أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الحكيم البابلي - هوسات وأهازيج شعبية عراقية .......... 1956 - 1963






















المزيد.....

هوسات وأهازيج شعبية عراقية .......... 1956 - 1963



الحكيم البابلي
الحوار المتمدن-العدد: 2902 - 2010 / 1 / 29 - 11:28
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


هناكَ دائماً دلائل تُشير إلى إقبال الأمم أو إدبارها....... إبن خلدون

في زمن العهد الملكي وتحديداً سنة 1956 ، مرت تظاهرة سياسية صاخبة عبر الشارع الرئيسي المحاذي لبيتنا في جانب الرصافة . كانت تشجب الأعتداء الثلاثي على مصر ، فما كان من أبي وبعض رجال محلتنا إلا لإصطحاب أطفالهم وبالدشاديش ، والأنخراط في تلك المظاهرة الغاضبة التي إنتهت بالتفرق بعد أن ( إنفشخ وتعنجر وتطبطب ) الكثير من المتظاهرين فيها ، وبدونكيات الشرطة .
أتذكر بأن أخي الذي يكبرني وأنا كنا نصرخ بالشرطة من بعيد : أبو الواشر ... أبو الواشر ، بعد أن سمعناها من الأخرين ولم نكن نعرف حتى المعنى من الواشر ، إلى أن شرح لنا الوالد بأن الواشر كلمة إنكليزية كان يُكنى بها الدرهم لأنه بحجم الواشر ومدور مثله ، وراحوا يعيرون به الشرطي المرتشي
كنتُ صبياً صغيراً ، وكانت تجربة جديدة سحرية وفيها رجولة تنفخ حتى الصبيان ، كذلك كانت طيبة الطعم والمعنى بكل وقائعها التي تشبه الحلم والتي أفقدتني طعم النوم في تلك الليلة البعيدة من تأريخي كأنسان . لم يكن أرق الخوف ، بل أرق التجربة الجديدة لصبيٍ هلاميُ المدارك .
هوسات شعبية كثيرة سمعتها ورددتها بفرحة التجربة الأولى يومذاك مع أبي وأخي الذي كان يرقص كالسعدان طرباً وكأنه في عرس أمه ، بعض تلك الهوسات لا زالت محفورة في سقف ذاكرتي كما هي أناشيد المدرسة الأبتدائية ، أتذكر منها :
مصر حرة عربية .... فلتسقط الصهيونية
نوري السعيد القندرة .. وصالح جبر قيطانهة
وبين الحين والأخر كانت تعلو هوسة : الطوب أحسن لو مكواري ؟ ، وهي من اشهر هوسات ثورة العشرين ، وكانت تُطرح في كل المناسبات رمزاً للأنتصار العراقي الوحيد عبر التأريخ الحديث الحافل بالخيبات والأنكسارات والأحباطات .
كذلك كان الناس يرددون في تلك المظاهرة واحدة من أطرف الهوسات وأكثرها مدعاةً للأبتسام اليوم ، وهي هوسة :
بالكالة إنسقط لندن ....... بالكالة إنسقط لندن ، ( الكالة هي حذاء أبيض من القماش أو الخيوط ، خفيف ومريح ورخيص ، وصناعة محلية ) .
واعتقد بأن مؤلف تلك الهوسة الشقندحي كان أحد الشطار الذين يعملون لحساب ( أبو ناجي ) ، وهي كنية الإستعمار الإنكليزي في العراق .

بعد ثورة 14 تموز 1958 ، مر العراق بأجواء إحتفالية كرنفالية عطشى ومستمرة ولا يكاد يخلو منها إسبوع واحد ، وراح الناس يختلقون المناسبات للأحتفال والأبتهاج والرقص والغناء والخطابة والشعر والفن والمسرحيات والتظاهرات والشعارات واللافتات والهوسات والمسيرات والأحتجاجات والتزاويق وكل ما هو مُبهج ولحد الأسراف والتخمة ، لم يكن أحد يعرف بأن الغثيان عادةً يعقب التخمة ، ومن ثم الأستفراغ ، وبعدها يأتي دور الدوخة ، وما أدراك ما الدوخة !! ، وللدوخة في الشرق أنواعٌ لا تحصى ولا تعد ، وأغلبها يقود إلى متاهة العدم . أعرف الأن كل تلك الحقائق ، ويعرفها كل عراقي كان في أتون المحرقة زمنذاك . يقول ( فرانك وليامسن ) : ( نحنُ نعثر على المستقبل من خلال الماضي ) ، ولكن .... هل تعتقدون أن هذه المقولة تنفع في العراق !!؟
كُنا كطلبة نستجيب بتلقائية سحرية عجيبة للدعوة اللذيذة لكل أنواع الفوضى ، كنا نشرد من مدارسنا بحجة مسيرة أو تظاهرة أو إحتفال أو مهرجان أو إحتجاج ، كذلك فعل المعلم والموظف والعامل والفلاح وكلبة الكليات والمتقاعدين وربات البيوت وحتى السكارى والمشردين ، لأن كل تلك الممارسات كانت تسلية وبهجة وفرح أبيض وسعادة لم نكن قد مارسناها أو أحسسنا بها من قبل .
كان إنفلاتاً جديداً لذيذاً ، ومواقف وطنية وشعبية أشعرتنا بالأنتماء إلى الوطن العراقي الموحد بقومياته وأديانه ، ولفترة زمنية معينة ربما لن تعود أبداً ، أحس العراقيون بأنهم إخوة أحرار بدون فوارق من أي نوع ، وكانت حقيقة مُفرحة لم يصدقها أحد ، ولم يعمل على الدفاع عنها أحد فيما بعد . كان إنتماءً للعراق يختلف طعمه تماماً عن إنتماء العائلة والمحلة والعشيرة والبلدة ، كان إنتماءً أصيلاً ذا مذاقٍ لا زلنا نتلمظه لحد اليوم
وهكذا شبعنا هوسات ولافتات وشعارات لدرجة جعلت كل الخطاطين في حالة إستنفارٍ دائم .
بعدها وبقدرة قادر إنقسم العراق إلى عشيرتين كبيرتين ، واحدة علمها أحمر وتهتف للخال لينين ، والأخرى علمها أخضر وتهتف للعم عبد الناصر ولعفلق وللمشير العارفي الفطير . وكانت هوسات تلك الفترة تقول : ( كرد وعرب فد حزام ... عاش الزعيم المقدام ) و ( لا بعثية ولا قومية ... جبهة حرة وطنية ) و ( هربجي ...هربجي كرد وعرب رمز النضال ) و ( يا بو الماطور تانيني .. للساحة الحمرة وديني ) ، كذلك نشيد الحزب الشيوعي العراقي الذي أصبح اشهر من نارٍ على علم :
سنمضي سنمضي إلى مانريد ...... وطنٌ حرٌ وشعبٌ سعيدْ
سنحمي سنحمي قلاع السلام ....... ونبني ونبني عراقاً جديدْ
وكذلك الهوسة المُلحنة على نغم الأغنية :
عل ميمار وعل ميمار وعل ميمر .... حزب الشيوعي اليوم عيدة الأكبر .
أما في الجانب الأخر من لعبة الموت في العراق فكانت ترتفع هوسات القوميين العرب والبعثيين والرجعيين :
يا بغداد ثوري ثوري .. خلي قاسم يلحك نوري كذلك : نحنة جنودك يا جمالْ ... جيب سلاح وأخذ رجالْ
كذلك يتذكر معضمنا الهوسة التي كانت تسخر من مشاريع الزعيم قاسم : عاش الزعيم اللي زيد العانة فلس !!!
كذلك الهوسة المُخجلة القديكة التي حوروها وطوروها بحيث أصبحت تحمل إسم الزعيم والتمر الزهدي

وبينما كانت إذاعة ( صوت العرب ) من القاهرة ومذيعها المسعور أحمد سعيد تُهاجم فاضل المهداوي ومحكمته والزعيبم قاسم والقوى اليسارية وموسكو ( إخرسي يا ابواق موسكو ) ، نزلت إلى الشارع العراقي هوسات مضادة تقول :
على عناد صوت العرب يحكم المهداوي كذلك :
عبد الناصر شيل إيدك .... شعب العراق ميريدك
وقبالتهم في نفس الشارع راح القوميين والبعثيين يهوسون :
يا مهداوي للأمام .... خرطكيشن نمبر وان وكذلك :
دولة وحدة عربية .... على عناد الشيوعية كذلك
اللي ما عندة جلب .... خل يربط المهداوي
كان كلا الطرفين يشتم ويُعير الطرف الأخر بطريقة غابت عنها كل مقومات الخلق والأداب والحضارة والوطنية ، كان كل شيئ يأخذ طابع وطريقة مُشجعي ( الطوبة ) في علاوي الحلة أو العوينة أو باب الطوب ، وكنا جميعاً قد شاركنا في صنع تلك المهزلة .

بعدها هبطت علينا وبكل ثقلها الأحداث الدامية المُفجعة للموصل وكركوك 1959 والتي إبتدأها الشواف بفتنته الطائشة ، ولعلع صوت الأذاعة المُهربة من مصر عبد الناصر إلى الموصل ةعبر الحدود السورية التي كانت دائماً وأبداً تضخ للعراق كل أنواع الموت ولحد الأن .
كذلك لعلع صوت رصاص رشاشات ( بور سعيد ) المُهربة أيضاً والتي حصدت أرواح الكثيرين من الشيوعيين والديمقراطيين وأنصار السلام والأخوة الأكراد والمسيحيين في الموصل وما حولها .
بعد كسر شوكة مؤامرة الشواف ورفعت الحاج سري والطبقجلي ومحمود عزيز وعزيز أحمد شهاب وغيرهم ، وإنتحار الشواف ، بدأت عمليات القتل والسحل الأنتقامية المُعاكسة ، وتقول كثير من الشواهد والتحقيقات بأن الغوغاء وكعهدهم في كل زمانٍ ومكان ، قد شاركوا بصورة كبيرة وفعالة في توسيع وتقبيح العملية التي تم من خلالها تصفية الكثير من الحسابات الشخصية .
كانت حوادث الموصل وكركوك المؤسفة قد فتحت صهاريج اللهب على رأس كل العراقيين ، وكانت بحق القشة التي قصمت ظهر العراق ، ومن خلالها بدأ العد التنازلي لأكبر محرقة في كل تأريخ العراق والتي لا زالت ملتهبة لحد اليوم .
بعدها مباشرةً قام الزعيم قاسم بتبديل ( كير ) على القوى الديمقراطية والشيوعية ، ومما زاد في خوفه منهم وتوجسه وقلقه كان بسبب الصوت الهادر للشعب ، حين إشترك ( يقال ) مليون عراقي في مسيرة يوم العمال ، وراحت الحناجر تدوي كالرعد بهوسة :
عاش الزعيمي .. عبد الكريمِ .......... حزب الشيوعي بالحكم .. مطلب عظيمِ
كذلك هوسة : ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة ، وكان هذا تصريحاً للسحل بالحبال لمن إشترك في مؤامرة الشواف في الموصل
كل من شاهد تلك المسيرة العملاقة الهادرة ، أدرك يومها أن ذلك الإعصار الجماهيري يمكن أن يكتسح ويكنس أي حكمٍ أو نظام فيما لو أُحسن توجيهه وإدارته .
الصورة كانت واضحة جداً وجلية كعين الشمس ، وقد أدركها وإستوعبها المراقبون السياسيون لكل الدول ، كذلك قوى البعث والقوميين وإخوان الشياطين ، كذلك أدركها وبذكاء .. الزعيم الأوحد عبد الكريم قاسم .
وخلال الخمسين سنة وأكثر التي تبعت تلك المسيرة في يوم العمال ، حاولت كل القوى المحلية والعربية والعالمية ، وبكل لؤم وشراسة ولؤم تمزيق تلك الصورة وتشتيت تلك القوة وبغض النظر عن نوعية السلاح الموجه لها ، وهذا يعيد إلى الأذهان ما قرأناه عن النائب والشاعر ( معروف الرصافي ) وهو يرد على رئيس وزراء العهد الملكي ( حكمت سليمان ) في مجلس النواب قائلاً له : ليت شعري ، من هم هؤلاء الذين يريدون أن يقاوموا هذا المبدأ السامي ( يقصد الشيوعية ) ، إن هذا المبدأ لا يُقاوَم إلا بشيئين ، إما بثقافة عالية جداً ، أو بقوة مدمرة وغاشمة جداً !!.
ولهذا رأينا بأن كل القوى ( الغاشمة جداً ) تكالبت كما الضباع لتمزيق القوى الشيوعية والديمقراطية في العراق ، ومنذ بداية الستينات ، وإستعملت معهم أساليب قمع وتعذيب وإستئصال وإبادة قلما سجل قاوس العنف مثيلاً لها ، ويكفي أن نقول بأن القوى التي أطاحت بالزعيم قاسم ، كانت قد أعلنت من إذاعة بغداد بياناً بأبادة الشيوعيين !!!.

من الجانب الأخر تمت محاكمة الضباط المشتركين في حركة الشواف ، وأصدرت محكمة الشعب برئاسة فاضل المهداوي ، حكمها بإعدامهم في أيلول 1959 ، وكان من ضمنهم رفعت الحاج سري وناظم الطبقجلي وغيرهم ، وحين تأنى الزعيم قاسم قليلاً قبل إعدامهم ، كلع عليه الشيوعيون بهوسة :
لتكول ما عندي وكت ... وعدمهم الليلة . وكذلك هوسة :
إعدم .. إعدم ... جيش وشعب يحميك يا قائد الثورة
وبعد إعدامهم في منطقة ( أُم الطبول ) قام القوميون العرب والبعثيون بإخراج هوسة :
الله وأكبر يا عرب شُبانة كتلوهم ..... ما صارت إبكل الدول قاسم نذل سواهة .
يومها .. لم يكن الزعيم في وضع يُحسد عليه ، كان يتأرجح بين القوتين المتخاصمتين ، وكما يقول المثل : بين العجم والروم .. بلوة إبتلينة .

في تشرين الأول 1959 ، وقعت المحاولة الفاشلة لأغتيال الزعيم في منطقة ( رأس القرية ) والتي إشترك فيها صدام حسين كأحد صداميي حزب البعث
في اليوم الثاني أطل الزعيم الأوحد من الشرفة وإحدى يديه مربوطة ومدلاة داخل قماشٍ معلق في رقبته وإبتسامته تملأ وجهه . وبيده السليمة راح يحيي جموع الشعب الذي هب عن بكرة أبيه وهو يهوس :
سبع ملايين تصيح .. فدوة لبن قاسم
سلامات .. سلامات ... يا حبيب الملايين
إعدم .. إعدم ... جيش وشعب يحميك يا قائد الثورة
شلت الأيدي الأثيمة ... ماتت الروح اللئيمة
لم تكن تلك الجماهير تدري بأن زعيمها سيطلق سراح من حاول إغتياله ومعلناً قوله الشهير : عفا الله عما سلف !!!، وإنه سيلاحق ويعاقب من سماهم قبل بداية التنكيل بهم ب ( الفوضويين ) !!!!، هؤلاء الذين رفضوا دائماً أن يبطشوا به ، ويستولوا على السلطة رغم توفر الفرص وتعددها ، وتلك كانت أكبر أخطاء الزعيم .

أغلب هوسات ( مرحلة الغليان ) تلك ، وهذه تسمية المؤرخ حنا بطاطو ، لم تكن بالمستوى الفكري والأخلاقي والسياسي المفروض ، بل جائت إنعكاساً وتعبيراً عن هشاشة وسذاجة وجهل ومراهقة الشارع العراقي يومذاك ، وكما يقول الراحل هادي العلوي : كان كل عراقي يُخفي والياً عُثمانياً تحت ثيابه !!.
من ضمن الهوسات المُعيبة التي تورطت فيها كل الجهات السياسية يومذاك :
إشرب ماي وإنعل فهد ... ماكو شيوعي بالبلد
شعب شعب كُلة بعث .. موتوا شيوعية
وكذلك صيحة ( جيبة ليلو ) والتي خلفها قصة جنسية ذكورية لتشويه سمعة الزعيم قاسم ، والتي كانت من ضمن الوسائل ووالأساليب النفسية الوضيعة والرخيصة التي يمتهنها الشرق لتحطيم سمعة الأعداء والتي كان يلجأ لها حتى الصبيان في عراكهم اليومي في كل محلة أو مدرسة .
كذلك الصفقة الخاصة التي تتبعها هوسة : ( واللي ما يصفك عفلقي ) ، كذلك :
هوب هوب عفلق ... كِدامك الطَسَة .... جمال وكع بالخرة ... ومحد سمع حِسة
بلي بلي ... خرة بروح الطبقجلي
طيارة طارت فوك ... بيهة إنكليزي ......... وجمال أخذ بغداد ...وسمع يا طيزي
كذلك الهوسة المُحرفة عن الأغنية المصرية :
وحدة ميغلبهة غلاب .... عربانة مليانة جلاب .
أما المُضحك من الهوسات التي كان المتضاهرون يلجأون لها عندما تُهاجمهم سرايا الشرطة فكانت :
إسأل الشرطي ماذا يريد ...... باكيت جكاير ودرهم جديد ، وهي مُحرفة من هوسة : إسأل الشعب ماذا يريد ........ وطنٌ حرٌ وشعبٌ سعيد ْ .
عندما تمر بخاطري اليوم بعض تلك الهوسات العقيمة الجارحة أسأل نفسي بحزن وأسى ولوعة : أي وضعٍ مضحك وبائس ، كان ذلك الذي شاركنا بصنعه !!!؟ .

أحياناً كُنا نتظاهر لتأييد أو إدانة دولة أو شخصية ما ، وكأننا بحاجة إلى مزيد من المشاكل والفتن !!.
حكى لي الصديق علي الموسوي بأنه حدث في بغداد ذات يومٍ مشمس ، إن خرج سبعة طلبة أفارقة من القسم الداخلي للطلبة في الباب المعظم وهم يحملون لافتة صغيرة كُتب عليها بالفرنسية كلام عن قضيتهم السياسية في وطنهم الأفريقي . تحلق حولهم حفنة من ( جماعة ربعنة ) زسألوهم بفضول وإلحاح شديدين عن أسباب تجمعهم ومعنى ما مكتوب على اللافتة !! ، وعليه أوضح الأفارقة السبعة وبكل هدوء بأنهم من دولة كاتانكا الأفريقية ، ويودون التظاهر سلمياً أمام باب السفارتين الفرنسية والأميركية إحتجاجاً على حكم وسياسة رئيس دولتهم ( موبوتو ) الطاغية .
وما هي إلا دقائق ( وعلى عينك نور ) كما يقول عادل إمام ، وإذا بمظاهرة عراقية صاخبة شارك فيها العشرات ثم المئات ، ولا أحد يعرف من أين أتوا وكيف !! ، وإرتفعت خلال زمنٍ قصير لافتات خُطت على عجل تندد بالطاغية الذي لم يكن أغلب المتظاهرين يعرفون من هو !! .
وراحت المظاهرة تتسع وتكبر وينخرط فيها كل عابر سبيل ، وعلى عادتهم وطريقتهم في إختيار الهوسات ، تعالت الأصوات صارخة بجنون :
يا موبوتو إطلع برة ........ عن كاتانكا الأرض الحُرة
ولو سألتَ بعض هؤلاء المتظاهرين من هو موبوتو يومذاك فلربما قالوا لك بأنه إسم سيارة يابانية .
وما أن وصلت التظاهرة إلى ساحة السباع حتى إشتبكت بالأيدي مع الشرطة السرية والعلنية ، ولعلع صوت الرصاص لأرهاب المتظاهرين ، وعلا الصراخ والسباب ، وأصيب البعض بجراح وألقي القبض على الكثيرين ، وإختفى الأفارقة السبعة مع لافتتهم المسالمة وهم يرتعدون خوفاً .
المُضحك في الموضوع وكما يصفه الصديق علي الموسوي ، هو أحد المتظاهرين الذي كان يسحبه ثلاثة شرطة ، وكان لاهث الأنفاس معروقاً دامي الأنف ممزق الدشداشة ، وهو يقاومهم صارخاً : لج أويلي كاتانكا رحتلج فدوة !!!!!!. ، بينما بغدادي آخر يجيبه من داخل شاحنة الشرطة : نموت وتحيا كاتانكا !!!!!!!!!!!!!!!.

من عادة العراقيين في هوساتهم أن يصرخ من كان يريد إبتداء أو طرح هوسة جديدة أو إلقاء بضعة أبياتٍ شعرية ، بكلمة : ها ها ها ، فيجيبه الكل : ها ؟ عندئذٍ يقول ما يريد وينهيها بهوسة يرددها بعده الأخرين . وفي إحدى التظاهرات صرخ أحد العكالة : ها ها ها ، أجابه الجمع : ها ؟ ، ثم قام بعض من يحيط به بحمله على أكتافهم ليهزج ، فصرخ بعلو صوته : أخوتي ... رحمة على أمة وأبو اللي شاف نعالي !!!! .

حزب البعث وكل منظمات القوميين العرب لم يملكوا يوماً رصيداً جماهيرياً بين جموع العمال والفلاحين والمسحوقين طبقياً وإجتماعياً ، ولهذا فقد لجأوا إلى جلب عدة ( لوريات وبيكبات وباصات ) وحشروا فيها ما أمكن حشره من الفلاحين وعمال البناء من منطقة أبو غريب وما جاورها ، ودفعوا مبلغ دينار واحد لكل ( رأس ) .
سار هؤلاء البسطاء مع بقية المتظاهرين وهم يحملون لافتات مفبركة تدعي تمثيلهم للمنظمات الفلاحية في العراق ، وإرتفعت الهوسات الشعبية وعلى رأسها : هلهولة للبعث الصامد ، و ، وين يروح المطلوب إلنة ُم نزلت هوسة : سواها البعث وحدة ثلاثية
ويقال إن مجموعة من الشبان العابثين الظرفاء إندسوا في المظاهرة وراحوا يهزجون :
عكال حميد بي ميلة .... عكال حميد بي ميلة !! ، كذلك هزجوا : وعكالك جلب باللوري .... وعكالك جلب باللوري
كذلك يقال بأن المسؤول الحزبي البعثي غاب بعض الوقت ( لقضاء حاجة ) ، فما كان من أحد هؤلاء الشبان العابثين إلا ان صرخ بمجموع الفلاحين وهو يتقدمهم كالمهوال : ولك شنهو ثلاثية ؟ وين الأجاويد ؟ ولكم جثروا أخوتي جثروا ، وراح يسير قدامهم وهو يصرخ : سواهة البعث وحدة وثلثمية ، وتطايرت العكل واليشماغات في الهواء وراحت الهوسة الجديدة تتقدم المظاهرة : سواهة البعث وحدة وثلثمية ... سواهة البعث وحدة وثلثمية

في السنوات الأولى لثورة الرابع من تموز هوسنا وهزجنا وهتفنا ( مع ) أو ( ضد ) أسماء كثيرة : سوكارنو ، تشومبي ، خالد بكداش ( عاش الشعب السوري عاش ... بقيادة خالد بكداش ) ، بن بلا ، بومدين ، جميلة بوحيرد ، عبد الناصر ، ماوتسي تونغ ، هوشي منه ، هيلاسي لاسي ، نهرو ، جيفارا ، تيتو ، كاسترو ، خروتشوف ، نيكسون ، كاكارين ، محمد علي كلاي ، وتطول القائمة حتى تصل عدنان القيسي ومن هم على شاكلته !!! .
كُنا متطرفين بتطرف ، وسلبيين بسلبية ، لا نؤمن بالأعتدال ، عادينا الفرح وألوان قوس قزح ، شعب مصاب بمرض الأنقسام بدل الألتمام ، شعبٌ يلهث خلف المفاضلات من كل نوع : علي أم عمر ، كردي أم عربي ، مسلم أم مسيحي ، سني أم شيعي ، أسود أم أبيض ، بعثي أم شيوعي ، روسي أم أميركي ، تركي أم إيراني ، قاسم أم عارف ، الكرخ أم الرصافة ، الأعظمية أم الكاظمية ، فريد الأطرش أم عبد الوهاب ، الشقرة أم السمرة ؟.
اصابعنا كانت دائماً على الزناد ، والسياف في داخلنا على أهبة الأستعداد والتحفز والأستنفار .
اليوم وبعد أكثر من نصف قرن ، نرى أن حماقاتنا السابقة واللاحقة قد قادتنا إلى معارك وحروب خسرتها كل الأطراف ، ولا زال شعبنا يدفع الثمن .
يقول ( جون لانكستر سبالدنغ ) :
قد تكون الذاكرة هي الفردوس الذي لا يستطيع أحد طردنا منهُ ، لكنها أيضاً قد تكون الجحيم الذي نعجز عن الهرب منهُ
أعتقد بأن أغلب العراقيين يعيشون في جحيم الماضي .
حبي وتحياتي
============
ملاحظة : هناك الكثير من الهوسات والأهازيج العراقية ، والتي لم أستطع تذكرها بدقة ، متمنياً أن يقوم عراقي آخر بجمعها وتنسيقها في يوم ما ، وشكراً






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,624,932,855
- عالم النكتة في العراق
- ظواهر إجتماعية البول للحمير !!!
- بابا نويل لا يزور مدن الفقراء !!.
- من داخل القمقم # 3 ( نذور ونهر )
- من داخل القمقم # 2 ( عرائس النار )
- من داخل القمقم ( 1 )
- الوطن المسكون


المزيد.....




- ألف قتيل من -داعش- بسبب خيانة
- (داعش) يغرق جرف الصخر بمياه الفرات بعد استسلام 100 من أتباعه ...
- قرارات مجلس الوزراء للجلسة رقم 6
- رئيس وزراء مصر يدعو لـ-تقوية- الجيش العراقي
- إيران: ندعم العراق وسوريا بوجه داعش.. أما -التحالف الفاشل- ف ...
- أمريكا توافق على بيع ذخيرة بقيمة 600 مليون دولار للعراق
- وزير: الداخلية خسرت 60 ألف قتيل وجريح بحربها ضد الإرهاب
- ديفيد كامبل: تدمير «داعش» في مقدمة أولوياتنا
- الحكم على أوسكار بيستوريوس بالسجن
- الأكراد يستعيدون زمام المبادرة في كوباني


المزيد.....

- المراكز الإقليمية والفكر السياسي ( لدولة الخلافة الإسلامية ) / لطفي حاتم
-               في الدستورانية العربية الجديدة: أسئلة الهوية،ا ... / حسن طارق
- مأزق نهضة الشعوب العربية والإسلامية--السودان أنموذجاً / الشيخ محمد الشيخ
- معضلة العالم العربي / نبيل عودة
- إيبولا. وباء بوجه أنظمة صحية ضعيفة أصلا، دمرتها سياسات «التق ... / ميشيل دي براكونتال
- البورجوازية في التاريخ / فؤاد النمري
- مفهوم التنوير / ابراهيم طلبه سلكها
- تجربة الحزب الشيوعي العراقي في مجال التحالفات السياسية (1934 ... / جاسم الحلوائي
- نصوص حول الارهاب في تونس / نورالدين المباركي / اعلامي
- نظرية الطريق الثالث عند أطونى جيدنز / ابراهيم طلبه سلكها


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الحكيم البابلي - هوسات وأهازيج شعبية عراقية .......... 1956 - 1963