنية (طار الحرير طار)، يؤديها شاهين والجوقة بمصاحبة الموسيقا ترافقها إيقاعات الكف السريعة وأهازيج الفرح ولا لا لا، فاللحن الأساسي يبدؤه الزَّمْر القصبيّ فالأكورديون فالوتريات فالأوركسترا مجتمعة دون أن تتوقف (زقفة الكفين) :
طارْ الحرير طارْ .. رفّْ عْصافير طارْ.. (2)
يا ورد مـْزوزق يا زنبقْ .. عَ سياج الدار طار (2)
شاهين وجوقة الرجال:
عَ التوت العالي المخضرّْ .. عَ شرانقْ تضوي وتسمرّْ
عَ طباق تْدور ومدكوكة من قصب ناري مصفرّْ
جوقة النساء تكرر البيت ثم تتبعه بالمزيد من الكلمات الجميلة والصور البديعة.
وأخيراً وبالتبادل مع شاهين:
لوِّحْ ياحرير .. لفّْ الدنيي وطير (2)
لـوَّحْ لـوَّحْ لـوَّحْ لـوَّحْ ياحرير
...
ياحرير !! ...
ينتهي مشهد الحرير والموسم وتسويقه الذي يبدأ معه خير الأهالي في القرى التي جنت ما زرعت الأيادي الطيبة .. هاهو المختار يدخل بيت العروس نجلا يطمئن عن الحال والتحضير للعرس حيث يرينا هذا المشهد شباب وصبايا الضيعة وهم منهمكون بتحضير كل مستلزمات العرس والحفلة والرقص وحلقات الدبكة مستعرضاً المزيد من صور الفرح والبهجة التي عادة ما تسبق وصول العريس والعروس ..

مختار الضيعة في الدراما الرحبانية عميدُها والأب الروحي لأبنائها بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ سامية وما تتطلبه من رعاية واهتمام. لهذه الشخصية مكانة غاية في الأهمية في تطور الحدث الدرامي ولا بد لهذه الشخصية الإيجابية من التخصيص بأجزاء مهمة من السيناريو تلائم حاجة الدراما إلى تداخلات وحلول ثانوية وحل نهائي للعقدة الأساسية، ما لم تُسند هذه المهمة إلى شخصية أخرى مساعدة.
كثيرة هي الحالات التي اعتمد الرحابنة فيها على الفنان الكبير نصري شمس الدين للَعب هذا الدور الذي يتطلب مهارة من نوع خاص ومواصفات شخصية برع في تقديمه الفنان القدير الذي رافق الرحبانييِّن في عمليهما مع الفنانة صباح (موسم العز ودواليب الهوى) وفي أعمالهما الأخرى مع فيروز حتى وفاته المبكرة على خشبة المسرح في الأردن عام (1985) فكان المختار الذي أحب أهل ضيعته وأخلص لهم وساعدهم بحل مشاكلهم والتوفيق بينهم إن حصل خلاف في قضايا إرثٍ أو حب أو ما شابه ذلك وأحبوه ووثقوا به وتلذذوا بحكاياه وطلبوا حكمته والتزموا بما توصل معهم إليه من اتفاقات.
هنا، في موسم العز، وبالرغم من وجود أهل نجلا إلى جانبها قبل العرس وخلاله فإن دور المختار كأب روحي لنجلا يظهر في جميع المشاهد اللاحقة:
- كلْ شي تْحضـَّر؟
- كلْ شي تْحضـَّر
- كلْ شي تْجهـَّز؟
- كلْ شي تجهـَّز
- أكلْ عْملتو كفاية؟
- عْملنا
- النسوان تْشهِّل بالكبـّة
- الكبـّة خلصت ما بقى إلا نجبلها
أهلا وسهلا .. أهلا وسهلا .. أهلا أهلا
- وأيا ساعة بيوصل العريس وأهلوا؟
العريس وأهلو العريس وأهلو؟
- العريس وأهلو .. ما بقى إلا يوصالو
- أهلا وسهلا .. أهلا وسهلا.. أهلا أهلا
- هيَّيْتو القيمة ؟
- هيَّيْنا
- وين الدبِّيكة ؟
- بالساحة
- وين السيف ؟ وين الترس ؟
- عَ سلاحن تحت الإشارة
- والعروس زيَّنْتوها؟
- نجلا العروس رفيقاتا الصبايا عَمْبيحنُّوها

هنا تطلع الفرقة باللحن الفولكلوري (زفـَّة العروس) وهو لحن لا يخلو منه عرسٌ في شرقنا يعتمد الدفَّ والصنج والزمر بشكل أساسي ويأتي بقالب المارش البطيء تتمختر العروس ووصيفاتها والموكب على نوتاته الهادئة (وتـْمختري يا حلوة يازينة) .. تنتقل بعده الفرقة الموسيقية لتعطينا (لحن المناديل) الجميل والمليء بإيحاءات الفرح وهو محوَّر عن اللحن الأساسي للمسرحية لا يلبث أن يعود إليه وقد انطلق الشبيبة إلى الرقص والدبكة والأهازيج والزلاغيط والإيقاعات الملونة بالتصفيق وخبطات الأرجل، إيذاناً ببدء العد التراجعي .. فما هي إلا ساعات ويظهر موكب عريسنا القادم من الضيعة الجارة والتي يربطها بضيعتنا الكثير من الود وتسود بين أهالي الضيعتين روح التعاون والمحبة التي ستكرسها القربى (ضيعتنا صارت ضيعتكن).
لم يجهر السيناريو باسم العريس حتى الآن، ربما عن قصدٍ أراد المؤلف أن يترك لنا حرية التخمين، فتسلسل الأحداث أشار بما فيه الكفاية إلى انتفاء فكرة الوصول بالحب الكبير بين نجلا وشاهين إلى زواجهما .. العريس إذاً شخص آخر غير شاهين!!
أما سبع فما زال الغلُّ في صدره يأكله، كان العريس من كان طالما أنه ليس من الضيعة نفسها .. فكم من الصعب عليه وعلى أصدقائه أن يروا نجلا وقد زُفَّتْ إلى خارج الضيعة فما عادوا يرونها ويستمتعون بطلَّتِها الغالية وجمالها وصوتها العذب.
ها هو يتسلل إلى بيت العروس ويدعو الفتاة التي ستقدم الاحتفال:
- تعاي !! .. مش رح يطلع عرس مليح
- شو بدك أحسن من هيك؟
- هيدا كله شيح بْريح
- ليش ليش اسم الله عليك؟
- لما العريس بيوصال .. هوِّي وأهلو عَ الساحة
ورجال بتوقف لرجال قْبالْ عْيون الدبَّاحة
مْنرْمي القيمة بالميدان .. ومنْقيما قيمة فرسان
ومنْقلُّن ياهْل العريس .. قيموها انكنتو شجعان !
- و تانفْرضْ ما قا موها؟
- هي هيه .. تانفْرضْ ما قا موها !!.. العرس بيوقفْ يا توها
ونجلا بتروح بْلا عرس .. بلا إي ويــــهـا هاه هاها !!

ويعلن شباب ضيعة نجلا وصول العريس فيحيونهم ويتقدموا لاستقبالهم فاتحين الأبواب مرحبين ومهللين بينما يهتف مرافقو العريس:
- حيَّا الله
- يا هوه ..
- عريسْنا يا زينة كلّ المحاضر
- هاي
وتبدأ زفـَّة العريس بتقدم الموكب وعلى رأسه شاهين السعيد بعرس نجلا وبالعريس (عبدو) صديقه وابن قريته مؤدياً مع المجموعة أغنية (طلَّعني درجة درجة) وبقالب المارش البطيء أيضاً:
شاهين: طلَّعْني درْجة درْجة .. تا نوصلْ عَ الدار
جوقة العريس: طلَّعني درْجة درْجة .. تا نوصلْ عَ الدار
..
شاهين: دارك يا حلوة مرْجة .. فيه الحب زرار
جوقة العريس: طلَّعني درْجة درجة .. تا نوصلْ عَ الدار
شاهين: فِرْجة فستانك فِرْجة .. فِرْجة هالزنـَّار
جوقة العريس: طلَّعني درجة درجة .. تا نوصلْ عَ الدار
شاهين: يا حلوة كرْجة كرْجة .. كرْجة الصيادة كتــار
جوقة العريس: طلَّعني درجة درجة .. تا نوصلْ عَ الدار
شاهين: خلينا بهالليل نهلّْ .. نـْقطِّفْ ورد نـْلملم فلّْ
جوقة العريس: خلينا بهالليل نغلّْ .. نـْقطِّفْ ورد نـْلملم فلّْ
شاهين: بلكي شي نجمة بتطلّْ .. بتاخدنا مشوار
جوقة العريس:طلَّعني درجة درجة .. تا نوصلْ عَ الدار
شاهين: طلَّعني درجة ودرجة .. تا نوصلْ عَ الدار
جوقة العريس: طلَّعني درجة درجة .. تا نوصلْ عَ الدار
إعادة ..
ثم تبدأ نساء أهل العروس بالهلاهيل التفاخرية (إي ويها ..)
يتبعها إنشاد إعلاني لأهل العريس:
نحنا جينا // من ضيعتنا // جينا لضيعتكن // ناخدْ عروستكن
جوقة أهل العروس:
أهلا وسهلا // عروستنا // ناطرة مجيتكن // تا تروح لضيعتكن
...
سبع: البـْنيـَّات عَمْتطلَّع والشبيبة عمْتتجمَّع
حطـُّو هالقيمة بالأرض .. تانقيما والضيعة تقـْشع
مُقدِّمة الحفلة من أهل العروس:
شلحة الحرير // ومحرمة الحرير // للشب القوي //
البيقيم القيمة // وبيخلِّي هالعرس يصير
يا أهل العريس منشلح القيمة بالأرض
وانْ قمتوها هالعرس بيتمّْ والزينة بتعم
والشب اللي أقوى الكل البيقيم القيمة
القلوب بتهديه شلحة الحرير ومحرمة الحرير
هذه المقدمة دعوة للعريس (عبدو) لامتحان قوته ..
سبع، الذي يعرف كم هي ثقيلة تلك القيمة التي اعتمد تدبيرها في خطة لإيقاف العرس نكاية بالعريس (الغريب)، متأكدٌ بأن عبدو، وقد خبر قوته سابقاً في قيمةٍ أخفَّ وزناً، سيفشل وستنجح خطته الخبيثة.

في العديد من المسرحيات الرحبانية يأخذ فيلمون (سبع) ومنصور (مخول) أدوار التهريج أو التخريب. ومما يشهد على التواضع لدى منصور الرحباني أنه كان يمثل دوماً أدواراً صغيرة ثانوية في الأعمال التي ألف حواراتها وقصائدها وأغانيها واشترك في وضع ألحانها ضارباً مثلاً يندر تكراره في التواضع ونكران الذات ومبادىء العمل الجماعي وفي الإخلاص لجوهر العمل الإبداعي. وإضافة إلى هذه الحقيقة فإن الرحبانيين كانا حريصين على فسح المجال للآخرين ممن يود إظهار قدراته الشعرية أو الموسيقية من الممثلين للمساهمة بكتابة كلمات بعض الأغاني أو تلحين بعضها الآخر.
سبع ملمِّحاً ومتستراً على فعلته: ما شا الله ما شا الله .. ما شا الله .. بيقيم القلعة !!
أهل العروس: قرِّبْ ياعبدو قيما
أهل العريس: يا الله ياعبدو ياالله
- قرِّبْ قيما
- قرِّبْ قيما
- يا الله ياعبدو ياالله
- يا الله ياعبدو ياالله
يقترب عبدو فيما تتوجه إليه الأنظار والجميع، ماعدا سبع ومخول، يأملون بقدرته على رفعها إرضاءً لشروط العرس والفرح. لم يتردد سبع بإبداء علائم الشك وابتسامة ساخرة على وجهه الحسود.
ويفشل عبدو فوراً .. فلم يكن له من الهمة والقدرة ما يمكنه من تنفيذ المطلوب، ربما لأنه أطال السهرة ليلة الأمس في بيته مع أصدقائه وأهله تغمرهم السعادة والفرح فلم ينل من الراحة القسط الكافي:
- شو يا عبدو؟
- تعبان .. تعبان شوي
- شو يا عبدو؟!
وهنا يطلب أهله تأجيل العرس لليوم التالي فيرفض أهل العريس وتعلو صرخات الاحتجاج وخاصة من سبع ومخول (ما بـْيتأجـَّل) وأهل العروس من جهة، وأهل العريس (بدُّو يتـْأجـَّل) من جهة ثانية، لولا التدخل الإيجابي للمختار، فهو ساحة الأمل عندما تضيق الصدور:
- يا أهل الضيعة .. عبدو طالب فرصة لبكره ..
ليش نخلي نجلا تروح بلاعرس وفي بقلبا جروح
خلينا لبكره يمكن عبدو ينجح ..
ومْنعملها سكرة وبْهالعرس منفرح
شباب من أهل العريس: بتْجرب بكرة يا عبدو
عبدو: بْجرِّبْ بكرة
أهل العروس: خلو العرس لبكره
المختار: ومنعزمكن ترتاحو بهالليلة عِنَّا
أهلا وسهلا وبكره مْنفْرح ومنتْهنا
وهنا تختلط المشاعر وتتلون الوجوه، ما عدا سبع ومخول فقد ملأتْ علائم المقت وجهيهما، بألوان امتزجت فيها الخيبة ببقايا الأمل في ألا تضيع فرحتُهم وتحضيرُهم سدىً فيُقضى الأمر بلا عرس تفرح به القلوب وتسعد به حلوة الضيعة نجلا التي تمناها لنفسه كل واحد من الشبان وهاهي تتعرض للإحباط والخوف مما يخبئه الغد:
يغادر الجميع صوان الدار والأوركسترا تعزف اللحن الحزين بقالب مارش الخروج البطيء بينما تبقى نجلا قريبة من القيمة تنظر إليها بحزن وحقد عليها:
تـْقيلة !! تقيلة كتير إنتي شو تقيلة .. لو كنتي تحسي عَ القليلة
وتكوني أخف شويّْ كنتي .. تركتيني أنا روح بسبيلي
....
قوليلي شو عملتـِّلكْ قوليلي .. يا تقيلة

ينقضي الليل ويأتي الصباح نهاراً جديداً بكليته.. أملُ نجلا وعبدو وأهل العروسين كبيرٌ وأمنياتهم بتحقيق الفرح تملأ وجوههم دون أن يزول نهائياً الخوف الدفين .. فقوانين الضيعة لن تسمح بإقامة فرح العرس إن فشل عبدو بشَيْل القًيْمة ومن المستبعد أن يستطيع أحد من جماعته القيام بالمهمة عنه فهو أقواهم وأصلبهم عوداً. يا لًهذه القيمة الثقيلة اللعينة!
يتوافد الناس إلى باحة دار نجلا، حيث تقبع في وسطه وسيلة الاختبار، على لحن جميل ناعم متموج يلائم حركة القادمين من أطراف الضيعة بعد أن أزال الليل عكر المزاج وبعث الصباح بشمسه الجديدة أملاً في النفوس عبرت عنه موسيقا التوافد بلحنه المشابه إلى حد كبير اللحن الذي يتجمع معه المتنزهون السعداء في أللغرو الحركة الرابعة من السيمفونية السادسة (الريفية) للموسيقار العظيم لودفيغ فان بيتهوفن (Merry gathering of the country folk).

اقتباساتُ الرحابنة من روائع الأعمال الموسيقية العالمية عامة والأوروبية على وجه الخصوص طبع عدداً كبيراً من ألحان أغانيهم أو المقاطع أو الفواصل الموسيقية الحرة. وقد كان لهذا الاقتباس الناجح أثره على منح الألحان والأعمال الرحبانية صفة العالمية وخاصة ما أبدعه ضمن إطار مشابه الموسيقار الكبير ذي المكانة العالمية الأستاذ الياس الرحباني. أما على صعيد الجمهور الرحباني فقد لاقت هذه المنهجية إقبالاً وترحيباً تهيأ معه المستمع الرحباني العارف للموسيقا الكلاسيكية والرومانسية الأوروبية لسماع الألحان الجديدة المليئة بالجمل الموسيقية التي تذكره بألحان أساسية ونوتات تميزت بها أعمال الخالدين من أساطين الموسيقا العالمية.
ويتجمع جمهور العرس وقد تركزت أشعةٌ متفائلة صادرة عن عشرات العيون المترقبة والمتأملة بينما يتقدم المختار، سيد الضيعة:
المختار: هايدي آخر فرصة
بتـْقيموها مْنعمل عرس .. ما بتـْقيموها بتروح
نجلا بقلبا غصَّةْ
ويرد أهل العروس:
آخر فرصة .. آخر فرصة !!
قرِّبْ يا عبدو قرِّبْ //
لا تخلّي نجلا تترك أهلا وفي بقلبا غصَّة تندهلا
شاهين: خلينا ناخدها بعرس .. ورقصة كيف وعَ مهلا
قرِّبْ يا عبدو قرِّبْ .. كرمالكْ نجلا
الجميع: قرِّبْ .. ياعبدو .. قرِّبْ ..
كرمالكْ نجلا .. كرمالكْ نجلا
إي ياعبدو .. هي يا عبدو .. هي يا عبدو ..
ترتفع الأصوات ويزداد التحملق وشدُّ الشباب على أسنانهم وكأنهم يودون لو يأكلوا من القيمة نصفَها تسهيلاً على عبدو وقد بدأت أصواتهم تتخامد وتتهادى كلما خفَّ تسارع الحجر وهو يرتفع بصعوبة بالغة بين يدي عبدو بينما انحنت جذوعهم توجُّساً.. لو كان بإمكان سواعد هؤلاء القدرة على إرسال بعض طاقاتها لتضاف إلى ساعدي عبدو لما قصروا .. ويتهاوى الحجر قبل أن يصل به العريس المسكين إلى صدره ويصرخ الجمع بتعجبٍ وأسفٍ وخيبة:
- له له له !!!
يطأطيء الفتيان من أهل العريس رؤوسهم وتزداد انحناءة أجسادهم بينما يصرخ أهل نجلا بحمق وتساؤل:
- ما في معكن مين يقيما؟
المختار لا يجب أن يسمح بالانفعال أن يحدَّ من حكمته ورويَّته وهو بأمس الحاجة الآن لرباطة الجأش والشجاعة، فالأمر تعقد ولا بدَّ من حل يرضي الجميع، وحتى أهل العروس هنا يتركون للمختار الكلام واقتراح الحل.
إذاً فلنبدأ بالتفاوض مع أهل العريس على انفراد:
- نجلا .. نحنا بدنا نبقى هونْ .. روحي وحدك

نجلا، التي توجهت خارج الساحة خائبة كارهة حظَّها المتعثِّر وهي تردد بلحن حزين (وحــدي .. بروح .. لا زْلاغيط العرس .. لا غْناني .. ولا جرَّة مليــانة) لم تكن، مثلُها مثلُ جميع الحاضرين، تتوقع المفاجـأة الكبرى التي حوَّلت بعد لحظات الحزنَ إلى فرح وأعادت إلى الضيعة بهجتَهـا وسعادتها بنجـلا، حلوة الحلوات .. وعرسها الكبير المنتظر والذي يعني الكثير بالنسبة لأهلها ولجميع أبناء وبنات الضيعة وهم ينتظرون لها السعادة.
ولكنه الحب .. سيدُ الحاضرين ونصيرُ الطيبين يأبى أبطاله الإذعان والاقتناع بأن يصبح الفشل والخيبة مصيراً وقَدَراً محتوماً، وهم الذين عاهدوا الحب بالإخلاص والتضحية انتصاراً له ولمن يحبون!
فالعاشق المرفوض مرهج، وقد جعل الحب منه بطـلاً تغلب في داخله الإنسانُ المخلص المضحِّي على الشخص المنبوذ المتشفي السعيد لفشل غريمه عبدو، لم يستطع أن يبقى على الحياد، وهو الذي تسلل سراً إلى الساحة ليراقب من خلف الأشجار عرس حبيبته نجـلا، التي رفضته لكونه صعلوكـاً لا ينسجم مجتمع الضيعة مع شخصيته وحياته المتشردة الخارجة عن تقاليد الضيعة وأهلهـا .. هذا العاشق الصادق، والذي منحته الطبيعة التي التصق بها وحياة البراري التي عاشها قوة بدنية تفاخر بها وتميز عن الآخرين، وجد فرصته الذهبية في فشل عبدو، وربما لم يكن يتمنى له هذا الفشل، كي يظهر فروسيته لحبيبته التي سحرته منذ طفولتها وبقيت في عينيه إلهةً للجمال والحب وهي تنمو ومعها ينمو حلمُه بأن تكون له يوماً ما..
ولا عجب أن يثير تقدمه من خلف الساحة دونما توقع من أحد ليقــول (يا شباب وْقَفو شوي !!) استغرابَ ودهشة الحضور .. فهم لا يتوقعون منه موقفاً رجولياً من هذا النوع فهو ببساطة الإنسان المنبوذ المهمَّش الذي لا يبادل أهل الضيعة، وخاصة بناتها المودة والانسجام وهو ليس معنياً بأفراحهم ومناسباتهم .. ومن هو عبدو بالنسبة إليه كي يتطوع لحل إشكالية فشله وحيرة أهل العروس الذين ضاع سُدىً حماسهم وتشجيعهم وإعطاؤهم لعبدو الفرصة الثانيةً.
الضيعة التي رفضت مرهج القلاعي طيلة حياته البرية (مربى الحراج السود – إبن القلاعي ) ليس لها الآن أن ترفض عرضه المنقذ الذي أعاد للعرس حقيقته ولأهل الضيعة بهجتهم مكملاً نجاح موسم العز وحافظاً له قدسيته.
ـ ياشبـاب .. وْقـََـفو شوي .. أنا بدِّي شيلْ مع أهل العريس
ـ إنتْ يامرهج ؟!
ـ أنا بدِّي شيلْ مع أهل العريس
ـ ليش يامرهج؟!
وبيدين قويتين وبكل ثقة بالنفس يتقدم البطل العاشق الصادق ويحمل (القيمة) إلى الأعلى مثبِّتاً عهده على تبني عرس نجلا وعبدو وما يلي ذلك من التزامات حمايتهما ودعمهما حاضراً ومستقبلاً:
ـ ليش ؟! ..
ليش تـَ خلـِّي العرس مانّـو عرس ..
تْروحْ نجـلا .. حلـوة الحـلوات .. بـلا رقصْ .. بـلا زينـات
ولا نجبلهـا تشــاكيل قطف الشمس !!
لا تـْدمّْعـي نجــلا ..
ما بْتطلعي من هـون إلا و عـَمْيعلا عرسـك عـَهـالكـون !!

صيحات الفرح يطلقها الحضور مشيدين بشهامة الرجل وقد أعادت مبادرته الكريمة للعرس بهجته وللعروسين سعادتهما. نجلا لن تنسى، بعدَ هذا الموقف الفروسي النبيل من مرهج، القوةَ الإنسانية في الحب .. تلك القوة التي تغلبت على الخطة السرية لسبع ومخول وحولت الصياد العاشق في نظر الضيعة إلى بطل أنقذ الموقف ولو على حساب مشاعر الحب.
ـ صحايف
ـ صحايف مين
- صحايف هالعرس الحلو
- هــأي
هنا تنطلق موسيقا لحن رقصة السيف والترس بينما تقفز المجموعة إلى الساحة بحيوية تؤكد زوال حالة الحزن والعودة إلى العرس وطقوسه يرافق الراقصين أغنية السيف والترس ويُضيف إيقاع التصفيق المنغـَّم جمالاً وحيوية وإحساساً بالمشاركةِ وجماعيةِ الأداء وسيطرةِ حالة الفرح:
هاتو السيفْ وهاتو الترسْ .. وردُّو يا صحابى عليِّ
هاتو السيف وهاتو الترس .. وردُّو يا صحابى عليِّ
يا عرس الـْما متْلك عرس .. غْناني ورقْص وكيفيـِّةْ
هاتو السيف وهاتو الترس .. وردُّو يا صحابى عليِّ
ويتحلق الجمع، ومرهج القلاعي معهم، حول راقصي السيف والترس وكلُّهم حيوية ونشاط وابتهاج يرددون عبارات الإعجاب بالراقصين وأهازيج التشجيع .. ثم نعود إلى التحيات:
- صحايف
ـ صحايف مين
- صحايف الدار .. أهل الدار .. والزوار
جوقة أهل العريس: مْحبَّةْ مْحبـَّةْ مْحبّتْكن .. يا أهلا وسهلا بطلِّتكن
ضيعتنا صارت ضيعتكن و مْحبَّةْ مْحبـَّةْ مْحبَّةْ
تكرار ..
يطلع المختار بعدها بأغنية جميلة من نمط التراث البدوي يبدأها بموَّال ثم تصاحبها دبكة فرحة سريعة وحيوية:
لا متلها في حدا ولا متل دارا دار .. هبّ النسيم الطَّري عَ زهورِها ومال
يا حلوةِ اللي القمر وِلـْف لْحِماكي وجار .. مشتاقِلا العين بسّْ القلبْ ما يطال
الجوقة: لالالاه لالا لالالاه لالا لا لاه
قتـَّالة عيون الهوا قتـَّالة (2)
المختار: لالالاه لالا لالالاه لالا لا لاه
قتـَّالة عيون الهوا قتـَّالة
جوقة النساء: لالالاه لالا لالالاه لالا لا لاه
قتـَّالة عيون الهوا قتـَّالة ْ
جوقة الرجال: لالالاه لالا لالالاه لالا لا لاه
قتـَّالة عيون الهوا قتـَّالة ْ
المختار: طير يا الطاير صوب البيت العالي
خبّرهن أنو حبّـُن عَ بالي
طير يا الطاير سلِّم عَ الغوالي
وقلُّن أيام الهنا شيـَّالة
الجوقة: لالالاه لالا لالالاه لالا لا لاه
قتـَّالة عيون الهوا قتـَّالة
القصب منفرداً ينغِّم اللحن مع الدبكة وإيقاعات خبط الأرجل ونعود إلى الجوقة:
الجوقة: لالالاه لالا لالالاه لالا لا لاه
قتـَّالة عيون الهوا قتـَّالة
المختار: جيت لـ داركْ زور الورد وشمُّو
قالو ويلك بعدو الورد عْلى مًّو
ووردْ خدودك حن وطايب لمُّو
وميَّالة زهور اللِّيكن ميَّالة
الجوقة: لالالاه لالا لالالاه لالا لا لاه
قتـَّالة عيون الهوا قتـَّالة
المختار: ريم الورد ترمي القلب عيونو
وسحر الليل مكحَّلْ ريف جفونو
وشعرك تارك للنسْمات جنونو
وعيونك تحكي عيون الغزالة
الجوقة: لالالاه لالا لالالاه لالا لا لاه
قتـَّالة عيون الهوا قتـَّالة (2)
هذه الأغنية من أجمل أغاني الغزل المصاحب للدبكة وهي محببة كثيراً لدى عاشقي ونجوم الدبكة الشعبية وتكاد لا تخلو سهرة فرح أو عرس منها .. وقد تقصَّد المخرج والرحبانيان تركها إلى الجزء النهائي من المسرحية لحيويتها الشديدة ورقة كلماتها التي وجَّهها المختار هديةً للعروس نجلا وهي تترك القرية.
الفرح العائد بقوة، والذي فرض نفسه بفضل الحب، حبِّ مرهج لنجلا وحب الضيعة لحلوة الحلوات وأيضاً حب شاهين الكبير، ولـَّد عند سبع ومخول حالة من الأسف والخجل مما حدا بسبع لتقديم أغنية كوميدية قصيرة على سبيل الاعتذار أكد الحوار بينه وبين الجوقة فيها رفض الضيعة لسبع وهو (الشاب المليح):
- ريدوني
- ما منْريدك
- شاب مْنيحْ
- الله يزيدك
والتي يخلص فيها إلى أنَّ (كل البلا من النسوان)
وتترك الجوقة سبع ومزاحه الثقيل لتنتقل بسلاسة إلى الفرح الحقيقي بالعريسين وتكرار الترحيب بأهل العريس:
مْحبَّةْ مْحبـَّةْ مْحبّتْكن .. يا أهلا وسهلا بْطلـِّتـْكن
ضيعتنا صارت ضيعتكن و مْحبَّةْ مْحبـَّةْ مْحبَّةْ
لتنطلق بعدها الشحرورة صباح بموال فولكلوري من أجمل قصائد العتابا ملوِّنةً الحفلَ بصوتها المعجزة وما يخلقه من سحر يطير بالمستمعين إلى الفضاء البعيد. أهل العروس سعداء بها بعد حالة من القلق خلقتها القيمة الثقيلة ولكن الفرح عاد وأصبح حقيقة ولتأكيد الفرح لا يوفر أحدٌ فرصة للإعراب عن السعادة الفائقة .. (طيِّبْ يا عروس):
نجلا: هيهات يا بو الزلف .. عيني يا موليـَّا
صفصاف لا تستحي .. شلشكْ على الميـَّا
الجوقة: صفصاف لا تستحي .. شلشكْ على الميـَّا
نجلا: يا ريتْ فينا سوا عهد اللينا نْعيدو
كرم الهوى عَ الهوا ناشرْ عْناقيدو
خوفي يمرّ الهوا ويوميلنا بإيدو
ونْشوف كرمو اسْتوا وعَ دروبنا فيـَّـا
الجوقة: صفصاف لا تستحي .. شلشكْ على الميـَّا
شـاهين: أوف أوف أوف ....
نحنا زرعنا الدني عَ مطلِّنا العالي
وحقلة ترابا غني وبستانها حالي
وهنا يستخدم وديع الصافي الموهبة الصوتية العظيمة التي يتمتع به دون سواه فيؤدي تتمة البيت بطبقة عالية جداً أراد فيه أن يؤكد استمرار شاهين بحبه العظيم لدار نجلا فهم أهله، والذكريات الجميلة لن ينساها طالما بقيت أغصان الصفصاف صديقةً لشلالات السواقي، فلتسمع النجوم إذاً:
يا دار بيـَّا هلي
يا دار بيـَّا هلي وإيام عَ بالي
صفصافها المنحني عَ مكاسر الميـَّا
ترنيمةٌ للحب والوفاء وصلت الأرض بالسماء فتحركت مشاعر الشبيبة فتياناً وفتياتٍ تتشابك أياديهم في الدبكة بعد موال شاهين في حوارية غنائية بين شاهين ونجلا والمختار والجوقة (ياغزيـِّل ثم على دلعونا ثم على الـْماني عَ الـْماني فـ يا ظريف الطول يا بو الميجانا) بألحان متنوعة وهذا إبداع جديد من إبداعات عاصي الرحباني فقد دمج الأوف بالعتابا بالميجانا بالزجل في وصلة واحدة سخية تكريساً للقيم التصويرية .. الفرحة كبيرةٌ ألهبت مشاعر الجميع وأحيت روح المحبة والتآخي وثبَّتتِ المكانة المقدسة لأهم عنصرين في حياة الناس: الحب والعمل.
بعد هذه الوصلة الفائقة البهجة والحيوية نتسلل ثانيةً بمرونة رحبانية تعتمد الإيقاع بالكفين إلى لحن الترحاب والتعاهد:
مْحبَّةْ مْحبـَّةْ محبّتْكن .. يا أهلا وسهلا بْطلـِّتـْكن
ضيعتنا صارت ضيعتكن و مْحبَّةْ مْحبـَّةْ مْحبَّةْ (2)
ولحظة صمتْ !! فالحفلة لا بد لها من نهاية والعريسان سيتوجهان الآن إلى بيتهما الجديد !! ونجلا، الحلوة التي احتضنتها الضيعة بأشجارها وأزهارها .. بقزِّها وحريرها وبقلوب شبانها فكانت بالنسبة إليهم القريةَ والوطنَ والموسمَ والفرح كلَّه .. ستودِّعُهم الآن وقد اختلطت دموع الفرح بدموع الحزن للفراق .. ولتخفيف حالة الحزن أعلن أهل العروس اندماج الضيعتين .. لقد وحَّدتهماْ نجلا وأقام الفارس مرهج حفل التوأمة الوطنية مكرساً المعنى الحقيقي للحب الذي لا يكتمل ويزهر بدون الشهامة والبسالة والاستعداد للتضحية .. إنه حب الوطن!
في برهة الصمت تتبادل العيون عبارات الود الصادق عبر الفضاء الذي مازالت نسائمه تتراقص على أنغام وأصوات المحتفلين السعداء، التي تخامدت ولكنها أبقتْ في ذاكرتهم خميرةً طيبة لإنضاج عجائن المواسم القادمة وأفراح الأيام الآتية .. ويتقدم والد العروس، فلا بدَّ من توصيةٍ أخيرة لمرحلة قد يكون فيها المر إلى جانب الحلو .. توصية تعكس بأقل ما يمكن من الكلام ثوابتَ البيت والضيعة والناس والحرص على نقلها للأولاد، عمادِ الوطن، عبر التربية الصالحة:
آخر وَصيِّة: قبلْ ما تـْروحي معو .. روحي معو ..
للموتْ بتضلـِّي معو ..
الماضي ، الطفولة ، أهلك .. الجيران ..
كلّهن نسيـان .. وغيرو ولا إنسان ..
بالفقر بتـْكوني معو ، وبالعز بتْكوني معو،
ولما بتعصفْ ريح بتْكوني معو
وربـِّي ولادك عَ الرضى
بالمحبِّة والرضى .. بتزهر الأرض وهيكْ بيشعّْ الفضا
زرعيُّن بالوعر أرزْ وسنديانْ
وقوليلهن: لبنـان! .. بعد الله يعبدو لبنـان!
هذه الوصية التي جاءت بالصيغة الشعرية الرقيقة سُمعت في القاعة بإصغاء تام وخشوع ألهب مشاعر الجمهور الذي راح يصفق طويلاً وقوفاً تحية للرحابنة وللممثلين وقد انهمرت الدموع من عيونهم.
أما الجوقة فلم تكتفِ بالوصية لنجلا الوطن .. نجلا الشعب اللبناني الحي الخلاق المبدع الغني القوي .. وهكذا تقدم الجوقة المشحونة بمشاعر الحب والحماس مع جميع الممثلين وفرقة الدبكة الأغنية الختامية وكأنهم يُبْدون أسفَهم لأن المسرحية انتهت ولا بد من الخاتمة، وقد جاءت الأغنية بصيغة حوارية هادئة ذات طابع نشيدي وراقص في آن:
الجوقة: القوي لبنان الغني لبنان الهنا والجنا بِْسما لبنان
القوي لبنان الغني لبنان الهنا والجنا بِْسما لبنان
نجلا: طلعْ القمر وسهرْ القمر وعشقْ القمر بْسما لبنان
الجوقة: الغني لبنان القوي لبنان الهنا والجنا بْسما لبنان
شاهين: طلعْ القمر وسهرْ القمر وعشقْ القمر بْسما لبنان
الجوقة: الغني لبنان القوي لبنان الهنا والجنا بْسما لبنان
جوقة الفتيات: وسـِعْ الليل وغَمَر الدني وشَرح الليل نغمو الهني
.. والمزيد من الكلمات الرقيقة عن الضيعة والناس والمحبة والجمال والفرح وعز الوطن
...
لبنان القوي لبنان الغني لبنان الحلو لبنان ....
الهنا والجنا بِسما لبنان ...
الهنا والجنا بِسما لبنانْ.


طوبى لصانعي الفرح وبناة الأوطان ..

Massouh@elaph.com






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,646,703,236
- صك إدانة لقناة الجزيرة؟!
- الجـلادون واللغـز
- نجيـب ســرور الفنـان الرقيـق .. المنــاضل العنيـد - ترتيــــ ...
- صك براءة من الفكر الليبيرالي لقناة الجزيرة
- مقتطفــات من شعر جميــل صدقي الزهـــاوي في الفلسفة والمـــرأ ...
- همـزة العفيف وسونيا وفستـان فيفي
- ماذا لو باعت صباح فساتينها ؟!
- العقــل والديــن منفصلان !!
- الأصغر بيوم أفهم بسنة
- 8 آذار (مارس) اليـــوم العالمــي للمــرأة
- الشبع باستنشاق رائحة الشواء
- شتم المرأة يشفي غليل المتخلفين
- استفتاءات قناة الجزيرة وآخر أبواق صدام
- ما ذا يريد عبد الباري عطوان؟
- رحيل المفكر والأديب السوري الكبير الدكتور حافظ الجمالي
- يوسف حنــــا نــورٌ أفـــَـل قبــــل الأوان


المزيد.....




- ننشر تفاصيل حريق شركة الزيوت المتكاملة بمنطقة الأدبية بالسوي ...
- إيليا سليمان: الصمت يغريني أكثر .. وسلطة الحديث للصورة
- ?فيلم لـ«الجزيرة» يفتح «تابوهات» أكبر ملفات الاغتيال السياسي ...
- الأدب النسوي باليمن ... مشهد ينشد الاكتمال
- بالصور.. مجموعة من أشهر السيارات المعدلة على طريقة فيلم TRON ...
- الفنانة الاماراتية هدى الخطيب: هذا يحدث في كباريهات مصر
- كيف يمكن أن تتعامل السينما مع تنظيم -الدولة الاسلامية-؟
- زوجة الفنان -يحيى زكريا-: الراحل كان يغازلني بأشعاره
- دعوى قضائية لرفض تشكيل لجنة لإدارة «الفنون التطبيقية»
- بوركينا فاسو : كومباوري يتنازل عن الحكم وشؤون البلاد في يد ا ...


المزيد.....

- طقوس للعودة / السيد إبراهيم أحمد
- أبناء الشيطان / محمود شاهين
- لا مسرح في الإسلام . / خيرالله سعيد
- قصة السريالية / يحيى البوبلي
- -عزازيل- يوسف زيدان ثلاث مقالات مترجمة عن الفرنسية / حذام الودغيري
- بعض ملامح التناص في رواية -الرجل المحطّم- لطاهر بن جلون / أدهم مسعود القاق
- مجموعة مقالات أدبية / نمر سعدي
- موسى وجولييت النص الكامل نسخة مزيدة ومنقحة / أفنان القاسم
- بليخانوف والنزعة السسيولوجية فى الفن / د.رمضان الصباغ
- ديوان شعر مكابدات السندباد / د.رمضان الصباغ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مفيد مسوح - موسم العـز