أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خليل فاضل - مظاهر الاكتئاب في المجتمع العربى






















المزيد.....

مظاهر الاكتئاب في المجتمع العربى



خليل فاضل
الحوار المتمدن-العدد: 2854 - 2009 / 12 / 10 - 16:07
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


"أيها الوطن الجميل، كل هذه الأرض الممتدة من محيط عقبة إلى خليج أبى ذر، كل هذه الأرض لنا . . . للعرب جميعاً، وهذه الصحراء الجميلة كانت للفرسان وللشعراء وقبلهم للأنبياء، قبل أن تتحول إلى محطات بنزين، وقبل أن يتم رسم خرائطها بأصابع أعدائها، فالأمة لا تتحالف إلا مع ذاتها، ولا تنتصر إلا لهذه الذات، وكل تحالف سواه مهزوم بعاره وثرائه ".
مظاهر الاكتئاب فى المجتمع العربي . . العرب . . إما خافوا منه ذلك العفريت الذى طلع ويطلع لهم صباح مساء، أو أنهم قد تعاملوا معه بحذر أو بأناقة شديدة (خاصة النخبة منهم المثقفين والفلاسفة والشعراء - Elite ) لكن الجميع ـ تقريباً ـ حولوه إلى مضغة يجترونها كما جمالهم السائرة في تيه الصحراء، تحمل بضاعتهم ومصائبهم، تَمّرهم ونساءهم، ذهبهم. وأطفالهم.
صار اكتئابهم خبزهم اليومى وقهوتهم الصباحية، إذاعتهم، تلفزيونهم، شتيمتهم، جورنالهم اليومي، فضائيتهم المفضلة، (إخبارية كانت أم عريانة).
لاكوه فى أفواههم وحركوه بألسنتهم، خَزّنوه كالقات في تجاويفهم الفمية والنفسية ليمضغوه ويتخدروا بعد سويعات، ثم ينامون ويلهون بعد سويعات أخرى، خزنوه فى صدورهم وقلوبهم، لينشع فى قفصهم الصدرى ويرتشح فى رئاتهم، ينمل أحاسيسهم ويخدرهم أو صار كالعلكة اللبنانية لزوم الدلال وسط الجحيم أو اللبان الأمريكانى (التشكيلتس) في الأكشاك البسيطة أمل الفقراء والمحرومين من التذوق، بصقة الأغنياء في أزمنة الحروب.
ترى سوزان سونتاج فى مقالتها الرائعة (المرض) كاستعارة. أو بالأحرى وأكثر دقة (ميتافور)Metaphor ناقشت فيها تأثير المرض كميتافور فى ثقافتنا، واستخدمت السرطان والسل ككلاسيكيات، بالطبع فى (مجتمعنا العربي) يعشعش المرض كميتافور قوي، ليس فقط السل والبلهارسيا والتهاب الكبد الوبائى، لكن كذلك الذبحة الصدرية والسكر وارتفاع ضغط الدم ومؤخراًً أنفلونزا الطيور وبالطبع الاكتئاب، وهى كلها نماذج تاريخية، لكن مَنّ يعُطى (المرض) معناه ومفهومه كفعل عقابى ومن وجهة نظر ميننجرMenninger (1963) المحلل النفسى احد الفرويديين الجدد والذي رأى المرض شيئاً مختلفا فلم يره كمصيبة من مصائب الدنيا لكنه رأى أن المريض الضحية مسئول إلى درجة كبيرة عما فعل هو بحياته وبنفسه من (إهمال، استسلام، عبث..)

وهكذا فبدلاً من أن نبحث في الظاهر (عن مظاهر) الاكتئاب عربياً، فلسوف نحاول الغوص سوياً في أعماقه (جواه)، داخل بطنه الرخوة، محاولين الفهم في إطاره العربى، ونتساءل معاً هل هو حقاً (مجتمع) أم أنها (مجتمعات .. عربية).
نحاول يأساً وأملاً أن نلصقها أو نوازيها كقطع البازل، لكن هذا العربى في مجتمعاته وأزماته، في غربته أوروبيا وأمريكيا، أفريقياً استرالياً ونيوزيلانديا، يعانى من تناقض وجدانى خطير يتمثل في ضدين (ذاته العربية المتضخمة) أنا (كويتى)، أنا (سعودى)، أنا (غنى)، (مصر أم الدنيا)، احساس بالامتلاء لدى المغربي العربى وإدراكه بالامتياز عن أقرانه في الشرق، ومن خلال ارتباطه فرانكفونياً بالعالم الأول لغة وثقافة وهجرة!!
ذاته القوية زيفاً وإرهاباً وعمالة وسلاحاً، مقابل دونية شديدة تجاه الخواجة المتفوق، وتجاه بعض أقرانه العرب حسب الحالة والموقف والتفوق العلمى، وبالطبع حسب امتلاك وانتشار محطات البنزين.
تكاد المسألة برمتها تسير في طريق ذي اتجاهين: دونية تتمثل في أميته، جهله، فقره، مرضه، عجزه، قلة حيلته، ضعفه وعدم خروجه من دائرة المستهلك لكل شيئ أمريكى وصيني، مروراً بتايوان وجنوب أفريقيا، إلى سقفه الواطئ علمياً وعسكرياً في مقابل (اليهودى التائه) الذى أصبح راقداً في قلبه يطلع له لسانه، ويغيظه كل لحظة بتفوقه وإبداعه وقدرته على احتلال أرضه وغزو سماواته وكتم أنفاسه واحتقاره...
إذن فهل نحن أمام الاكتئاب العربي؟ أم اكتئاب العربي؟ أم الاكتئاب في المجتمع العربى؟
في الحقيقة أن المسألة ليست إطلاقاً لعباً بمفردات تلك اللغة السخية، بقدر ما هى محاولة للوصول إلى المعنى الدفين لعل وعسى! هل هو اكتئاب فردى أسرى، حياتى، إنسانى، مجتمعى، بيئى، سياسى، يغذيه القهر ويأكله الاستبداد، يفتته الظلم الذي يترعرع في ظل أنظمة مترهلة وفاسدة تحكمها آلية الإنكار denial بإبداع لم يسبق له مثيل.
أعقد أن المسألة هى كل ذلك، يقود حالاتها في أحيان كثيرة كل العوامل مجتمعة يحكمها العامل الوراثى البحث والاستعداد الجينى المتأصل، يحكمها الوعى بضرورة البحث عن حلَّ ومن ثمّ يتحول إلى حالات سريرية حادة تدخل المصحة، أو تعالج دون تطويع البيئة المحيطة، فتظل في جوفها بذرتها الاكتئابية القبيحة والعنيدة، أو تزمن وتستعصي على الحل رغم من كل العلاجات والعقاقير ذات الرنين العالمي، التي تتفنن في إنتاجها شركات عملاقة متعددة الجنسيات، تصوب أهدافها نحو فقراء العرب وأغنيائهم بلا تمييز، ناهيك عن بعض الأطباء والمعالجين الدائرين في دورة استعمال المريض العربى كسلعة لابد من امتصاص دمها حتى الموت.
وما بين اكتئاب العربى الممتد والمتجذر من خليج أبى ذر إلى محيط عقبة، يتقاطع كل ذلك مع الاكتئاب الأمريكى، ففي تصريح نادر ومدهش(غير مفاجئ) للإدارة الأمريكية باعترافها بفشلها في تسوية "الأزمة العراقية" بشكل منفرد، حيث طالبت إدارة بوش الأمم المتحدة بالقيام بدور أساسى في العراق. إلى انتحار الجندي الأمريكي في حي الأعظمية في منتصف يوليو(تموز) شهر الثورات العربية والانتصارات العربية، بعد ما ترجل من مركبته الحربية، أخرج سلاحه النارى مطلقاً النار في فمه منهياً اكتئابه وحياته الخالية من أي فرحة حياة والمغمورة بالموت والدم حتى آذانها، وفي ذلك ذكرى للمواطن اليمنى الذى أطلق الرصاص مردياً أمريكياً وكندياً يعملان في شركة نفطية باليمن، في ساعة مختارة من ساعات المهلة النهائية التى أطلق الرئيس بوش (لا أحد غيره) ليبدأ الحرب بعدها، القاتل انتحر، ولا إمكانية لفحص قواه العقلية أو استجوابه الأمنى بعد موته.
وبعد القتل والانتحار اللذان ابتعدا عن الحالات الإكلينيكية التي نراها في العيادات، نجد أنفسنا في خضم القتال، ودوران رحى الحروب التى أنهكت العربى سواء مباشرة من خلال موته وموت أبنائه فيها، أو تشردهم العبثى في أرجاء ذلك المجتمع المفترض، فها هم العراقيون حجر الزواية في عصر الاكتئاب المعاصر، دُمرت حضارتهم وضاعت أموالهم، سرقت بيوتهم ومن عاش منهم يعيش خائفاً مرعوباً، يتمنى ديكتاتورية وظلم ورعب صدام فهو هو العراقي تائه في أزقة دول الخليج أو سوريا أومصر، و القادرين منهم في دول الغرب التى تستمتع وتسثمر أموالها في سلاح لمرتزقتها لمزيد من القتل والدمار.
نعتقد أن المفصل يتعلق بالهوية الأساسية للعربى المسلم وغير المسلم في العراق، لبنان، مصر، السودان، وفلسطين(شاب عراقى عمره 26 سنة يهاجر مع أهله إلى القاهرة ورغم اشتراكه الهامشى مع المقاومة ـ وفي هذا جرأة تعارضت كلية مع أعراض الرهاب والذعر والهلع من كل شيئ، بما في ذلك كل آثار توتر ما بعد الصدمة PTSD، جسد هذا الشاب العراقي درامياً في المسرح النفسي العلاجي (السيكودراما) مأساته ما بين صدام وجحيم الاحتلال والحنين الشديد القاسي إلي الوطن، في آخر جلساته الفردية، ارتمى على الشيزلونج، متأملاً سقف الغرفة قائلاً في أنين المتعب المثخن بالجراح (كل ما أنام على سريرى، أتأوه وأقوم متفزعاً خائفاً، أحلم ببيتنا، بأسرتي ونحن نخرج كأسرة بالسيارة، نحضر الأكل، يحضر أقاربنا، نطالع تحركات الجيش العراقى حولنا، أبكى مكتئباً بشدة، كابوسي هو حلمي وحلمي هوا كابوسي، أملي، بغيتي ومقصد فرحتي، إذا نمت على الأرض في مكان بعيد كاللاجئين نمت في هدوء، وإذا عدت إلي فراشي عاد الكابوس الحلم الأمل الذى أعرف جيداً أنه لن يتحقق) ... من خلال هذا الطرح الرمزى العميق يجسد هذا الشاب العراقى مأساة وطنه وشعبه وجيله، ويختصرها في حلم كابوسي هو كالأمل الوردي، وكأنها عملية تكوين عكسي في حيلتها، على العقل القواد للقلب العاشق للوطن، فيهجر الأنباء والأخبار، يطالع قنوات فضائية غنائية، لكنه لا يهرب من شريط رسائلها الـ SMS، وهى تنقل له وسط الطبل والزمر والرقص والأجساد العارية، صور الذبح والتفجير والدماء والأشلاء وبيت العائلة الذى صار أنقاضاً كالوطن.
ومن حلم الشاب العراقي إلى حلم شاب مصري في منتصف العشرينات (نفس عمر الشاب العراقي تقريباً ويعاود نفس العيادة النفسية بأعراض مماثلة وإن كانت مختلفة في أسبابها) "حلم غريب اتكرر كإن حادثة حصلت لي، كإن قطار أو عربية كبيرة داستني، بعدين الناس شالوني وحطوني فى كيس بلاستيك وودّوني المشرحة، صحيت، لقيت نفسي فى المشرحة ، متخبط مليون تخبيطة، متقطع وبعدين متجمع تاني – خد بالك المصريين أشطر ناس في تجميع العربيات والبني آدمين وكل حاجة - ولما قمت حسيت بحتة لحمة كبيرة قوي في بقي، باشوف إيه دي لقيتها لساني مقطوع وواقف يدوب على حتة، تقريباً نسيوا يحطوه مكانه، باتحرك قام اتقطع ووقع مِني، حاولت أتكلم، عايز أتكلم، نفسي أتكلم، عايز أصرخ . . . آه آه آه مش قادر ومش عارف أعمل إيه، عايز أنطق لكن مفيش لسان، وفضلت أصرخ وأصرخ آ آه مش قادر، لقيت نفسي غرقان ميّه، عرق مغطى كل جسمي، وأنا باعّيط، وصحيت فى الآخر عرفت إنه كابوس، قلت الحمد لله، الحمد لله . . . (تعقيب وليس تفسير: حلم متكرر لشاب فقد والديه وتبعثر فى زحمة الحياة فى مصر، تمزق نفسياً واجتماعياً وكأنها تلك الحياة المصرية المعصرة قد قطعته ثم لمّته (الناس شالونى وحطوني فى كيس بلاستيك وودّوني المشرحة ـ منتهي القسوة ومنتهي الحنيةّ).
• قطعة اللحم التى سدّت زوره كانت لسانه الذي من المفروض أن ينطق به ويساعده على طلب المساعدة، لكنه تحول إلى أداة خنق (منتهى العبث أنه اتقطع ثم وقع منه، عايز ينطق لكن مفيش لسان) منتهى الكشف الصريح ومنتهي الرمزية للعجز عن التعبير وعن الفعل. وهذا مرتبط تماماً بالبوح فى الجزء الثاني من تعبير الشاب عن فشله وقرفه من نفسه ووضعيته فى الحياة (أنا قاعد بآكل، باشرب، بانام . . وباحلم " الحلم هو كابوس؟! أنا خايف قوي أنا لو سقطت فى المعهد تاني هتبقي مصيبة، مش معقول أتحول ببساطة كده لإنسان فاشل، انسان ما بيفهمش حاجة فى الدنيا، أنا خلاص نزلت من نظر الناس أنا فاشل فشل ذريع، فشلت فى الحاجة الوحيدة اللي مفروض أفلح فيها، الشباب اللي في سني وأصغر مني خلصوا تعليمهم خلاص واشتغلوا كمان، وأنا طول النهار نايم، وطول الليل قاعد على الكومبيوتر، ما أعرفش ليه، كل يوم أقول هاذاكر بكره، لكن مفيش فايدة زي ما يكون فيه دوامة أنا غرقان فيها ومش قادر أطلع منها، أنا مش عايز أنتحر، أنا مش عارف أنا عايز إيه وورايا إيه أعمله، أنا ما كنتش كده، أنا بازهق قوي وبسرعة، ده مش حقد على الناس لكنهم أحسن مني وعارفين هم عايزين إيه، واضحين مع نفسهم ومحققين أهدافهم، وعلى الأقل فيه هدف بيجروا وراه وبيحاولوا يحققوه، لكن أنا مش عارف أنا عايز إيه، أنا قرفان من نفسي، باغير جداً لو واحد أصغر مني نجح وعرف هو عاوز إيه، وأنا قاعد بآكل باشرب وبانام وباحلم.. إمبارح حلمت حلم تاني واحد صاحبي فتوة ضرب ولد وجاب الشرطة اللي قامت ضربت الناس كلها، الناس خافت، واحد منهم ضمّني، فردت إيدي، اضربت رصاصة فَجّرت إيدي، واتفرمت، وبعدين صحيت حاسس بوجع، أنا دايماً باقوم من النوم تعبان، بانام كثير لحد ما ضهري يوجعني مش عارف أعمل إيه، أترمي فى الشارع أحسن 24 ساعة . . باختصار .. . أنا خايف).
التعقيب الثاني: يأتي من رحم الواقع أيضاً، عراك، شجار، عنف، صاحب (فتوة) افترى على ولد وجاب الشرطة، التي (ضربت الناس كلها)، لم تقبض على صاحبه فقط، ولم تفض النزاع، لكنها وكالمفهوم الشعبي عن أحذية الشرطة الغليظة (ضربت الناس كلها والناس كلها خافت)، ثم تأتى بعد ذلك (الرصاصة الطائشة) التى مزقت يده (اليد بعد اللسان منتهى البوح ومطلق الرمز أيضاً) وهو بعد كل ذلك ينام كثيراً حتى يوجعه ظهره يصاحب ذلك احساس متدنى جداً أنه لازم يترمى فى الشارع 24 ساعة وينتهي كلام الشاب، مثله مثل كلام شباب كتير فى مصر الآن (أنا خايف).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تبدأ الحكاية الصعبة للغاية في أفغانستان، حيث دُعى إلى الجهاد وبُورك ومًُول من أمريكا ومصر والسعودية وانتفض الشباب العرب يبحثون عن هدف غير ذلك المائع أو المنفي الذى يعيشونه أو عن بصيص ضوء في عتمة الوعى تلك القائمة ووسط بعثرة السلطات السياسية المتباينة الهدف والانتماء والمصالح في الساحة العربية، تلك البعثرة كما يحددها حيدر إبراهيم علي وحدت الدينيون لأنهم رفضوها، ولأنهم رأوا في التعددية أثراً تآكلياً corrosive على العقيدة بجانب احتمال تخريب اليقين، كما أن تلك البعثرة تولد النسبية التي تقسم العقيدة إلى مجموعة محددّة من الاختيارات، ومن هنا يجيئ فهم تقاطع المصالح وتضاربها بين قوى مثل حزب الله، حماس، فتح، الاخوان المسلون، والقاعدة .. خطورة الهوية الدينية أنها تقوم على أساس نفي هوية الغير والغائها، أو كما يقول شايغن: " وإن أخطر الهويات على الإطلاق هى تلك التى لا تتحقق إلاّ على أنقاض الآخرين، ينبغى أن تكون هويتى متصالحة" .
من هنا نستطيع أن نفهم إنغلاق الأصوات الاسلامية ودعوتها السلفية كنوع من النكوص Regression أي العودة إلى الخلف، واتخاذها موقف عداء ما (مع الأوروبين، مع أمريكا بالطبع مع المسلمين المعتدلين، العلمانيين، أو السلطات الدينية التى لا تأتى على هواهم كما في السعودية وباكستان، لكن وبإستثناء حماس وحزب الله نجد أن العداء مع اسرائيل يكاد ينحصر في الخطب الرنانة، والدعاية والإعلان وشرائط الفيديو والتسجيلات الصوتية التى تحرص قناة الجزيرة على بثها). وقد نرى طرحاً مختلفاً لحال العرب، فإما أن اكتئابهم غضب وعدوان على الداخل، على ذواتهم، أو على مواطنيهم ومصالحهم، أو عنفاً وإرهاباً على الآخر، بذبح الرقاب، الاعدام الجماعى، الخطف والتعذيب، قد يخلص هذا الإنسان من اكتئابه - هكذا شكلاً وصورة – فهو بشكل مرضي يخرج طاقته النفسية الجنسية Libido، من طوقها ويحررها من عقالها، لكنه لا يحلّ المشكلة، أو يحلها آنياً ودموياً، ويعقدها بما يزيد الصراع تفاقماً والنار أتوناً.
في دراسة لسالم سارى . على 200 مبحوثاً من شرائح اجتماعية مختلفة في الأردن، خَلُصَ إلى أن العروبة والإسلام كانتا أكبر دوائر الانتماء اتساعاً ورسوخاً بين أفراد العينة، لذلك نجد أن الحروب العراقية (العراقية الإيرانية- احتلال العراق للكويت- تحرير الأمريكان للكويت- ثم احتلال أمريكا للعراق)، وتدميرها تماماً هى حروب عربية بحته فالعراق وفلسطين ولبنان (بشكل قاس مكثف وعميق) في حضن وأعماق ووجدان الناس على امتداد المجتمع العربي قراءة ومشاهدة وسماعاً ولا يمكن فصل اكتئابهم الخفي أو المعلن، السياسى أو الاقتصادى عن ذلك، لأن تلك الحروب قد نزعت الفتيل وشقت الصدور وبقرت البطون وقسمت المجتمع العربى بفرحه واكتئابه، بهزائمه وانتصاراته قسمين، نصفين.
ولا ننسى تأييد أنظمة مجاميع شعبية ومنظمات دولية لصدام، لمجرد أنه كان يواجه أمريكا، ثم انكفأت تلك الأنظمة وتلك الشعوب على ذاتها، ونامت في حجر أمريكا والغرب، انكفأت شعوبها على نفسها وخرج اكتئابهاً في صورة أمراض جسدية بحته أو نفسية جسدية أو صمت ولامبالاة أو هروب تام وكامل.
ولنا في حالة تلك البنت المصرية القبطية خير مثال على نفاذ روائح الدمار و إشعاعات الليزر الحارقة إلى داخل البيوت البعيدة: جامعية، 18 سنة، تقدمت إلى طبيبها النفسى بضلالات فحواها أن الناس في البيت المقابل يدقون على الحوائط وكأنهم يستعدون لهدم بيتها، كان الدق على رأسها وبعد عدة جلسات من التحليل النفسى العميق باحت البنت لطبيبها المسلم (المتنور وإلآّ لم تكن لتخبره إطلاقاً)، بأن هؤلاء الناس في البيت المقابل مسلمون (لأنهم يرتدون الزىّ الصعيدي - على الرغم من أن الأقباط في جنوب مصر كثر ويرتدون نفس الزَي)، وأنهم بهذه النية في تدمير بيتها ودق رأسها سينتقمون للمسلمين اللذين استبيحوا في الفلوجة خاصة بعد ما دخل الجند الغربيون إلى ساحة المسجد أنا بأحذيتهم وأسلحتهم وأجهزتهم القتالية، فلما سألها طبيبها ومن أدراك أن هؤلاء الجُند مسيحيون، هُم من شتى الأديان، بل ومنهم لا دينيون، إنهم مرتزقة، ثم ألا تعرفين المطران كبوتشى الذى كان يساعد المقاومة الفلسطنية بتهريب الأسلحة إليهم في سيارته الخاصة، وقضى اثني عشر عاماً في سجون الاحتلال الاسرائيلى).
وعلى الرغم من العلاج المعرفي بزيادة الوعى الاّ أن الحرب في العراق استمرت، واستمرت معها التفجرات والمذابح، شاهدت البنت الأشلاء والدمار طوعاً وقسراً، لاحقتها الأنباء في سيرها ونومها، استمر الدق في البيت المقابل، وعلى الرغم من أنها تمكنت أخيراً من استقبال الضوء وفتح الستارة المطلة على البيت المقابل، إلا أنها ظلت مسكونة بحالة الوجوم والضلالات الاكتئابية المرتبطة بالموت، الفناء، العدمية، الذعر الشديد، والخوف مما هو قادم، البيت المقابل من الممكن أن يكون رمزاً للعراق، واللذين يمسكون المعاول والشواكيش يدقون الحوائط هم جند مدحجون أو إرهابيون ملثمون، تسوء حالة البنت، وتزداد سوءاً، ثم يضطر معالجوها إلى صرف العقاقير المضادة للاكتئاب والذهان، وعلى الرغم من جدواها الوقتية إلاّ أنها لم تصل إلى بذرة الاكتئاب القومى العربى، هذه البنت المستعصية الحساسة، لم تنشغل بالكليبات الغنائية ولا ثرثرة غرف الـChat، ولم تستطع الخروج في رحلات إلاّ مع الكنيسة في محدودية بالغة، وما حدث لها يحدث لكثير من المثقفين والعلماء والناس العاديين في صور شتى، تأخذ أشكالاً عديدة قد وقد لا تنتهى بمراجعة أطباء النفس ومعالجيها. هنا يفشل المعالج وتفشل النخب المتصارعة في حلّ تلك الكارثة، ولقد دعا هذا محرر السياسة الدولية إلى التساؤل: هل بات العالم العربى على وشك الدخول في حقبة الدول "الفاشلة" تلك التى لا تقوى على تحمل مسئولياتها تجاه مواطنيها، كما لا ينجح الطبيب في علاج حالاته الاكتئابية المجتمعية المستعصية عربياً وعلى الرغم من أنه (احصائياً فإن حوالى 15% من حالات الاكتئاب العيادية تستعصي على العلاج، لكن الفريق العلاجى في الغرب، يتمكن بحذر ودأب واهتمام على جعل الحياة ألطف) ولأن جذور بعض حالات الاكتئاب العربي في غالبيتها سياسية متأثرة بالواقع المعاش، فإنها تظل لتعود وتدور وتقاوم، فالناس لا تتمتع بالحد الأدنى من مستويات المعيشة، وهى أيضاً غير مستقرة، ومن ثم تتساقط الدول ومواطينها، لبنان بطوائفه وحروبه ومخيماته الفلسطينية، وصراع " فتح حماس " الكئيب، ولنتأمل كلمات محمود درويش التي جسدت النفسية العربية "هل كان علينا أن نسقط من عُلُوّ شاهق، ونرى دمنا على أيدينا... لنُدْرك أننا لسنا ملائكة.. كما كنا نظن؟ وهل كان علينا أيضاً أن نكشف عن عوراتنا أمام الملأ، كي لا تبقى حقيقتنا عذراء؟ كم كَذَبنا حين قلنا: نحن استثناء! أن تصدِّق نفسك أسوأُ من أن تكذب على غيرك! أن نكون ودودين مع مَنْ يكرهوننا، وقساةً مع مَنْ يحبّونَنا - تلك هي دُونيّة المُتعالي، وغطرسة الوضيع! الهوية هي: ما نُورث لا ما نَرِث. ما نخترع لا ما نتذكر. الهوية هي فَسادُ المرآة التي يجب أن نكسرها كُلَّما أعجبتنا الصورة! تَقَنَّع وتَشَجَّع، وقتل أمَّه.. لأنها هي ما تيسَّر له من الطرائد.. ولأنَّ جنديَّةً أوقفته وكشفتْ له عن نهديها قائلة: هل لأمِّك، مثلهما؟ مهما نظرتَ في عينيّ.. فلن تجد نظرتي هناك. خَطَفَتْها فضيحة! قلبي ليس لي... ولا لأحد. لقد استقلَّ عني، دون أن يصبح حجراً. هل يعرفُ مَنْ يهتفُ على جثة ضحيّته - أخيه: «الله أكبر». أنه كافر إذ يرى الله على صورته هو: أصغرَ من كائنٍ بشريٍّ سويِّ التكوين؟ أخفى السجينُ، الطامحُ إلى وراثة السجن، ابتسامةَ النصر عن الكاميرا. لكنه لم يفلح في كبح السعادة السائلة من عينيه. رُبَّما لأن النصّ المتعجِّل كان أَقوى من المُمثِّل. ما حاجتنا للنرجس، ما دمنا فلسطينيين. وما دمنا لا نعرف الفرق بين الجامع والجامعة، لأنهما من جذر لغوي واحد، فما حاجتنا للدولة... ما دامت هي والأيام إلى مصير واحد؟. «أنا والغريب على ابن عمِّي. وأنا وابن عمِّي على أَخي. وأَنا وشيخي عليَّ». هذا هو الدرس الأول في التربية الوطنية الجديدة، في أقبية الظلام. من يدخل الجنة أولاً؟ مَنْ مات برصاص العدو، أم مَنْ مات برصاص الأخ؟ بعض الفقهاء يقول: رُبَّ عَدُوٍّ لك ولدته أمّك!. لا يغيظني الأصوليون، فهم مؤمنون على طريقتهم الخاصة. ولكن، يغيظني أنصارهم العلمانيون، وأَنصارهم الملحدون الذين لا يؤمنون إلاّ بدين وحيد: صورهم في التلفزيون!. سألني: هل يدافع حارس جائع عن دارٍ سافر صاحبها، لقضاء إجازته الصيفية في الريفيرا الفرنسية أو الايطالية... لا فرق؟ قُلْتُ: لا يدافع!. وسألني: هل أنا + أنا = اثنين؟ قلت: أنت وأنت أقلُّ من واحد!. لا أَخجل من هويتي، فهي ما زالت قيد التأليف. ولكني أخجل من بعض ما جاء في مقدمة ابن خلدون. أنت، منذ الآن، غيرك!."
أما وفي دارفور فالمسألة ليست تدخلاً أجنبياً أو صراع مسيحي مسلم، وإنما مواطنون عرب سودانيون، أكثر من 300 ألف منهم يعانون الفقر والتشرد والأوبئة، والعراق بكل ما ذكرناه سابقاً ، ثم يأتى الفشل التاريخى في الخروج من دائرة النار والإيهام بأنها مجرد حالة إستثنائية ، هنا يرقد في كل بيت، حتى لذلك اللاهى المتغرب إحساس عميق بالهزيمة النفسية والحضارية أمام الآخر (وهذا هو لٌب تعكير كيمياء المخ العصبية لدى جموع العرب المكتئبين سواء كان ذلك في صورة أزمة البطالة أو التنافر الادراكى الفظيع لدى الحكومات العربية، أو انتشار الهوس والعنف الجنسى والهوس الجنسى والانشغال الكامل والشامل والمرضي بتوافه الأمور، أو الافراط في إدمان المخدرات وإدمان السجائر، القهوة والخمور، العبث واللهو، أو التكوين العكسي ضحكاً ومناورات كلامية فضائية تلهب النفس، تؤجج الروح وتنهك العظام.
أخطر ما في الشأن العراقى هو اتساع الهوة بين العراقين ومحيطهم العربي ، مما دفع ببعض القوى الإقليمية إلى السعى من أجل ملْ الفراغ الداخلى هناك (حسب وصف المحرر) يوازى هذا (الخواء الداخلى) لدى جموع المكتئبين العربى في مجتمعاتهم العربية أو في (مجتمعهم العربى)، يوجد الآن ما يقرب من أربعة ملايين لاجىء عراقى، لا يجدون المأوى والمأكل، في قلب كل هذا كشفت المذبحة العراقية، الغُمّة والنواح والبؤس الحقيقى وعادت ببلد عربى كان متميزا يقارب الدول العظمى في أمور كثيرة إلى القرون الوسطى بدءاً من قبل نشأته وتعذيب رجاله (في سجن أبى غريب)، إلى تدمير كل ما هو حىّ وحرق كل ما هو أخضر ويابس، إلى طمس معالمه وتحويله إلى جهنم حقيقية، بث الفوضى والذعر والرعب ونشر الموت كما تنشر الملابس على الحبال فلا تجف، لكن يكفن بها أناس آخرون انفجر فيهم صاروخ أو أطاحت بهم قنبلة.
أن الحزن لوفاة الوطن ووفاة العزيز يمتد للبنان (تموز 2000) وهو الـ Mourning التعذب والتألم والحسرة التى تأخذ أشكالاً عدة كما حددها ليندمان Lindemann في صورة اضطرابات جسدية، انشغال بصورة المفقود المتوفي الميت، الشعور بالذنب مجسماً ومجسداً ومضخماً (نحن السبب فيما آل إليه حال الوطن، نحن اللذين تسببنا بسلبيتنا وانكسارنا وضعفنا، انهزامنا وغلبنا وخنوعنا وعدم قدرتنا على الثورة أو الاعتراض، ومن ثم لم ندافع عن أهلينا فماتوا أمام أعيننا شرّ ميتة، ماتت، رموزنا، وقيمنا، أغانينا عصافيرنا وحواديتنا قبل النوم، تفجرت كل الأحاسيس العدوانية تجاه الآخر، الصديق قبل العدو، الجار قبل المحتل (فتح وحماس- فتح الاسلام- السنة والشيعة- الأقباط والمسلمون) غضب وعدوانية وتربص، (غالباً كل من لم يقدروا على الحمار استقووا على البردعة)، آخر تلك الظواهر لعملية الحزن تلك كانت في فقدان أنماط السلوك المعتادة في الحياة اليومية (فيما عدا بعض اللبنانيين اللذين أصروا على احتساء القهوة وتدخين النارجيلة ولعب الورق على شواطىء لبنان بينما تعربد أسرائيل عنيفاً في الجو والبحر وعلى الأرض ربما غيظاً فيها أو تشبثاً بالحياة).
صار العربي عبثياً لاهياً أو متحوصلاً ساكناً أو رافضاً في جبن بينما تحولت نخبته في خيلاء إلى أبواق تصيح وتفح بل وتقبض ممن يدفع أكثر.
هل لنا في دراسة عربية تطبيقية ميدانية حقيقية على الأرامل والثكالى العرب؟ ولنأخذ عينة منهم تجمع أرامل العراق اللذين لا يعدون ولا يحصوا، أرامل مصر ولبنان وفلسطين واليمن والسودان، ضحايا التفجيرات والعمليات الإرهابية والاغتيالات في المغرب والجزائر والصومال : أعتقد أننا سنواجه بنتائج مفزعة تتعلق بالسخط واليأس والقنوط، بالحسرة وفقدان المعنى وسقوط جدار الحماية والاحساس الشديد بعدم الأمان، الحزن غير العادي- المرضى- لوفاة الأعزاء،
كما سنجد صبايا ونساء في مقتبل العمر يتلفتون حولهم بما تبقى لهم من عيال أو مال أو أثاث في بيت متهدم وبقايا وطن مبعثر الأشلاء ، نسوة يعانين الكتمان والضغط والعوز، ومما لا شك فيه أن الاكتئاب الجسيم الحالك السواد، صورة عامة مفترضة مركبة تضم من البيئة المحيطة الفزع الانسانى والقسوة اللامحدودة وإهمال أولى الأمر، صورة تسح دموعاً وتضج بنار اللوعة بين جنبيها.
إذا استمر ذلك الحزن لوفاة الأعزاء (غالباً أنه يستمر، أكيد أنه يستمر ويصبح مزمناً متأصلاً، يحمل كل العوامل النفسية الداخلية المشعة بالتلوث الوجدانى سمعاً وبصراً)، بالرياء والنفاق ووجاهة أصحاب السلطة مما يحمل النفس عبء عدوانية وغضب لا يحتمل كما أن الارتباط والاعتماد على الوطن وعلى صور الزعيم المهيب وقوة الجيش الذى لا يقهر مثل الارتباط والاعتماد على رجل البيت أو الابن اليافع الذين أصبحا جثتين تنقلان في شاحنة مع جثث أخرى تصورها وكالات الأنباء، أو يلف في علم وطنى، وتزغرد له النساء اعتباطاً وإنكاراً لفقدان، وضمور الفرحة واختفائها مع طعم الطعام وارتواء الماء وفيئ الشجر!.
وفي ظاهرة جديدة من نوعها اجتماعياً وإكلينيكياً انتحر ثلاثة من أسرة واحدة في منطقة النزهة بالقاهرة حيث انتحر الأب وابنتاه الحاصلتان على ليسانس الحقوق والآداب داخل مسكنهم بأن تناولوا مبيداً حشرياً بسبب حزنهم على وفاة الابن الأكبر الذي لقي مصرعه في حادث سيارة منذ نحو شهر، وكان الأب 57 سنة وابنتيه قد قرروا بصورة جماعية الانتحار داخل شقتهم حزناً على مصير الابن الأكبر "32 سنة" الذي كان موظفاً بأحد البنوك، حيث تناولوا المبيد الحشري حتى فارقوا الحياة. (الموضوع صادم ومخيف وله دلالات خطيرة عن التحول والتغير في خريطة المصريين النفسية فهم ـ قدر الإمكان ـ يبتعدون عن الانتحار لاعتبارات دينية أساساً وللنظرة المجتمعية، كما أن مسألة الانتحار الجماعي لدى الأسرة المصرية غير مسبوقة، يبدو أن هذا الابن كان رمزاً لأمور كثيرة ويبدو أن غموضاً كبيراً يحيط بديناميكيات تلك الأسرة التي لم يرد ذكر الزوجة (الأم) فيها، كما أن طريقة الموت بتناول المبيد الحشري سوياً تدل على الحسرة التي لا حَدًَ لها لفقدان العزيز الغالي جداً، الذكر الطموح وسط بنتين لأب ملتاع، ربما كان قد وجد في ابنه الوحيد ضالته المنشودة وعمره الضائع).
هذا عن الأمهات، أما عن الأطفال والمراهقين فالموضوع خاص وحساس فالفقدان loss بالنسبة للطفل أمرَُ مؤلم للغاية، إكلينيكياً يرفض الطفل أو المراهق تصديق الأمر في البداية لكن الطفل والمراهق العربى في أتون حروب مستعرة مثل العراق ولبنان وفلسطين، عاش الحرب بكل أهوالها متوقعاً كل ذلك، ومن ثم فإنه قد توحد مع صورة أبيه فشب مقاتلاً عنيداً ومنتقماً، أما في الحياة المدنية وتحت وطأة ضغوط الترف في مدينة كبيرة كالقاهرة، فقد يتمنى الطفل الموت في ظل أبوين دائمى الشجار، يشاهد الأب يخرج الطبنجة (المسدس) من خزانته، وبصرف النظر عن أن خزنة الرصاص كانت ملأى أو مفرغة، فلقد شاهد الولد ذى السبع سنوات أمه تضع يديها في وسطها كفتوات الأفلام العربي الرديئة، تنادى أبيه بأقذر الألفاظ تتحداه وتقول قولتها الشهيرة (لو راجل تعمل حاجة، لو راجل توريني هتعمل إيه يا ....) وفي ظل ذلك تقوم المعركة الكبرى التى يََلَفُها الخوف والإحساس بعدم الأمان، الرعب، تمنى الموت، عدم القدرة على اللعب، فقدان روح الطفولة، الكذب ،السرقة، رسم أشكال تقطر دماً وألواناً مزعجة لها حواف كحد السكين وبين، أهل الأم وأهل الأب، الكل (جدود وأعمام) وأخوال يرتفع الصياح ويستشيط الغضب، ولا يتمكن أحد من تهدئة روع الصغير، فيشب راضعاً لبن الغضب والاستثارة، ويضج صدره بمفردات الشتيمة، وعندما يشب ويتخرج، يعاف الزواج، يرتمى على شيزلونج المحلل النفسى متنهداً في صبر مُرّ (يادكتور . . يادكتور . . لم أقل لهما أفٍ ولم أنهرهما لكنهما لم يربياننى صغيراً) لقد افتقد الوالدان هنا إلى الثقافة الوالدية، وضاع منهما معنى التربية، واحتاجا إلى من يربيهما من أول وجديد، هما هنا مثل الحكام العرب في علاقاتهم الجدلية المبتورة بشعوبهم، آباء حاضرون غائبون، مخيفون، كذابون، ينظرون إلى شعوبهم باستخفاف واستهزاء ،لا يراجعون أنفسهم أبداً،عند المصائب يبوسون يد وقدم ورأس وكل حاجة في ماما أمريكا.

حالات إكلينيكية
"أنا شاب عندي 27 سنة تعرضت لكل أنواع القهر والذل والإهانة من والدي تحت دعوى إنه عايز أمني وأماني ومصلحتي وبيخاف علىّ، أنا مش مُسيس لكن هو بيفكرنى- بالضبط - بالحكام العرب، ما تشوفش منهم حنيّة ويعملوا ما بدا لهم، ابتديت أسقط في المعهد اللى أنا فيه، صاحبت شوية ظباط بوليس، منها أحمى نفسى، ومنها أشاركهم فسادهم، وآخذ منهم حشيش بسعر مخفض، (لإنهم لا يشتروه، لكن بياخدوه من الأحراز) وممكن كمان أسهر معاهم في علب الليل من غير ما أدفع، مرة أخذت فرشة حشيش (قطعة كبيرة)، وقعدت أربعة أيام أسلى بيها نفسي، وأحاول أضيع اكتئابي، وقطعتها قطع صغيرة لغاية ما عملت منها 400 سيجارة ملفوفة ، خزنتهم في الدولاب، وكنت كل يوم الصبح أصحى من النوم أردد بيت الشعر الجميل لصلاح عبد الصبور (طلع الصباح فما ابتسمت ولم ينر وجهى الصباح).
أنا با روح لدكاترة نفسيين من وأنا عمرى 16 سنة، الأول أمي كانت بتوديني من ورا أبويا، وفضلت وأنا في المعهد العالى (اللى مسمينه أكاديمية)، أروح لوحدي من ورا أبويا لحدّ ما الدكتور الحالى اللى أنا مستمر معاه قال لى لازم أبوك يعرف ولازم ييجي ولازم يسمع كلام مش هايبسطه خالص، كلام عن دوره في اكتئابك العصى المقاوم الشديد العنيف المعشق مع شخصيتك، عن اكتئابك اللي إتحوصل جواك واتفاعل معاك وأخد أشكال غير عادية أهمها الوسواس القهرى الشديد.
المهم أبويا حضر وسمع الكلام. زى الحكام العرب. خف عنى شوية وعمل حساب للقوى الدولية والرأى العام (الدكتور) شوية، وبعدين سابنى أقول وأعمل اللى أنا عايزه (زينا كلنا آدينا بنهبهب وبس)، المهم اجتهدت وخلَصت المعهد وفضل إنى أدخل الجيش، أولاً أنا مريض جداً ولا أنفع، ثانياً: أنا مش مقتنع وكنت سمعت شاعر في التلفزيون بيقول (واحد اتنين، الجيش العربى فين، الجيش العربى في مصر، ساكن في مدينة نصر، بيصحى من النوم العصر، بيفطر شاي ومنيين)، أنا لا أشكك في إن الجيش بيطَور نفسه دفاعياً لكن صعب علىّ أشوفه بيفتح سينمات، ويبيع بنزين ويعمل جاتوه، ويلف حلاوة، يبني قاعات للطهور والأفراح، الدنيا كلها كده بقت رخوة قوي، المهم، لم أبذل أي مجهود، توجهت للجنة الطبية بوجهي البائس المكتئب، وحركاتي الوسواسية القهرية، ووصفاتي الطبية الكثيرة جداً، أخدت الإعفاء، ولم يبق سوى اني أروح وابدأ الشغل مع بابا (مفيش غير كده ...الشعب لازم يساعد الريس على بناء المستقبل للوطن العظيم).
هكذا انتهت حدوتة محمد، بفعل جلسات الفضفضة العلاجية، والعلاج المعرفي (بالمنطق) وبكوكتيل دواء ضد الأفكار المغلوطة والاكتئاب قدر يصلب طوله ويشَد حيله، بطَّل المخدرات، لكن فجأة قال للَدكتور (عارف يادكتور سر اكتئابي إيه...إن أنا عايز أبقى حرامي عنده ضمير).
لم ينتظر تعليق الدكتور، ولا دهشته المفاجئة، لكنه حجل بقدم واحدة، مثل غراب البين، غَنّى بينه وبين نفسه وهو ينزل السلالم (أمجاد يا عرب أمجاد...هييه) قال (هييه) مثل مطرب العصر (شعبان عبدالرحيم) بالضبط.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إن (المجتمع العربي) مر بمحطات لا يمكن تجاهلها أو حسابها إطلاقاً بمنطق الخسارة الحقة، وهى بمثابة النواة لحالات الاكتئاب الجمعي القومي ، وحالات الاكتئاب الفردي بمختلف اتجاهاتها وظروفها وأماكنها، تكوينها السياسي والاقتصادي الآتي أساساً من تلك السيناريوهات الدقيقة التي بدأت بالنكبة في 1948 وما اكتنفها من خيانات، طعنت العربي في الظهر وفي القلب، وبظهور عبدالناصر رفع العربي رأسه وإستعاد كرامته ولو كان ذلك بالصوت فقط.
وحسب وصف أمين معلوف في كتابه القيم للغاية (يصعب اليوم أن نتخيل ما كان للرئيس المصري من نفوذ ابتداء من العام 1956 لقد كانت صورة معلقة في كل مكان من الدار البيضاء إلي عدن والشبان اليافعون لا يقسمون إلا به، ومكبرات الصوت تبث أناشيد النصر، وعندما كان يلقي أحد خطبه الدفاقة المطولة، كان الناس يتحلقون حول أجهزة الترانزستور لساعتين أو ثلاث أو أربع دون كلل، كان عبد الناصر بالنسبة للناس مثالاً وقداسة. عبثاً بحثت في التاريخ الحديث عن ظواهر مشابهة فلم أجد أياً منها. لا توجد ظاهرة شملت هذا العدد من الدول في الوقت ذاته، وبمثل هذه الشدة على أية حال، فيما يتعلق بالعالم العربى الإسلامي لم يحدث ما يشبه هذه الظاهرة أبداً ولو من بعيد). وهكذا كأن الأمر كان نشوة، إنكار شديد لأى وكل السلبيات complete Denial، ابتهاج يصل إلى حَدّ الهوس أحياناً، ثم أتى الخطاب الناصري قبل يونيو حزيران 1967 مشحوناً بالأمل العظمة، العنجهية، ومن أقوال عبد الناصر المأثورة أنه ليس (خِرِع) مثل مستر إيدن رئيس وزراء بريطانيا، وأن العرب سيلقون بإسرائيل في البحر وأنهم سشربون نخب النصر في تل أبيب، تساعده في ذلك آلته الاعلامية الطنانة المعتمدة إلى حدِ كبير على شعبتيه الجارفة، لم ينتبه الناس إلى أى شيء، كانوا في غفلة المدمن والسكير والغائب عن الوعى، ولما حدثت الهزيمة البشعة في 1967 لم يصدق الناس الأمر في البداية ،ولما أدركوا أنه حق، انزعجوا وكان الأمر أقسى عليهم من أن يدركوا (أن المدفعية المضادة للطائرات والصواريخ، التي كانت تزين الاستعراضات، لم تتمكن من إطلاق قذيفة واحدة على طائرات العدو المغيرة، لأن طائرة السيد المشير كانت تحلق في الجو حيرى لا تحط ولا تطير، لا تقترب ولا تبتعد ، وكأن الأمر اضطراب الوجدان ثنائى القطبين، سقط الناس، كل الناس من علٍ، تهشمت نفوسهم وتدمرت، تجرعوا الُمر والمرارة، وانتاب الكثيرون اكتئاب عظيم نال من المعروفين منهم شعراء وكتاب، إلى درجة النزف والانهيار والانتحار، أو الجنون الحقيقى أو الإدمان دون هوادة، ثم أتت محطة موت عبد الناصر، فعلى الرغم من كل ما ذكرناه سابقاً من استخدام الشعوب العربية للحيل النفسية الدفاعية بكل كفاءة، تحديداً التكوين العكسى، الإنكار، الإسقاط وغيرها مات الحلم والرمز والمرجعية التي كان يتشبث بها الفقراء والثوريون، فماتت في صدورهم الفرحة مرة أخرى، وعاشوا لحظات الفراق في ترقب، غير أن موت عبد الناصر كان ذا فائدة في إطلاق الحريات من صدور الشبان والطلاب تحديداً، فانفجروا وانطلقوا في مظاهراتهم المتحدية في 1972-1973 كانوا كالأطفال اللذين مات أبوهم فحوّلوا الحزن عليه إلى مطالبة بالحق فيما كان ينادى به وأكثر: تحرير الأرض، الديمقراطية، الحرية العدالة ،.... كان نظام السادات في بداياته يتحسس الأرض تحت قدميه فتعامل برفق مع الطلاب، خاصة وأنه كان يدعى تناولاً مختلفاً من الناحية الأمنية، ولما اعتصم الطلاب في ميدان التحرير بالقاهرة، حول النصب الذى كان قائماً فيه، فضته أجهزة الأمن بالقوة، انطلق صوت الشاعر الجنوبى أمل دنقل في قصيدته الشهيرة (الكعكة الحجرية) والتى يمكن أن نقرأ فيها الكثير من المعانى النفسية الدالة على الحالة وقتذاك:

" أيها الواقفون على حافة المذبحة
أشهروا الأسلحة!
سقط الموت وانفرط القلب كحبات المسبحة
والدم انساب فوق الوشاح!
المنازل أضرحة
والزنازن أضرحة
فارفعوا الأسلحة
واتبعونى!
أنا ندم الغد والبارحة
رايتى عظمتان ... وجُحجُمه
وشعارى: الصباح."
المتأمل للجزء الأخير يجد الاقتصاد الفذ في اللغة الشعرية، فالشاعر يقول على لسان أبناء جيله :انا ندم الغد والبارحة (الماضى والمستقبل يستويان ويستوفيان الشعور بالذنب والتأنيب والعذاب مصوراً ندماً، ولأن في ذلك تحصيل حاصل فهو أيضاً محصلة لما حدث في الماضى (البارحة)، وهكذا تكون رايته رمزاً للموت، أمنية اليائس وأمل الغضبان، ورغم كل ذلك فشعاره (الصباح) نعم إنه مريض باليأس، لكن بصيص من النور يتسلل إلى شعاره ليكون الصباح فلا تجوز القتامة هكذا إلى منتهاها.
جاءت حرب 1973 بكسر حاجز الهزيمة، وأعادت الثقة إلى (المجتمع العربى) لكنها لم تفلح في إعادته لنصابه، فلم يكن النصر رغم المجهود الرائع فيه على مستوى طموحات الأفراد المنتشرون في الأمة العربية لذلك نجد أن كافة الأعمال الفنية خاصة الدراما والأدبية التى تناولت هزيمة 1967 كانت ناضجة معبرة عميقة قوية مخزونة مضمخة بالدم ومصقولة بالنار، جاءت حقيقية دون دفاعات أو حيل، أما في 1973 وحتى الآن فالأمر جدّ مختلف، فهوا إنجاز لم يتمكن من الوصول إلى أعماق الناس، أعماق الناس لم يصل إلى نخاعهم، وكأنه عملية تجميل خفيفة تلتهاها مفاجأت من النوع الثقيل مثل الثغرة، حصار الجيش الثانى، مباحثات الكيلو 101، والمفاجأة الكبرى زيارة السادات للقدس رغم مغزاها الاستراتيجي الآّ أنها لم تراع نفسية الإنسان العربى، ثم تلتها معاهدة كامب ديفيد وكل ما اكتنف الأمر من فرحة منقوصة وإحباط مجتمعي بعدم تحقق وعود الرخاء والأمان.
هنا لابد من التوقف في تلك الفترة عند بدء الحرب الأهلية اللبنانية الضروس في 1976، تلك الحرب خلفت ندوباً وإعاقات وأرامل وثكالى وحالة غم ويأس واكتئاب لا يمكن وصفها إكلينيكياً لأنها ذات طابع خاص ولون خاص ومذاق خاص ولم تزل ملفاتها وتتابعاتها تنحدر حتى الآن، فالفخاخ منصوبة، والتربص على أشده، والاغتيالات قائمة، وبين هذا وذاك كانت مذابح صبرا وشاتيلا التى لا يمكن المرور عليها مرور الكرام لأنها كانت شكلاً قبيحا مأساوياً لحضارة الشرق الأوسط!!، وعلامة عكرت المزاج العربى ودلت على توحشه وبشاعة تفكيره ثم جاء احتلال بيروت إسرائيلياً، ثم حرب اسرائيل على لبنان 2006 وظهور نجم حزب الله كمقاوم عنيد، والاشتياق إلى بطل ينهض الناس من عثرات الهزيمة والاكتئاب، يدعوهم إلى الغناء والمرح والترقب والجلوس لسماع ومشاهدة حسن نصر الله، وليست مبالغة أن بعض المرضى أثناء معاودتهم لأطبائهم عبروا عن ابتهاج شديد وحالة نفسية مرتفعة ـ بحذر- ربما لأن العرب تعلموا ألاّ يفرحوا كثيراً وألاَّ يفرطوا في بهجتهم ،بل علّهم استمرؤا الحزن والعذاب.
ثم جاء 11سبتمبر 2001 زلزالاً هزّ الأرض كلها يجب هنا التوقف، فالضمير العربى والتفكير العربى في أغلبيته ابتهج وسعد بـ 11 سبتمبر، ربما من باب الشماتة في هذا الوحش الكاسر المسيطر على العالم، الشديد الغنى المتميز عسكرياً، ولقد التقى المؤلف بحالات سريرية تعانى من اكتئاب شخصى ما بين المتوسط والجسيم، انفرجت أعراضها هنيهة، مع انفجارات نيويورك، ولا ينس حالة ذلك الشاب الذى بلغ الحادى والعشرين من عمره، كان اكتئابه عميقاً مترسخاً متغطياً بإدمان الهيروين، كفّ عن التعاطى ،توقف عن الإدمان، رقص بعد 11/9 حتى لامست أطراف يديه قفزاً سطح سقف غرفة الفحص الطبى النفسى، غنى وقال: "هذا هو العلاج الحقيقى، لقد توقفت عن البودرة، وخرجت من القمقم مارداً، سأبحث عن أى مكان، أفغانستان أو العراق لكى أحارب أمريكا (تتابعات 11 سبتمبر العسكرية والسياسية وبالطبع النفسية على المجتمع العربى لم تكن هينة خاصة بعد احتلال صدام للكويت، ثم دخول أمريكا إلى الكويت لإنهاء الاحتلال، يُعد الأمر هنا علامة فارقة في التاريخ العربى و في المزاج العربي (كما ذكرنا سابقاً في حالة المواطن اليمني وانتحار الجندي الأمريكي في العراق).
كانت صور انسحاب العراقيين من الكويت وتدميرهم في الصحراء بالنابالم، وحرقهم وانتشار جثثهم الفاقدة الملامح والملتصقة بما تبقى معهم من معدّات، وهم يفرون هلعاً ،وهم يقبلون أيادى الجنود الأمريكان بحثاً عن العفو أو قطرة ماء أو كسرة خبز،كان المشهد بكل المقاييس أكثر درامية واكتئاباً من ذلك للأسرى المصريين في هزيمة 1967 ، إذن بدأ الأمر كله خيانة حقيقية للأمة العربية، تلاها ظهور صدام مرة أخرى كبطل قومى كثيرون لم يحبوا صدام لكنهم تعاطفوا معه، مع الحالة العراقية ضد أمريكا والغرب، لهذا فإن يوم سقوط بغداد، ويوم الإمساك بصدام، ويوم إعدامه، كلها كانت أيام حزن وغضب وشعور شديد بالمهانة لدى العرب، كل العرب. إن ظاهرة (الصحاف) واللغة الاعلامية المستخدمة ومثيلتها (أحمد سعيد) رائد صوت العرب المغوار يمكن تفسيرها على أنها نوع من الدفاع الهوسي Manic Defense وعند الإفاقة يظهر جلياً أكثر ما يظهر الاكتئاب العدمى Nihilisic depression، ذلك الذي يغلف ويبطن بالتبريرات المختلفة (اجتماعية وسياسية واقتصادية)، ثم يحدث نوع من اليقين التام بعدم الجدوى، (سعد زغلول قال (مفيش فايدة)، إلى درجة أن تصبح تلك الأعراض مكوناً أساسياً للشخصية المنجرحة المعتمدة على ذلك اليقين.

مُعادلات الاكتئاب
عرفنا في موضع سابق أن أكثر معادل للاكتئاب العربي انتشاراً هو (الجسدنة) بكل أعراضها، لكن هناك الجنوح وازدياد الشذوذ والانحراف الجنسى، وهوس البورنو على الانترنت وفي الفضائيات وغرف الثرثرة (تسجل المواقع العربية في هذا الشأن أكبر المعدلات عالمياً حسب بعض الإحصاءات المستقلة (تتناسل المواقع العربية بشكل كبير في الانترنت و مع ذلك لا تكاد تجد ما يشفي الغليل من حيث التغطية الإعلامية و اسلوب التحليل و النقد ، و لعل اغلب هذه المواقع هو مواقع حوارية رخيصة لا تمت الى الواقع العربي بصلة ، و الملاحظة التي تشد الانتباه هي قلة زوار هذه المواقع فما أن تنظر الى أسفل الموقع حتى تفاجأ أحيانا أن عدد الزوار هو واحد و الأعضاء صفر ، و طبعا المقصود أنك أنت الوحيد في الموقع مما يدل على انعدام الرؤية لدى مؤسسي المواقع .. و حتى تواجه المواقع هذا الكساد في عدد الأعضاء و الزوار فإن الكثير منها يلجأ الى حيلة خبيثة تهدف من ورائها الى رفع رصيدها من الأعضاء و الزوار حيث يتم التركيز على المواضيع ذات الصلة بالنزاعات الدينية و العرقية و المذهبية .. و هذا الأمر لا يلاحظ فقط في المواقع الحوارية بل حتى المدونات التي يكون غرض صاحبها كثرة الزيارات و كثرة التعليقات و لو كان ذلك على حساب وحدة الأمة و حفظ كيانها .. و مع الأسف ظهر لون آخر من المواضيع التي اكتسحت المواقع العربية بشكل مريب و هي مواضيع الجنس و ما إليه .. أقصد الصور الجنسية و الدردشة الجنسية و تبادل الإميلات .. و لتشجيع هذا اللون من الميوعة ظهرت برامج خاصة لخداع ضحايا الدردشة في الهوتميل وغيره من برامج الحوار المجاني و كمرات وهمية تخدع المحاور الاخر بشكل لا يتم التفريق فيه بين الحقيقة و الوهم طبعا فإن الحكومات العربية تشعر بالارتياح لهذا النوع من الإلهاء فهي لا تدخر جهدا لتشجيع كل ما يمكنه إبعاد الأعين عن مخططاتها في سرقة المال العام و الاختلاسات و تهميش المجتمع و التطبيع مع الكيان الصهيوني، و لهذا تجد الحكومات العربية تستخدم مقص الرقابة و أسلوب المنع للكثير من المواقع الجادة التي تنتقد سياساتها و لكن إن كان الأمر يتعلق بالمدونات البذيئة التي ينشئها شباب مستهتر و يملأها بسيل من الصور الفاضحة فهذا لا باس به لأنه في اعتقاد البعض تشجيع للسياحة و تنمية لعائداتها "
كذلك فإن (الاكتئاب الباسم) و(الاكتئاب المُقنَّع) اللذان يظهران في صورة سخرية دائمة من الذات ومن الآخرين، كذلك الغضب دون سبب، الشجار الزوجى وارتفاع معدلات العنف المنزلى والجريمة الزوجية، الدعارة، التزمت الديني، الألم النفسي وأخيراً العُطل أو الضعف والعجز الجنسى بكافة أشكاله، والذى انتشر مؤخراً في المنطقة العربية، بشكل لم يسبق له مثيل، يكون فيه الخوف، والرغبة في إرضاء الزوجة أو استعمالها كأداة جنسية للمتعة فقط Sex object، التوتر الجنسي، الأهل، (الربط والأعمال) وكل أمور الشعوذة، ويبقى لكاتب عربي قوله، إذا أخذ العرب منشطات جنسية لضخ الدم في مناطقهم التناسلية دون جدوى، فالسبب أنهم قد أصبحوا (معندهمش دم)، انحسر، تبخَّر، ضاع مع أحلام الثراء السريع، وعصر "التيك أواى"، هذا من ناحية الرجل، أما المرأة فلها أمرُ آخر، فقد يظهر اكتئابها في صورة انغلاق مهبلىVaginismus يمنع الإيلاج، فيصاب الرجل بالعنّة ـ وهكذا تصبح المصيبة مصيبتان وكأن حال الفراش أصبح مثل حال الوطن، عجز وانغلاق وانفتاح وعطل واكتئاب.

د.خليل فاضل ـ القا








رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,633,655,483
- سيكولوجية المرأة العربية....
- كَرْبْ ما بَعْدْ الصَدْمَة تداعيات ما بَعْدْ الحرب مصر ولبن ...
- الأبعاد السيكولوجية لعقوبة الإعدام
- بعض الآثار النفسية لانتشار المدارسة الأمريكية في مصر
- سيكولوجية أمناء الشرطة في مصر
- محاولة لفهم المعادلة الحكومية المصرية الصعبة
- أحمد نظيف ما بين تضاد اللغة ونضوب الموهبة
- الأبعاد النفسية لحرب الشرق الأوسط السادسة
- ملامح الشخصية المصرية ..... في صِحَّتِّها وعلّتِها
- شادي عبد الموجود
- عمياء تمشط شعر مجنونة
- البغل والعربجي والعربة الكارو
- رقبة عبد الفتاح المائلة
- كائنــات خاليـــة من الضــــــوء
- سيكولوجية المنافق، الضلالي.. والبلطجي
- نظيف، نحن، وسيكولوجية الديموقراطية
- مفهوم الشخصية العربية


المزيد.....




- تونس تنتخب برلمانا جديدا
- أنشيلوتي: فزنا بالكلاسيكو عن جدارة
- عراقيون يخافون من تشابه أسمائهم بـ-الإرهابيين-
- غارات للتحالف.. وتصاعد حدة المعارك بكوباني
- الجيش الليبي يسيطر على معظم أحياء بنغازي
- تجدد الاشتباكات في القدس الشرقية
- تقدم للقوات العراقية.. وزمار بأيدي الأكراد
- الحكومة المصرية تقترح توسيع مفهوم الإرهاب وإحالة قضاياه للقض ...
- التونسيون ينتخبون برلمانهم وسط تأهب أمني
- بالفيديو..حوافر أبقار على رجال في عيد ديوالي الهندي


المزيد.....

- المراكز الإقليمية والفكر السياسي ( لدولة الخلافة الإسلامية ) / لطفي حاتم
-               في الدستورانية العربية الجديدة: أسئلة الهوية،ا ... / حسن طارق
- مأزق نهضة الشعوب العربية والإسلامية--السودان أنموذجاً / الشيخ محمد الشيخ
- معضلة العالم العربي / نبيل عودة
- إيبولا. وباء بوجه أنظمة صحية ضعيفة أصلا، دمرتها سياسات «التق ... / ميشيل دي براكونتال
- البورجوازية في التاريخ / فؤاد النمري
- مفهوم التنوير / ابراهيم طلبه سلكها
- تجربة الحزب الشيوعي العراقي في مجال التحالفات السياسية (1934 ... / جاسم الحلوائي
- نصوص حول الارهاب في تونس / نورالدين المباركي / اعلامي
- نظرية الطريق الثالث عند أطونى جيدنز / ابراهيم طلبه سلكها


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خليل فاضل - مظاهر الاكتئاب في المجتمع العربى