أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جمال كريم - عبد الله صخي في روايته-خلف السدة-: مرايا حيوات مهاجرة ومصائر مجهولة






















المزيد.....

عبد الله صخي في روايته-خلف السدة-: مرايا حيوات مهاجرة ومصائر مجهولة



جمال كريم
الحوار المتمدن-العدد: 2849 - 2009 / 12 / 5 - 15:02
المحور: الادب والفن
    


1/2

تفضي رواية "خلف السدة " للقاص والروائي عبد الله صخي ، من اصدارات "المدى2008" إلى سردية اعتمدت على تكثيف الافعال والاحداث على مساحات مقاطع الرواية في توازيات منسجمة، لتوصيف الاشياء والامكنة والفراغات وتنوع الشخصيات في التكوين والتفكير والعلائق والامزجة والتصورات، اي بمعنى وحسب ما يطرحه جاتمان في رؤيته التحليلية للبنية السردية العامة. "سردية دلالية + سردية لسانية"، بأنها وسيلة لانتاج الافعال السردية، التي هي بوصفها مكونات متداخلة من الحوادث والوقائع والشخصيات التي تنطوي على معنى، وان السرد نوع من وسائل التعبير، في حين المروي محتوى ذلك التعبير.
وفي مستهل قراءتنا ومن الصفحات الاولى للرواية نجد انفسنا أمام امكنة تتحرك في حيزها كيانات اجتماعية ، شتاتية ، مجموعة من العوائل المهاجرة من ريف الجنوب العراقي ، وبالتحديد إلى ضواحي بغداد ، متمايزة في التفكير والاحلام والرؤى وحتى في القدرات، وهذا ما يدعوني الى توصيفها ، برواية شتات بامتياز، لكنها من زاوية اخرى تبدو ليس كذلك، فهي سيرة احداث وامكنة وشخصيات، فيها من الحياة الاجتماعية الواقعية إلى جانب السياسي، لكن في الوقت ذاته، يصعب مع مشاهدها وامكنتها وشخصياتها، ان تحيل إلى كل ذلك. اي إلى اتجاه ايديولوجي او فكري محدد.
السارد /الراوي في "خلف السدة " متوارٍ خلف "ضميرالهو والهم " وهو يقدم مسروداته بما فيها من احداث ووقائع وتداعيات وصراعات ، من هنا ، اقترح ان اقسم الرواية إلى مقاطع - وان كان صخي قسمها الى اجزاء- او الى وحدات سردية "سحرية" ان صح التعبير، متصلة ببعضها البعض ، هذا التقسيم لا اريد له ان يؤدي وظيفة الفصل بين تفاصيل اقترنت بالشخصيات التي ظلت مؤطرة بفضاءات زمنية وحيزات مكانية.
المقطع الاول: وهو مستهل سردي تضمن بداية ونهاية، بداية الرحلة والرحيل عن المكان الاول ، بحثاً عن مكانات اوسع من اجل العيش والانعتاق من جور وعسف النظام الاقطاعي الذي كان سائدا في العراق والذي كان قد اضطهد الفلاحين وهضم حقوقهم ، والراوي ، هنا لم يهندس وحدات السرد معتمدا على افتراضات ذهنية او مختلقات خيالية صرفة ، فالرواية تبدأ باستيقاظ راوٍ لرؤيا "سلمان اليونس " ، ومتلق لهذه المروية ، زوجته "مكية الحسن" ، يرافق ذلك توصيف للمكان والاشياء نسج بمهارة متقنة " تلك الليلة استيقظ سلمان اليونس فرحا.كانت ليلة شتائية باردة ، في صباحها شاهد الاطفال المياه متجمدة في البرك التي خلفتها امطار الايام الماضية .بهدوء ، كي لايوقظ ابنته التي نامت مبكرا ،متدثرة بلحاف سميك فوق سريرخشبي عتيق ، تلمس وجه زوجته وهمس :
- "مكية"
جفلت وقالت :
- "اتركني بردانة".
اقترب اكثر وهو يمسك يدها تحت الغطاء وقال :
- "رأيت حلما".ص 1
ان هذه الوحدة السردية وما يليها قد ضمت تفاصيل الرؤيا ومايمكن ان نسميه مبنيات وأماني بان تلد مكية الحسن ولدا ينجو من الموت الذي خطف منها اولادها الثلاثة .
وتلي هذه الوحدة السردية ، وحدة البداية ، بداية الهجرة من الجنوب والانحدار مأخوذين بحلم هناءة العيش ولذة الحياة ، نحو العاصمة بغداد ومن ثم بناء البلدة "العاصمة"التي اختار مكانها السيد جارالله الذي يغيبه الموت قبل ان يرى صرائفها ، " من القصب وسعف النخيل بنوا أكواخا متلاصقة بغير انتظام ،بدت في تقاربها الحميمي وتراصها الاليف كما لو انها تحتمي ببعضها البعض ضد هجوم غزاة غرباء او ثعالب متوحشة او قطط برية واذ فكروا بترك قضاء حاجاتهم في العراء بنوا في زوايا البيوت مراحيض مدورة ، طوقوها بالحصران ، واسندوها بحزم القصب العمودية المثبتة ، وفرشوا ارضيتها برماد المواقد " ص 11
اذن ،" العاصمة " المتاخمة لـ"شطيط" كان قد شيدها المهاجرون الباحثون عن الخلاص ، ومعاني حياة أخرى ،وببناتها ستتسع البلدة ، وسيتناسل ابناؤها، وستتعدد الشخصيات والاصوات ومستويات الصراع ، كل ذلك يجري في حياة لا تقل مرارة وبؤسا ، وفقرا، واستغلالاعن المكان الاول المهاجر منه.
ان الافعال والصراعات والمعاني والافكار والاماني التي تجري في متغيرات الواقع ، تم انتاجها بسرديتها الدلالية، او سرديتها اللسانية، فالراوي هنا ليس "مفارقاً" بمعنى أنه يروي عن سرديات عاصرها وشاهدها، إن لم يكن عاش تفاصيلها، أو كما يقول د. عبدالله ابراهيم "إن تجليات الراوي المتماهي بمرويه تظهر اكثر في السرد والكتابية"1.
أن كل القادميين من ريف الجنوب العراقي لا يجيدون اية مهنة غير الزراعة وتربية المواشي، انهم فلاحون عاشوا مع الارض واخلصوا لها كادحين من اجل لقمة العيش ومواصلة الحياة وعلى ذلك لم يكن امامهم سوى مهن العاصمة الخدمية وبعض الاعمال القاهرة التي اجتذبتهم مرغمين عليها ، فمثلا نجد ان (( سلمان اليونس)) وبعد ان فشل في اعمال عدة ينخرط عاملا في معامل الطابوق لقاء اجور زهيدة ازاء عمل مضن.
وكذلك الامر مع (( سوادي حميد)) ذلك الزنجي المنحدر من منازل شيوخ الجنوب، نزل العاصمة ((بغداد)) حاملا معه قصة حبه وزواجه السري من أمرأة بيضاء، تلك المغامرة التي اوشكت ان تودي بحياته. انه ايضا لا يملك مهارة تؤهله لعمل مريح ومجز، فهو قارع طبل يشارك ابناء جلدته افراحهم واحزانهم.
" حين اكتشف اخوتها غيابها صمموا على العثور عليها . بحثوا عنها في المدن والقرى والبساتين. سألوا عنها في كل مكان ذهبوا اليه حتى اهتدوا الى بيتها. لا احد يعرف كيف وصلوا الى بيتها، ولا احد يعرف اي حب تملكها ودفعها الى تلك المغامرة .ففي وقت القيلولة، وصل ثلاثة رجال ملثمين في سيارة حمل صغيرة من نوع (( بيك أب)) تسلقوا سياج البيت الطيني ونزلوا الى باحة الحوش. تسلل احدهم الى الكوخ وسحب الفتاة النائمة من ضفائرها.
صرخت بفزع. فأفاق سوادي حميد وهم باستلال بلطته التي غالبا ما يخفيها تحت الوسادة، فعاجله احدهم بضربة خنجر، وامام زوجته المرتعبة تنالوا جسده بالسكاكين"ص20-21
على اي حال ينتهي هذا المقطع السردي بان تلد "مكية الحسن "الفاقدة لثلاثة اولاد خطفهم الموت في بيئة اجتماعية يملؤها الفقر ، والعوز ، والجهل ، والمرض فتسمي مولودها الرابع " على "، وعودة الي مستهل المقطع "تلك الليلة استيقظ سلمان اليونس فرحا" يذكرنا بلحظات الفرح ذاتها حين تقيم "مكية الحسن" حفل ختان كبير لعلي بعد ان بلغ السادسة من عمره، حفلا ابتهاجيا يشارك فيه ناس البلدة ، وتحييه مغنيات غجريات الى ما بعد منتصف الليل.
اِننا هنا ، وبحسب اقتراح " غر يماس" نقوم بوصف وتصنيف الشخصيات ليس حسب كيف تكون الشخصيات ، بل كيف تفعل وتعيش وتتصارع ، وتتصادم، وتحزن وتحب ، في واقعها المعيشي، عدا ذلك فأننا . سواء في هذا المقطع السردي، او المقاطع الاخرى، لا يمكن لنا أن ننظر الى أية شخصية بمعزل عن الشخصيات الاخرى. بل علينا أن نمعن في تحديد الشخصية عبر علاقتها المعقدة والشائكة مع الاخر، بمعنى بأمكاننا تحديد شخصية " سلمان الحسن"من خلال علاقتها الاجتماعية مع " مكية الحسن " والعكس صحيح ، والاثنان مع ابنائهما وما تربطهم من علاقات مع ابناء " العاصمة" او كما ننظر الى علاقة " سوادي حميد" بمنظومته الاجتماعية هناك في الجنوب ، او هنا في "العاصمة" وكذلك الى علاقة "عبد الحسين " بمحيطه الاجتماعي العام مع الاخرين والخاص المتجه نحو " حليمة".
وهذا ما ينطبق على الشخصيات الثانونية الاخرى .
تحلينا البداية السردية للمقطع الثاني الى زمن محدد هو العاشر من محرم وهو اليوم الذي شهد واقعة كربلاء حيث تفي "مكية الحسن" بنذرها ، اذ تقوم باجتياز ميدان تشبيه معركة كربلاء برفقة ابنها علي ، وفي هذا المقطع يبدأ الراوي برسم ملامح المشهد الطقوسي ، بكل تمثلاته المأساوية ، الام توصي ابنتها حليمة أن تنتبه الى اختيها التوأمين اللتين اختلفتا عن بعضهما بعادتيهما الغريبتين الاولى (صبيحة) المولعة باكل الاحجار ، والثانية (مديحة) التي تستغرق في النوم في أي مكان تجلس ، اما الاب "سلمان اليونس" فيتوجه الى المقهى لسماع رواية ابي مخنف المكرسة حول معركة كربلاء من المذياع ، وتدخل هنا شخصية جديده "عبدالحسين" .
"كان هناك شاب طويل يحمل مديحة على كتفه ، انزلها لاهثاً والقى تحية مرتبكة ، قال انه وجدها نائمة فوق مصطبة في السوق وان اسمه عبدالحسين ويسكن في حارة مجاوره ، رفعت بصرها اليه ، قال كلمة مبهمة لم تفهمها ، ولم تسأله عنها ، الا انها احست بارتعاشة في عينيه السوداوين العميقتين ، ظل واقفاً يحدق فيها فقالت بخجل وهي تنظر الى مديحة (انها تنام في كل مكان) تراجعت الى الخلف ، استدارت وهي تبتسم في سرها ، ونسيت ان تغلق الباب ." ص26 .
ان قراءه متأنية وفاحصة لهذه الوحدة السردية الوصفية ،مثلا، من قبل أي متالق ذي ذهن خلاق ومجسم للاشياء فانها بكل تاكيد ستتخد لها شكلاً حيث يعاد خلقها وتكوينها ، وبهذا تصبح المشاهد وما تتضمنه من معان وصور وشخصيات سلسلة من الوحدات الفنية الرائعة الجمال ، لذلك فان هذه اللحظات العاطفية المفعمة بالوجد البريء، بين "عبدالحسين" من جهة و"حليمة" من جهه ثانية والتي تشعر بالذنب ، في بيئة اجتماعية جاهلة ، بل غاضبة ، تجاه هذه القيمة الانسانية . هذه البيئة تجعل من ممارسة الحب ، والكشف عن العواطف من المحظورات التي يعاقب عليها بالموت ، وهذا ما حفز ذاكرتها - اي حليمة - لاستحضار حكاية "مقتل كلثوم" ليس لذنب اقترفته سوى ان شكوكا اثيرت حول عشقها لشخص مجهول ، فما كان من اخوتها الا ان يقطعوا صلتها بالحياة غسلا لعار موهوم !
ثم يعود السارد / الراوي في هذا المقطع الى ابراز صورة الاب المرتعبة "سلمان اليونس"، المنقاد هو الاخر الى شكوك من وقوع "فضيحة" وبخاصة حينما تعود للمره الثانية والدة "عبدالحسين" لخطبة "حليمة" ، وهنا تبرز حالتان اجتماعيتان ، هما حالة الانقطاع والتضاد بين الكيانات الاجتماعية العائشة في مكان واحد وبيئة واحدة ، يمثلها الاب ، والرغبة والتواصل ويمثلها "عبدالحسين" مفصحا عن ذلك ، و"حليمة" مضمرة، خائفة ، من سلطة الاب المرعبة ، التي سرعان ما تزول بعد تدخل وجهاء البلدة "لم تمض ايام قلائل حتى توجه موكب مهيب الى بيت سلمان اليونس يتقدمه والد عبدالحسين برفقة عدد من وجهاء البلدة وشيوخها . اختاروا وقت المساء كي يشهد الناس الذين يجلسون امام بيوتهم وجهاء البلدة ذاهبون لخطبة حليمة"ص31-32 .
ومن ثم تتخلل المقطع تحولات سايكولوجية وفسلجية في شخصية "علي" اليافعة التي تبدأ برؤيا تعكس الوحدة ، والوحشة ، والخوف من المكان ، حيث يرى فيها اخته "حليمة" ، يوشك "شطيط" ان يبتلع جسدها الطري ومن ثم خوفه وارتعابه من الاشباح التي تنبثق اليه من بين الفراغات والظلام، لتنتهي تلك الحالة بتوحد تلك الوجوه وتلاشيها في وجه " الملا "الذي يعالج مريضه "علي" بالادعية والرقى ، ومن ثم تجربته الاولى في العمل " بيع المرطبات" واصطحاب والده له الى معامل الطابوق.
اِن صخي هنا ، يقترب كثيرا من تفاصيل الحياة اليومية، وان كان يقوم بذلك على مساحة الرواية ، لانه اصلا يقدم مشاهد واقعية لكيانات اجتماعية تعيش رهينة الاستغلال والفقر والبؤس والمعاناة ،والاحلام المرتقبة على مستويات عدة، غير ان الحدث الاهم في هذا المقطع السردي هو اشارته الى التغيير السياسي الذي حصل في العراق في الرابع عشر من تموز عام 1958 ، وان كان الراوي لم يسمه صراحة ، كما لم يسم الجنرال الوطني عبد الكريم قاسم الذي قاد لواء التغيير وفعل ذلك كما ارى كي يبعد منطوقه السردي عن اسلوب النقل التأريخي المحض لذلك التحول .
" في اللحظة التي سمع فيها الناس البيان الاول للثورة انطلقوا فرادى ومجاميع نحو شوارع بغداد مرددين الشعارات التي بدأت تبثها الاذاعة. وهناك التحموا مع جموع غفيرة قدمت من مناطق مختلفة معلنة ، على نحو مباغت تأييدها للسلطة الجديدة ، ولم ينسحبوا من الشوارع الا عندما اعلن من الاذاعة قرار منع التجوال . تداولوا أنباء عن مصرع مسؤولين في الحكومة السابقة وفرار اخرين، فيما عبر بعضهم عن استيائه من اعمال قتل حدثت في الشوارع . " ص42
ان ما يلفت انتباهنا هنا ، هو ان كل تلك المشاهد والاحداث في هذا المقطع تحديدا تنحصر ما بين مستهل حزائني ، نوائحي، مأساوي ، مرتبط بحدث ماضوي الا هو معركة الطف التي ما زالت تفاصيل وقائعها ماثلة في الذاكرة الجمعية، وبين منتهى حزين ، فجائعي هو الاخر لكنه حاضر تعيشه نصف بيوت البلدة.
" في صباح العاشر من محرم من ذلك العام اخذت مكية الحسن ابنها على لرؤية وقائع تشبيه كربلاء، ولاختيار الميدان ، وفاء للنذر الذي قطعته على نفسها " ص25 .
" لكن مظاهر الفرح في البلدة اختفت عندما شب حريق هائل في خزانات الوقود المجاورة أتى على نصف بيوت البلدة القريبة من سدة ناظم باشا وحولها الى رماد " ص 43 .
اما المقطع السردي الثالث فينطلق من توصيف سردي عميق ومكثف يدور حول شخصية " سلمان اليونس " العائد من معمل الطابوق واهنا ، متعبا " كان على يرسل نظرة منكسرة ، عاجزة الى والده الذي اغمض عينيه وترك جسده المنهك مسترخيا على الارض " ص 46.
ويبقى هذا المقطع متصلا بكارثة الحريق الذي التهم البلدة، جراء انفجارات خزانات الوقود القريبة منها ، التي يظن انها اعمال تخريبية ، " عند العصر هتف صوت من خلال مكبر ثبت فوق سيارة عسكرية كانت تطوف قرب التجمعات البشرية قائلا انها اعمال تخريب ضد الثورة ".
وهنا تتعرف على شخصيتين جديدتين، هما : " بدرية"وشقيقها " مزعل " والاولى بدءا من هذا المقطع وحتى نهاية الرواية تظل تجتذب " علي" الذي يتحرق شوقا اليها ، ومما يمكن أن نشير اليه ، هنا،أن اكثر الافعال ، هي ليست من نتاج الشخصيات ، بل نجدها تتلقى اكثرها ، من الخارج ، من البيئه، لتتسلط عليها ، مخلفة ، التمزق ، والمعاناة، حرائق ، فيضانات ، محظورات لاسباب دينية وأخرى اخلاقية ،، بل حتى سياسية ، ليستمر هذا الجو المأساوي والكابوسي على البلدة وناسها المنحدرين في اغلبهم من الجنوب . " قبل الغروب بقليل انقطع السيل البشري وتجمع الناس فوق السدة الثانية قرب ما انقذوه من افرشة وأمتعه ، تلك الاثناء جاء سوادي حميد يحمل الطبل وينتطق حزاما جلديا تعلو بلطة صغيرة . كان رأسه حاسراَ وملابسه ملونة بالسخام ............... حين سمع الدوي خطر له بيته ، وحماماته لكنه انضم الى رجال ، كانوا بملابسهم الداخلية ، ينقلون المياه في جرادل من الجدول في محاولة لاخماد النيران التي تلتهم البيوت ...ص 48
قبل أن ينفجر الخزان الثالث ، تقرر عائلة " سلمان اليونس" المضي الى بلدة اخرى ، مكان اخر ، حيث تقترح " مكيه الحسن" أن يقضوا عند أختها ايام انتظار ما بعد الانفجار، بطبيعة الحال، بأمكاننا هنا ، أن ندرك او نتصور، منظومة العلاقات الشائكة والمعقدة بين مخلوقات صخي والمكان ، بين طبائع تلك المخلوقات وطبائع المكان في الوقت ذاته، فالبلدة والامكنه التي تحيط بها تقدم لنا حيوات اولئك النازحين، المكان هنا حامل ومعبروحاكٍ ايضاً عن تاريخ " العاصمة" وبما تعج به من صرعات، ومرارات، واحلام ، واحباطات، ويأس وحياة ، وموت ، - تسحرنا المدن لا بأبهتها وأنما بالتاريخ الذي يختبئ فيها - ، " كانت الشمس ترتفع وتشتد حرارتها شيئا فشيئا . خشيت حليمة على وليدها فضللته بعباءتها . ومن حين لاخر كانت ترفعها وتلقي نظرة عليه وتمسح العرق المتصبب من جبينه . فكرت بعبد الحسين الذي لم تره منذ عدة ايام بسب الانذار العام الثاني للجيش ساروا واحداَ اثر الاخر في خط مستقيم حذرين من الارتطام بسكة الحديد" ص51 . ان هذه الوحدة السردية كغيرها من الوحدات الاخرى مليئة بالرموز والاحالات والدلالات ، فمثلا ، نجد ان حليمة ووليدها يحيلان الى الزواج " عبد الحسين " والذي يحيلنا غيابه عن هذه الرحلة الى ماهو حدث سياسي في البلاد ، فهو جندي ، والجيش في انذار، وجملة " ساروا واحداَ اثر الاخر في خط مستقيم" تحيلنا الى افراد عائلة "سلمان اليونس" كلها،عدا ذلك احالتنا الى طبيعة المكان وهذا ما يدعونا الى قراءة نقارب من خلالها علاقة الشخصيات بالاحداث والاشياء وان ننظر الى المكان ، وان كان بسيطا او فقيرا، موحشا على انه حاوٍٍِِ وكاشف عن العلاقات والرغبات و الاسرار العميقة لتلك الحيوات. " يرى تودروف ان كل شخصية تحدد تماما من خلال علاقاتها مع الشخصيات الاخرى ،هذه العلاقات يمكن ان تظهر بشكل متنوع بسبب العدد الكبير للشخصيات بيد انه يتبدى لنا فورا انه من السهل اختصار تنوع هذه العلاقات الى ثلاث فقط : الرغبة- التواصل- المشاركة"2
ان ملتقطات صخي السردية في هذا المقطع تجعلنا نمر معه ، بالمعتقل ، والمستنقع ، والجواميس ، والاشجار ومحطة القطار ، والاكواخ ، والغرف الطينية، والسقائف ، وما بين كل ذلك من كيانات اجتماعية ، كنشمية، ومزعل ، والقتلة ، اخوة الضحية " كلثوم" لينتهي المقطع بعد عودة عائلة "سلمان اليونس" بحلم " بدرية" ومن ثم انشغالها فيما بعد بنبأ زيارة الزعيم الى البلدة.
منذ البداية يشير المقطع السردي الرابع الى ملتقى مهم ، ملتقى رئيس الوزراء بأبناء البلدة
الجنرال الوطني عبد الكريم قاسم الذي لم يسمه صخي على كل مساحة الراوية .
اننا هنا اذا افترضنا ان هجرة فلاحي الجنوب الى بغداد انما كانت لسبب اضطهادي يقف وراءه الاقطاعيون الذين جعلوا المهاجرين يحملون في ذواتهم الشقاء والمرارة ، فان ذلك سيحيلنا الى عامل سردي مهم جدا على صعيد نسيج الرواية وأعني بذلك الحريق الذي التهم بيوت البلدة ويمكننا ، هنا ، ان نتتبع مخططات دلالية تشي بممتنيات ورغبات على مستوى الشخصيات ، لكنها تشبع من الخارج او هي بانتظار من يشبعها ، اذ ليس ثمة اهداف محددة تسعى لتحقيقها ، فابناء البلدة يستقبلون مخلصهم- كما يرون - من الشقاء والعذابات ، بالهتافات والاهازيج ، الذهنية الايديولوجية هنا مختلفة ومغايرة ، بل جاذبة لهذه الشريحة المهاجرة ، في حين نجد عكس ذلك تماما هناك مع الاقطاعيين ونظامهم الاستبدادي الظالم، فالتلاقي والتواصل هنا ، يقابله التنافر و الانقطاع هناك ، على اية حال ، مستقبلو رئيس الوزراء ، نجدهم حالمين وممتلئين بالرغبات والاماني ، فخانزاد العجوز الكردية تبتدع اغرب الحكايات حالمة بعودة حفيدها " بوران " الذي ابتلعه النهر في صيف ما ، وهذا بحد ذاته يحيل حرمان اطفال هذه الشريحة من رغباتهم وامانيهم البريئة ، عدا انخراطهم بالاعمال سدا لرمق العيش ، "ظل َ يهبط دون أن يرى المخلوقات المائية وغاص في القاع مشدودا الى اصداء الرواة السحرة الذين يقصون حكايات الفتية الغرقى لكل قادم جديد. وعلى سطح الماء او على الشاطئ لم يسمع احد سوى نداء استغاثة بعيد خافت انطلق من قلب النهر العميق "ص61 .
وفي عودة الى خطاب المنقذ كما يراه ابناء البلدة ، فانه شكل بداية النهاية فيما بعد لمعاناتهم من جهة ، ونقطة البداية لتحقيق حلم طالما لازمهم لعقود من السنين الطوال من جهة أخرى " اثارت كلماته اضطرابا كبيرا اذ تواصل الحديث عن مشروع السكن في الدوائر والبيوت والثكنات والتجمعات. وراح قسم منهم يتخيل تصاميم البيوت بل ان كثيرين اتسع خيالهم الى الحد الذي رسموا مدينة كاملة"ص63.
الرغبة نفسها تدعو أخا "سلمان اليونس" ،" خلف اليونس" وزوجته "فاطمة" للهجرة الى بغداد بعدما عارضها خلف بداية الامر .
وفي هذا المقطع يظل " علي " متطلعا ، حالما تملأه الرغبة بصاحبة "العيينين الضاحكتين " "بدرية "، لكننا ربما تستطيع ان نقول ان التواصل و حالة التلاقي مع المحيط ومن ثم تحقيق رغبة من بين رغبات كثيرة لم تحقق ، ان لم تكن احلاما واهمة ،مخدرة ، ولكن هذا ماكان يسعى اليه عريبي وأبناؤه عبر بيت تواصلي يقدم أمسيات احتفالية اسبوعية، حيث يجتمع الكثير من ابناء البلدة ، رجال ، ونساء ، شبان حالمون ، وصبايا حالمات ، بطبيعة الحال ، يبقى الايقاع السردي ، مثلما اشرت سابقا، متناغما مع رغبات واحلام واحزان المحتفلين ولم ينس صخي هنا ان يوظف النص الشعبي التعبيري من خلال الاغنيات التي يقدمها بيت عريبي، " تبادلوا النظر الى بعضهم كانهم يدفعون والدهم الى المبادرة . ادرك الاب ذلك فتناول صينية الشاي وراح ينقر عليها با صابعه الغليظة الخشنة فاهتز الابناء مشجعين . اعطى الاب اشارة البدء فا نطلق صوت الابن الاكبر يتردد في ارجاء الحوش :
عجزت من شيل هدمي مال متني
وعلي ضاكت الوسعة ما لمتني
لون تدري الوادم ما لامتني
على ذاك العذاب الصار بيه )) ص 78- 79 .






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,386,329,725
- التعددية الفاعلة
- الاتفاقية الامنية وهل ما خفي ليس باعظم ؟!
- طيور-روي- ونوارس جسر الاحرار
- دور الفئات الدنيا في الثورات الشعبية
- صنعة الشعر لخورخي لويس بورخيس
- حياة شرارة سيرة حافلة بالعطاء الابداعي والانساني...
- عجز الكفاءت
- الديمقراطية والمساواة
- قبلة ابن خلدون البراغماتية ليست معيارا اخلاقيا !
- الفيدرالية : نشأتها ونظامها السياسي
- مأزق الدستور- نقد وتحليل 2/2
- دريدا عربيا ...قراءة التفكيك في الفكر النقدي العربي
- مأزق الدستور- نقد وتحليل 1-2
- المهاجرون ثانية ..
- أس البلاء
- د.محمد حسين الاعرجي في -مقالات في الشعر العربي المعاصر -رؤى ...
- الاصغاء وثقافة الحوار
- الكاتب والمفكر فلك الدين كاكه ي : فاضل العزاوي كان يميل الى ...
- الكاتب والمفكر السياسي فلك الدين كاكه ي:
- الكاتب والمفكر فلك الدين كاكه ي : الموسيقى ستحمل المعنى الاخ ...


المزيد.....


- لكم عراقكم وهنيئاً لنا عراقنا !!! / روناك خان أحمد
- النهر .. قصيدة / ماجد الحيدر
- كوكبٌ مرتكزٌ على شهيقِ السَّماء 5 / صبري يوسف
- حين غادرت هذ العالم .... / امنة محمد باقر
- عشتار مهداة الى ماجدولين الرفاعي / سلام نوري
- أيام في بيروت ... 2/5 / محمود المصلح
- نصّان / عبدالحميد البرنس
- خواطر النسيان.. ( لا تلتفتي ) / اليمين أمير
- جوعٌ يجنحُ نحوَ جوعِ الضِّباعِ 4 / صبري يوسف
- عند الرحيل / محمد الحلو


المزيد.....

- إحراق جثمان ماركيز وبلدته تودعه بالموسيقى والورود
- بالصور.. كرنفال لفنون الإيقاع يفتتح «مهرجان الطبول من أجل ال ...
- حوار مفتوح مع الناقدة الجزائرية :هداية مرزق
- أزمة في وزارة الثقافة بسبب اقتراح ضم المراكز القومية لـ «أك ...
- الجمعية المغربية لحماية اللغة العربية: مراحل هامة في مسارها ...
- كافاني يهدي باريس رابع ألقابه بكأس الرابطة
- الفن القطري المعاصر في معرض بسلطنة عمان
- آية الله خامنئي:الهياكل الفكرية لمعاهدات دولية تدمر المجتمع ...
- بايرن يستعيد توازنه ودورتموند يعزز وصافته
- مرور 25 عامًا على فتوى الخميني ضد رشدي -


المزيد.....

- الانسانوي / احمد داؤود
- نبتة يدي غابة شوكية / كريم ناصر
- كعائد إلى أزقة البلاد / عبد الكريم كاظم
- مضاد ألم / خالد عبد الزهرة
- أحاديث عن الغولة الأعمال الكاملة / محمد حسين يونس
- فى نقد الشعر العربى المعاصر - دراسة جمالية / أ.د. رمضان الصباغ
- أحزان أستير / مصطفى يونس
- ما وراء الجدار / مصطفى يونس
- وصول غودو النص الكامل النهائي / أفنان القاسم
- رسائل من روزا لوكسمبورغ / روزا لوكسمبورغ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جمال كريم - عبد الله صخي في روايته-خلف السدة-: مرايا حيوات مهاجرة ومصائر مجهولة