أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يعقوب زامل الربيعي - خطوة في الفراغ الجميل














المزيد.....

خطوة في الفراغ الجميل


يعقوب زامل الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 852 - 2004 / 6 / 2 - 04:46
المحور: الادب والفن
    


قصة قصيرة
“ جاءت!” قال الصوت.. كانت تجلس عند بابي، مبللة بعرق الصيف، توسدت مكانا قريبا من رائحتها. وكانت السماء مفتوحة على وسع مشارفها، شفافة، على لانهائية الكون.. الذي لم يكن لحظتها احدبا، ولا مستطيلا او مربعا، بل فضاء بلا ابعاد او ازمان او مسافات، مجرد اتساع غير محدود او معلوم للأدراك في المعلولية. كل ما اذكره ان شيئا ما قد اخذ يتحلل مني في هذا اللامحدود، فالشعور بهذا الاتساع الهائل كان يزداد اتساعا.
ركنت نفسي امامها.. حدقت في نهارها..في ليلها.. في مواسم حياتها. لم تكن غير مليكة من عصر سالف عشته يوما بكل العنفوان.. شعرت بالأسى، وبالخوف من التخطي في هذه الخمائل التي انفتح بابها امامي فجأة. واربكني صوت عينيها، وفاجأني ما في يدها. تلك عصاي التي تحملها لم تقل “ هي لك!” قلت “ لا انكرها!” بللني الخجل، وارتعشت.. “ هي تعرف سري فما الذي تبتغي ؟!” فكرت وكدت اهرب، لم يصبني الفزع بقدر الحزن والاسى، عقرت كالبعير، شللت بالامل الزائف.
وأمهلني الزمن فرصة اخرى لاثبت لها قدراتي على الاتساع. قلت: “ لم تعجبني رفقتها، هي رفيقة كريه حضورها، لذا.. لذا رميتها”.
في لحظة من لحظات الزهو بأمتلاك الزمن والقدرة على امتطاء الخيال جمحت امام باب عصرها يوما، وخوفا من التلبس بالجرم المشهود، رميت عصا شيخوختي استنكافا.. لم اكن متصابيا، انما كنت ممتلئا حقا بالفعل الحر وبالايحاء، فأعجبها دوري.. ذهلت، وربما ارتعشت، لكني على يقين بأنها ذهلت، لم تسمع في عصرها بأغنية مثل اغنيتي. كان الصوت شجيا، أوله في اللحظة وآخره في الرئتين يخرج مثل المصل من جرحي، لم اقصد اغواء مليكة العصر السالف، لكنما هي روحي، ما اغبى صنيعي!
عندما رميت عصا مشروعي للموت القادم، ورقصت.. فاجأني الضوء، هربت، كي انقذ مليكتي المذهولة من روحي.
كانت السماء ما تزال على وسعها وشفافيتها.. تغطي اللامكان الذي اجلس فيه امامها. وكان وجهها المفصد بالعرق والفتنة وباللحظة التي اجهل من أي الزهور عطرها، ملوحا بالمروءة والرغبة. وددت لو ان امي ما تزال في الحياة لاحلم على صدرها بحلم الشباب فأغوي مليكتي من غير جرة اذن من سيد العمر وحكمته. طأطأت رأسها.. طأطأت رأسي، وكان طير السؤال القلق فوقنا.. “ ما الذي تريدانه؟!” وفي غفلة رفعت اليها بصري، شعرها المنسدل على جانبي وجهها يشعلني بالرغبة ربما سمعت لهاثي البائن فأنتبهت.. كانت تراقبني عن كثب على نحو مجهول لتعرف مقدار ما بي من خوف الفرح البائس. مليكة تبحث في شيخ رمى عصاه في لحظة استياء وهرب في اللحظة العظيمة.
في اللحظة التي سقط نظرها في نظري ايقنت بأني مهزوم، وان الفشل اخذ يحاصرني من كل زاوية سألت نفسي: “ هي طفلة، ومن عساها تكون؟!”.
كانت السماء طليقة على كل ارض واسعة، ناهدة، تفتح زينتها للنظر المطلق.” تعال وخذ نصيبك بالنظر” كان عطشي اشد من عطش ارض يباب قاحلة وكان لوجه اميرتي عطر يصيب اوردة القلب بالخبل، هممت وعاودني استاذ العمر بالحكمة، وبحثت عنه كان مقرورا في زاوية مني.. ذليلا ـ عقلي ـ قلت:” انحتكم؟!” قال والرجفة تأخذه “ انقذني!” قلت: “ من ينقذ من ؟!” وطأطأ مثلي رأسا مملوء بسؤال الجدوى؟” فأيقنت انه مجرور ـ مثلي ـ على وجهه.. آخذا نصيبه من وجع اللحظة.
يستدير وجهها بالحيرة.. فأرتشف من ملامح مليكة العصر السالف: “ طفلة، عبرت بحار الدنيا ومحيطاتها، ما الذي تبغيه من مائي؟!” سمعتها تنشد اغنيتي:
“ يا خشبي.. يا خشبي. يا توت عركك جاري، وان جان ما خضرت.. مامات بيك الجاري” انشد معها: “ آه” آه.. على سرك الرهيب، وموجك التائه الغريب.. آه” ..” تمرر أناملها بين شلال شعرها تفرقه على جانبي متنيها … فأنفتحت نفسها بالطقس المؤثر: “آه.. آه..”.
السماء ماتزال طليقة كحمائم القباب المذهبة، ذاهلة عن عصر الناس والاشياء اللماعة، وعن حدود المحذور “آه.. آه..” لاهية، تلتقط حبات زادها من بين الاقدام، وامتداد الرخام الملون في صحون الاولياء.. سماء مذهبة، تتوهج بالدفء الامومي.. ساطعة.
” اليك جاء خشبي!” كان صوت تنفسها يخترق المسامات، وشقوق بوابات الحلم الموصدة :” ما الذي تريدينه من مائي؟؟” فأيقنت بأني مازلت اسير الخوف والخبل. تمطقت بدفء ريقها وكان بين نقرة الترقوة وعظم فكها شريان ترياق يصعد من رئتيها نحو البلعوم الناشف. ابتلعت ريقها، ثم اغمضت عينيها، شعرت بالنعاس. كان للحذر لون الفيروز.. وكان لطعم الرمان مذاق في حلقي.. انقطع صوت الصخب، واثقلني الصمت، بللني بالوهن اللذيذ نعاسي.
فراغ.. فراغ.. فراغ.. بلا نهاية، بلا حدود، شيء جعل الاشياء تدخل في وحدة الفراغ، اتعقب الصمت، يأتيني كرجع الصدئ الحلزوني يجرجرني خلف اغنية قديمة طافت موسيقاها بين فراغ السماء المتناهية “مسافر زاده الخيال”.
ومثل طفل شبع من النوم، استيقظت. كانت ثمة وجوه اعرفها تستدير حول وسادتي وجوه ملطفة بوجل الخوف والمرارة والدهشة. في تلك اللحظة عرفت بأنني كنت ميتا يخطو في الفراغ الجميل.

مايس 2004





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,397,436,131
- خطوة في الفراغ الجميل
- لقاء مع الدكتور ميثم الجنابي
- لقاء مع المناضلة والكاتبة المعروفة سعاد خيري
- السلام العادل.. بين الأصالة والثورية
- لقاء مع الاستاذ سعيد شامايا ـ عضو سكرتارية مجلس كلدوآشور الق ...
- مع عيسى حسن الياسري رفيق الرحلة في منزل الاسرة العالمية


المزيد.....




- هلال يترأس لقاء دوليا في جنيف
- إطار بوزارة المالية يمثل المغرب في ورشة البحرين
- الجزولي يدعو بالصخيرات إلى إصلاح مجلس السلم والأمن التابع لل ...
- البام في الطريق للانشقاق؟.. معارضو بنشماس يقررون عقد مؤتمر ا ...
- السينما في السعودية .. أرقام قياسية في مدة وجيزة
- من هو شاعر الرسول؟
- -توي ستوري 4- يتصدر إيرادات السينما
- المصادقة على مشروع قانون اتفاق شراكة بين المغرب والاتحاد الأ ...
- التسامح عنوان لمهرجان الموسيقى الروحية بمدينة فاس المغربية
- التسامح عنوان لمهرجان الموسيقى الروحية بمدينة فاس المغربية


المزيد.....

- الاعمال الشعرية الكاملة للشاعر السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- مسرحيات (برنارد شو) توجهات لتوعية الإنسان / فواد الكنجي
- الملاكم / معتز نادر
- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يعقوب زامل الربيعي - خطوة في الفراغ الجميل