أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محاسن الحمصي - لمْ يَعدْ لي إلا أنا















المزيد.....

لمْ يَعدْ لي إلا أنا


محاسن الحمصي

الحوار المتمدن-العدد: 2883 - 2010 / 1 / 9 - 02:29
المحور: الادب والفن
    


أنتزعُ الخاتم من يده وأكتم صرخة كادت تخرج من بركان فمي لتذيب ما حولي، يتراجع قليلا، يحدق بي مذهولا وينتظر رد فعل امرأة مرتبكة وكأنها لص يعرض بضاعته المسروقة..!
ألملم اعصابي واستدرك بأن لا ذنب لهذا المشتري أنا من دخلت متجره وانا من تبيع..
أضع يدي على السلسال الثمين المعلق في عنقي ( الذهب ليوم عسر، وقد جاء ) ماتبقى لي من عبق الماضي..
والخاتم المنقوش بحروف وتاريخ، برهان ودليل مرور اسم رحل وآخر بقي على هذه الأرض ليكمل المسير..
بصوت هامس أعتذر، وأكتفي بما بعت، أقبض المبلغ وأغادر..
وجهتي وأين أمضي أعرفها، لكني أجهل كيف ومن أين، فتلك المرة الاولى التي تطأ قدمي
منطقة شعبية مترامية الاطراف تدعى مخيم (الوحدات ) سكنها اخواننا الفلسطينيون بعد النكبة.
أعلق الحقيبة على كتفي ويتعلق معها حمل تعب الأيام، يثقل الجسد، يتعب الخطوات، ويرهق
الأعصاب.
(من في فمه لسان لا يضيع) وكما دخلت تلك المنطقة كي لا يعرفني أحد سأتدبر أمري وأخرج منها..
هواء جاف يلسع وجهي، وجفاف دمعي لا يكف..!
أتلفت حولي،خطواتي تسير بي دون اتجاه محدد، أين موقف الحافلات وأنا التي لم تركب يوما الا حافلة المدرسة الخصوصية..؟
أسمع صوت صفير، زوامير، يمر بجانبي شاب يصطدم بذراعي، وآخر يغمز بعينه، سيارات صفراء وملونة تقف في طريقي..
ماالذي يجذب نظرهؤلاء لامرأة تبكي، وجهها بلا مساحيق، ملابسها عادية: قميص، بنطال، جاكيت خفيف، حذاء رياضي، وشعرها معقوص ذيل حصان؟
هل أبدو ارستقراطية الى هذا الحد؟
أم من عالم آخر هبط في منطقة مأهولة بالسكان البسطاء؟
أهي شفقة تخفيف من ألم المصاب، أم إثارة مكامن فحولة انتصاب..؟
أختار بسرعة تاكسي سائقه كهل، أتفاوض معه يقلني حيث أريد وينتظر، وافق على مضض
وهو يرمقني بريبة واستهجان،لعله حسبني مختلة العقل او بي لوثة من جنون..!
يراقبني في المرآة، يتحدث..ويتحدث.. الطريق طويل، والصمت جوابي على كل ما سمعت
ولم أسمع، فقد انشغلت بذلك الجزء الشرقي من العاصمة الذي أجهله ولم أره يوما أوأكتشف
روعة شوارعه ومبانيه، من يدري ربما أكون مررت به لكن في سيارة زجاج نوافذها أسود..!

نصل بعد نصف ساعة الى البوابة الكبيرة، وندخل..يرتجفُ صوتي وأنا اقرأ..
( السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم السابقون ونحن اللاحقون )
رهبة المكان لا ترعبني..ترهبني تلك السكينة وهذا العالم المختلف، المشحون بالهيبة، التفكير، النهاية، وبأن كل شيء الى زوال..
صوت الآذان، تلاوة القرآن، صرخات، شهقات، ومنظر نساء يتوشحن بالسواد، رجال يغالبون الدمع، يتماسكون أمام قضاء الله وقدره..وحده الموت..يقهر، يكسر ويحني رقابا..
حسرة في القلب،لوعة في الفؤاد، وروح تئن تعانق روح تصعد للسماء..
من فارق حبيبا، أما، أبا، أخا، عزيزا عليه أو قريبا، ومن يحمل نعشا يسارع إلى دفنه ومن يتساءل متى دوري وفي أي أرض أموت..!
وجوه حزينة، شاحبة، وأخرى مقنعة تقف في طابور الواجب والمصلحة..!
قلوب تنزف ألما وأخرى قاسية لا تعتبر من القاء نظرة على المسكن الآخير..!
أوقف التاكسي وأطلب منه الانتظار لمدة مفتوحة مدفوعة الاجر.
أخرج المفتاح، ملابس الصلاة، سجادة صغيرة، المصحف الشريف من حقيبتي، أصعد درجة، أفتح الباب أنظر الى القبر وأجهش بالبكاء..
- تأخرت، مضت أسابيع شغلتني عن زيارتك لكنها لم تشغلني عن الصلاة والدعاء لك والتحدث إليك في ليالي الألم والمرارة..يقال إن الروح تطوف في السماء وتحرس وتراقب من تحب، فهل كنت هناك، تراني، ولا تملك القدرة لحمايتي..!
أتبكي عليّ؟ أم تبكي لأنك تركتني أواجه قدرا غافلني دون سابق انذار وظروفا فاجاتني لم
أرتب أوراقها وألتزم جانب الاحتياط و السلامة لتسلم حياتي..؟
أتدري أن الذي أخذني مراهقة (من مبدأ الزواج سترة ) من حضنك الدافيء وبيتك الآمن الى حضن بيته السحري
ابتلع رصاصة بطعم الخلاص وترك خلفه عالما يبتلعني..!
علمتني الصمت، الصبر، الاحتمال
وعلمني أصول حياة الطبقة المخملية، الرفاهية، الاتكال، السفر والمتعة..
لم تناقشني يوما في العمل الدراسة (الشهادة سلاح المرأة ) ولم تشجعني على المتابعة لدخول الجامعة بدلا من قضاء الوقت في الحفلات،السهرات، التمثيل، التصنع وتفاهات الجري نحو آخر صرعات الموضة، عمليات التجميل، وجلسات لاتثمر ولا تغني من جوع..وأن هناك جانب للمعرفة والتثقيف في محاضرات، ندوات، معارض، منتديات فكرية وعلمية..

ولم تشاركني يوما في الحديث عن الأسواق، الاقتصاد، البنوك، البورصة، والحجز على الأموال المنقولة وغير المنقولة..!

رحلت ولم تر حفيدا تستمتع بضحكته، وغاب هو دون أن يترك من يحمل اسمه..
حرمتني المراهقة، وحرمني الأمومة..
سترتني أنت، وهو كشف غطائي وتعريت
بعتني مكفولة للثراء، وعلى بعد أمتار منك يرقد المشتري في حفرة بالخلاء..
أعوام من عمري حذفت برصاصة..!
الأصدقاء..اضمحلوا، اختفوا..الذئاب التي كانت تلاحقني بأنيابها توارت إلا من عروض للمتعة

الألسنة نهشتني، حرقتني نارها، باتت آلامي تهمة، بكائي عار، مشاعري جريمة، لم أعد أرى وجه واحد قريب، حتى وجهي تغير واتخذ أبعاد الحزن والقسوة، وقلبي تحول الى قطعة رخام..لم تعد لدي خيارات لفتح باب أمل غدٍ جديد..

فقدت البوصلة، الاتجاهات،اكتأبت، تداريت، انزويت، أبحث عن مكان أنتمي له عن هوية،لا بيت، لا مال، لا عمل أقتات منه بعرق جبيني دون مد كفي لأهل أو لشامت وسجنت خلف قضبان الحياة..!
دلني ماذا أفعل، أرشدني، أعطني إشارة، ومضة، لطالما كنت الأقرب، تصغي، تجد مخرجا وحلا لكل مستجدات أيامي..؟

أمسك القرآن وأبدأ في تلاوة (سورة يس ) وجزء عمّ وأصلي على النبي الأمين لتهدأ نفسي وتتبدد مخاوفي..(ألا بذكر الله تطمئن القلوب )..
أسمع خطوات تقترب من الباب، أتحفز، يرتعش جسدي، أيعقل أن أهاجم في هذا المكان؟
تدخل قطة بنية اللون، تتقدم نحوي وتتمسح بساقي، لعلها جائعة..أتناول قطعة بسكويت من حقيبتي أضعها أمامها..تقضم لقمة وتمضي..
انهي الصلاة والقراءة ويمضي الوقت بي، أضع رأسي بين يدي وقلبي أضعه على القبر البارد..
تقع عيني فجأة على الأرض أسفل قدمي،وأنا ما تعودت النظر إلا الى الأعلى، حسب مفاهيم الحياة التي عشتها في ظل رجل مهم..!
ألمح رتلا من النمل يتسابق، يجتمع حول فتات البسكويت ويحاول رفعها.. محاولات، التفات
دوران، فشل، ومحاولات اخرى..
أراقب المشهد، أشرد بأفكاري، أحرك مخيلتي، يا الله.. كم استغرقني الوقت لأخذ درسا من هذا النمل الدؤوب..؟
أملك العقل، الصحة، الشباب، وفي داخلي يسكن الإيمان،إن هربت الآن فسوف أهرب إلى الأبد لن أطفيء قنديل أيامي،سأحقق أحلامي ولو في المنام، سأغسل غبار ثوب السواد، فمن كن بمثل عمري مازلن في ردهات الجامعة

أخلع الخاتم، أدفنه الى جانب قبر يضم رفات أعز الناس، ومعه أدفن سعادة وبؤس ماض رحل
يارب اغفر له وارحمه فقد سامحه قلبي منذ أعوام..
أغلق الباب بهدوء، أجد السائق امامي دامع العينين، يناولني ورقة..اليك رقم ابنتي الأرملة، مديرة جميعة تعاونية نسائية، يعلمن الطهي، الحياكة، التجميل، الحاسوب بأسعار زهيدة..
الى أين تذهبين الآن ؟
أردد كلمات الشاعر كامل الشناوي :
أنا لا أشكو ففي الشكوى انحناء/ وأنا نبض عروقي كبرياء
أعلق الحقيبة على كتفي وقد خفت..ومعها خف الكثير من أثقال حيرة وهموم..
أترى هذا الاسم الكبير المنقوش أعلى الباب..خذني الى بيته..بيت أبي، ودعني أنام قليلا..


8-1-2010
نانتييه – فرنسا
كاتبة من الأردن





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,398,518,905
- شطر لا .. يكتمل..!!
- دمعة في منتصف الطريق..!
- سماء تنذر بشتاء قاسٍ
- قصص قصيرة ..من وحي الأخبار
- رُدّت الروح الى ..حنا مينه
- ساعات من العمر مع الروائي..حنا مينه
- نهايات
- مشاهد من عرس الدم
- رشفة قهوة بطعم الذكريات..!
- قصص في حجم الكف9
- قصص في حجم الكف 8
- قصص في حجم الكف 7
- نصف ساعة... ونصف...!!
- قصص في حجم الكف 6
- قصص في حجم الكف 5
- العروس
- خط الأحلام
- قصص في حجم الكف4
- قصص في حجم الكف 3
- ويطول الدوار ...!!


المزيد.....




- يصدر قريبًا -سلاح الفرسان- لـ إسحاق بابل ترجمة يوسف نبيل
- متى بدأ البشر يتحدثون؟ ولماذا؟
- ثريا الصقلي تشدد على ضرورة توفير الحقوق الكاملة لمغاربة العا ...
- جلالة الملك يعين عددا من السفراء الجدد ويستقبل عددا من السفر ...
- الذكرى الحادية والعشرون لاغتيال معطوب لوناس.. وهل يموت الشاع ...
- سينما الزعتري للأطفال السوريين
- مصر.. وفاة مخرج فيلم -زمن حاتم زهران- إثر وعكة صحية مفاجئة
- مايكل جاكسون: كيف كان يومه الأخير؟
- زملاء ناجي العلي يوظفون الكاريكاتير لإسقاط ورشة البحرين وصفق ...
- مكتبة قطر الوطنية.. تواصل ثقافي مستمر في زمن الحصار


المزيد.....

- الاعمال الشعرية الكاملة للشاعر السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- مسرحيات (برنارد شو) توجهات لتوعية الإنسان / فواد الكنجي
- الملاكم / معتز نادر
- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محاسن الحمصي - لمْ يَعدْ لي إلا أنا