أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - خيام محمد الزعبي - الثابت و المتغير في السياسة الخارجية السورية






















المزيد.....

الثابت و المتغير في السياسة الخارجية السورية



خيام محمد الزعبي
الحوار المتمدن-العدد: 2864 - 2009 / 12 / 21 - 16:23
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


احتلت السياسة الخارجية السورية مكانة هامة و كبيرة منذ مراحل تاريخية بعيدة , و كذلك لعبت دورا مهما في إطار العلاقات الدولية , و احتلت حيزا واسعا من نشاط و اهتمام الكتاب و الباحثين.
و نتيجة لأهميتها و فعاليتها فقد وضعت لها أسس و مرتكزات و أهداف هامة و أصبح لها قوانين تنظمها , فعلى الصعيد الرسمي أصبح هناك مؤسسات خاصة تقود و تشرف على هذه السياسة , و أصبح أيضا هناك موظفين محترفين يشرفون على السياسة الخارجية و ينفذونها في إطار المجتمع الدولي , و يلعب القائد دورا أساسيا في السياسة الخارجية من حيث التخطيط و التنفيذ و التطوير و التكيف مع المتغيرات التي تبرز في إطار المجتمع الدولي.
فالسياسة الخارجية هي وسيلة هامة لتحقيق مصالح الدولة و أهدافها في إطار المجتمع الدولي , و بما أن المجتمع الدولي متعدد و متنوع المصالح و الأهداف , فإن قانون السياسة الخارجية يجب أن ينسجم مع قانون المجتمع الدولي و هو التغيير (1).
و من خلال هذه المقدمة سوف يتطرق الباحث في هذه الورقة التي جاءت بعنوان الثابت و المتغير في السياسة الخارجية السورية إلى بعض المواضيع التي تشكل جوهرا أساسيا للسياسة الخارجية السورية و هي كالآتي :

أولا : محددات السياسة الخارجية السورية :

إن السياسة الخارجية السورية كغيرها من السياسات لا يمكن أن تعمل في فراغ و إنما تتأثر بعوامل داخلية و خارجية , تشكل بمجملها الإطار المحدد لهذه السياسة التي تعمل ضمنه و هي :

1. البيئة الداخلية للسياسة الخارجية السورية و تضم :
• الكتلة الحيوية : حيث تشمل الموقع و السكان , بالإضافة إلى الموقع الاستراتيجي لسورية كونها إحدى الدول المعنية بالصراع العربي الإسرائيلي , فالسكان يتمتعون بالانسجام و التماسك الاجتماعي و الوعي الثقافي و القومي هذا مما أدى إلى توفير الاستقرار الداخلي و الأمن رغم تعرض سورية لضغوط كبيرة من الدول الغربية و حصار اقتصادي منذ عام 1986(2). كما أن عامل الإمكانيات الاقتصادية و العسكرية لسورية يؤثر في صياغة القرار السياسي السوري بعدة أوجه , فالاقتصاد المعرض لتأثيرات خارجية يؤثر في حرية اتخاذ القرار السياسي و خصوصا فيما يتعلق بالمساعدات الأجنبية , فالعلاقة عكسية بين التبعية الاقتصادية و حرية اتخاذ القرار الذي يتلاءم مع المصلحة القومية و يوفر الاستقلال السياسي . و قد انتهجت سورية سياسة الاكتفاء الذاتي و خطت بذلك خطوة متميزة كما حاولت أن تبني جيشا قويا على الرغم من الفارق الكبير بين إمكانياتها العسكرية و الإمكانيات العسكرية الإسرائيلية .
• الخصائص القومية :
حيث تشمل هذه الخصائص الأساس القومي الذي جعل من القضية الفلسطينية قضية العرب المركزية بالنسبة للسياسة الخارجية السورية و ما يترتب على ذلك من السعي الدائم لتحقيق التضامن العربي و ربط المصلحة الوطنية بالمصلحة القومية (3).
• دينامية الحياة السياسية "هيكل النظام السياسي ":
و تشمل هذه الدينامية الأحزاب السياسية و جماعات المصالح , حيث توجد في سورية جبهة من الأحزاب و القوى السياسية التقدمية "الجبهة الوطنية التقدمية " و التي تأسست عام 1972 و يقودها حزب البعث العربي الاشتراكي , أما بالنسبة لجماعات المصالح فلا يوجد في سورية قانونيا ما يسمى بجماعات المصالح ,و لكن نستطيع أن ندرج تحت هذا العنوان الاتحادات و النقابات المهنية و غرف الصناعة و التجارة و الجمعيات الأهلية (4).
2_البيئة الخارجية للسياسة الخارجية السورية :
و تتضمن البيئة الخارجية جملة من الأهداف و هي :
• إعادة صياغة العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية , إذ لم يعد من مصلحة سورية الاستمرار في مواجهة السياسة الأمريكية في الوقت الذي بدأت فيه الولايات المتحدة الأمريكية بالانفراد في قيادة النظام الدولي و إعادة ترتيب أوضاعه بما تمليه مصالحها .
• تبني مبدأ السلام كخيار استراتيجي , حيث دفعت المتغيرات الدولية سورية إلى تبني مبدأ السلام خيارا استراتيجيا بهدف استعادة الأراضي العربية المحتلة بالوسائل السلمية و ذلك على أساس التمسك بالسلام العادل و الشامل وفق قرارات الأمم المتحدة 242_ 388_ و مبدأ الأرض مقابل السلام (5).
• دعم المقاومة الفلسطينية و اللبنانية و حيث قدمت سورية الدعم المادي و المعنوي و السياسي لحركات المقاومة في فلسطين و لبنان بهدف استنزاف القدرات العسكرية و البشرية الإسرائيلية (6).
حيث استطاع الرئيس السوري بشار الأسد ملئ الفراغ السياسي في سورية خصوصا و في المنطقة العربية عموما الذي خلقه رحيل الرئيس حافظ الأسد , و بالتالي فإن نهج السياسة الخارجية السورية في عهد الرئيس بشار الأسد يعد استكمالا و تطويرا للنهج السياسي الذي رسخه الرئيس حافظ الأسد خلال عقود عديدة في تعامله مع القضايا القومية و العالمية (7), و نستطيع أن نرى هنا ان أهم ما يميز السياسة الخارجية في عهد الرئيس بشار الأسد هو :
1_ التأكيد على الثوابت الوطنية , و ظهر ذلك جليا في كل تصريحات و أفعال الرئيس بشار الأسد منذ توليه منصب رئاسة الجمهورية , و أهم تلك الثوابت المصلحة القومية هي المصلحة العليا
.2_ إعادة تحرير الجولان و الأراضي العربية .
3_تحقيق السلام العادل و شامل الذي يضمن كل حقوق الشعب العربي.
4_ العقلانية و الهدوء و الابتعاد عن الانفعالية و ردود الأفعال و قد ظهر ذلك جليا في خطابه في القمة العربية الاستثنائية التي عقدت في مصر , و قد حاول الرئيس الأسد تعميم هذا النهج على كل السياسات العربية في تعاملها مع القضايا المطروحة على الساحة الدولية .
5_الانفتاح و تطير العلاقات مع دول العالم , حيث امن الرئيس الأسد بالحوار و الانفتاح و التعاون بين الحضارات و الشعوب و لكنه يرفض مبدأ الهيمنة الذي تتبعه الدول الكبرى مع الدول الصغرى تحت مسميات مختلفة مثل حماية الديمقراطية , و من خلال ذلك نرى أن فكر الرئيس السوري بشار الأسد يقوم على إيديولوجية و إستراتيجية منفتحة صريحة واضحة تحدد انتماؤها القومي للأمة العربي.

ثانيا : الأبعاد العامة للسياسة الخارجية السورية :

انطوت السياسة الخارجية السورية على خصائص أساسية امتازت بها و استقرت عليها منذ تحقيق الاستقلال عام 1946 و حتى الفترة الراهنة في ظل عهد الرئيس بشار الأسد , و تتضمن مجموعة من التفصيلات المتعلقة بالأشكال المستقبلية المحتملة " الأهداف " بالإضافة إلى الاستراتيجيات التي تشكل مجموعة من الحسابات الشاملة لصالح السياسة الخارجية و العلاقة بين الأهداف و الوسائل المتاحة .
الاتجاهات الرئيسية العامة للسياسة الخارجية السورية :
حيث تتركز السياسة الخارجية السورية على الحيز الإقليمي للشرق الأوسط و المنطقة العربية , و تطلب ذلك تنازلا معينا للشئون الدولية , إذ ابتدأت بسياسة نهج عدم الانحياز عرفت "بالحياد الايجابي" (8), إلا أنها مالت تدريجيا من حيث السلوك إلى مواقف الحركة الاشتراكية و قوى اليسار العالمي , و قد اكسبها ذلك مع عوامل أخرى طابعا راديكاليا و خاصة فيما يتعلق بالصراع مع إسرائيل , و قد شهدت ملامح السياسة الخارجية السورية تغيرات هامة خلال العقد الأخير و ذلك لان سورية أعادت تشكيلها بكيفية أكثر براغماتية و دينامية بما يوافق "ممكنات" العمل السياسي في المرحلة الدولية الراهنة , و يمكن تحديد اتجاهات أو دوائر السياسة الخارجية كما يلي :
• الدائرة العربية :
حيث تتركز جهود السياسة الخارجية السورية على المجال العربي انطلاقا من العقيدة القومية للدولة و الرؤى السياسية للرئيس الراحل حافظ الأسد . و قد عملت سورية على وضع خطط و تصورات للسياسة العربية بما ينسجم مع تصوراتها فيما يعلق بالتضامن الإقليمي و الدولي . و يتجلى ذلك في منحنيين , الأول يخص بلاد الشام أو ما عرف " بالهلال الخصيب " كمجال حيوي و استراتيجي لها , فقد كان تركيزها على العراق و الأردن و القضية اللبنانية و العراقية , أما المنحى الثاني فيخص المجال العربي الآخر باعتباره الحيز الأساسي للسياسة السورية و المعًول عليه في صنع سياسات أكثر فعالية لها و للإقليم العربي ككل (9).
• الدائرة الإقليمية :
حيث يدرك السوريون أهمية و حساسية الدور الفعلي لدول الجوار و تأثيره على السياسات العربية و مجمل قضايا المنطقة , و قد أيدت سورية اهتماما بدولتي الجوار الكبيرتين و هما تركيا و إيران , فعلى الرغم من الحساسية الإيديولوجية بين العرب و الإيرانيين إلا إن هذه السياسة سلكت مسلكا متباينا , إذ بنت علاقات وثيقة و إستراتيجية بنها و بين إيران , وكذلك فان العلاقات السورية التركية شهدت انفراجا غير مسبوق تحول إلى نوع من الشراكة بين سورية و تركيا .
• الدائرة الدولية :
حيث تعتبر هذه الدائرة خارج الدائرتين السابقتين و لكن في الواقع هي مرتبطة بهما و تنطوي
على أربع مفردات هي :
1_الولايات المتحدة الأمريكية كدولة عظمى و قطب أوحد يدير السياسة الدولية , و تعمل سورية على حوار نقدي هادئ معها و مراجعة للتصورات الرائجة حولها و التي تؤثر على العلاقات بين الطرفين .
2_أوروبا و هي التكوين الأقرب و المعول علها سياسيا و اقتصاديا بالرغم من تلكؤ سياستها الخارجية تجاه المنطقة العربية (10).
3_آسيا , حيث أبدت سورية اهتماما نسبيا بتطوير العلاقات الاقتصادية مع كل من اليابان و الصين و الهند , و خاصة فيما يتعلق بالتكنولوجيا و إمدادات السلاح و الدعم السياسي .
4_روسيا , حيث ما زالت روسيا تتبوأ مكانة متميزة لدى السوريين على الرغم من ضعف وزنها السياسي و تلكؤها في تلبية متطلباتهم الأمنية و استجابتها لضغوط الدول الغربية بهذا الصدد , كما إن الرئيس السوري قام بزيارة روسيا أكثر من مرة لإحياء علاقات التعاون و الشراكة بين كل من سورية و روسيا .

ثالثا : سياسة الرئيس بشار الأسد تجاه الصراع العربي الإسرائيلي:

اعتبر الرئيس الأسد إن عملية السلام التي بدأت منذ مؤتمر مدريد عام 1992 هي أفشل عملية سياسية , و سبب ذلك انه رغم سنوات التفاوض الطويلة بين العرب و الجانب الإسرائيلي لم يتحقق السلام العادل و الشامل , و قد حدد الرئيس بشار الأسد أسباب هذا الفشل بعدة نقاط و من أهمها :
• غياب المشروع القومي العربي.
• التعنت الإسرائيلي و عدم الرغبة في تحقيق السلام.
• غياب الإدارة الدولية لحل القضية .
• عدم تحديد طبيعة خيار السلام الاستراتيجي الذي تبنته الدول العربية .
و كذلك حدد الرئيس بشار الأسد الأسس التي من اجلها الدول العربية تبنت السلام كخيار استراتيجي:
• تنفيذ قرارات الشرعية الدولية 242_ 338_425.
• ضمان حقوق الشعب العربي الفلسطيني .
• عودة اللاجئين الفلسطينيين .
• تحرير جميع الأسرى العرب المعتقلين في السجون الإسرائيلية.
و كما أن الرئيس بشار الأسد حدد طبيعة الموقف الإسرائيلي تجاه عملية السلام حيث اعتبر أن:
• السلام خيار تكتيكي لدى الاسرائيلين .
• رفض إسرائيل السلام العادل و الشامل .
و أمام هذا الوضع حدد الرئيس السوري بشار الأسد أهم النقاط الواجب العمل من خلالها لمواجهة الموقف الإسرائيلي :
• التضامن العربي و التنسيق العربي على كافة المستويات .
• تفعيل المقاطعة العربية لإسرائيل .
• زيادة و فعالية الدور الروسي و الأوروبي في عملية السلام .
• الاستفادة من دروس المقاومة اللبنانية .
• دعم الانتفاضة الفلسطينية و القيام بعملية دولية لتأكيد شرعيتها (11).

رابعا : سياسة الرئيس بشار الأسد تجاه النظام الدولي الجديد :

ان المجتمع الدولي ما زال يعيش تحت تأثير المتغيرات الدولية التي عصفت بالعالم منذ نهاية التسعينيات من القرن الماضي , و التي أفرزت مجموعة من المصطلحات و من أهم تلك المصطلحات النظام العالمي الجديد و الذي حدد الرئيس الأسد ملامحه كما يلي :
• هو ليس نظاما دوليا , بل هو نظام دولة أو بضع دول على هذه الكرة الأرضية .
• غياب التوازن.
• تحول حماية الديمقراطية إلى أداة بيد الدول القومية للتدخل في شئون الدول الصغيرة .
• ازدواجية المعايير المستخدمة في المنظمات و المحافل الدولية .
و لهذا عمل الرئيس الأسد على وضع إستراتيجية محددة لمواجهة أثرات هذا النظام الجديد على كافة المستويات السياسية و الاقتصادية و كان من أهم هذه النقاط :
• إعادة تحديث و تطوير مختلف القطاعات في سورية .
• محاولة الوصول إلى درجة عالية من التنسيق بين الدول العربية .
• تطوير العلاقات السياسية و الاقتصادية مع الصين و دول جنوب شرق آسيا .
الانفتاح على الدول الأوروبية و خاصة فرنسا و روسيا على أساس المساواة و الاحترام المتبادل بين الطرفين .

خامسا: سياسة الرئيس بشار الأسد تجاه الدول العربية و الإسلامية :

عمل الرئيس بشار الأسد على تحليل الوضع و تحديد الأسباب التي أدت إلى حالة عدم الاستقرار التي تعيشها الأقطار العربية و التي نستطيع ان نلخصها بما يلي :
• الاهتمام بالمصالح القطرية على حساب المصالح القومية .
• الانفعالية العربية الإبتعاد عن الانفعالية و التصرف على أساس ردود الأفعال .
• تراكم الأخطاء العربية و الدولية في معالجة القضايا التي واجهت الأمة العربية خلال العقود المختلفة .
و أمام هذا الواقع عمل الرئيس بشار الأسد على وضع إستراتيجية تعد استكمالا لإستراتيجية الرئيس الراحل حافظ الأسد ليحاول من خلالها إخراج الأمة العربية من المأزق الذي هي فيه , و أهم نقاط هذه الإستراتيجية هي :
• تفعيل الاتفاقيات الاقتصادية العربية .
• إعطاء دور اكبر للجامعة العربية في معالجة القضايا التي تمس مصالح الامة العربية .
• الوصول إلى صيغ محددة للتضامن العربي و الالتزام الجاد بتطبيق و احترام تلك الصيغ .

و من خلال هذا نرى إن هذه الإستراتيجية هي إستراتيجية متكاملة لتكامل أطروحاتها السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية وواقعية هذه الأطروحات.
حيث عمل الرئيس الأسد على تعزيز علاقات التعاون مع الدول العربية و عمل على جعل العلاقات السورية اللبنانية نموذج للعلاقات العربية و رفضا في محاولة لتشويه هذه العلاقة القائمة على الإخوة و الاحترام المتبادل لسيادة الدولتين .
و قد قام الرئيس الأسد بعدة زيارات إلى مختلف الدول العربية ليحاول من خلال هذه الزيارات تقريب وجهات النظر و التشاور على مختلف القضايا المطروحة على الأمة العربية و خصوصا مصر و السعودية اللتان تملكان دورا فعالا في المنطقة على الرغم من توتر العلاقات بين المثلث "سورية و مصر و السعودية "(12).
و نتيجة هذا التنسيق العالي المستوى تحولت القمة العربية الى مؤسسة من مؤسسات الجامعة العربية تنعقد كل سنة بشكل دوري ليناقش فيها القادة العرب القضايا المطروحة على الساحة العربية , و تعتبر هذه الخطوة نقلة نوعية في العمل العربي المشترك و فيه تفعيل كبير لدور الجامعة العربية.
و تحتل اليوم في السياسة الخارجية السورية معاناة الشعب العراقي و قلقه من الاحتلال الأمريكي حيث تعمل القيادة السورية على تخفيف هذه المعاناة و كذلك تعمل على الدفاع عن حقوق الشعب العراقي بشتى الوسائل الممكنة حيث أكدت سورية من جديد مواقفها الثابتة تجاه انسحاب القوات الأمريكية من العراق , و حددت خيارها إلى جانب الشرعية الدولية و التضامن مع الشعب العراق في مقاومة العدوان الغير مبرر شرعيا و لا قانونيا و لا أخلاقيا (13). و بالتالي فان الضغوط التي تمارس ضد سورية لتغيير موقفها تجاه المقاومة الفلسطينية أو على المنطقة و ترتيب أوضاعها بما يخدم المصالح الأمريكية و الإسرائيلية (14), و قد أدرك الرئيس الأسد أهمية العلاقات العربية الإسلامية و ضرورة زيادة أواصر التعاون مع الدول الإسلامية و خصوصا إيران التي تعد الجانب الاستراتيجي للأمة العربية في صراعها مع الصهيونية , حيث يرتبط البلدان بعلاقات سياسية وثيقة و إستراتيجية منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 كما أنهما يواصلان بدأب لترقية العلاقات الاقتصادية و العلمية و الثقافية (15). حيث قام الرئيس بشار الأسد بزيارة طهران أكثر من مرة و ذلك للتشاور مع القادة الإيرانيين و تعزيز العلاقات العربية الإيرانية من جهة و الإيرانية السورية التي أرساها الرئيس الراحل حافظ الأسد على أسس ثابتة و راسخة من جهة أخرى , حيث شكلت السياسة السورية و الإيرانية و التنسيق الدائم بينهما فيما يتعلق بقضايا المنطقة و القضايا الدولية نقطة مضيئة و مثالا يحتذي به للعلاقات المتوازنة بين بلدين صديقين تمسكا رغم شدة و شراسة الهجمة بمواقفهما الواضحة التي تستند إلى المرجعية الدولية و قرارات الشرعية الدولية فيما يخص القضايا الشائكة و المشاكل التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط (16).

سادسا :سياسة الرئيس بشار الأسد تجاه الولايات المتحدة الأمريكية كقوى عظمى:

حيث ارتكزت النظرة السورية تجاه الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى إلى الدور الذي باتت تلعبه هذه القوة بعد انتهاء الحرب الباردة و انفرادها بزعامة النظام الدولي. فبعد إن كانت تسعى للحفاظ على استقرار نسبي في العلاقات الدولية , و تتدخل أوقات الأزمات لمنع تدهورها , أصبحت هي التي تخلق الأزمات و بدلا إن تكون عامل استقرار أصبحت عاملا مساعدا على تحريك الصراعات لا سيما في بعض المناطق المتوترة خاصة منطقة الشرق الأوسط (17), و قد تصاعد هذا الدور بعد أحداث اا سبتمبر عام 2001 و توسع مفهوم الأمن القومي الأمريكي ليشمل مناطق مثل أفغانستان و العراق و إيران و سوريا , و بدأت الإدارة الأمريكية تطبق هذا المفهوم تارة بالأعمال العسكرية عبر اجتياح العراق و تارة بالمبادرات السياسية و طرح المشاريع لإصلاح البني التحتية لأنظمة الدول العربية و أعادة هيكلتها من النواحي السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية وفق الرؤى الأمريكية (18),من منطلق إن استمرار الأوضاع الحالية دون تغيير يشكل خطرا على الأمن القومي الأمريكي و على امن هذه الدول و هو ما عبرت عنه بمشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يمثل من وجهة النظر السورية تدخلا أمريكيا في شئون دول المنطقة و جزءا من سياسة أمريكا في تصدير الثقافة الأمريكية إلى هذه الدول و إلغاء ثقافتها الوطنية و كل هذا يشكل خطرا على الهوية العربية و الانتماء القومي , فالإصلاح و إن كان يمثل حاجة أساسية إلا انه يجب أن يأتي بمبادرات وطنية و ينبع من طبيعة المجتمعات العربية(19), و في سياق التعامل مع السياسات الأمريكية تحركت السياسة الخارجية السورية بعدة محاور أبرزها :
• زيادة التنسيق مع الدول العربية و الدعوة إلى آليات العمل العربي المشترك على أساس عامي منهجي , و من هنا كانت مشاركة سورية مع مصر و السعودية في تبني مشروع لإصلاح النظام الداخلي لجامعة الدول العربية بما يمكن من تكوين أرضية مناسبة لتعاون عربي فعال .
• تقوية العلاقات مع عدد من الدول الهامة التي تتمتع بعضوية دائمة في الأمم المتحدة كالصين و روسيا بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي و العمل على استكمال المفاوضات لتوقيع اتفاق الشراكة مع أوروبا (20), وطالبت سورية بدور أوروبي حقيقي في عملية السلام و أكد ذلك الرئيس الأسد بقوله " نحن ندعو لدور أوروبي فاعل خاصة في عملية السلام (21).
و من ناحية أخرى عملت سورية على تقوية موقعها الإقليمي من خلال الانفتاح على تركيا الجارة المسلمة و يتضح ذلك من خلال قول الرئيس السوري " هناك أشياء كثيرة تجمعنا مع الجانب التركي و هذه الأشياء هي التي ساعدت على انطلاق هذه العلاقة في الأعوام القلية الماضية , و أتت قضية العراق مؤخرا لكي جعل الخطر متشابها على سورية و تركيا و إيران (22).
بالإضافة إلي إيران التي تعتبر بالنسبة لسورية عمقا استراتيجيا و إقليميا و حليفا هاما لا يمكن الاستغناء عنها
• الاستناد إلى المنظمة الدولية و قراراتها في معالجة القضايا الأساسية المطروحة على الساحة الدولية مثل عملية السلام , الإرهاب , أسلحة الدمار الشامل (23), احتلال أمريكا للعراق .
• التأكيد السوري على أن القاعدة الأساسية للعلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية هي قاعدة الحوار الهادف إلى التفاهم حول مختلف المواضيع و تجنيب أي محاولة للصدام معها .

سابعا : أهم مبادئ السياسة الخارجية السورية :

• احترام الشرعية الدولية و تأكيد أهمية و تعزيز دور الأمم المتحدة و إصلاح مجلس الأمن و تعزيز دور الجمعية العامة .
• دعم جامعة الدول العربية في الظروف الراهنة لتحقيق العمل العربي المشترك و التعاون الاقتصادي العربي .
• اعتماد السلام كخيار استراتيجي في هذه المرحلة و القائم على مبادئ الشرعية الدولية و مبدأ الأرض مقابل السلام و مرجعية مدريد .
• العمل على إقامة و تشجيع نظام دولي متعدد الأقطاب يقوم على أساس التوازن بدل من هيمنة دولة واحدة .
• السعي لتطوير و بناء العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية اخذين بعين الاعتبار في المقام الأول مصالح سورية و الدول العربية .
• العمل على إحياء علاقات التعاون مع روسيا و إحياء طابعها التعاوني و الاستراتيجي .
• تعزيز العلاقات السورية الأوروبية و تفعيل الدور الأوروبي في المنطقة بما يخدم مصالح الجانبين .
• تعزيز و تطوير العلاقات مع الدول المجاورة و دول العالم وفقا لمواقفها من القضايا العربية .
ثامنا : ثوابت السلوك السياسي السوري :

هناك جملة من الأسس و العوامل التي تستند عليها السياسة الخارجية السورية و هي:
• فكر الرئيس الراحل حافظ الأسد .
• فكر حزب البعث العربي الاشتراكي منذ نشأته حتى وقتنا الحاضر .
• الانجازات الحضارية للأمة العربية " الأصالة , الانتماء القومي و الهوية و التاريخ الحافل بالإنجازات ".
• المتغيرات العالمية و الظروف الولية المعاصرة .

تاسعا: أهم أولويات السياسة الخارجية السورية :

• إن السياسة الخارجية السورية تستمد قوتها من الوحدة الوطنية للشعب , أي من إصرار هذا الشعب على ممارسة حقه خلف قيادته لاسترداد الأرض و بناء الوطن و تحقيق النهوض العربي , و يعتبر البرنامج الذي قاده الرئيس بشار الأسد في التطوير و الإصلاح و انجاز هذا البرنامج القوة الداعمة للسياسة الخارجية و عملها .
• تحرير الجولان كاملا إلى حدود الرابع من حزيران عام 1967 و عودته للوطن و تحرير جميع الأراضي العربية المحتلة في فلسطين و جنوب لبنان و تحقيق حلم الشعب العربي الفلسطيني في التحرير و الاستقرار و بناء الدولة ذات السيادة و عاصمتها القدس و عودة اللاجئين وفق القرار 194.
• اعتبار العمل من اجل التضامن العربي و تحقيق السوق العربي كهدف استراتيجي و تطوير العمل العربي المشترك و ترسيخ مبدأ الأمن القومي العربي و تحقيق السوق العربية المشتركة من المهام الرئيسية للسياسة الخارجية .
• تحرير العراق و ممارسة شعبه لسيادته على أرضه و وحدة العراق أرضا و شعبا و انسحاب قوات الاحتلال هدف ثابت من ثوابت السياسة السورية (24).
• إقامة العلاقات الطيبة مع دول الجوار و خاصة إيران و تركيا على أساس استراتيجي في ظل الاحترام المتبادل و المصالح المشتركة .
• اعتماد سياسة الحوار مع الولايات المتحدة الأمريكية و السعي إلى فهم مشترك في عدم التدخل في الشئون الداخلية في كلا البلدين .
• تعزيز العلاقات مع دول أمريكا اللاتينية و خاصة الدول التي تحوي المغتربين السوريين و العرب .
• السعي لتعميق الصلة مع بلدان القارة الإفريقية .
• تعزيز دور الأمم المتحدة في حل المشاكل و تقوية المنظمات الإنسانية المتخصصة و دعم جهودها و تعزيز دورها .
• الدعوة إلى مقاومة الإرهاب بكل صوره و أشكاله و الاعتراف بحق المقاومة للشعوب من اجل حريتها و استقلالها .
• حماية سورية و أمنها الوطني , حيث اعتمدت السياسة الخارجية السورية على بناء وطن داخلي قومي و متين تشارك فيه كافة قوى الشعب الوطنية , و اعتبار الوحدة الوطنية السند الأساسي للسياسة الخارجية , و منها تستمد قوتها الى جانب بناء جيش وطني و اقتصاد كفئ يحقق التنمية المستدامة و العدالة الاجتماعية .

و أخيرا يمكن القول انه منذ وصول الرئيس بشار الأسد إلى سدة الحكم عام 2000 فقد عمل على التأكيد على الثوابت الوطنية و العقلانية و الهدوء و الابتعاد عن الانفعالية و ردود الأفعال و الانفتاح و تطوير العلاقات مع دول العالم بشكل عام و مع الدول العربية بشكل خاص من خلال تفعيل الاتفاقيات الاقتصادية العربية القائمة و إعطاء دور اكبر للجامعة العربية و الوصول إلى صيغ محددة للتضامن العربي , و من هنا نجد أن الرئيس بشار الأسد يملك مشروعا سياسيا و اقتصاديا متكاملا و رؤية إستراتيجية يستطيع من خلالها أحداث نقلة نوعية متميزة لسورية في مختلف المجالات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية .




قائمة المراجع:

1_خيام محمد الزعبي ,العلاقات السورية الإيرانية 1979_2004 , رسالة ماجستير , حيث قام الباحث بترجمتها من اللغة الفارسية إلى اللغة العربية . طهران , جامعة أصفهان ,كلية الاقتصاد و العلوم الإدارية , 2005 , ص12.
2_ هاني خليل , حافظ الأسد , الإيديولوجية الثورية و الفكر السياسي , دمشق , دار طلاس للدراسات و الترجمة و النشر , ط1, 1986,ص44.
3_جمال عبد الجواد , انتفاضة الأقصى الفكرة و أزمة الإدارة , القاهرة , مركز الدراسات السياسية و الإستراتيجية, 2002, ص320.
4_محسن نحال , صنع القرار في السياسة الخارجية السورية , رسالة ماجستير غير منشورة , لبيا , أكاديمية الدراسات العليا و البحوث الاقتصادية , 1999, ص52.
5_عز الدين القدور ,الثوابت السياسية الخارجية السورية , رسالة ماجستير غير منشورة , الرباط , جامعة محمد الخامس , 2002,ص74.
6_ ماجد شدود , حافظ الأسد و الصراع العربي الصهيوني, دمشق, مكتبة الأسد , 1998, ص14.
7_عبدالله نادر , بشار الأسد مفكرا , فكر و قيم إنسانية , دمشق , منشورات جامعة دمشق ,2002,ص2.
8_فايز عز الدين , حافظ الأسد , الديمقراطية و المتغيرات الدولية ,دمشق , منشورات جامعة دمشق,1992,ص197.
9_غسان سلامة ,المجتمع و الدولة في الشرق العربي المعاصر , بيروت , مركز دراسات الوحدة العربية ,1987,ص95.
10_ فليب جوردن , سياسة أوروبا الخارجية غير المشتركة , أبو ظبي , مركز الإمارات للدراسات الإستراتيجية , العدد 35, 1999, ص76.
11_ خيام محمد الزعبي , مرجع سبق ذكره ,ص 44.
12_أحمد يوسف أحمد , التداعيات العربية , الحرب الإسرائيلية على لبنان , المستقبل العربي ,العدد332, 2006, ص33.
13_حديث صحفي للرئيس السوري بشار الأسد مع السيد جورج سمعان رئيس تحرير صحيفة الحياة , دمشق , وكالة الأخبار السورية سانا,7_10_2003.
14_اتهام أمريكا سورية و إيران بالإرهاب , حيث قام الباحث بترجمتها من اللغة الفارسية الى اللغة العربية.
http:www.anjoman.info/atide/seri05.ph p=1.
15_ سامح راشد ,إيران و سورية , التحالف حول لبنان , السياسة الدولية , العدد166, 2006, ص134.
16_خيام محمد الزعبي , مرجع سبق ذكره , ص17.
17_جريدة البعث السورية , العدد 12318, 19_ 4_2006,ص11.
18_ بشير عبدالفتاح , الموقف العربي من العدوان الإسرائيلي على لبنان , السياسة الدولية , العدد 166 , 2006 , ص131.
19_ جريدة تشرين السورية ,العدد 8627_ 2_5 _2004, ص9.
20 _ المحور العربي , العدد44, نيسان 2004, ص11.
21_ حديث الرئيس بشار الأسد لقناة الجزيرة , جريدة تشرين السورية, العدد8927, أيار 2004,ص2.
22_المرجع السابق , ص2.
23_إن سورية تقدمت إلى مجلس الأمن نهاية عام 2003بمشروع لجعل منطقة الشرق الاوسط بما فيها إسرائيل خالية من أسلحة الدمار الشامل و ذلك بعد موقف لبيا بتخليها عن برامجها النووية , الأمر الذي أحرج سورية و زاد من حدة الضغوط عليها في هذا الشأن .
24_ كلمة الرئيس السوري بشار الأسد أمام القمة العربية الخامسة عشر في شرم الشيخ , دمشق , وكالة الأنباء السورية الرسمية سانا , 1مارس 2003.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,624,364,003
- دور ليبيا و المواقف البطولية من ازمة دارفور
- العلاقات السورية الليبية حول جلاء القواعد البريطانية عن ليبي ...
- الولايات المتحدة الأمريكية لا تحترم إلا الأقوياء
- المغزى من تعيين سفير أمريكي في دمشق
- الولايات المتحدة لا تحترم الا الأقوياء
- الموقف المصري من قرار المحكمة الجنائية الدولية بشأن البشير
- جدلية العلاقة السورية الليبية حول جلاء القواعد البريطانية عن ...
- وعد أوباما بالتغيير و ازدواجية السياسة الأمريكية


المزيد.....




- عشرات القتلى بهجمات للقاعدة في اليمن
- مقتل ثمانية في تجدد للعنف في بنغازي والبرلمان الليبي يتحالف ...
- ثورة أكتوبر الشعبية وموسم الهجرة لتزوير التأريخ ولي عنق الح ...
- شبهينا واتلاقينا
- ( ياشعبا لهبك ثوريتك - تلقي مرادك والفي نيتك) محجوب شريف
- مستقبل الثورة وآفاقها **
- في ذكرى أكتوبر المجيدة
- أكتوبر الجذوة المتقدة للنضال الثوري
- أكتوبر في ضمير الشعب ، في الشعر وفي الفنون .
- شهيد اكتوبر المنسى فى بورتسودان.. فى خمسينية اكتوبر المجيدة ...


المزيد.....

- مراحل انضمام دول الشمال الى الأتحاد الأوربي / شهاب وهاب رستم
- صدام التيّارات .. جوزيف ناي في مواجهة فريد زكريا : هل صارت أ ... / جلال خشيب
- النظرية و الممارسة في العلاقات الدولية : بعض من التصورات الش ... / جلال خشيب
- التحديات الامنية للسياسة الهارجية الامريكية في الشرق الاوسط ... / و أمين المشاقبة و سعد شاكر شبلي
- دردشات: العرب وصندوق باندورا / جودت شاكر محمود
- بنية الفاعلين في التحول بعد الحرب الباردة / بازغ عبد الصمد
- لماذا تشكل ايران الخطورة الاعظم؟ / عبد العالي الحراك
- العلاقات الثقافية العربية الإفريقية حتى 1991 / سالم علي محمد كتي
- جنوب السودان ..جذور المشكلة ..وتداعيات الانفصال / محمد نبيل الشيمي
- مقترح دستور جديد للملكة المغربية / عبد الله العلوي أبو إياد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - خيام محمد الزعبي - الثابت و المتغير في السياسة الخارجية السورية