أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد الحداد - مِيزان قبّان















المزيد.....

مِيزان قبّان


محمد الحداد

الحوار المتمدن-العدد: 2822 - 2009 / 11 / 7 - 20:39
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مِيزان قبّان
بَدأ مُعلمنا الدَرس لِيَومِنا هذا بِأن قال : سَنَعرُج اليومَ عَلى قِيمَتَي العَدلِ وَالمُساواة ، والفَرقِ بَينَهُما ، فَكانَ أن تَدَخَل أَحَد الطُلابِ مُقاطعاً وَطالباً الإذنَ بالكَلامِ ، فَسَمَحَ لَهُ ، فَقال :
مُعَلِمي ، بِرجاء قَبل اِستِرسالِكُم بِقِيمَتَين جَديدَتَين وَدَدتُ طَرحَ تَساؤل خَطَرَ ببالي حَولَ دَرسُنا الفائِت .
فأجابَ مُعلِمُنا مٌرَحبا بِسؤالِه ، وَمُعطياً الإذنَ بِطَرحِه .
فقالَ الطالبُ : سُؤالي يَتفَرَعُ لأثنين .
فَرَدَ المُعلمُ : طيب قُلهُ حتى وَإن تَفَرَعَ لِعَشرَة .
حِينها تَشجع الطالبُ وَقال : رَزوق دق بابنا يُماثلها عندنا في مصر رِزِق جاي لنا ويتعجب المتكلم نقفل الباب في وجهه ، ثقافة الشعوب العربية تتفق في كثير من المعاني .
فأجاب معلمنا : بل وأزيد أن كثير من ثقافات الشعوب جميعا حول العالم تتشابه بمناحي كثيرة ، وكلما تعمقنا كثيرا بتراثيات وفلكلور تلك الشعوب ، كلما وجدنا تكرار لتصرفاتٍ وعادات ، فَبِرغم التباعد المكاني بينها ، وكذا قد يكون هناك فارق زمني بَيِّن ، ولكن التجارب البشرية تراها بأحيان كثيرة مُعادة ومُكررة ومُتطابقة .
وأضاف : نَراها أحيانا كثيرة مُختلفة ، ولكن روحها واحدة ، وبالنسبةِ لِما ذَكرته حَول المُسمى الموجود لديكم في مِصر ، فترى مِنه أن ثقافات شعوب هذه المنطقة مُتقاربة جدا ، وتُراثياتها قريبة من أن تكون متطابقة تماما .
فعاد الطالب لِيَطرح جزءه الثاني من سؤاله ، حيث قال :
لكن لو سمحت لي هناك آية صعدت إلى ذهني عندما راجعت درسنا الفائت عن الخديعة حيث تذكرت هذه الآية التي تصفها بالمرض في سورة البقرة (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ) (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون ) ، فلا أدري هل يتفق هذا المعنى مع ما ذهبتم إليه في الدرس من أن الخديعة أحيانا محببة في المعارك والحروب ، وهل يمكن أن نطلق عليها مسمى آخر حتى نفرق بين ذاك وهذا ؟
فأجاب معلمنا : ولم الحاجة بإطلاق أسم جديد عليها ؟
عذرا فأنه ليس مما أحب عمله أن أجيب عن سؤالك بطرح سؤال اعتراضي ، ولكن سؤالي كان كي يثير لديك التفكير قليلا وبعمق أكثر .
وأعود وأجيب ، بسؤالك أنت يَتَرَسَم التالي ، وهو وجوب أن تختلف المُسميات تَبعاً لحبنا لَها أو كرهها ، وهذا معناه أن نخضع قيمة الخديعة لقيمة أخرى ضمن منظومة القيم الأخلاقية ، وهي هنا بسؤالك الحب والكراهية ، وهما قيمتان متضادتان نسبيتان أيضا ، فكم من أناس كنت تبغضهم أحببتهم بعد معرفتك بهم ، وكم من أناس أعجبت بهم وودت لو تكلمهم ، ولكن أبغضتهم بعد طول معرفة بهم .
من هنا نجد أن الحب والكراهية نسبية ، خاضعة لتجربة الإنسان بذاته ، وتابعة لرغباته وضروراته .
فحين تطلب أن نجد مسمى للخديعة المحبوبة مختلف عنها حينما تكون مذمومة ، هي كتسميتنا للكذب الأبيض لأنه محبوب لدينا فعله ، فهو غير مضر بتصورنا عن الكذب بصورة عامة شاملة .
ولكن الخديعة تبقى خديعة مهما جَمَّلتَها من مسميات ، وهي كالكذب ، لا أبيض ولا أسود فيه ، فعندما تخدع شخصا ما فأنت تقوم بالتالي ، تجعله يتصور أنه بأفعاله يقوم بفعل حسن يعود عليه بخير كثير ، ولكنك بمكرك تجره جرا عن طريق أعماله هو ليقع بمصيدتك أنت ، وهو أي المخدوع يستطيع عدم الوقوع بالخديعة لو توقف عن الاستمرار بأعماله التي يفعلها التي ستوقعه بنتيجتها .
وبرغم عدم رغبتي الدائمة بمناقشة نصوص دينية ، لكني أراكم دوما تحبون ذلك وتميلون نحوه ، لذا أقول لو رجعت لنص الآية التي ذكرتها لوجدت أن الذي يريد خديعة الله والذين آمنوا سيقع بخديعته بنفسه ، بينما لو ترك تلك الخديعة وأطاع الله لتوقف عنه شر خديعته .
فهل اكتفيت بردي هذا ؟ أم لديك المزيد ؟
فأجاب الطالب : ليس الآن معلمي ، ربما تكون لي عودة .
حينها قاطعته إحدى الطالبات قائلة :
هل محبتنا لأي مخلوق مرتبطة بمدى نفع هذا المخلوق لنا أو إنها هبة من الخالق لهذا المخلوق المحبوب بصرف النظر عن منفعته ؟
فأجاب : المحبة والكره تابعة لثقافة الإنسان وتأثير محيطه عليه وتجاربه الأولى وهو صغير بالحياة ، وما طبع بذاكرته الغضة تلك ، فلا يوجد كره دون سبب ، كذا لا توجد محبة دون سبب ، وقد يخفى عنا السبب ، ولكنه ليس بدليل على عدم وجوده .
فعادت الطالبة مذكرة بقصيدة شعرية لإيليا أبو ماضي أسمها الغراب والبلبل ، حيث قالت :
قال الغراب وقد رأى كلف الورى وهيامهم بالبلبل الصياح

لم لا تهيم بي المسامع مثله ما الفرق بين جناحه وجناحي ؟

إني أشد قوى وأمضى مخلبا فعلم نام الناس عن تمدا حي؟
فقال المعلم : وهذا أكبر دليل على عدم تفكيرنا بالسببية التي جعلتنا نفرق بالمحبة بين البلبل والغراب ، فكما نتعلم منذ الصغر كره الغراب ، كذا نجد كثير من القصائد التي تتغزل بالبلبل ، ولكن لو فكرنا قليلا لوجدنا أن تغريد البلبل ليس لنا بل لأنثاه ليدعوها لجماعه ، ونعيق الغراب كذا هو نوع من النداء ، ولكن هناك كذلك كره نحو الغراب لترسخ فكرة في اللاوعي البشري أن الغراب مشئوم ومكروه ، وهذا لا ينفي أن الغراب يساعد نوعا ما بتلك الفكرة ، حيث تراه يحب سرقة الأشياء اللامعة أو المثيرة لديه ، ولكنه حيوان لا يعلم معنى السرقة ، كذا البلبل لا يعلم أنه يطربنا نحن بتغريده حين تغريده وهو وحيد بقفصنا ، لا أنثى تسمعه لتستجيب لندائه .
فحالتي الكره والمحبة تلكما كانت بسبب ما ترسخ فينا ، فلو أنشأنا طفلا في مكان تعيش فيه فقط الغربان ، فإنه بالتأكيد سينشأ على حبها .
ثم قال المعلم :
نعود لدرسنا لهذا اليوم وهو حول قيمتي العدل والمساواة ، حيث ترون أننا جميعا نطلبهما ، ونتمنى اليوم الذي يتحققا فيه ، وكثير من تنظيماتنا الحزبية ترفعانهما شعاراً سياسياً ، و لَوَن الكثير خطابهم برسميهما ، فهل حقا نعيهما ، أم نحن نركض فقط وراء مسميات لا ندركها وانشغلنا فقط ببريقهما .
ثم أترانا نطبقهما بحياتنا اليومية ، بعلاقاتنا مع بعضنا بعضا ، داخل أسرتنا ، وبين أخوتنا ، ومع زوجاتنا ، أو بين أبنائنا ، حتى نطالب بهما داخل مجتمعاتنا ، ثم أنعرف حقا الفرق بينهما ، أم هما صيغتين لمعنى واحد !
هناك فرق شاسع بين العدل والمساواة ، لا كما يُظن للوَهلة الأولى أنهما متطابقان ، هما نعم متقاربان ولكن ليسا متطابقين ، كيف ؟ سنرى ذلك ببعض الأمثلة البسيطة حتى يقرب المعنى ، فكل النساء حول العالم يطالبن بالمساواة ، مساواة بالحقوق والتي يترتب عليها مساواة بالواجبات ، فليس من المنطق أن تطالب بحقوقك وتنسى واجباتك ، فكلاهما مترابط داخل مجتمع حضاري نسعى لبنائه .
ولكن بيولوجيا نجد فرق بين المرأة والرجل ، وهنا وجب مراعاة هذه الفروق البيولوجية عند طلب الواجبات على المرأة ، فجسمها ليس بقوة جسم الرجل ، كذا نفسيتها تختلف ، وحملها وولادتها تعطيها الحق بأخذ إجازة أمومة وولادة ، قد تطول أو تقصر حسب الفروق بين امرأة وأخرى وبين قوانين بلد وآخر ، فنجد من الضرورة تطبيق العدل كي نعطي المرأة إجازة أطول مما يعطى لزوجها الرجل ، وبالنتيجة لن تكون هناك مساواة مع الرجل الذي لم يتمتع بإجازة أبوة ، برغم أن بعض الدول الاسكندنافية كالنرويج مثلا تعطي إجازة للأب بمناسبة المولود الجديد ، كانت أسبوعين ، ويقال أنها أصبحت شهرا الآن .
مثال آخر أب يساوي بين أبنائه وهو محق بذلك ، وهو يساوي كذلك بين زوجاته الأربعة ، ولا يفرق بينهن قيد أنملة ، ولكن كانت أحدى زوجاته غنية جدا ومن عائلة تملك الملايين ، وكانت أخرى من عائلة فقيرة معدمة ، فكان عندما يأتي بهدية بسيطة مثلا ، يرى زوجته الفقيرة تفرح بها جدا ، بينما زوجته الغنية لا تبالي بما يأتي ، بل ويصعب عليه أن يأتي لها بشيء لم يشتريه لها أبويها في بيتها قبل زواجها ، هو مارس المساواة بين الزوجتين ، ولكنه لم يمارس العدل .
العدل أصعب بالتحقيق الواقعي لأنه يتطلب معرفة عالية جدا بظروف كل شخص وإمكانياته وقدراته وأعماله وخصاله حتى تستطيع أن تعدله ، بينما المساواة أقل صعوبة ، فتستطيع بالقول والفعل أن تساوي بين جميع الطلاب داخل الفصل الدراسي ، أو أن تساوي بين كل النساء ، أو بينهن وبين الرجال ، بينما العدل أن تعطي كل ذي حق حقه ، وبالتالي لن تجد مساواة مئة بالمائة بين كل الطلاب ، فيجب أن يأخذ الطالب المجد دفعة أقوى حتى ينمو ويبدع ، كما تعطي الضعيف دروسا مكررة وإضافية حتى ترفع من مستواه ، ولكن كل استلم دفعة مختلفة عن الآخر ، ولا يمكن مساواتهم ، لأن بها سَنَغبُن حق المتفوق بالإبداع ، وسنعطي الكسلان حقا أكبر من حقه .

محمد الحداد
07 . 11 . 2009





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,565,250,769
- مقالات علمية بسيطة ج 2
- رزوق دق بابنا
- نوري قزاز
- مقالات علمية بسيطة ج1
- قدري ربانا
- نار نور
- دار دور
- التوريث والتأبين
- المقرحي والأربعاء الدامي
- الجمهورية الخامسة ج 2
- الجمهورية الخامسة
- قراءة نقدية لخطاب أوباما في القاهرة ج 7
- مروة و التمييز العنصري
- قراءة نقدية لخطاب أوباما في القاهرة ج 6
- قراءة نقدية لخطاب أوباما في القاهرة ج 5
- قراءة نقدية لخطاب أوباما في القاهرة ج 4
- قراءة نقدية لخطاب أوباما في القاهرة ج 3
- قراءة نقدية لخطاب أوباما في القاهرة ج 2
- قراءة نقدية لخطاب أوباما في القاهرة
- اعترافات البغدادي تشمل سوريا ، مصر والسعودية


المزيد.....




- بحماية قوات الاحتلال.. مئات المستوطنين والمتطرفين اليهود يقت ...
- أردوغان: الإسلام تراجع في إفريقيا بسبب الأنشطة التبشيرية وال ...
- لبنان.. عندما تتخطى الاحتجاجات الطائفية والمناطقية والطبقية ...
- زعيم حماس يحذر من خطورة مخططات إسرائيل لـ«تهويد» المسجد الأق ...
- الخريطة السياسية للقوى الشيعية المناهضة للأحزاب الدينية
- تقرير فلسطيني: الاحتلال يستغل الأعياد اليهودية لتصعيد الاعتد ...
- واشنطن بوست: الانتقام الوحشي من النشطاء في مصر يمكن أن يغذي ...
- بعد استهداف معبد يهودي.. إجراءات بألمانيا لمواجهة -إرهاب أقص ...
- لجنة الشؤون الدينية في مجلس النواب المصري تضع 10 إجراءات لتج ...
- في أميركا.. التدين في تراجع حاد والإلحاد يزداد


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد الحداد - مِيزان قبّان