أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جورج فارس - حوار مع الإله















المزيد.....

حوار مع الإله


جورج فارس

الحوار المتمدن-العدد: 2796 - 2009 / 10 / 11 - 01:38
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ذهبت إليه دون موعدٍ مسبق ولا أعرف كيف عثرت عليه لأني دون عناءٍ وجدت نفسي في مكتبه حيث قام هو شخصياً باستقبالي وأكدّ لي أنني أستطيع أن آخذ من وقته ما أردت وسيقوم بالإجابة على أسئلتي، تفاجأت نوعاً ما لأني لم أخبره بأنني قد أعددت لقاءً صحفياً معه. المهم أنه أجلسني على أريكةٍ مريحةٍ جداً وجلس هو بقربي ينتظر أن أبدأ حواري معه.
وإليكم ما جرى

س 1. بداية ًكيف من الممكن أن تعرفنا على نفسك؟ من تكون؟ وما هو اسمك؟ أو ماذا يمكن أن ندعوك؟
/بدأ كلامه بقوةٍ وثقةٍ بالنفس/
إن شخصيتي تعبّر عن اسمي وليس العكس لذلك يمكن لأي شخصٍ أن يناديني بالاسم الذي يراني به وهذا لن يؤثر إلاّ على طريقة تعامله معي، أمّا بالنسبة لي فأنا هو أنا، الكائن الذي أكون، ولن يغيّر هذا فيّ شيئاً.

س 2. هناك الكثير ممن ينكرون وجودك، فكيف يمكن لك أن تثبت لهم أنك حي وموجود وأنّ الحياة هي منك وليست موجودة بمحض الصدفة؟
/ابتسم ابتسامةً خفيفةً ثم بدأ بالكلام/
إن كل من ينظر إلى الكون بكل أسراره، والطبيعة بروعتها، وكل المخلوقات بأعضائها ووظائفها وآلية عمل أجسادها لابد أن يفكر ولو قليلاً أن هناك عقلاً مدبراً وراء كل هذا الإبداع، فإنه من غير الممكن أنّ يكون قد نشأ كلّ هذا النظام المعقّد بطريقة عشوائية ولا حتى بالصدفة، فلابد من تدخّل قوةٍ قادرةٍ على صنعه ولابد لهذه القوة أن تكون حية حتى تمنح الحياة لهذا النظام، فالميت لايمكن أن يعطي حياةً، فلابد للحياة أن تخرج من حياة.
سأعطي مثالاً توضيحياً لذلك...
رغم أن علماءكم يعرفون مكونات الخلية الحية فهم حتى الآن لم يستطيعوا إنتاج خليةٍ حيةٍ واحدةٍ في مختبراتهم رغم كل محاولاتهم في تجميع مكوناتها ووضعها في ظروفٍ معينةٍ، وحتى وإن استطاعوا في المستقبل إنتاج هذه الحياة في المختبرات فهذا إن دلّ على شيء فهو يدل على أن إنتاج أي نوعٍ من الحياة لابد له من تدخل حياة أخرى مما يعني أنها لا تأتي بالصدفة.

س 3. لماذا تطلب من الناس أن يعبدوك؟ ألا ترى في هذا المطلب نوعاً من الكبرياء؟
/رمقني بنظرةٍ جانبيةٍ وأطبق شفتيه على بعضهما وراح يهز رأسه بهدوءٍ ثم تكلّم/
لأجيبك على سؤالك هذا يجب أولاً أن نحدد ما هو مفهوم العبادة.
إن العبادة ليست مجموعة من الطقوس ولا الفرائض ولا أن يذل الإنسان نفسه أمامي فأنا من خلقته وأعطيته الكرامة ولا أقبل أن يذل نفسه ولا حتى أمامي، ولكن العبادة هي أسلوب حياة يبدأ بين الإنسان وبيني فيه نعرف بعضنا أكثر ونعمل على بناء الثقة، وهذا ما ينعكس في فكره وقلبه وسلوكه بحيث يأخذني معه حيثما ذهب، كما يمكنك أن تراني في فكره ووعيه وحديثه حتى عندما لا يتكلم عني، والأهم من ذلك هو انعكاس صفاتي فيه والتي تظهر في سلوكه وانسانيته. فالعبادة هي علاقة محبة بيننا ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تُسمّى كبرياءً.

س 4. ألا ترى في العقاب نوعاً من التهديد والوعيد والترهيب كي تجبر الناس أن يفعلوا ما تريده أنت؟
/هز رأسه وكأنه يُبدي أسفه على سوء الفهم الحاصل في هذا الموضوع وقال لي/
يا بني، عندما تخبر أحدهم بأنه لو قفز من أعلى مبنىً شاهق بأنه سيسقط إلى الأرض ويموت فهل تكون بذلك قد هددتهه وأرهبته كي لا يقفز؟ /فقلت طبعاً لا/
إذاً أنت بذلك تكون قد أخبرته وحذرته مسبقاً بما سيحصل له لو قفز من هذا العلو، فلا يوجد في الموضوع أي تهديدٍ أو وعيد.

س 5. إذاً ما هي قصة الجنة والنار؟
/شرد قليلاً كأنه كان يتذكر بعض الأحداث ثم تابع يقول/
القصة ببساطة ودون تعقيدات أنه يوجد مكانان فقط لا ثالث لهما، الأول حيث أقيم أنا وهذا المكان قد ملأته بكل نوري ومجدي ومحبتي وإبداعي، والثاني هو ما أعددته لعدويّ القديم بعد أن تمرد علي،ّ وهو ما يشبه السجن وقد ملأه هو بكل ما لديه من ظلمةٍ وخوفٍ. لذلك إن من يحيا معي عندكم فالبديهي أنه سينتقل إلى حيث أقيم بعد أن يغادركم، والعكس صحيح فمن يختار الحياة بعيداً عني لن يكون له سوى المكان الآخر باعتباره لا ينتمي إليّ.
دعني أعطيك مثلاً بسيطاً، تخيل أن هناك مركباً يغرق وأن هناك مركباً آخر لإنقاذ الركاّب. إنّ كل راكبٍ هو أمام خيارين لا ثالث لهما، فإن صعد إلى مركب الإنقاذ فإنه سيحيا ولكن إن اختار البقاء في المركب الغارق فإنه سيغرق لامحالة مع هذا المركب ويموت.

س 6. باعتبارك إلهاً واحداً وليس هناك غيرك، لماذا أرسلت رسلاً كثيرين وأسست دياناتٍ كثيرةً هي أساساً متناقضةٌ ومتحاربةُ؟
/بدا وكأنه كان يعرف أن هذا السؤال سيكون حاضراً في لقائنا لذلك أخذ نفساً عميقاً ثم راح يجيبني/
ليس من العدل أن أُرسل أحدهم إلى جماعةٍ من الناس دون الأخرى، لذلك عملت على إرسال الكثيرين في مختلف الأزمان والبلدان، وإنّّ الذين تعرفونهم هم أقلّ بكثيرٍ من الذين لا تعرفونهم الذين لم يسجلهم التاريخ ولا حتى الوقت الحاضر. وبأي حالٍ من الأحوال لم يكن الهدف هو تأسيس دياناتٍ وطوائف ولكني أردت إعادة الإنسانية إلى الانسان بعد أن فقدها بابتعاده عني وهو ما جعل الشر ينتشر والأمور تسوء. وبالعودة إلى الأديان والطوائف نرى أنها من صنع الإنسان، فكلّ شخصٍ ظن أنه يمتلك الحقيقة عني دون الآخر فأسس له أتباعاً وهم بدورهم كان لهم الفضل في عزل أنفسهم عن باقي الناس بذريعة ما سمّوه الدين.
/هنا بدت عليه علامات الجدية وقال/
ولكن عليكم أن تتأكدوا أن هناك من جاؤوا باسمي ولكني بريءٌ منهم ومن تعاليمهم.

س 7. إذاً كيف يمكننا أن نميّز بين من هم بالحقيقة مرسلون من قبلك وبين من لم ترسلهم؟
/تابع كلامه بجدية وبدا أنه كان متضايقاً فعلاً من أولائك الذين ادعوا أنهم مرسلون من قبله/
هناك نقطةٌ مهمةٌ في هذا الموضوع وهي أنّ كلّ رسالةٍ تتكلم عن نفسها وأنّ محتواها يشير إلى مرسلها، وعندما تتناقض عدة رسائل فيكون من المؤكد أنّ مرسلها ليس الشخص نفسه، ومع قليل من التمحيص والبحث والعمل على تقييم أي رسالةٍ ومراجعتها والتفكير بها، ودراسة ما قدمته للبشرية في وقتها وحتى ما أثّرته فيها لاحقاً، يكون في متسع أي شخصٍ الحكم على هذه الرسالة.
هذا ومن الضروري تقييم حامل الرسالة نفسه من حيث امتلاكه المقومات الضرورية لنقل هذه الرسالة، وهنا أنا لا أتحدث عن المقومات العقلية والعلمية وإنما الأخلاقية والسلوكية وهي المهمة.
ولابد لأي باحثٍ دقيق أن يأخذ بعين الإعتبار أنّه مع انتشار أي رسالةٍ وامتدادها جغرافياً وزمنياً سيكون هناك من يحمل اسم هذه الرسالة ولكن ستكون هذه الرسالة بريئةٌ منه، لذلك فإن العودة للأصل وللبداية تعطي الباحث مصداقية أكبر ونتائج أفضل.

س 8. من الواضح أن معالجة موضوع المرسلين هو قضيةٌ شائكةٌ جداً، إذاً لماذا لم تحل المشكلة وتأتي بنفسك لتنقل رسالتك إلينا مباشرةً؟
/وهنا أرجع رأسه للخلف وشبك يديه معاً وراح يفكر بعمق، وظننت أنه كان يبحث عن مخرجٍ من سؤالي، لكنه فاجأني حين قطع صمته فجأةً وأجابني بسؤالين/
ومن قال أنني لم آتِ؟ ربما عليك أن تغيّر صيغة السؤال لتقول لي (هل أتيتَ ولم نعرفك؟)
/صدمت كثيراً بما قال ولم أُرد الخوض في هذا الموضوع رغم أنه استحوذ على فكري ولكني حاولت تدارك حيرتي وتقدمت إلى السؤال التالي لأغير مجرى الحوار/

س 9. يقول البعض أنك غير مبالٍ بما يحدث أو بالأحرى أنك المسؤول عن كل ما يحدث من ظلمٍ في هذا العالم، فما هو ردك؟
/عند انتهائي من السؤال ضحك وكأنه يستنكر هذا الاتهام ثم قال/
لا أعرف لماذا تصرون على توجيه أصابع الإتهام لي في كل ما يحدث دون أن تلوموا الجاني الحقيقي، فهل أنا المسؤول عن الفقر في العالم، أم سوء إدارتكم في توزيع الدخل والموارد؟ أم هل أنا المسؤول عن نتائج الاحتباس الحراري أم سوء تعاملكم مع البيئة؟
فأنا في الوقت الحالي مراقبٌ لكل هذه الأحداث ولا يمكن أن يُلام الشخص الذي يرى جريمةً تقع أمامه....
/قاطعته هنا وسألته/

س 10. هل كونك مراقبٌ يعني أنك لا تتدخل البتة فيما يحدث؟ وهل هذا يعني أنك بعيدٌ عنا؟
/هنا اقترب إليّ قليلاً وهزّ سبّابته باتجاهي معبراً عن مدى إعجابه بسؤالي وبدأ الكلام ولكن بصوتٍ منخفض قليلاً/
يا عزيزي إنّ كل انسانٍ هو مسؤولٌ عن أفعاله، بالإضافة إلى أني لا أتدخل في حياة أي شخصٍ وأفرض نفسي عليه، فمن طلب حمايتي سيجدها، ومن منحني الحق في التدخل في شؤونه ورعايته فعليه أن يثق بحكمتي حتى ولو لم أتدخل في وقتٍ من الأوقات.

س 11. إذاً لماذا لا تحاول أن تجد حلاً لمشكلة الشر، وتقاضي كل المخطئين والمسيئين وتريحنا منهم؟
/وهنا انحنى باتجاه الطاولة الموضوعة أمامه والتقط دفتراً صغيراً وقلماً وراح يخط. تمعنت جيداً فيما يفعل ولم أعرف هل كان يكتب أم يرسم أم يخربش، لذلك عدت وسألته مرةً أخرى فقال وهو مازال يخربش/
لو أردت الآن أن أقاضي المخطئين فلن يبق أحدٌ منكم دون أن يُحاكم.
/صعقتني إجابته وسألته متردداً/

س 12. فما هو الحل إذاً؟
/ترك الورقة والقلم وأسند رأسه للخلف وبدا عليه الحزن فقال/
لا يوجد حلٌ، فالعدالة تتطلب أن يدفع كل شخصٍ ثمن أخطائه، ولا تسألني أين الرحمة لأن الرحمة والعدل لا يلتقيان فإماّ الرحمة أو العدل، فإن رحمت المخطئ سأخسر عدلي واستقامتي ولا يصلح أن أكون قاضياً، وإن حكمت بالعدل سأثبت أني لا أملك ولا حتى القليل من الرحمة.
/صمت هنا وأنا كذلك كنت صامتاً ولعله كشف ما في قلبي من يأسٍ فأكمل قائلاً/
بالنسبة لكم لا يوجد حلٌ، ولكن بالنسبة لي هناك مكانٌ جمعت فيه العدل مع الرحمة وصنعت حلاً وهو متاحٌ للجميع ولكلّ من يريد أن يُقبل.

/كنت أودّ أن أسأله عن ذاك المكان ولكني حين نظرت إلى ساعتي أدركت أن الوقت قد مضى مسرعاً جداً وأنه لم يعد لديّ متسعٌ من الوقت بسبب مشغولياتي رغم أنه كان لديه الكثير من الوقت لأجلي ، لذلك شكرته كثيراً على وقته الثمين وأخبرني أن بابه مفتوحٌ في أي وقتٍ كي أعود إليه ليجيب على ما تبقى لدي من أسئلة، ولا أعرف كيف علم أنّ ما زال عندي الكثير والكثير، فلقاؤه زادني تساؤلاً ومن المؤكد أني سأعود إليه لاحقاً/









الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,329,910,526
- المرأة ليست نصف المجتمع...!
- رسالة من إله مجهول...
- الحرية.. العشوائية.. والفوضى
- قدسية الحياة.. وثقافة الموت
- امتلاك الحق المطلق
- انسانية الإله


المزيد.....




- ماكرون يقول الإسلام السياسي يمثل تهديدا للجمهورية الفرنسية و ...
- ماكرون يقول الإسلام السياسي يمثل تهديدا للجمهورية الفرنسية و ...
- بعد سلسلة من التفجيرات ... لاجئون مسلمون في سريلانكا يفرون ب ...
- بعد سلسلة من التفجيرات ... لاجئون مسلمون في سريلانكا يفرون ب ...
- لكل وقت أذانه.. مؤذن الجامع الأخضر في تركيا يبهر السائحين
- السعودية تغير لون سجاد المسجد النبوي
- خبير: روسيا بإمكانها جذب 10 مليارات دولار بالصكوك الإسلامية ...
- بالفيديو.. فرش المسجد النبوي بالسجاد الأخضر لأول مرة بدلا من ...
- شاهد: معرض في القدس يكشف تشابه حجاب المسلمات واليهوديات والم ...
- شاهد: معرض في القدس يكشف تشابه حجاب المسلمات واليهوديات والم ...


المزيد.....

- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان
- تطوير الخطاب الدينى واشكاليه الناسخ والمنسوخ / هشام حتاته


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جورج فارس - حوار مع الإله