أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جاسم المطير - الفساد السياسي خنّاق الديمقراطية















المزيد.....

الفساد السياسي خنّاق الديمقراطية


جاسم المطير

الحوار المتمدن-العدد: 2819 - 2009 / 11 / 3 - 04:50
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الفساد السياسي خـنـّاق الديمقراطية
جاسم المطير

تعد قضية العلاقة بين "الأخلاق والسياسة" من أقدم المسائل الفلسفية المطروحة في مجال العلوم السياسية‏ في مختلف البلدان العالمية، المتطورة والمتخلفة. هذه القضية بالذات تدان وتناقش بقوة، في الوقت الحاضر، أكثر من أي وقت مضى، في العديد من بلدان العالم، في ظل انحطاط القيم الأخلاقية لبعض الحكومات الغربية (اليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة الأميركية) والشرقية (الدول العربية وإسرائيل)، حتى عند بعض "الأشخاص" العاملين في هيئة الأمم المتحدة وفي غيرها من المنظمات الدولية.
في العراق صار الحديث، في الصحافة والبرلمان، خلال السنوات الست الماضية، عن وجود ظواهر كبيرة عن الفساد المالي والإداري وأحاديث عن مستوى هدر المال العام بأرقام مليونية متعددة وصلت إلى أرقام المليارات من الدولارات، مما جعل صورة هذه الظاهرة كأنها ملازمة للديمقراطية وليست ملازمة للرأسمالية. كما كشفت هيئة النزاهة العراقية أن هذا الفساد يتعلق بسلوك "أفراد" في الدولة يتعدون على أموال الدولة وعلى سلطتها، الأمر الذي يتطلب من الوطنيين العراقيين ضرورة البحث عن علاقةٍ ما، واضحة، بين‏ "الأخلاق‏‏ و‏‏السياسة‏".‏
هل يمكن أن نقول إن هناك حكومات تطبق المعايير الأخلاقية والقانونية عند تعاملها مع شعوبها..؟‏ هل يجب أن تكون هناك وحدة عضوية بين الأخلاق والسياسة.. ؟ هل يجب أن تكون السياسة تابعة للأخلاق ونابعة منها..؟‏ أم يجب فصل الأخلاق عن السياسة تماما..؟ ‏أم أن كلمة "سياسة" في حد ذاتها لا تتضمن مفهوم‏ "الأخلاق‏" أصلا ..؟‏
لا اشك مطلقا أن الفساد، المالي والإداري، اتسع نطاقه خلال الفترة اللاحقة لسقوط نظام الدكتاتورية، رمز الفساد الأكبر. نظام صدام حسين أساء كثيرا إلى الديمقراطية التي دعت إليها القوى التقدمية العراقية، منذ زمن طويل، بضمنها الحزب الشيوعي العراقي، الذي كثيرا ما دعا وما زال يدعو في صحفه وتصريحات قادته إلى أن تكون الديمقراطية اعترافا صادقا بحق (الفرد والجماعة) في أن يكونوا صانعي نمط حياتهم وتاريخهم لا أن يكونوا متخلصين من القيود التي كبلهم بها صدام حسين 35 عاما، حسب .
الديمقراطية كما يقول آلان تورين ((لا تقوم على خدمة المجتمع ولا على خدمة الأفراد بل على خدمة الكائنات البشرية بما هي ذوات فاعلة، أي بما هي صانعة لنفسها، لحياتها الفردية ولحياتها الجماعية. النظرية الديمقراطية ليست سوى نظرية الشروط السياسية اللازمة لوجود ذات ٍ لا يسعها على الإطلاق أن تُعرّف بعلاقة المرء بنفسه التي هي علاقة وهمية..)).
من هنا من هذه النقطة بالذات ينبغي علينا أن نعرف حقيقة علاقة " أنا الموظف " مع " المجتمع " ومع " الدولة ". خاصة ما يتعلق بالموظف الكبير في الدولة (وزير، سفير، مدير عام، رئيس مؤسسة) أو ما يتعلق بكثير من رجال الأعمال ممن هم في أعلى سلم المجتمع البورجوازي من المنتمين إلى عالم غير العالم الاجتماعي الذي نعيشه، بل أنهم ينتمون إلى عالم فردي أناني محض يسعى إلى بقاء " نعمته " دائمة وأبدية، حتى لو شقت طريقها إلى صعود السلالم المالية بمختلف أنواع السلوك الفاسد بما في ذلك الفساد السياسي. يعني هذا أن الفساد السياسي هو اخطر أنواع الفساد لأنه لا يبقى معزولا عن القوى الاجتماعية والقوى التي تقود جهاز الدولة نفسها حيث لا تضيع بهذا الفساد إرادة الجماهير الشعبية حسب، بل يظل خطر سرطان " تفسيد " الإدارة والسلطة والمجتمع قائما لزمن طويل ولمدى أبعد . يسري في كل جزء من أجزاء الدولة، منتقلا من مستوياتها الأعلى نزولا إلى الأدنى. مثال ذلك ما أعلنته هيئة النزاهة العامة قبل يومين (أن بلدية حي الشعب والعيادة الاستشارية والطوارئ ومصرف الدم في مستشفى اليرموك والهيئة العامة للضرائب ومصرف الرافدين، فرعي الفردوس والخنساء هي أكثر الدوائر في بغداد تعاطيا للرشوة. وذلك ضمن سلسلة الاستبيانات الشهرية التي تجريها هيئة النزاهة لشهر أيلول 2009).
ينبغي أن نعرف أن الفساد السياسي هو " خنـّاق " الديمقراطية لسبب أكيد هو أن هذا الفساد لا يتوقف عند خط أحمر معين في الحد من سلطة الدولة، بل يريد حتى السيطرة على القرار السياسي للدولة وعلى إخضاع أفكار الأخلاقية الرأسمالية لمصالحه، بمعنى أن الفاسد السياسي لا يريد أن تكون جهوده ضمانا لتطوير الدولة بل العكس يريد للدولة أن تكون قوة بيديه وضمانا لمستقبله المالي، كي تزيد من ثرواته ونفوذه، كما أشار رئيس الوزراء السيد نوري المالكي خلال الأسبوع الماضي عندما قال "أن الذي يقوم بالفساد المالي قد يتوقف عند نقطة معينة، لكن المفسد سياسيا لا يوقفه أي شيء". هذا القول يحمل وعيا من مسؤول كبير في الدولة العراقية المعاصرة مما يحذر من تحول المجتمع السياسي العراقي إلى "سوق" تعقد فيه الصفقات السياسية – المالية التي تضرب الديمقراطية بالصميم.
من دون شك أن محكمة جنايات القاهرة شهدت هذه السنة، أيضا، في قضية مقتل المغنية سوزان تميم انحطاطا أخلاقيا – سياسيا – ماليا من قبل نزعة رأسمالي مصري كبير يختزل كل القوانين داخل وسطه الفاسد سياسيا – ماليا ولم توقفه عضويته في البرلمان المصري عن التخطيط لارتكاب أفعال القتل والجريمة. أما عندنا في العراق فقد أفرزت لنا بعض تجارب السنوات الست الماضية شكلا آخر من أشكال الفساد السياسي حيث تحوّل فيها عضو سابق في مجلس الوزراء (وزير الثقافة أسعد الهاشمي) إلى "إرهابي" هارب من وجه العدالة. كما تحول عضو في مجلس النواب العراقي(محمد الدايني) إلى متهم بعملية إرهابية ويلقى القبض عليه في ماليزيا البعيدة من قبل شرطي ذكي مسؤول في أمن المطار بعد هروبه من مطار بغداد مستغلا حالة من حالات الفساد السائدة في بعض مفصلات الأجهزة الأمنية العراقية .
بعض التجارب المالية في العراق كشفت حقيقة أن الفساد المالي هو بطل النشاطات الاقتصادية والتجارية التي جرت خلال السنوات القليلة الماضية بالضد من الأخلاقية الشخصية وحتى الحزبية لفترة ما بعد 2003، حقا وفعلا، لكن هذه "التجارب" المؤسية والمؤلمة والمؤذية بنشاطاتها المتنوعة، الفاسدة اقتصاديا، توارت أمامها بقيه أنواع الفساد بما فيها "الفساد السياسي" الذي قال عنه السيد رئيس الوزراء:(إن الفساد خيانة للأمانة التي يؤكد عليها الله سبحانه وتعالى، وظاهرة الفساد بكل ألوانه دليل على الخيانة المتعددة الوجود والآثار، أما الأمانة فهي التي تحمي كرامة الوطن وتصان فيها كرامة الإنسان ليكون مواطنا صالحا يبني ويعمر). فهل بات المال الحرام‏ أو نهب الثروات‏ أو الاقتصاد الأسود‏..‏ هل بات كل ذلك هو الأكثر جذبا أو خطرا أو انتشارا في مجتمعنا العراقي..؟
في برنامج النفط مقابل الغذاء الذي إدارته الأمم المتحدة في العراق خلال تسعينات القرن الماضي انكشفت عدة انواع من الفساد السياسي ــ المالي على نطاق علاقة العراق مع الأمم المتحدة،‏‏ ناهيك عن أموال النفط العراقي التي دخلت عبر تعاقدات قيل أن راعيها كان عدد من "السياسيين" الأمريكان ــ قبل غزو عام 2003 ــ لمصالح شركات رأسمالية أمريكية كبرى ولمصالح جيوب مجموعات محددة في مراكز القرار السياسي الأميركي . كما كشف المدعو سالم الجميلي، مدير عام في المخابرات العراقية السابقة، مسؤول القارة الأمريكية في جهاز المخابرات الصدامي عن قيام بعض السياسيين العرب ــ لم يذكر أسماءهم ــ خلال المقابلة التلفزيونية على شاشة القناة البغدادية مساء يوم 21/10/2009 على ممارسة الفساد النفطي ــ المالي ــ السياسي لأغراض تقديم العون لصدام حسين لاجتياز الحصار الاقتصادي الذي فرضه مجلس الأمن على نظامه.
نعم هذا هو "درس كبير" في الفساد السياسي شجع بصورة مطلقة جميع أنواع الفساد بعد الغزو الأميركي وظهور طبقة عراقية، رأسمالية ــ سياسية، لا تمانع عملية اختلاط "السياسة" بالمال على طراز قضيه نواب القروض في مصر‏، أو بعض صفقات السلاح التي تصدي لها مجلس الأمة في الكويت‏، أو على نطاق بعض المواقف السياسية لبعض دول الجوار من الفعاليات الإرهابية ضد الشارع العراقي وأبناء الشعب العراقي. بل شهد الشعب العراقي أن هؤلاء الفاسدين سياسيا لم يكتفوا بالظهور بمظاهر اجتماعية ايجابية بل توجهوا في أحاديثهم الصحفية والتلفزيونية للشعب العراقي باعتبارهم من دعاة "الديمقراطية" ومن دعاة "المساواة" بين المواطنين.
كان المفروض على القوى الديمقراطية الصادقة المناضلة ــ حاليا هي ضعيفة النفوذ السياسي في الشارع والبرلمان ــ و كان على الوطنيين المخلصين أن يعرفوا، جميعا، أن لكل نظام ديمقراطي نقاط قوته ونقاط ضعفه. هذا يعني أن نظام العلاقات الديمقراطية الناشئ، عندنا، بعد سقوط دكتاتورية صدام حسين يتميز بمثل هذه النقاط أيضا، فالحكومة بكل سلمها الوظيفي تتكون من مجموعة من البشر وليس من مجموعة ملائكة، كان عليها أن تعرف انه حتى نمط الثورة الفرنسية والروسية والأميركية لم تتمكن من إيجاد حكام استثنائيين يمكنهم التصدي لكل أنواع الفساد، من ضمنها الفساد السياسي، مما يحتم دائما أن تكون الحكومة خاضعة باستمرار للمراقبة من البرلمان والصحافة ومنظمات الرأي العام والمجتمع المدني كافة.
مهما بلغت نزاهة السياسيين‏فإن عددا غير قليل منهم يحاول الاحتفاظ بكرسيه من أجل مزيد من الثراء والقوة المالية وقد يتخذ بعضهم أساليب غير أخلاقية لتحقيق ذلك، هذا الواقع يفرض علينا أن نحدد الإجابة الدقيقة على سؤال كبير هو من أين يبدأالفساد..؟
بعضهم يقول أن المال السائب يشجع على الفساد والنهب. بعد سقوط الدولة البعثية بدا كل شيء سائبا منذ التاسع من نيسان 2003
بعضهم يقول أن الأزمة المالية الشخصية تدفع الموظفين الكبار نحو ممارسة الفساد.
بعضهم يقول أن الأزمة السياسية التي يعانيها حزبٌ ما، تدفعه إلى ساحة من ساحات الفساد، للبحث عن قوة مالية تساعده على تجاوز أزمته السياسية والفوز في الانتخابات .
كما يمكننا أن نستنتج أن بدايات الفساد العراقي المستحكم حاليا كانت ناتجة عن مشاكل تكوين الحكومات المتعاقبة منذ 2003 حتى الآن، مما يصور للموظفين، ومنهم الكبار، أن وجودهم الوظيفي هو " مؤقت " مع وجود الأزمات الحكومية المتنوعة والمتفاقمة حتى الآن، مما يدفعهم إلى " تسريع " عملية جني المال العام ونهبه بأقصر مدة ممكنة. بعضهم يؤمن مستقرا له خارج الوطن. من ثم كانت هناك مشكلة في تدني أجور الموظفين الصغار التابعين للموظفين الكبار، ما يدفعهم للانحراف‏، رغم أن هناك فرقا شاسعا في الأجور والرواتب الحالية مقارنة مع النظام السابق.‏
بهذا الصدد ظن الكثير من الديمقراطيين العراقيين، داخل الحكومة وخارجها، أن الانحراف السياسي– المالي سببه غياب الديمقراطية خلال عدة عقود سابقة، هذا تشخيص صائب، غير أن عدم الصواب لدى الكثير من المسؤولين الحكوميين ظهر عند تيقنهم واعتقادهم في أن ظهور علامات الديمقراطية العراقية وبعض تطبيقاتها وممارساتها كفيلة بالحد من الفساد في الدولة الجديدة وظهور الحكم الصالح القادر على ترشيد القرارات السياسية والمالية وعلى تحقيق المشاركة الشعبية في إدارة الدولة ‏وعلى تفعيل الرقابة القانونية والبرلمانية التي بإمكانها محاصرة الفساد بقوة شعبية وبقوة الأحزاب الوطنية ووعيها.
إن تجارب السنوات الست الماضية برهنت أن مصادر ومداخل الفساد السياسي هو (من أعلى) حين تغيب أو تضعف الممارسة الديمقراطية. كما أن لها مصادر ومداخل (من أسفل) حين يرتشي الموظف ويخون أمانة الدولة كما أوضحت المئات بل الآلاف من حالات التحقيق التي أجرتها هيئة النزاهة العراقية في عدد من الوزارات وأجهزة الدولة.
‏ الأصل في الفساد هو السرية في الحفاظ على خططه وخطط القائمين عليه. إن الكثير من الموظفين المفسدين يخططون بسرية تامة لكيفية تكوين الثروة مستغلين مراكزهم الوظيفية بالتشارك، مع ظهير أعلى أو من دونه، هو حصول الموظف العام على قدرته في استغلال مركزه السياسي لممارسة الفساد السياسي الأشد خطرا‏ على الدولة، لأنه حين يبدأ في المستويات العليا من مراكز السلطة ‏، يصبح قادرا على التغلغل في مستويات السلطة كافة، خاصة عندما يستغل صانعو السياسة والقرار القوة التي في أيديهم لتحقيق مفاسدهم ومآربهم الشخصية الأنانية والمحافظة على مكانتهم وثرواتهم‏ فإنها تنتقل ليس فقط إلى بعض القياديين في أحزابهم بل الخطر في قدرة هؤلاء الفاسدين على صياغتهم للتشريعات والقوانين التي يقننـّون بها ما يقترفونه من جرائم في حق المجتمع.،‏بالإمكان القول أن ابرز نتائج الفساد السياسي هي أن أحزاب المفسدين أنفسهم تتحول إلى هيئات لا تخدم إلا نفسها، لا تخدم مصالح المجتمع. ثم يرتبط الفساد الشخصي مع الفساد الحزبي إلى الحد الذي يصبح المال السياسي وسيلة في الفساد السياسي وأبشع حالاته هو المال المستخدم في المجهود الانتخابي لتزوير النتائج في حالات كثيرة. بهذا يتم نزع جوهر الديمقراطية أثناء تطبيقها، مما يؤدي إلى الفوضى، خاصة وان بلادنا ما زالت تحاول الخروج من موروث حقبة الــ 35 سنة لحكم نظام البعث الصدامي، أي الخروج من طور المجتمع المقموع بالدكتاتورية والمحرّف بالبيروقراطية إلى مجتمع صناعي – زراعي متطور بالحرية والديمقراطية.
إن عدم وجود إطار قانوني واضح لتمويل الأحزاب قد يفتح الباب علي أشكال مختلفة من الفساد السياسي‏وشراء النفوذ داخل بعض الأحزاب‏ ربما من دول مجاورة أو من جهات أجنبية ذات مصالح اقتصادية داخل بلادنا مما يؤدي إلى التأثير علي تبني بعض الحزبيين لوجهات نظر، سياسية و اقتصادية، معينة وهو ما ينعكس بشكل سلبي علي الحياة الحزبية كلها وعلي ثقة المواطن في العملية السياسية، مثل هذا الانعكاس يظهر في العادة، سرا، بين المفسدين، حيث يدخل إلى الممارسة الواقعية، تحت واجهة سرية، أيضا، بما يسمى (ديمقراطية الصفقة) حيث تتوافر "أشكال ديمقراطية" بين الجهة الخارجية والجهة الداخلية حول تطبيع ظاهرة العمولة الخارجية لحساب المسئول الداخلي، انه فساد سياسي – مالي بالتراضي‏رغم أن عنصر الرضا مقصور على فئة قيادية مستفيدة من التطبيع في العلاقات مع البلدان الرأسمالية الأوربية، ومنه لا يعود أي نفع أو فائدة على الشعب العراقي نفسه. وقد ظهرت أمثلة كثيرة خلال سنوات الاحتلال الأميركي من تطبيع العلاقات الفاسدة مع بعض عناصر المؤسسات التجارية في الولايات المتحدة وفي استراليا وبعض الدول الأوربية وغيرها.
المفروض عند مكافحة الفساد المالي والإداري كفاحا حقيقيا هو البدء بتطويق فعاليات "المال السياسي" المستخدم لحرف بلادنا عن الديمقراطية، ذلك تحت ستار خاص تضعه بعض القيادات السياسية وغض بصرها عن ظواهر الفساد المالي في المستويات الدنيا من وظائف الدولة.
لا يوجد صديق يسافر من هولندا أو لندن أو السويد إلى بغداد دون أن ينقل لي بعد عودته مشاهدات يومية عن فساد العلاقة بين المواطن وموظف الدولة. تعامل المواطن مع المؤسسات الخدمية، جميعها بلا استثناء، يقوم على " الأصول " في دفع الرشوة. كما أن عملية دخول مريض إلى مستشفى معناه في فهم المواطنين الفقراء الاستعداد المالي أولا بما يكفي المريض لنيل عناية الممرضين والممرضات والإداريين والإداريات. كذلك الحال في تسوية أمور التجار داخل دائرة الضريبة إذ أن الرشوة هي الدليل الوحيد المرفق مع استمارات الضريبة لتخفيض نسبها. حتى الجامعات والمدارس أصبحت ساحات جديدة لتبادل الرشاوى.
باختصار يمكنني القول أن الفساد المالي هو الابن الشرعي لوالدين في آن واحد. هو الابن الشرعي للفساد السياسي كما هو الابن الشرعي للموظف الفقير الذي لا تكفيه رواتبه المتدنية لتلبية مطالبه المعيشية فيلجأ إلى ممارسة الفساد المالي يوميا، خاصة الموظف الذي تتوفر عنده سلبيات الاستعداد للتخلي عن أخلاقية الوظيفة الأولى: الأمانة.
بعض الباحثين عن أصول الفساد المالي ونتائجه وعلاقاته يؤكدون بصورة مطلقة أن المطلوب في معالجة الفساد المالي هو في معالجة الفساد السياسي. يؤكدون أيضا أن بداية الفساد ونهايته تتعلق بالدولة نفسها وبالاستقرار السياسي وبنظافة أجهزة الدولة التي حين تغمض عيونها عمدا أو ضعفا أو جهلا إنما تعطي الضوء الأخضر لترعرع الفساد، خاصة إذا كانت الدولة والحكومات المتعاقبة عليها عاجزة عن تحقيق تنمية اقتصادية قادرة على صنع مجتمع عراقي نظيف متبرئا من كل أشكال الفساد المالي والإداري.
ينبغي أن تكون كل العمليات المالية لتجارة الدولة، داخليا وخارجيا، جارية تحت ضوء الشمس لأن الفساد يترعرع أساسا في الظلام وهو أمر من السهل اكتشافه وردعه في المجتمعات التي تتمتع بالشفافية. بصورة فعالة فأن الديمقراطية الحقيقية، السياسية والاجتماعية، هي الحصن الحصين والمنيع والفعال ضد الفساد، للصحافة الحرة أيضا دورها الأساسي في كشف الفساد في مهده وإجهاضه وأن مواجهة الفساد تتطلب إرادة سياسية وحزما ودعما ومشاركة ديمقراطية شعبية من كل مؤسسات المجتمع المدني وتحقيق تنمية حقيقية وشاملة في البلاد.
ليس من سبيل لمكافحة الفساد السياسي والمالي إلا بترسيخ الديمقراطية في أعماق العلاقات الاجتماعية وذلك باتجاه الحكومة والبرلمان نحو الوجهتين التاليتين :
1- إخضاع سلطة الدولة بصورة كلية لقواعد مؤسساتية حازمة.
2- جعل المبادئ الديمقراطية في التطبيق العملي كــ"وساطة سياسية " بين الدولة والقوى الاجتماعية كافة.
بصرة لاهاي
في 22/10/2009
*******
نقلا عن جريدة طريق الشعب العدد الصادر في 2 – 11 – 2009







كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,684,377,687
- السينما العراقية في فضاء الثقافة والإبداع والنقد والاستدامة
- أجمل المايوهات في المنطقة الخضراء ..!!
- لا نعيم في العراق المعاصر إلا في جنان المناصب الوزارية ..!!
- يا محافظ بغداد قل للغراب بصراحة تامة : وجهك أسود ..!!
- القادة لن يعطسوا لأنهم غير مصابين بأنفلونزا الإرهاب ..!
- مجلس رئاسة الجمهورية ليس له أي اهتمام بغير الطعام ..!‍
- ملاحظات أولية في الشكل العيني التجديدي لخير الديمقراطية
- نصائح أخوية إلى المرأة المحجبة في البرلمان القادم ..!!
- السعلوة محمد الدايني ..!!
- سكان الاهوار يقولون : الحكومة العراقية أم النفاق وأبوه ..!!
- لكي تكمل نصف دينك ضع محبسا ياقوتيا في إصبعك ..!
- أبونا آدم لم يكن صحفيا يا فلاح المشعل ..!!
- حافظوا على أعمدتكم الفقرية من الانحناء أيها النواب والنائبات ...
- الجدارة السياسية السبيل الوحيد لإصلاح الدولة العراقية
- تبولوا وتغوطوا قبل الصعود إلى الطائرة ..‍‍!
- أرخص سعر في أسواق بغداد هو لبن العصفور ..!
- إبتداع (المكان المسرحي) حين يقسو (الزمان)
- تعرّوا كما خلقكم ربكم لتكونوا شجعانا ..!!
- أكثر أوراق الكتابة تتوزع في المزابل ..!! ..!!
- العقل الديمقراطي العراقي وسيلة التحول والتغيير


المزيد.....




- بعد تعرض خالد النبوي بطل -ممالك النار- لنوبة قلبية أشرف زكي ...
- الحوثيون: لدينا الحق بالدفاع عن النفس
- إرسال 6 محركات صاروخية روسية لصواريخ أطلس-5 الأمريكية
- هل -يدخل- مجدي يعقوب قلب خالد النبوي حرفياً؟
- وزير إيراني: فك شفرة الصندوق الأسود للطائرة الأوكرانية سيجري ...
- دمشق ترفض تقرير المنظمة الدولية حول الكيماوي
- هذه قصة مفتي -داعش- الذي دعا للقتل وحلل السبي
- السعودية: منفتحون على المحادثات مع إيران إذا امتنعت عن دعم أ ...
- وفد من الكونغرس الأمريكي في سيناء
- Louis Vuitton تشتري ثاني أكبر ألماسة في العالم


المزيد.....

- الإسلام جاء من بلاد الفرس ط2 / د. ياسين المصري
- خطاب حول الاستعمار - إيمي سيزير - ترجمة جمال الجلاصي / جمال الجلاصي
- حوار الحضارات في العلاقات العربية الصينية الخلفيات والأبعاد / مدهون ميمون
- عبعاطي - رواية / صلاح الدين محسن
- اشتياق الارواح / شيماء نجم عبد الله
- البرنامج السياسي للحزب / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- الشيخ الشعراوي و عدويّة / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- مستقبلك مع الجيناتك - ج 1 / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- صعود الدولة وأفولها التاريخي / عبد السلام أديب
- الثقافة في مواجهة الموت / شاهر أحمد نصر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جاسم المطير - الفساد السياسي خنّاق الديمقراطية