أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الكاظم العبودي - ستون عاما يا مكان















المزيد.....

ستون عاما يا مكان


عبد الكاظم العبودي
الحوار المتمدن-العدد: 2820 - 2009 / 11 / 5 - 15:43
المحور: الادب والفن
    



اللجنة الاعلامية للقدس:الجزائر
عندما كتب صاموئيل بيكيت رائعته المسرحية "في انتظار غودو"، لم يخطر بباله يقيناً، أن فرقة فلسطينية صغيرة مبدعة، عنوانها "مسرح نعم"، جاءت من الأراضي الفلسطينية المحتلة، ستعيد لنصه الدرامي خلودا آخرا، وتقيم حجتها هنا على مسرح الراحل عبد القادر علولة بوهران، ببطولة ممثلين هما (رائد ألشيوخي ومحمد الطيطي)، وثالثهما، مخرج المسرحية الفنان إيهاب زاهدة، تمكنت الفرقة من أن تُجرِّع مشاهديها وخز الألم وثقل الانتظار، وتعلمهم كيف يكون وقع الزمن على طول مأساة شعب,
استطاعت الفرقة دون تكلف بهرجة الديكور أو استخدام المؤثرات الصوتية والبصرية إلا عند الضرورة أن تقدم على عملا دراميا متميزا، ساخرا داميا مدوياً في الوجدان. وقد كسرت الفرقة النمطية التقليدية حين فتحت قاعة المسرح للجمهور قبل بدء العرض ليجد الجمهور بانتظاره شابين فلسطينيين على الركح في مواجهة جدار يحكي، كان الممثلون على قارعة الطريق في المشهد الصامت. ثم دفعت حالة إعلان بدء المسرحية باندلاع الموسيقى وانطفاء الأضواء إلى انتظار ثانٍ لا يقل إبداعية عن المشهد الأول الصامت مما دفع بفضول المشاهدة إلى صخب المكان مرة أخرى تحت شجرة القضية الباسقة في قلب المسرح، وعندما نطق الممثلون، خيم صمت المنتظرين باكتظاظ جمهور وهراني جاء خفاقا لكل عنوان فلسطيني، فكان النص الفلسطيني سيد الركح وراويه، إنها صورة الحياة كما هي في عمق الأوديسا الفلسطينية، ستون عاما أبدية من العذابات، وما يزال الشعب الفلسطيني على قارعة طريق الأمم المتحدة والوعود العربية يحتمي بشجرة حياته.
لم يأت غودو، ولا المهدي المنتظر، ولا حتى الرسول الموعود، الذي اكتفى بإرسال أخباره عن طريق الرعاة إلى الشابين المنتظرين. ظل يعدُ بقرب القدوم. ويظل الركح الفلسطيني لاعبا، يشهد قيام الجدار الذي ظلّ أمامنا أبيض رُسمت عليه كل تباشير وخطوط التاريخ الفلسطيني المعاصر بل والمستقبل وتساؤلات الأجيال.
شبحٌ موشح بالكلمات يشير إلى غزة جنوب الجدار والى يسارها اسم إبراهيم و زهرة مذبوحة وحقائب جيل لازالت على قارعة الطريق تنتظر ماذا سيقول الصمت لها في زمهرير ليلة باردة تنقل أخبارها المذابح المتوالية في تلفاز محمول, وعندما تصبح حقيبة التشرد، سريراً ومخدة، وبيتاً متنقلاً ووطن مهاجر، فالإنسانية تُوثق وحشيتها, أنفاس العالم تتآمر على خطوك ووجودك .. انك أسير المكان، والمراوحة تُثقل خطوك وتدفعك إلى الانفجار مهما تملكت الإرادة لإبقاء مسار الحياة وفق المسار الإنساني المفترض.
موسيقى وهمس خطى لا تلبث أن تضيع في الرهبة والتوجس تشبه صفير الريح في العشب، جنازير أقدام وحشية تدوس بقعة أمل وتبعث في الرؤوس الظنون السوداء التي لا تلبث أن تثقل جفوناً أعياها الكرى والحنين والسهر في البراري تحت شجرة الجميز بانتظار القادم المجهول. ستون عاما ولم تُسقط الجميزة آخر أوراقها, وتحتها المنتظرون,
وصايا الرسول القادم تقول لهما بتكرار الحدث الممل من خلف الجدار العالي: (لا تغادرا المكان، أنتما تعرفون الظروف، أنا قادم لا محالة.)، إذن لا بد من الانتظار والاستماع إلى تلفاز محمول ظل يكسر صمت الأسئلة الكبرى ويتحدث عن عالم الساسة الكبار المهووس ببرنامج إيران النووي، ويمرر أشباحا من صورعن بقايا عرب 48 تمر صورهم مع نصوص امتزجت بالدمع والدماء وبأشعار لشاكر السياب والبرغوثي وثمة مؤتمرات عربية نُظمت لسماع ألشعر والخطاب المجتر للسلطات العربية.
نجح الإخراج في كسر رتابة الانتظار وتوجساته في زمن لم يعد الحراك بفلسطين يتقدم على أولويات وحوار الأجيال والنخب. كان لابد من مغامرة في الإخراج لعرض شيء من ميكي ماوس، وحديث عن أرنبة تائهة لهشام لازال يتذكرها و يسأل عنها أهل القرى، فقد يكون الرصاص الصهيوني قد أرعبها فضاعت ما بين الأحراش أو لجأت إلى مغارة رغم أنها معتادة على صوت الرصاص.
فقد الشبان صبرهم في ديمومة انتظار لا يجدي، كان لابد للشابين من طرح أسئلة أكبر من توقيت المكان, كان لابد من أغنية لكسر حالة عربية.. فغنيا ورقصا. واستعادا مقاطع من قصيدة مقدسية كان البرغوثي منشدها : (... لا أرى إلا أنت... خلف الجدار). ويمر نص المواجع ويردد هشام: ( ستون عاما ولم يتغير شيء سوى هذه الجميزة التي ظلت واقفة، صامدة بلا عناية، واقفة رغم مكائد الزمن، وهاهي المحطة الوحيدة لجيل يصر على الانتظار ويرفضه في ذات الوقت.
كان لابد من تجريد الحدث، وتجسيد البقاء مهما كان الظرف، وقف هشام وخلفه نايف متصلبا الأطراف ليصنعا مشهد الشجرة بجسديهما، انه الخلود في رمزية البقاء، ثم ما لبثا أن تمردا من جديد على وضعهما المزري من طول انتظار لقطار مكسور ومعطل لازال واقفا في محطة أُخرى، إذن عليهما أن يغادرا المكان بصرخة، كان صوت السياب ونزار معهما في توليفة حية من الشعر المقاوم تضمنته محنة الانتظار على المسرح المقاوم.
وعندما جلس نايف وهشام على يسار المشهد الفلسطيني، كان علينا أن نفكر معهم وماذا بعد؟ ... أنقف ونتمعن عند كل الأسئلة التي طرحها المشهد الفلسطيني على الجميع؟. ما معنى أن نصفق؟ في نهاية المشهد وهم لازالوا هناك ينتظرون المجهول؟ ولمن كانت تلك المحطة الأخيرة في مسار القضية؟. المخرج لم يسدل الستار، كالعادة في المسرح وآثر أن يظل المشهد مفتوحا أمام الذاكرة والأجيال، مسرح كالحياة مفتوح تماما مثلما دخلنا عليه قبل ساعة ونصف, إنها فرجة الألم في ذاكرتنا المثقوبة عند محطات الحافلات واستهلاكنا اليومي للتفاهات والمتع الصغيرة بلا أوطان من نوع جميزة فلسطين الواقفة.
مشهد خارج الإخراج في مسرح علولة بوهران، فقد صعد إلى الركح من بين صفوف المشاهدين طفلان عراقيان، أحدهما يدعى أحمد والآخر فائز وهما يحملان أعلام فلسطين وفي معصميهما أعلام الجزائر والعراق، قبلا نايف وهشام، وقالا لهما قولا صغيرا معبراً: سيكون طريق تحرير بغداد والقدس واحدا، ولم يبق لنا في عصمة التحرير الشامل سوى أن نتمسك بهذا العلم وفي عضدنا الجزائر.
ضحكت الجميزة، وهي خارج دورها التمثيلي الآن، وانحنت جذلة للطفلين على ركح المسرح العربي الحقيقي، فقد وصلت رسالة أخرى لأجيال قادمة لا تنتظر غودو الوهم، المتحجج بظروف الطريق العربي الرسمي ومصاعبه.

aboudika@yahoo.ca





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- الهولوكوست النووي الايراني –الامريكي القادم لا يحرق العراق و ...
- الاستحذاء وأزلام القباقيب
- قراءة في ديوان -دموع الفرح- لعبد الوهاب حمو فخار
- دور ثورة 14 تموز 1958 في دعم ثورة الجزائر وانتصارها
- جذور مخططات تقسيم العراق في ملفات الاستعمار البريطاني
- الوطن هم ثقافي أم منفى وجداني للحنين
- ذكرى ابي الطيب عبد الرحيم محمود
- صحوة كولن باول هل جاءت متأخرة
- النوبليون ومحنة شعب العراق
- دارفور الشجرة التي تخفي ورائها كل ضباع الغابة الافريقية
- -اسرائيل تحضر لضربة نووية محدودة في المنطقة
- البعد الايديولوجي لليسار الاوربي التقليدي
- منظمات المجتمع المدني مساحيق بشعة على وجه ديمقراطي امريكي زا ...
- تقاطعات الرحيل الى الازهر الغافي والمرجع المتعافي لا يصلح ال ...
- رمضان وتكريس البغض الطائفي في العراق
- بوش في الانبار يعيد لي ذكرى حكاية جدتي
- القادمون على ظهر الدبابات الامريكية لا تمنحوهم -شرفا-... او ...


المزيد.....




- «الأساطير والأكاذيب.. والخرافات الجذابة في تاريخ العالم” لل ...
- تعيين فران أنسويرث مديرا للأخبار في -بي بي سي-
- ترجمة لغة الدجاج بطريقة خوارزمية
- العمراني: منطقة الساحل تواجه تحديات أمنية
- الزروالي: عودة المقاتلين خطر مستقبلي
- خبراء دوليون: المخاطر الإرهابية ستتفاقم
- زفاف الأمير هارلي على الممثلة الأمريكية ميغان ماركل في 19 ما ...
- زفاف الأمير هارلي على الممثلة الأمريكية ميغان ماركل في 19 ما ...
- افتتاح أسطوري لفيلم -Star Wars: The Last Jedi- (فيديو)
- - ليل بلا قمر- مجموعة قصصية جديدة للكاتب أحمد الخميسي


المزيد.....

- المدونة الشعرية الشخصية معتز نادر / معتز نادر
- من الأدب الفرنسي المقاوم للنازية - القسم الثانى والاخير / سعيد العليمى
- من الأدب الفرنسى المقاوم للنازية - الفسم الأول / سعيد العليمى
- من الأدب الفرنسي المقاوم للنازية - مقدمة / سعيد العليمى
- تطور مفهوم الشعر / رمضان الصباغ
- البخاري الإنسان... / محمد الحنفي
- يوم كان الأمر له كان عظيما... / محمد الحنفي
- التكوين المغترب الفاشل ) أنياب الله إلهكم ) / فري دوم ايزابل Freedom Ezabel
- عندما كان المهدي شعلة... / محمد الحنفي
- تسيالزم / طارق سعيد أحمد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الكاظم العبودي - ستون عاما يا مكان