أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نضال الصالح - أشجار الزيتون ستظل في فلسطين واقفة (قصة قصيرة)















المزيد.....

أشجار الزيتون ستظل في فلسطين واقفة (قصة قصيرة)


نضال الصالح
الحوار المتمدن-العدد: 2755 - 2009 / 8 / 31 - 18:23
المحور: الادب والفن
    


أبو خضر تجاوز الثمانين عاما، محني الظهر يتعكز على عصى صنعها من شجر الزيتون، محنية مثل ظهره. تنظر إليهما فترى أثر السنين على وجوههما ورغم الإنحناء الظاهر تشعر بالكبرياء الذي يفيض من داخلهما.
شجر الزيتون في بلادنا فلسطين، كتاب تاريخ، على صفحات جذوعه سطر التاريخ أيام هذا البلد الممزوجة بالألم والأمل والدموع والإنتصارات والهزائم و يحمل في مرارة ثماره طعم المرارة التي تركتها أقدام كل الغزاة الذين داسوا على هذه الأرض ورحلوا بعد أن عاثوا فيها فسادا، وبقيت شجرة الزيتون واقفة، جذورها التي شربت من دماء أبناءها حتى ارتوت، عميقة في الأرض كشعبها الفلسطيني.
أبو خضر من القلائل الذين بقوا على قيد الحياة الذي يعرف بالدقة ما تركه لنا والدنا رحمه الله من شجر الزيتون. كان والدي يعشق شجر الزيتون وكلما آلت له الفرصة كان يشتري منها ما تيسر. عندما كنت صغيرا كان يأخذني معه لنطل على الزيتون ولقد اعتاد أثناء تجواله بين أشجار الزيتون أن يترك لبس المدينة وأن يلبس القنباز الفلسطيني مع السروال الأبيض الطويل ويشبك طرف القنباز في حزام الوسط لتسهيل عملية المشي بين الحبايل. كان يعرف كل شجرة وهي بالمئات، وكان يتحدث مع شجرة الزيتون كأنها رفيقة العمر، يقص بعض جذوعها الناشفة ويمسح عنها ما علق من طين وأوساخ. كنت أسأل والدي كيف تعرف أن هذه لنا وهذه لغيرنا، إنها بالنسبة لي متشابهة؟ كان ينظر إلي ويقول أعرفها كما أعرف أبنائي يا بني.
أبو خضر اعتاد أن يسرح مع والدي ليطل على أشجار الزيتون ورغم كبره وسوء صحته يعرف كل شجرة ومن من اشتراها والدي. كنت أتعجب حين يقول لي هذه ليست لكم، هذه للحاجة وسيلة أما هذه وهذه وهذه فهي لكم اشتراها والدكم من يونس أما هذه وهذه فهي لكم فك والدكم رهنيتها من صالح العبد وكانت ملك سليمان الحاج وهكذا. ولذلك اعتدت حين أزور قريتنا أن أسرح معه ليدلني على أشجار الزيتون التي تركها لنا والدنا.
في آخر زيارة لي لفلسطين دعيت من قبل قريب لي، مدير مدرسة قريتنا، على الغداء. قررت أن أستغل الفرصة فاسرح مع أبي خضر لزيارة زيتوننا لعلني أتعلم منه شيءا جديدا. حين وصلت القرية ذهبت لزيارته في سقيفته المصنوعة من الطين والقش والتي تتكون من غرفة واحدة مرتفعة يقال لها علية ومن جابية لحفظ القمح أو الطحين ومن مسطبة يضع فيها بعض المونة.
وجدته جالسا على عتبة السقيفة في ملابسه الداخليه التي تتكون من سروال طويل و من قميص قطني بأكمام طويلة. قام حين رآني وعانقني ودعاني إلى السقيفة فطلبت منه أن نجلس خارج السقيفة فأحضر لي تنكة زيت فارغة قلبها ووضع عليها قطعة قماش ودعاني للجلوس. صرخ على ابنته الوحيدة العانس أن تغلي لنا كاسة من الزعتر فركضت لتلبية الطلب. طلبت منه أن يلبس ويسرح معي لنطل على زيتوننا. صرخ على ابنته قائلا: نشف القمباز يابا؟ علمت أن إبنته غسلت القمباز الوحيد الذي يملكه وهو ينتظر أن ينشف. بعد أن شربنا الزعتر أحضرت ابنته القمباز الذي لم ينشف تماما وكان فيه ثقبين بحجم القرش الفلسطيني. قلت له: يلزمك قمباز جديد يا أبو الخضر. فأجاب: ماشي حالو يا ابن عمي، هو أنا رايح أقابل السلطان عبد الحميد.
لبس أبو خضر القنباز الذي لم ينشف تماما معلقا بأنه سينشف في الهواء الطلق ووضع قدميه في حذاء اختفى لونه وتغير شكله حتى بات كما يقول أهل بلدنا "شحاطة أو حفاية" بثقبين لتهوية القدمين كما علق عليهما أبو الخضر. ذهبنا إلى منطقة يقال لها قربوصة تكثر فيها ،إلى جانب أشجار الزيتون، أشجار التين والعنب وهي محاذية لأراضي قرية يقال لها قريوت. وعلى رأس الجبل الذي يطل على قربوصة وقرية جالود حط بعض اليهود المتدينين وأقاموا لهم فيه مستوطنة يرهبون من خلالها ،وتحت أنظار الجيش الإسرائيلي وبحمايته، أهالي المنطقة ويمنعونهم من الوصول إلى حقولهم وأشجارهم. لقد ترك لنا والدي في تلك المنطقة بستانا يحتوي على مجموعة من أشجار الزيتون وإلى جانبها بعض من أشجار التين والخوخ نشفت من الإهمال وعدم الخدمة.
أخرجت من جيبي قلما وبحثت عن ورقة لكتابة بعض الملحوظات عن حدود البستان وعدد أشجار الزيتون فيه فلم أجد فسألت أبا الخضر إن كان يحمل ورقة فأخرج مجموعة من جيبه ووضعها في يدي. كانت جميعها وصفات طبية لم تصرف فسألته عنها. عرفت منه أن طبيب الصحة ياتي مرة كل شهر فيذهب إليه وهذا بدوره يكتب له علاجا لا يستطيع أبو الخضر شراءه لأنه لا يملك مالا. نظرت إليه وسألته ما هو مصدر رزقه فقال: مستورة والحمد لله. قلت له: حدثني عن أملاكك! فقال: أملك أرضا أزرعها قمحا تعطينا مونة العام من الطحين وأملك خمس شجرات زيتون تعطينا مونة العام من الزيت والزيتون وأضاف: قلت لك مستورة والحمد لله. نظرت إليه وقلت: أعذرني على وقاحتي وأريد أن أسألك متى أكلت لحمة آخر مرة؟ صمت لحظة ثم قال: لا أتذكر ولكن أعتقد أنه منذ عامين ثم أضاف ولليش هي اللحمة؟
جلسنا على أحجار الحبلة التي تحيط بالبستان وصمتنا كل مع أفكاره. ثم خاطبته قائلا: أريد منك يا أبا الخضر خدمة أرجو أن تلبيها لي فقال: أطلب رقبتي اعطيك إياها! قلت: لا أريد رقبتك ودعها على كتفيك ولكنني أريد منك أن تأتي معي لطعام الغداء عند إبن عمنا مدير المدرسة. فنظر إلي بتعجب وقال بحدة: أتقبلها لي أن أذهب بدون دعوة؟ وأضاف بأنه لم يتلق أي دعوة فكيف يذهب. قلت له: أنا أدعوك وأنا أمون عليك وعليه. فنظر إلي بشموخ وبقليل من الغضب وقال : له له ما كنت أتصور أنك ترضاها لي، أن أذهب إلى الغداء بدون دعوة.
بائت كل محاولاتي لإقناعه بالفشل. أخرجت من جيبي خمسمائة دينار وضعتها في يده فقفز كأنما لسعته أفعى وصاح: "له له شو هاظ، يا مصيبتي، مقابل إيش هذي المصاري، له له، يا ريتني مت ولا شفت ها الشوفه". حاولت معه كل الطرق الممكنة وحلفته بالنبي محمد وببقية الأنبياء ولكنه رفضها وأخذ يردد " مستورة يا ابن عمي مستورة والحمد لله". وأخيرا قلت له: هل تسمح لي بأن أرسل لك الأدوية المكتوبة في الوصفات؟" صمت وأجاب بالإيجاب.
رجعنا إلى القرية ونحن في حالة صمت تام حتى وصلنا إلى منزل مدير المدرسة. ودعني ورحل وانتظرت أراقبه وهو يغادر وبدأ ظهره المنحني يختف مع صوت دقات عصاه المحنية والمصنوعة من شجر الزيتون الفلسطيني. كان يسير بشموخ وعصاه تدق على الأرض كما يدق الطارق على باب بيته، ينتظر من أهل بيته أن سيمعوه فيفتحوا له باب البيت ليدخل ويستريح. لعله كان يدق على باب الأجداد الذين دفنوا في هذه الأرض لكي يخبرهم أنه قادم إليهم وليطمئنهم " أننا ما زلنا هنا وأن شجر الزيتون في بلدنا لا يزال واقفا"

د.نضال الصالح







رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,931,623,655
- الأخلاق و- الكتب السماوية-
- كلنا مشاريع قص رقبة
- علاقة الديانه اليهودية بالمشروع الصهيوني والتكوين السياسي لد ...
- عودة إلى موضوع الدين والعلمانية
- ما الهدف من نقد الفكر الديني
- المرأة ناقصة عقل وعورة وجب إخفاءها عن عيون الغرباء
- العلمانية والدين، صراع بقاء أم حياد إيجابي
- الكتب المقدسة هي جزء من المنتج الأدبي والثقافي الإنساني
- سلطة التاريخ على السياسة
- بين نقد الفكر الديني الإسلامي وسياسة الغرب الإستعمارية. رد ع ...
- رفض الغير ليس حكرا على الغلاة والمتشددين الإسلاميين
- الآخر في الخطاب والفكر الديني
- الله والمؤسسة الدينية
- المسيحيون العرب شركاء لنا في الوطن وليسوا على ذمة أحد


المزيد.....




- صدر حديثا ديوان «بعض الورد يخنقني عبيره» للشاعر إياد المريسي ...
- كتاب «مفهوم الشر في مصر القديمة» للدكتور علي عبد الحليم
- عودة يوسف شاهين
- العثماني يلزم أعضاء حزبه بعدم الرد على تصريحات الطالبي العلم ...
- إطلاق وتوقيع كتاب -حياة في عنق الزجاجة- للكاتب الفلسطيني هما ...
- مؤسسة عبدالحميد شومان تعلن أسماء الفائزين بجائزة أدب الأطفال ...
- الشارقة تهدي أبناء الإمارات 138 فيلماً عالمياً في مهرجان سين ...
- مصطَبة الآلهة السومرية: هل سترحل من لندن إلى أبو ظبي؟
- الشارقة تهدي أبناء الإمارات 138 فيلماً عالمياً في مهرجان سين ...
- -بديت أطيب-.. فضل شاكر يؤكد عودته للغناء بلون خليجي


المزيد.....

- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نضال الصالح - أشجار الزيتون ستظل في فلسطين واقفة (قصة قصيرة)