أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - صادق جعفر الروازق - تجديد العقل النهضوي















المزيد.....

تجديد العقل النهضوي


صادق جعفر الروازق

الحوار المتمدن-العدد: 2892 - 2010 / 1 / 18 - 11:23
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
    


من المعلوم أن مفهوم النهضة من المفاهيم الفكرية التي لا تنحسر في جانبٍ واحد، بل هي أغلبية شمولية لكل تطور يصيب مختلف مجالات الحياة، في الاقتصاد، والسياسة، والاجتماع، والعلوم الخدميّة، كالطب والهندسة وغيرها.
فالرؤية في تجديد العقل النهضوي، هي رؤية لاعادة قراءة الاحداث التاريخية وما فيها من نقاط فكرية، هی لزوم المقارنة وإعادة النظر في أولويات ما يجب عليه العقل العربي بالأخص.
ومن هنا تتضح منهجية هذا الكتاب الذي احتوى على تسعة فصول، هي أشبه بالمقالات التي لا يجمع بينها جامع سوى إثارة بعض الاشكالات الفكرية والإجابة عنها بما يعتقد به المؤلف نفسه، ورؤية المؤلف وبنية الفكرية بالطبع ليست المحل الفاصل والقاطع ضمن تباين الأفكار، إلا إنها وجهة نظر تبقى محترمة بين مؤيدٍ لها وبين رافض، وقد تجلت أفكاره بشكل مـُوسَّع ضمن قراءاته النقدية لمفهوم الاستغراب ضمن الفصل السابع بالأخص، وهو يستقرء هذا المفهوم عند الدكتور حسن حنفي، والدكتور صادق جلال العظم.
فمع حنفي، يؤكد المؤلف ان الاستغراب يهدف عنده الى: إعادة الشعورالعربي إلى وضعه الطبيعي وإعادة ربطه بجذوره القديمة، وإلى أخذ موقف من الحضارة الغربية الغازية للحضارة العربية الإسلامية. أي انه يستهدف العودة إلى الذات، وهو شكل من أشكال السلفية ـ كما يقول المؤلف ـ وعليه يكون الاستغراب عند حنفي آلية من آليات توكيد الذات، وبذلك فهو يدعو إلى صراع الحضارات، صراع الأفكار وصراع العقول الثقافية، فهو شكل من أشكال مشروع محمد عابد الجابري.
فالمسألة عند حنفي لا تعدو كونها مسألة سيرورة عدوانية تجريها قوة تأريخية محددة، هي الامبريالية، ضد مجتمع معين هو المجتمع العربي من أجل استغلال ابنائه والحد من فاعليتهم الانتاجية، فضلاً عن نهب ثروات هذا المجتمع واستعباده. وإنما يكمن مفهوم الاستغراب عند حنفي في مسألة غزو يهدف إلى تشويه البناء الشعوري العربي وتلويثه، فهو ليس سوى طريق إلى سلف مثالي موهوم..
أما كيف يفهم المؤلف مفهوم الاستغراب؟ فهو بالطبع عنده شيءٌ آخر، أنه سيرورة استملاك حركة التحرر القومي العربية تجربة الثورة الثقافية العلمية الكبرى التي صاحبت نشوء الحضارة الرأسمالية وتطورها من موقع النقيض في النظام الرأسمالي العالمي. فالمؤلف يدعو إلى بلورة ثورة ثقافية ضمن وعي حركي، أي عقلية حركية مهمتها فك ارتباطات التبعية وبناء مجتمع عربي مستقل، وعليه فان استغرابه يتمثل في عملية تفجير للذات الملجمومة المقصيّة من الساحة، عملية تحطيم محل القيود التي كبلت الأمة العربية عن مقومات حركتها التحررية، عملية خروج الجديد الثوري المتنور من بطن الحاظر المكبل، عملية بناء الذات العصرية وانبثاقها من انقاض المنظومة الفكرية المغتربة.
بيد أننا نرى أن العودة إلى الذات، إلى أصالة وفق مفهوم حسن حنفي لايتنافى مع مطلب تفجير الذات واعتناق الوعي وتحطيم القيود والخروج بمولودٍ ثوري متنور يحرر ذاته وامته من حضارة الوافد الغربي، والمؤلف نفسه يتفق مع حسن حنفي في التأكيد على مبدأ الذات أو مبدأ الأصالة حين ذكر ذلك بالنص: حقاً أن الكثيرين من المثقفين العرب لا يولون هذه المعضلة ـ أعني معضلة العلاقة الاغترابية القائمة بين الشكل والمضمون في مؤسساتنا ومجتمعاتناـ الاهتمام الذي تستحقه، وهم ينسون في الغالب ان الاشكال المعقدة التنظيمية للمؤسسات العصرية لم تنشأ في ليلة وضحاها، ولا ولدت جاهزة من بطن أمها، كما يقولون، بل انها نبتت في تربة المجتمع الأوروبي منذ عدة قرون، وتطورت تدريجياً وفق مقتضيات نمو المجتمع حتى وصلت إلى ما وصلت إليه من تشعب وتطور، وهذا يعني ان التطور الداخلي للمضمون الاجتماعي في المراكز الرأسمالية قد ولد هذه الاشكال البالغة التطور بصورة طبيعية تتوافق وماهيته.
ثمة ترابط جدلي بين الشكل والمضمون في هذه الحال، وهما يتوافقان معاً، حتى في تنافرهما، لأن الشكل هو الناتج المباشر للمضمون. ويضيف المؤلف: ان مثل هذه العلاقة معدومة تمام الانعدام في حال المجتمعات الهامشية كالمجتمع العربي. فالحق ان ثمة شرخاً لا يريم بين الشكل والمضمون، ان تفاعل المضمون العربي مع الشكل الغربي يقود إلى تشويه هذا الشكل ومسخه إلى الحد الذي تتعذر عنده أحياناً رؤية الأصل في الناتج. ثم يقول: فالشكل الأوروبي لا يعجز عن الاسهام في رفع مستوى المجتمع العربي فحسب، بل أنه أيضاً يعيق أي تطور ممكن في المضمون المتدني، ويديم ما أسماه المفكر الأمريكي اندريه غوندر فرانك: بـ«تطور التخلف».
ويتضح من هذا النص أن المؤلف يؤكد على مفهوم الاصالة والتركيز على مفهوم الذات في كيفية التعاطي مع الغرب، وهذا بعينه هو ما أسماه آنفا: استغراب حسن حنفي!
إلا أن يكون المؤلف قد أراد باستغراب حنفي العودة إلى التراث الديني، وهذا ما يتقاطع معه المؤلف، بالطبع بعد أن نستقرئ اعجابه برؤية استغراب صادق العظم، فالمؤلف يتوافق كلياً معه، حيث ان العظم يتبنى فكرة المغزىالثوري العميق للثورة الثقافية العلمية، مؤكدا على أن الفلسفة الرشدية التي يتبناها محمد عابد الجابري لم تفلح في القطع مع البرهان الأرسطي بالرغم مما حققته من تقدم ضمن إطار الفكر القروسطي، فهي تبقى ـ كما يعتقد المؤلف ـ محدودة النفع بوصفها حافزاً تـُراثياً للتقدم في الوطن العربي المعاصر. فيما الفلسفة الخلدونية على الصعيد الاجتماعي والتأريخي هي الحافز التراثي المطلوب لتحرير الفكر العربي من تخلفه وتبعيته كونها فلسفة تمثل قطيعة مع البرهان الأرسطي، فالقوى الاجتماعي الصاعدة المسؤولة عن توفير شروط نشوء العلم هي نفسها المسؤولة عن صنع الثورة الفلسفية، وكما يقول العظم: «يبقى صحيحاً أن البورجوازية الثورية التي جابهت الوحي بالعقل، واللاهوت بالمكانيك، والآخرة بالطبيعة، والتعمية الاسكولائية بالوضوح العلمي، والقياس الأرسطي ـ التومائي بالاستقراء البيكوني، هي ذاتها البورجوازية التي جابهت التيوقراطية بالعلمانية، والحقوق الإلهية بالعقد الاجتماعي، والامتيازات الارستقراطية والاستبداد الغربي بالليبرالية، والتبعية الإقطاعية بالحُرية الفردية». فهي حركة واحدة ـ كما هو ظاهر ـ إلا أنها روح وثابة تحدت القديم وأحدثت قطيعة معه على كل صعيد مستمدة اسلحتها من العلم وعقلانيته في مجابهة الاقطاع ومؤسساته.
ولم يكن للتراث في استغراب العظم فسحة الانطلاقة نحو التقدم والتغيير، فرؤية جلال العظم رؤية مادية عقلانية توافقت مع طموحات المؤلف والمؤكدة بقوله: «...فالفلسفة الأوربية الحديثة هي في جوهرها محاولات متعددة لتنظير الكامن الفلسفي في الظاهر العلمي والتعامل معه، وهي في جلها محاولات واعية، فالعلاقة الواعية القوية هي التي كانت تربط هوبز مع غاليليو، ولوك مع نيوتن، وكانط مع النيوتنية في شكلها اللابلاسي، وماركس مع دارون، وعلى هذا الأساس نقول: انه كان بالامكان بناء فلسفة مادية عقلانية جديدة في حضارتنا على قاعدة الثورة العلمية التي أحدثها ابن خلدون في مجالي التاريخ والاجتماع لو تسنى لهذه الثورة أن تتجذر في تربة حضارتنا وتتحول إلى تيار اجتماعي مؤسساتي جارف».
كما ويؤكد المؤلف على مهمة تجديد العقل النهضوي من خلال استعراضه لمفهوم العولمة والهوية القومية، مؤكداً أن الرأسمالية مشروع قديم من أساسيات مشروع العولمة، فهي ليس معنىً جديداً لعهد جديد، وإلا فان مؤسساتها حاكمة منذ القدم مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة الدولية، والأنكى هو ان الرأسمالية نشأت مُعولمة.
ويتساءل المؤلف، فما هو الجديد اذن في العولمة؟ إلا أن المؤلف يضع بعض الظواهر على أنها نتاج لمشروع العولمة في العصر الحديث، هكذا كما يبدو له ، ومنها:
1ـ ثورة الاتصالات والمعلومات التي هيأت فرصة للرأسمال النقدي للتدفق والتداول عالمياً.
2ـ هيأت هذه الثورة الاتصالية والمعلوماتية مجالاً للانتاج وعولمة تقسيم العمل، وهذا ما مكن البرجوازية من إفراغ المنظمات العمالية القومية من مضمونها وتجريدها من فاعليتها.
3ـ بروز دور الشركات المتعددة الجنسية العملاقة فهي تتحكم بثلاثة أرباع الانشطة الاقتصادية على الصعيد العالمي.
4ـ تعمل العولمة على تفتيت البلدان الكبيرة على أسس اثنينية وطائفية ضيقة تصب في مصلحة السوق العالمية.
5ـ شهد عالم العولمة صعوداً في تجارة المخدرات والجريمة المنظمة عالمياً وتداخلهما مع الرأسمال النقدي.
6ـ اصبحت الكرة الأرضية مهددة بالدمار الشامل.
ثم يؤكد المؤلف «ان البرجوازية العالمية في اطار هذا المفهوم أصبح لها القدرة الكاملة على تفكيك مؤسسات القطاع العام وأطره وحواجزه، لأن القطاع العام يقف بالضد من البرجوازية، وان الطبقات الكادحة تدرك جيدا ان الحل لا يكمن في إزالة هذا القطاع وانما في توسيعه واصلاحه إدارياً ودمقرطته ووضعه تحت الرقابة الشعبية». ولذا فإن موضوع الخصخصة من أخطر المشاريع التي تفتك بالطبقة الكادحة، وعليه فيكون النظام الرأسمالي العالمي هو نظام عدواني استغلالي مدمر يزداد وحشية وعدوانية وهدراً للموارد، وهو يخفق في تلبية الحاجات الاساسية المادية والمعنوية لغالبية البشر، ولكن ما هو البديل؟!
فالبديل وكما يعتقده المؤلف هو الولوج إلى عالم الاشتراكية، ولكن وكما يقول المؤلف فإن السبيل إليها ليس ممهداً ولا واضح المعالم. هنا يترك المؤلف بوادر مفهوم النهضة ومفهوم تجديد العقل في معرفة مفهوم العولمة وما يمكن من سبل مواجهتها أو الحد من خطورتها.
ولكن يبرز التساؤل ـ هنا ـ ما هو مفهوم النهضة عند الحركات اليسارية العربية؟
يؤكد المؤلف ان اليسار العربي منقسم إلى قسمين؛ أحدهما تبنى بلورة ودعم البرجوازية الوطنية ـ وقد تمثل هذا اليسار في كل من ليبيا والعراق ومصر وسوريا والجزائرـ مما أدى به الى أخطاءٍ كبرى وقع فيها، ومنها اعتبار بعضهم الكيان الصهيوني كياناً طبيعياً إسوةً بالكيانات الأخرى في المنطقة ومن ثم اعتبار التسوية معه أمراً ممكناً، ومنها أيضاً التقاعس عن قيادة الجماهير صوب السلطة السياسية في اللحظات الحاسمة (مثلاً عام 1958 في العراق) وإغفال أهمية الوحدة الثقافية للمنطقة العربية.
أما الجناح الآخر، فهو الجناح الماركسي الثوري، أو تيار التحرر القومي الذي ظل مهمشاً على الصعيد السياسي وهو يدرك ان مفهوم النهضة يتم عن طريق عدّة متبنيات، وهي:
1ـ خطأ تطبيق نتائج التجربة الغربية الجاهزة على الواقع القطري العربي الحديث، فلجأ إلى إبداع مفهومات ونماذج ماركسية جديدة لاستنطاق الواقع.
2ـ ركز هذا الجناح على فهم آليات إلحاق الوطن العربي بالرأسمالية الغربية، لأن الرأسمالية الأمبريالية لا تكتفي بنهب مستعمراتها كما هو الحال مع الاستعمار القديم، وانما تلجأ أيضاً إلى تفكيك البنى الاقتصادية والسياسية والثقافية القائمة في المستعمرات وإعادة تركيبها مع مقتضيات تراكم الرأسمال في المراكز الامبريالية. فهي اذن عملية الحاق بنيوية. فشروط اعادة إنتاج المجتمع العربي الحديث لا توجد فيه وإنما في المراكز الامبريالية الغربية الكبرى.
3ـ يؤكد هذا الجناح على وحدة الامة العربية، فإن كان التفتيت هو منطق الهيمنة الأمبريالية فان الوحدة القومية على أسس تنموية هي منطق التحرر الوطني والاستقلال الحديث.
4ـ يؤمن هذا الجناح بعدم الفصل بين مهمات الثورة الوطنية الديمقراطية ومهمات الثورة الاشتراكية كون ان الكادحين هم المخولين بتحقيق هاتين الثورتين.
والملاحظ من تطلعات هذا الجناح الذي يعتقده المؤلف جناحاً صائباً نحو فهم حقيقي للنهضة هو الآخر لا يستطيع فك نفسه عن الامبريالية الغربية ورأسماليتها العالمية، فالمؤلف كان على وعي عالٍ في قوله ان الرأسمالية مشروعاً قديماً من مشاريع العولمة! وربما يأتي تبني هذا الجناح في صياغة بنيوية المجتمع مع الامبريالية الرأسمالية الحاكمة المطلقة بعد أن هُـدت أركان قوى الاتحاد السوفيتي وانحسر دور الشرق الثوري. فاليسار العربي بشقيّه لا يمكن له الخروج عن دائرة البرجوازية الرأسمالية!!
ولكن ما هو الحل، وما هي المقومات التي تقوّي هذا اليسار العربي المخفق؟
وعلى ما يقول المؤلف وما يطمح له ينبغي أن يكون الواقع العربي طليعة حركة التحرر القومي العربية، أي ان يكون وحدوياً في مجابهة مخططات الامبريالية والصهيونية التي تمارس عملية التفتيت.
وايضاً يكون عليه اشتراكياً أن يسعى إلى تغيير علاقات الانتاج التابعة السائدة إلى علاقات أخرى تحرر الموارد العربية المادية والبشرية من هيمنة الامبريالية وتضعها في أيدي المؤسسات الديمقراطية المعبـّرة عن الارادة الشعبية وتطلق طاقات المنتجين العرب. وأيضاً أن يكون تنموياً أي يسعى إلى تسخير الموارد العربية عبر تنفيذ خطة تنموية شاملة يشارك فيها المنتجون العرب ديمقراطياً.
وأيضاً أن يكون علمياً ثورياً أي ماركسياً ـ حسب نص تعبير المؤلف ـ.
أما ما هو واقع العقل النقدي لليسار العربي وكيف يتم بناءه؟ هذا ما يؤكده المؤلف من أن الفكر العربي هو منتح اجتماعي تاريخي ينبع من قلب الحراك الاجتماعي، مع قلب التشكيلة الاجتماعية في صيرورتها التأريخية. كما ان الفكر النقدي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقوى التغيير الثورية. فكلما كان الفكر النقدي مزدهراً ينعكس ذلك جراء صعود قوى التغيير الثوري، وبالعكس من ذلك هو تعبير عن أزمة الثورة العربية.
وغالباً ما يتجسد الفكر النقدي في الخطاب الثقافي العربي، وبما أن الخطاب العربي هو خطاب الطبقات البرجوازية العربية الذي تبلور تأريخياً في القرنين الأخيرين، إذن فهو خطاب لا يمكن ان يفهم بدلالة الثقافة العربية الاسلامية التي تشكلت في ظل الخلافة العربية، وإنما في سياق التحولات والتبدلات الرأسمالية في القرنين الأخيرين. كما ان هناك تيارات تنضوي تحت رآية الثقافة البرجوازية ومنها التيار السلفي الفقهي، وإن كان يتبنى أحياناً شعارات مستمدة من خطاب حركة التحرر القومي العربية. ومن هنا يتضح ان الفكر المهيمن اليوم في الوطن العربي هو فكر لا نقدي، فكر تقديسي، تكفيري، شجبي، تهويلي، مسياني Messianic، قياسي، فقهي في جوهره. أما خطاب التحرر القومي فهو ـ وكما يقول المؤلف ـ لمـّا يتبلور بحق، لمـّا يتخط مرحلة الارهاصات، وظل ضعيفاً حتى في مرحلة الصعود النسبي.
بيد أنه خطاب يتميز عن خطاب البرجوازية العربية وإن لم يرتق إلى مستوى الخطاب النقدي، العلمي، الثوري، إلا في بعض النتاجات شبه الفردية (حسين مروة، مهدي عامل، صادق جلال العظم، سمير أمين، ألياس مرقص، ياسين الحافظ).
ولكن لماذا عجزت حركة التحرر القومي العربية عن أن تبني عقلاً علمياً مستقلاً لها، وكما يقول المؤلف انها عجزت لأسباب؛ منها الطبيعة الاجتماعية لقيادة هذه الحركة، وارتباط الحركة الشيوعية العربية فكراً ووجداناً ارتباط تبعية مع موسكو، الأمر الذي شل هذه الحركة فكرياً، والانكى انه بعد انتهاء الحرب الباردة ساهمت الاوضاع الجديدة في تعميق قوة التفتيت والترشذم في داخل الحركة، والعمل على (لبرلة) التيارات المكونة لها.
وتبقى حركة التحرر كما يقول المؤلف وإن لم تمثل واقعاً قائماً إلا أنها تمثل ضرورة تاريخية تقتضيها تناقضات المجتمع العربي الحديث.
وقفة مع المؤلف
1ـ يتضح من خلال هذا الكتاب أن المؤلف لم يكن واقعياً في مطلبه وتطلعاته لليسار العربي، فهو يتمنى سيادة اليسار في المجتمع العربي، ومن ثم تحقيق الثقافة العربية والوحدة الشاملة له دون النظر إلى واقع وطبيعة هذا المجتمع وصيرورته التأريخية والدينية، فهو يطالب المجتمع العربي الإسلامي بالتخلي عن كل مكامن الصيرورة والفطرة، ويدفع به إلى التجرد نحو العلمية الثورية الماركسية. فهو في الوقت الذي يرفض فيه الاستعارات الايديولوجية نراه يقع في هذا المطلب وفق تمنياته وتطلعاته مع شريحة حالمة أكثر ما هي واقعية.
2ـ يعتقد المؤلف ان ثورة اليسار العربي كفيلة في الحد من تطلعات البرجوازية العالمية، وأن كلّ ما هو غير علمي، ماركسي، لا يستطيع الصمود أمام توسع البرجوازية، فضلاً عما يعتقده من نكوص فكري للتيارات الاسلامية، وان اتفقت احياناً مع اليسار العربي في بعض شعاراتها وموافقها إلا أنها لم تكن هي البديل كما يعتقد المؤلف كونها (هابطة أو متخلفة لأنها تشترك مع الاستشراق الغربي في زيف رؤيته، ولكنها لا تشترك معه في أدواتها الفكرية، فهي أبعد ما تكون عن التطور والعلمية، وإن بدت أحياناً كذلك في صورتها الخارجية). مكتفيا بتوصيفها بأنها تيارات سلفية فقهية.
وربما نتفق معه بأن مثل هذه التيارات تعيش تخلفاً علمياً وفقهياً، ولكن المؤلف لم يأت بالاستثناء لتجربة تيار اسلامي فقهي كمصداق من الواقع بعد أن سجلَ الفقه الأصولي تحديا ثوريا للبرجوازية الرأسمالية، حتى باتت الرأسمالية العالمية عاجزةً عن إيجاد وسائل محاربة هذا النهوض الذي تنامى بشكل سريع مقوضاً بمعطياته حتى اليسار العربي نفسه الذي اعتقده المؤلف أنـّه الخلاص الوحيد، وانه المنقذ.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,389,455,402
- مؤلف وكتاب


المزيد.....




- أول ظهور لهيفاء وهبي بعد فترة مرضها: -تنذكر وما تنعاد-
- البرازيل تعفي مواطني أمريكا وكندا واليابان وأستراليا من فيزا ...
- براتب مغر..مطلوب شخص يسافر ويتذوق أشهى اللحوم في أمريكا
- مجلس الشيوخ البرازيلي يرفض مرسوما رئاسيا يسمح بحيازة الأسلحة ...
- رواد فضاء أمريكيون يحتفلون بمرور 50 عاما على أول هبوط على سط ...
- وفاة مرسي: هجوم على أحمد موسى بسبب انتقاده أبو تريكة
- حمه الهمامي: انتظروا الجبهة الشعبية في نسختها الرّابعة قوية ...
- إيران ترى في تقليص الالتزامات النووية "الحد الأدنى" ...
- رواد فضاء أمريكيون يحتفلون بمرور 50 عاما على أول هبوط على سط ...
- استمرار استهداف مواقع أميركية بالعراق.. وهذا رد بغداد


المزيد.....

- قائمة اليسار الثوري العالمي / الصوت الشيوعي
- رحيل عام مئوية كارل ماركس الثانية / يسار 2018 .. مخاطر ونجاح ... / رشيد غويلب
- قضايا فكرية - 2- / الحزب الشيوعي السوداني
- المنظمات غير الحكومية في خدمة الامبريالية / عالية محمد الروسان
- صعود وسقوط التنمية العربية..قراءة في أطروحات علي القادري / مجدى عبد الهادى
- أهمية مفهوم الكونية في فكر اليسار - فيفيك شِبير ترجمة حنان ق ... / حنان قصبي
- ما يمكن القيام به في أوقات العجز* / دعونا ندخل مدرسة لينين / رشيد غويلب
- أناركيون / مازن كم الماز
- مناقشات بشأن استراتيجية اليسار/ يسار الوسط ..الوحدة المطلوبة ... / رشيد غويلب
- قراءة وكالة المخابرات المركزية للنظرية الفرنسية / علي عامر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - صادق جعفر الروازق - تجديد العقل النهضوي