أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - برهان غليون - طريق السياسة المسدود















المزيد.....

طريق السياسة المسدود


برهان غليون

الحوار المتمدن-العدد: 2898 - 2010 / 1 / 25 - 12:02
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


وصل النقاش الدائر حول الدولة منذ أكثر من ثلاثة عقود في العالم العربي إلى طريق مسدود، لسببين غموض مفهوم الدولة ذاته أو تشوشه، والمطابقة المتزايدة في ذهن الرأي العام، في السياق الاستعماري وما بعد الاستعماري لظهورها، بين الدولة والهوية الجمعية، الدينية أو الإتنية أو الثقافية.
هكذا، عندما يتحدث الاسلامي المعاصرعن دولة إسلامية فهو يقصد في الواقع ما تسميه الأدبيات الفقهية الكلاسيكة، الإمامة. وهي تعنى بشروط تنصيب قائد الجماعة المسلمة، صفاته وطريقة اختياره، وحقوقه على الرعية وحقوق الرعية عليه. وليس لهذه الدولة المجسدة لنظرية الإمامة، أو بلفظ آخر الخلافة، والتي تتعلق بسلطة الامر، أي بتعيين من يستحق احتكار القرار العمومي، أي علاقة في الواقع بالدولة المؤسسة التي يتحدث عنها الليبرالي أو المتأثر بالفكر الليبرالي في عصرنا، والتي تنبع فكرتها أساسا من معارضة احتكار القرار العمومي من قبل فرد مهما كان. فالفكر الليبرالي يرى غاية الدولة في حفظ الحريات الفردية، ويعتقد أن حفظ هذه الحريات لا يتحقق إلا بفصل السلطات، وأن هذا الفصل هو أساس قيام بنية مؤسسية ترفع الدولة عن أهواء الأشخاص الذين يتقلدون مناصب القرار والمسؤولية فيها، وتمكن الأفراد من المشاركة في القرارات العمومية والولاء لقانون الجماعة، وتزيد بالتالي من نجاعة السلطة العامة واستقرارها وديمومتها. فهي نظام لاتخاذ القرار العمومي يجمع بالضرورة بين سلطة مركزية منتخبة ومجتمع يخضع لها بمقدار ما يشرف عليها ويضبطها ويخضعها لقيمه ومعاييره وحاجاته. وهذا ما دفع إلى تسميتها في النظرية الحديثة بالدولة الأمة التي تستمد السلطة فيها سيادتها من الشعب ولا تستمر إلا بفضل الشرعية التي تؤمنها لها الانتخابات أو الاستشارات الدورية. وبمقدار ما تجسد الدولة هنا إرادة المجتمع، وتعبر عن خياراته الممثلة في الأغلبية، فهي تنظر إلى نفسها على أنها دولة المجتمع، والمسؤولة الأولى عن تنظيم شؤونه وضمان حقوقه، والتنسيق بين المصالح المتباينة فيه، وتحقيق غاياته لا غايات فئة أو طبقة أو نخبة خاصة منه، سواء أكانت نخبة دينية أو ارستقراطية أو قبلية أو حزبية.
ويختلف الأمر عن ذلك عند أصحاب النظرية الماركسية الكلاسيكية التي ترى في الدولة أداة منفصلة بالضرورة عن المجتمع وقائمة فوقه تكاد وظيفتها تقتصر على إعادة إنتاج السيطرة الطبقية، وبالتالي إخضاع الطبقات الدنيا للطبقة السائدة والمالكة. وهذا ما يجعل من الدولة في نظر هؤلاء التعبير عن الاستلاب السياسي الذي تعيشه المجتمعات ما قبل الشيوعية، الناجم هو نفسه عن الانقسام الطبقي الذي يمثل البنية الأساسية للمجتمعات حتى وقتنا الراهن. والسياسة ليست في هذا المنظور شيئا آخر سوى تحقيق الدولة لوظيفتها، أي إخضاع طبقة لطبقة أخرى وتعزيز سيطرتها عليها. وهو ما قاد إلى دولة الحزب الواحد وديكتاتورية البروليتاريا الشهيرة، التي قامت وترسخت، في البلدان التي انتصرت فيها هذه الفلسفة، بالرغم من تركيز الماركسيين على أن التحرر الانساني، الفردي والجماعي، مربوط بتلاشي الدولة أو انطفائها. وقد عبر ماركس عن ذلك بجملة مشهورة يقول فيها إن نهاية حقبة الانقسام الطبقي داخل المجتمعات سوف تشهد ولادة تنظيم اجتماعي تحل فيه إدارة الأشياء محل حكم الأشخاص. فالإدارة ترتبط بتنظيم شؤون المجتمعات المادية أما الحكومة فهي تعمل على إعادة إنتاج انقساماتهم الطبقية، أي سيطرة طبقة على طبقة أخرى، من خلال تنظيمات تتجاوز الأشياء وتدخل في شؤون الأفراد والأشخاص العيانيين.
وأكثر من ذلك، هناك اليوم من يعتقد أن وجود الدولة نفسه لم يعد ضروريا من أجل قيام مجتمعات إنسانية منظمة ومتسقة ومنتجة، ومن الممكن، بل والضروري، كما يرى ديفيد فريدمان، استبدالها بوكالات خاصة تقدم خدماتها "السياسية" للأفراد، تماما كما يحصل في الخدمات والمنتجات الأخرى التي يتعامل بها السوق. ولا يبتعد فكر فريدمان الفوضوي الجذور كثيرا في الواقع عما نادت به بعض أطروحات اليمين النيوليبرالي، التي سيطرت في العقود الماضية، قبل الازمة المالية الكبرى، والتي نزعت إلى تجريد الدولة من وظائفها الاجتماعية والاقتصادية والتربوية، وتعميم علاقات السوق على جميع أنواع الخدمات من قضاء وبريد وشرطة وأمن. وكان الانتربولوجي الفرنسي بيير كلاستر قد بين، في سياق آخر، أن الدولة ليست ضرورية لوجود السياسة، وأن غيابها، من حيث هي سلطة مركزية مهيمنة، وتراتب للسلطات، ومؤسسة متميزة ومنفصلة عن المجتمع، لا يفضي بالضرورة، كما بينت دراسته لمجتمع الاسكيمو، إلى غياب وظيفة التنظيم والتنسيق والتفاعل والتوحيد داخل المجتمع، ولا يترك هذا الأخير في فوضى عارمة.
ثم إن كثيرا من الدول التي نعرفها والتي ظهرت في الخمسين سنة الماضية أو أكثر، على أثر انحسار الموجة الاستعمارية، ليست جميعا دولا بمعنى واحد، حتى لو أنها استلهمت غالبا النظرية الليبرالية الشائعة. فالقليل منها من يقترب من النموذج النظري أو يسير في اتجاه تحقيق مشروع الدولة الحديثة. أما غالبيتها فليست في الواقع دول إلا بمعنى مجازي، أو شكلي. فهي إما ناقصة التكوين أو غير منجزة أو غير مستكملة لشروطها، وقسم كبير منها يسمى اليوم دولا مجهضة أو فاشلة.
لا يكفي الحديث إذن عن الدولة ولا الاعتداد بوجود سلطة مركزية موحدة وقاهرة. وإذا أردنا التقدم خطوة ولو صغيرة، على طريق حل أكبر قضية تقسم رأينا العام وتشتته اليوم، لا بد من تحديد طبيعة الدولة التي نتحدث عنها عندما نضع وجها لوجه ما نسميه أو يسميه بعضنا اليوم دولة إسلامية في مقابل دولة حديثة، أو دولة قومية أحادية الفكر والسلطة مقابل دولة ديمقراطية. وإذا كنا نقصد بالدولة مجرد وجود سلطة مركزية تنجح في إخضاع المجتمع لأمرها، بصرف النظر عن الوسائل المستخدمة، أي مهما كانت بدائية هذه الوسائل، وبصرف النظر عن رأي الأفراد وإرادتهم، فلن يكون هناك فرق بين الدولة السلطانية التي سيطرت على تاريخنا الماضي، وشكلت جزءا أساسيا من تراثنا السياسي بالفعل، وبين الدولة الحديثة الوطنية أو المواطنية. لكن في هذه الحالة سنظل ندور في حلقة مفرغة ولن نصل إلى أي نتيجة. والأمر يختلف عندما نعني بالدولة تلك المؤسسة الجامعة، التي أنتجت مفهوما جديدا للسياسة في العالم الحديث، وكانت إطارا لتكوين أمم هي اليوم في طليعة الشعوب الناجحة والمنتجة والمبدعة، أعني الدولة التي تقوم فيها السلطة على مشاركة جميع أعضاء الشعب، وتعمل لصالحهم، وتستمد شرعيتها من رضاهم وقبولهم وتأييدهم. وهو ما يستدعي وجود مجتمع سياسي مكون من مواطنين أحرار ومتساوين هم أدوات السياسة وغايتها. في هذه الحالة ينبغي أن نقبل أن دولة الحرية والاستقلال والتقدم والانتاج لا يمكن أن تقوم من دون أفراد أحرار، مستقلين في الرأي وفي السياسة، مكونين ومؤهلين للعمل والانتاج والابداع، أي من دون غرس قيم الحرية والسيادة والعمل والمسؤولية. مما يساوي في بلادنا ثورة ثقافية جديدة. وهذا ما نهرب منه غالبا، للأسف، من وراء شعارات دينية أو قومية أو ديمقراطية تكاد تكون ألفاظا فارغة.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,428,211,115
- لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين
- وضع العرب أسوأ مما تقوله التقارير الدولية
- غزة ومصر وسياسات العزل العربية
- هارا كيري فلسطيني
- العلاقات السورية التركية ودرس الديمقراطية
- عودة القرون الوسطى
- العروبة والهوية العربية في القرن الواحد والعشرين
- في صعوبة قيام شراكة عربية
- السودان والمحكمة الجنائية وهدر القانون
- الاستقرار الاجتماعي والأزمة العالمية
- شقاء الوعي العربي
- الأزمة الفلسطينية وضرورة مراجعة الذات
- إسرائيل في طريق مسدود
- إلى جورج ميتشيل: عن صناعة العدوان
- امتحان غزة: لا يمكن للجبن أن يكون سياسة عربية
- تبا لأوربة وتبا لشراكتها المتوسطية
- غزة والمسؤوليات العربية والفلسطينية
- في ما بعد الجماعة الدينية والأمة السياسية
- في موت السياسة وغياب القانون
- معادلة القوة وحوار الأديان


المزيد.....




- قطر: الصومال راضية عن بياننا حول تسجيلات -نيويورك تايمز-
- مجلس الشيوخ الأمريكي يوافق على تعيين إسبر وزيرا للدفاع
- لافروف: أوضاع فنزويلا تتجه نحو التحسن
- جورج وسوف يتوج بجائزة الدولة التقديرية في سوريا
- اندونيسيا تعتقل متشددا ينتمي لداعش كان يخطط لشن هجمات في عي ...
- وفاة الملاكم الروسي داداشيف عقب تعرضه لإصابات في الرأس أثناء ...
- شاهد: مسيرة "الشعب" على الحدود الجزائرية-المغربية ...
- كيف يكون الفشل دليلا للنجاح؟
- جورج وسوف يتوج بجائزة الدولة التقديرية في سوريا
- اندونيسيا تعتقل متشددا ينتمي لداعش كان يخطط لشن هجمات في عي ...


المزيد.....

- لصوص رفحا وثورتنا المغدورة في 1991 / محمد يعقوب الهنداوي
- الهيستيريا النسائية، العمل المحجوب، ونظام الكفالة / ياسمين خرفي
- ثورة وزعيم / عبدالخالق حسين
- التنظير حول الطبقية في الدول الناطقة باللغة العربية أفكار وا ... / نوف ناصر الدين
- العامل الأقتصادي في الثورة العراقية الأولى / محمد سلمان حسن
- مجلة الحرية عدد 4 / محمد الهلالي وآخرون
- مجلة الحرية عدد 5 / محمد الهلالي وآخرون
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- أ.د. محمد سلمان حسن*: مبادئ التخطيط والسياسات الصناعية في جم ... / أ د محمد سلمان حسن
- الانعطافة الخاطئة في العولمة، وكيف تلحق الضرر بالولايات المت ... / عادل حبه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - برهان غليون - طريق السياسة المسدود