أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - يعقوب زامل الربيعي - لقاء مع الدكتور ميثم الجنابي















المزيد.....


لقاء مع الدكتور ميثم الجنابي


يعقوب زامل الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 837 - 2004 / 5 / 17 - 05:35
المحور: مقابلات و حوارات
    


حوار يعقوب زامل الربيعي

يمر العراق حاليا بمرحلة حرجة من تاريخه الحديث تتسم بإشكاليات غاية في التنوع والتعقيد، وبالأخص ما يتعلق منها بإشكالية التحول صوب بناء المجتمع المدني، فما هو رأيك بهذه القضية؟
• إن المراحل الانتقالية هي الأشد وطأة على العقل والضمير، وخصوصا بالنسبة لأولئك الذين يضعون المصلحة الوطنية والاجتماعية العليا فوق كل اعتبار آخر. وليس في هذا الحكم من مثالية زائفة أو تجريد مفتعل. على العكس! إن مراحل الانتقال العاصفة المصحوبة بخراب شامل كهذا الذي حصل في العراق يفترض النموذجية العالية في السلوك السياسي والتضحية من أجلها. لاسيما وان بداية الانتقال هي نهاية المرام. فعلى البدايات تتوقف النهايات. وهي فكرة سليمة في كافة الميادين. من هنا أهميتها النظرية والعملية بالنسبة للقوى السياسية والاجتماعية الفاعلة في الظروف الراهنة للعراق. إذ يمر العراق حاليا بمرحلة تأسيس جديد وكبرى ادعوها بمرحلة الجمهورية الرابعة. فقد سقط تاريخ الجمهورية في العراق، وحصل العراق على حريته بقوى هي ليس قواه الذاتية. وهي نتيجة مأساوية بالنسبة للوعي الذاتي الوطني، لكنها تتمتع بفضيلة عملية بالنسبة للوعي السياسي الباحث عن بدائل عقلانية وواقعية. فقد كشف تاريخ الانقلاب الحاسم في تحول العراق من التوتاليتارية والدكتاتورية إلى آفاق الحرية الاجتماعية والسياسية عن حقيقة "الفردوس المفقود"، أي المجتمع المدني. فهو الكيان الوحيد القادر على إعادة بناء الشخصية العراقية في مختلف المجالات وبالتالي دمجها في عملية واعية لصنع نظام قادر على الإبداع الإنساني الأصيل. وهنا تجدر الإشارة إلى أن المجتمع المدني هو ليس كيانا مستقلا بحد ذاته أو غاية بعيدة المدى، بقدر ما هو العمل الدؤوب واليومي م جانب كل الخلايا الحية في المجتمع من أحزاب سياسية وتجمعات ونقابات مهنية وروابط تعمل من اجل نسج وحدة المجتمع والدولة حسب قواعد القانون والمصلحة الاجتماعية. ذلك يعني أن المجتمع المدني بقدر ما يشكل غاية النشاط السياسي والاجتماعي، فانه يمثل في نفس الوقت الأسلوب الفعلي الوحيد لبلوغ الحرية الحقيقية.
1. كيف ترى دور الثقافة بشكل عام والصحافة بشكل خاص بالنسبة لبناء معالم المجتمع المدني في العراق؟
• لا يعقل المجتمع المدني دون الثقافة العقلانية والصحافة الحرة. فهي مكونات جوهرية بالنسبة له، بالقدر الذي يشكل كل منهما الرافد الفعلي لإرساء أسس المجتمع المدني نفسه. إن قيمة المجتمع المدني بالنسبة للعراق المعاصر تعادل قيمة الحياة بالنسبة للفرد والجماعة. أما الثقافة فهي روح المجتمع المدني كما أن الصحافة هي معيار ومؤشر على فاعلية المؤسسات النشطة فيه. وهو أمر يضع أمام الثقافة والمثقفين والصحافة والصحفيين مسئوليات كبرى، لعل كلمة التاريخية هي أكثرها دقة. نحن بحاجة إلى ثقافة تتمتع بقدر عال من المسئولية والى التزام واع وعميق بقضايا المجتمع المدني والدفاع عنه ترتقى إلى مصاف الواجب، كما نحن بحاجة إلى صحافة تتمتع بقدر رفيع من الاحتراف المتمرس بتقاليد الدفاع عن الحق والحقيقة. حينذاك فقط يمكننا الحديث عن وجود دور فعال ومؤثر للثقافة والصحافة في بناء المجتمع المدني.
2. يعاني العراق من معضلات تمس كل جوانب وجوده المعاصر. دعني احدد بعض منها كعناوين عامة لكي تدلي برأيك حولها، وابدأ أولا بقضية الدولة.
• مما لا شك فيه هو كثرة المشاكل والمعضلات التي يعاني منها العراق في الظرف الراهن. بل يمكنني القول بان كل ما في العراق مشكلة، بل أن العراق نفسه تحول إلى مشكلة. وحصيلة كل هذه المشاكل هو ظهور ما يمكن دعوته بالإشكالية العراقية! وهي إشكالية مركبة تمس فعلا كل جوانب وميادين الحياة الاجتماعية. وإذا كان تركيزك في البدء على الدولة، فلأنها أس الوجود التاريخي للأمم والثقافة. إذ يمكننا القول، بان العراق يعاني من ضعف جوهري هائل في بنية الدولة. وهي مفارقة مثيرة في نفس الوقت. فمن الناحية التاريخية والثقافية شكل العراق أحد المصادر الكبرى لمفهوم وفكرة الدولة كنظام ومؤسسة وحقوق. بينما يقف الآن أمام مهمة البرهنة على انه دولة! وهي مفارقة محزنة لكنها واقعية. كما انها مهمة معقدة ولكنها قابلة للحل على خلفية الإجماع المعاصر بين مختلف القوى السياسية والاجتماعية العراقية حول ضرورة الدولة العصرية، أي دولة المؤسسات والقانون والنظام الديمقراطي.
3. وقضية الدستور؟
• لاشك في أن الدستور هو "قرآن" الدولة العصرية والنظام المدني. انه حصيلة الماضي والحاضر والمستقبل، وفيه تتراكم شروط وآفاق التطور الشامل للدولة والمجتمع. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار خصوصية وحجم الانتهاك الهائل للحق والحقوق في التاريخ العراقي المعاصر، سيتضح أيضا حجم وخصوصية الأهمية القصوى للدستور. من هنا ضرورة الاهتمام المتميز به من جانب الجميع. إننا بحاجة إلى دستور متزن وثابت في مبادئه العامة عن الدولة الشرعية وسيادة القانون والنظام الديمقراطي والحرية وحقوق الإنسان، باختصار أننا بحاجة إلى دستور يتمثل التجارب الراقية للأمم المتقدمة ويقدم صيغة نموذجية ومثلى لبناء الدولة والمجتمع والثقافة في العراق. بمعنى ضرورة تمثله لتجارب التاريخ العراقي المعاصر.
4. وقضية الحكومة ذات السيادة؟
• حكومة ذات سيادة هي أحد المكونات الجوهرية للدولة، ومؤشر على مستوى رقيها الذاتي وحجم الحرية الفعلية فيها. بعبارة أخرى، أننا بحاجة إلى حكومة محكومة بالقانون وأجير عند المجتمع. حينذاك فقط يمكنها أن تكون ذات سيادة فعلية. إنني افهم "السيادة" هنا على انها "خضوع" لمنطق الحق والقانون. فهو الشرط الضروري والوحيد لتحقيق السيادة التامة للحكومة. إن السعي المخلص والواقعي في هذا الاتجاه هو ضمانة تحقيق السيادة الفعلية وإزالة "المؤقت" فيها. إذ ينبغي للدولة والمجتمع والحكومة أن يتخلصوا من "المؤقت" عبر العمل الدائم بقواعد الحق.
5. وقضية الديمقراطية؟
• ليست الديمقراطية غاية بذاتها، مع انها قد ترتقي في ظروف العراق الحالية إلى هذا المستوى. الا أن مهمة الفكر السياسي تقوم في بلورة معالم الرؤية الواقعية عن المصالح العليا للدولة والمجتمع عبر تقديم الصيغ الواقعية والمعقولة للإشكاليات التي نواجهها. وقضية الديمقراطية في العراق هي من بين اعقدها نظريا وعمليا. الا أن ما يخفف من وطأة هذا التعقيد كونها ضرورية من جهة، وتحولت في نفس الوقت إلى ضرورة في الوعي السياسي العراقي بمختلف اتجاهاته من جهة أخرى. وفي هذا تكمن الضمانة السياسية والأخلاقية لتحقيق الديمقراطية في العراق على مستوى بناء الدولة والمجتمع والثقافة. أما المهمة العملية المباشرة لتحقيقها فتقوم عبر تحويل الديمقراطية إلى نظام وأسلوب يرتقي إلى مصاف القانون.أي أننا بحاجة إلى جعلها أسلوبا معتدلا لحياة الروح والجسد العراقيين.
6. وقضية الفيدرالية؟
• إن قضية الفيدرالية مجرد واحدة من القضايا، التي لا أجد فيها معضلة كبيرة. إن أساس حلها في النظام الديمقراطي والدولة الشرعية وفكرة المواطنة وسيادة القانون. إننا بحاجة إلى نظام سياسي واجتماعي يجسد بصورة متزنة حدود المركزية واللامركزية في إدارة شئون الدولة والمجتمع. حينذاك تصبح الفيدرالية قوة دفع كبرى لتطوير الدولة ومؤسساتها الشرعية والمجتمع المدني. إن التوسع في حدود الحرية المبنية على قيم الديمقراطية الاجتماعية والحق والعدالة هو ضمانة تحقيق نظام فيدرالي يحفظ للعراق وحدته الفعلية ونمو مكوناته القومية جميعا بطريقة سليمة.
7. وقضية التداول السلمي للسلطة؟
• انها تستمد مقوماتها واليتها من النظام الديمقراطي نفسه، وينبغي تحديدها في الدستور الدائم وتخصيصها بقانون واضح وملزم. إن تداول السلطة هو أسلوب تطوير الديمقراطية وسيادة القانون، كما انه مؤشر على رقي المجتمع ومستوى وعيه الذاتي بشكل عام والسياسي بشكل خاص. انه أسلوب تطهير الدولة والمجتمع والثقافة من مختلف أنواع الرذيلة. بعبارة مختصرة إننا بحاجة إلى تداول للسلطة يحدده صندوق الاقتراع والقانون ومصلحة الدولة والمجتمع المدني.
8. ومسالة العدالة الاجتماعية؟
• إن كل ما قلته هو مقدمة لتحقيق العدالة الاجتماعية. انها الغاية الفعلية للديمقراطية والقانون، كما انها مشروطة ببناء مقومات المجتمع المدني. إذ لا معنى للدولة الشرعية والدستور والقانون والحقوق في حالة عدم عملهم على تحقيق العدالة بشكل عام والاجتماعية منها بشكل خاص. فالعدل هو أساس الوجود، لأنه يتضمن النسبة الضرورة لوجود الأشياء. وتجربة العراق المعاصر تكشف بصورة لا تقبل الجدل، عن أن الإخلال بالعدالة يعني الهلاك التام. وهي حقيقة وبديهية في نفس الوقت. الا أن تجارب الأمم والتاريخ عموما تشير أيضا إلى انها عملية صراع وجهاد دائم. فالعدالة لا تعطى! ولا تؤخذ! بل يجري بنائها في كل مكونات الوجود الاجتماعي للفرد والثقافة والدولة.
9. ما هو مستقبل العراق وأثره المحتمل في المنطقة، أي دوره الإقليمي؟
• إن مستقبل العراق مرهون بمجرى التحولات المرتقبة في بنية الدولة والمجتمع والثقافة. وعلى كيفية حلها يمكن الجزم بآفاق التطور المستقبلي. وليس أمامنا في الواقع سوى رهان أولي واحد الا وهو تصفية بقايا التوتاليتارية والشروع في إرساء أسس الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي والمجتمع المدني. فهو الثالوث الذي ينبغي أن ترتكز علية عملية الاعمار المادي والروحي للعراق. كما انه ضمانة التطور الحر والمتجانس للعراق في الفترة القادمة. وعليه أيضا يتوقف أثره المفترض في المنطقة. فمن الناحية المجردة يحتوي العراق على إمكانيات هائلة في مختلف المجالات والميادين. الا أن نقطة الضعف الكبرى في العراق حاليا تقوم في تجزئه الداخلي. إذ ليس في العراق وحدة متينة بالمعنى الدقيق للكلمة. فقد هشمت التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية أسس الدولة والقانون والنظام والثقافة، وأنهكت القوى الذاتية للمجتمع. من هنا فان الدور المحتمل له يتوقف من حيث الجوهر على كيفية إعادة بنائه الذاتي. فهي المقدمة الضرورية لتكامله في المنطقة. إذ تفترض المصلحة الجيوسياسية والجيواقتصادية للعراق بما في ذلك في أبعادها القومية، العمل على صنع أسس التكامل الذاتي للمنطقة. فهو أحد شروط الاستقرار والحداثة، كما انه أسلوب استعادة الدور الضروري للعراق في المنطقة. إذ لا يعقل وجود منطقة شرق أوسطية قوية بدون عراق قوي. وعليه يتوقف في الأغلب المسار العام للشرق الأوسط، ولحد ما العالم العربي. من هنا تصبح مهمة إعادة اعماره وبناءه المتكامل في هيئة دولة ومجتمع وثقافة حية ليس فقط مهمة وطنية وإقليمية وقومية، بل وبمعنى ما عالمية. وهو استنتاج مبني على تحليل طبيعة ومجرى الصراعات العالمية حوله في غضون العقدين الأخيرين. أما الآن فإننا نقف أمام بداية كبرى.
10. موقع العراق في العولمة المعاصرة؟
• يتضمن جوابي السابق على كثير من القضايا التي يحتوي عليها سؤالك الأخير. واكتفي هنا بالإشارة إلى أن الصراع العنيف، الإقليمي والعالمي، الذي ما زالت كثير من جوانبه تختمر في مشاريع الرؤى المتباينة والحرب المعلنة والمستترة حول العراق، يشير إلى موقعه الحساس في "العولمة"، بمعنى موقعه المتميز في الصراع الدائر حاليا على النطاق العالمي حول كيفية إرساء أسس "النظام العالمي الجديد". ففي النقمة نعمة أيضا! فقد رافق تعرض العراق إلى خراب هائل زوال اعتى النظم الدكتاتورية تخلفا وإرهابا في العالم المعاصر. فقد اكن العراق في "أطراف" العالم،وتحول إلى "مركزه". وهو السبب الذي يفسر سر الاحتراب الشديد حوله. كما انه كان مفتاح الصراع العالمي في الألفية الثالثة. وسواء كان ذلك صدفة أم ضرورة، فان الأبعاد العالمية في الصراع حوله تكشف عن أثره الفعلي في مسار "العولمة"، أو بصورة أدق في مسار صراعاتها السياسية والاقتصادية والعسكرية. وهو الأمر الذي يعطي للعراق قيمة حيوية جيوسياسية واقتصادية وثقافية غاية في الأهمية، بما في ذلك المساهمة في العولمة. ولا يغير من ذلك شيئا ضعفه الحالي. بل يمكنني القول، بان مفارقة الحالة العراقية بالنسبة للعولمة تقوم في أن ضعفه الحالي هو أحد أسباب قوته الفعلية. وهي عبارة مبنية لا على أساس التفاؤل المغري، بل على أساس إدراك طبيعة الصراع العالمي وإمكانية استغلال التدخل الأمريكي المباشر في المنطقة من اجل إعادة صياغة رؤية استراتيجية للشراكة والمصلحة المتبادلة بين العراق والولايات المتحدة من جهة، وبين العراق وأوربا من جهة أخرى. ومن خلالها تحديد مستوى وكيفية العلاقة بالعالم العربي عبر بناء مؤسسات الدولة الشرعية والمجتمع المدني والثقافة الحرة. بعبارة أخرى إن المهمة تقوم في كيفية تحويل هذا الضعف المؤقت إلى قوة دائمة.
11. ما هي المؤثرات الفاعلة في بناء الدولة العصرية في العراق من زاوية التعامل مع إشكالية الديني والدنيوي، والى أي مدى يمكن تذليل الصراع والتناقض الواقعي بين الدين والمؤسسة الدينية والأحزاب الدينية من جهة والعلمانية والمجتمع المدني من جهة أخرى؟
• إن إشكالية الإسلام والسياسة هي أولا وقبل كل شئ إشكالية الرؤية الأوربية، التي انعكست فيها حصيلة التصورات التاريخية المتراكمة في مجرى تجارب شعوب القارة عن علاقة الدين بالدنيا. فقد تحول فصل الدين عن الدنيا، والكنيسة عن الدولة إلى إحدى المرجعيات السياسية والثقافية في الوعي الأوربي. وعليها جرى بناء صرح القومية والمجتمع المدني والديمقراطيات الرأسمالية. ومن هذه المرجعية وعليها أيضا بنيت كليشات الرؤية الأيديولوجية عما لا يتشابه أو يتطابق معها في تجارب الآخرين. إن الاجتهادات النظرية المتنوعة في مساعيها كشف علاقة الإسلام بالسياسة انطلاقا من واقع هذه العلاقة أو من ضرورتها تهدف في نهاية المطاف إلى بناء صرح تأويلي يؤيد أو يعارض هذه العلاقة لا إلى تأسيسها العلمي والعملي بمعايير الحاجة التاريخية والانتماء الثقافي. حقيقة أن هذا التأسيس هو الإشكالية الأعقد من الناحية النظرية والعملية، لأنه يفترض في آن واحد البقاء في حيز الانتماء الثقافي لعالم الإسلام وتقاليده المتنوعة، ومجاراة العالم المعاصر في إبداعات العقل والوجدان.
وما نواجهه الآن في العراق حول ما يسمى بإشكالية الديني والدنيوي هو جزء من معترك التكامل الذاتي. إذ ليست هذه القضية في الواقع سوى جزء مما ادعوه بالظاهرة الإسلامية. وهي ظاهرة كبرى وليست فرضية أيديولوجية مجردة، كما أنها ليست مجرد "تسييس" للإسلام. فالجدل الدائر حول ما يسمى "بتسييس" الإسلام هو من بقايا التحزب الأيديولوجي النابع من انعدام أو ضعف إدراكه للحقيقة القائلة بان "الظاهرة الإسلامية" هي أولا وقبل كل شئ الإشكالية الثقافية السياسية الأعقد والأكبر للعالم الإسلامي. من هنا تنوعها وخصوصيتها، والتي ينبغي البحث عنها في كيفية الانقطاع الذي حدث تاريخيا بين المرجعيات الثقافية والواقع المعاصر للإسلام في هذه المنطقة أو تلك.
فقد عانت الحركة الأولى للتلقائية الثقافية الإسلامية من انفصام حاد عن مصادر وعيها التاريخي، ومن ضغط الثقافة الأوربية. مما كان يعّرضها على الدوام لعواصف التغيرات المفاجئة والطارئة. لهذا سرعان ما انحلّ التراكم الفكري والروحي والاجتماعي الأولى في أواخر الدولة العثمانية، الذي ساهم في بلورة تيارات سياسية وفكرية جديدة ونشطة، مع سقوط السلطنة وتجزئة العالم الإسلامي بشكل عام والعربي بشكل خاص. ورافق ذلك شرذمة القوى الاجتماعية والفكرية والسياسية. وكسر هذا التحول المفاجئ والطارئ تقاليد الرؤية المتراكمة في غضون قرن من الزمن. مما أضطر الوعي الاجتماعي إلى أن يقع من جديد في نفس آلية ما أسميته بالحركة الأولى للتلقائية الثقافية الإسلامية، ولكن ضمن شروط جديدة تجسدت بسيادة الرؤية الدنيوية(العلمانية) وحركاتها السياسية (من ليبرالية وقومية واشتراكية وشيوعية وغيرها). وتعرض هذا التراكم بدوره في مرحلة النضال من اجل الاستقلال الوطني وما تبعها من الانقلابات العسكرية وصعود الدكتاتوريات الحزبية والفردية والعائلية والقبلية إلى كسر وهدم جديدين.
كشف هذا الانقطاع عن وجود هوة عميقة بين التاريخ الإسلامي وبين الواقع المعاصر، وكشفت في الوقت نفسه عن غياب الرؤية العقلانية والثقافية، وبالأخص عند الحركات السياسية، تجاه الإشكاليات الواقعية الكبرى. غير أن هذا الانقطاع المفاجئ أدى أيضا إلى تعميق وترسيخ التوجه العام القائل بضرورة التأسيس الذاتي(الثقافي) للرؤية التاريخية تجاه الماضي والحاضر والمستقبل، باعتباره إحدى المرجعيات الفكرية الكبرى. وعليها أيضا ظهر التحسس الأولى لأهمية البديل الثقافي – السياسي. بمعنى تنامي براعم الرؤية التاريخية والسياسية عن ضرورة التحّصن الثقافي، وما يترتب عليه من استقلالية حضارية في العالم المعاصر. وهو أمر جعل من التفعيل السياسي للإسلام جزءا من البحث عن البديل الشامل في حوار الحضارات وصراعاتها في العالم المعاصر. وعند هذا الحد لا تعارض بين الديني والدنيوي، بمعنى إمكانية توظيف التراث والتقاليد بالطريقة التي يمكنها المساهمة في إعادة بناء الهوية العراقية والنظام المدني. غير أن ذلك لا ينفي الخلافات الممكنة بين التيار الدنيوي بمختلف اتجاهاته مع التيار الإسلامي بمختلف اتجاهاته أيضا. وهو خلاف ينبغي أن يعمق الوحدة الاجتماعية المرتكزة إلى سيادة الدستور والقانون وأولوية المجتمع المدني والنظام الديمقراطي. إن السير في هذا الاتجاه يسهم في عقلنة جميع التيارات السياسية والفكرية في العراق ويجعلها اكثر واقعية وإدراكا لدورها المتميز في بناء العراق الحر والمزدهر.
12. ما هو رأيك بمجلس الحكم المؤقت وموقعه في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة والعراق بشكل خاص
• إن كل ما هو مؤقت عرضة للزوال. والأحداث الأخيرة المتسارعة تشير إلى هذه الحقيقة. فقد أدى مجلس الحكم المؤقت دوره التاريخي. وهو دور صعب ولا يحسد عليه لكنه ضروري للغاية ضمن منطق أو مسار الأحداث العاصفة التي أنهت إحدى اشد الحقب التاريخية ظلاما في تاريخ العراق منذ بدء الخليقة! على هذه الخلفية يبدو كل جديد جميل، الا أن واقع العراق وآفاق تطوره تستلزم النظر إلى المجلس على انه كيان مؤقت وجزئي وناقص. بمعنى انه لا ينبغي أن يتحول إلى نموذج في أي شئ. إن الدولة المرتقبة ينبغي أن تبنى على أسس مغايرة تماما لما في مجلس الحكم المؤقت. إذ أن أي "استنساخ" له لا يعني المراوحة في المكان، بل ونكوصا مخزيا أيضا. إن التضحيات الهائلة التي قدمها الشعب العراقي في مجرى صراع ضد التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية يفترض كحد أدنى تأسيس افضل النظم الديمقراطية الاجتماعية. ولعل النظام الجمهوري البرلماني هو الصيغة الأمثل بالنسبة للعراق.
13. كيف تفسر أسباب التدهور الأمني وإمكانية الخروج منه؟
• إن ما يسمى بالتدهور الأمني في العراق هو ليس نتاج اليوم والبارحة. كما انه يبقى في نهاية المطاف ظاهرة عرضة وجزئية، بمعنى انه عرضة لزوال السريع مع أو تكامل جدي في بنية الدولة العراقية الجديدة. لقد تخلص العراق من تنظيم الإرهاب الصدامي، وجرى رميه إلى مزبلة التاريخ. وما يحدث حاليا هو بقايا أو صدى مرحلة منقرضة. ومن الصعب توقع جريان الأمور بطريقة أخرى. فالإرهاب عادة هو نتاج لأسباب مرضية تصيب جسم الدولة والمجتمع والفكر (السياسي منه بالأخص). وليس هنا من مرتع لإنتاج هذه الأمراض اكثر من الدكتاتورية الصدامية. فالدكتاتورية بحد ذاتها هي خروج على المنطق والأخلاق. وبالتالي فان ما يجري في العراق حاليا هو تظافر مخلفات الماضي وخصوصية المرحلة الانتقالية في العراق وعدم تجانس السياسية الداخلية لقوة التآلف وطبيعة الإدارة السياسية للاحتلال، وأخيرا الفزع المهيج للقوى التقليدية في العالم العربي وأنظمته السياسية المتخلفة ومختلف فلول الغلو الديني والسياسي المتخلف. أما ما يخص إمكانية الخروج من هذا المأزق العابر فإنها مرتبطة أساسا بكيفية بناء الدولة العراقية الجديدة وعملية الاعمار المادي والروحي للمجتمع والفرد.
14. ما هو رأيك في الأحزاب والعمل الحزبي في العراق وما هو دورهما المفترض بالنسبة لبناء المجتمع المدني؟
• إن كثرة وتنوع الأحزاب السياسية ظاهرة صحية. والمواقف السلبية المتأففة منها هو نتاج غير واع لبقايا التوتاليتارية التي عودت الفرد على "كراهية" الكثرة والتنوع. وهي مواقف نفسية اكثر مما هي أحكام سياسية. الا انها مشكلة أيضا. فالكثرة والندرة بحد ذاتهما ليست فضيلة. ومن ثم فان الحكم النهائي على قيمة الأحزاب يتوقف على قدر مساهمتها في ظروف العراق الحالية على ملء الفراغ السياسي المترتب على ممارسة الدكتاتورية السابقة. وهو فراغ يصعب ملئه بطريقة عقلانية وواقعية من جانب الأحزاب جميعا بما في ذلك تلك التي تتمتع بتاريخ عريق في العمل السري والعلني في العراق. وهي حالة تضع أمام الجميع التزامات واستحقاقات صعبة أحيانا. الا انها ضرورية بالنسبة للحفاظ على الأحزاب والحياة الحزبية بوصفها الرصيد الضروري للعملية السياسية بشكل عام وبناء الدولة ومؤسسات المجتمع المدني بشكل خاص. واقصد بذلك استحقاق الجمع الواقعي والعقلاني بين العمل الحزبي والسياسي.
فقد كان تاريخ العراق المعاصر، وبالأخص في مجرى العقود الأربعة الأخيرة منه، نموذجا لما لا ينبغي فعله بهذا الصدد، أي انه كان "نموذجا" لانتهاك النسبة الضرورية بين بناء الحزب ومكونه السياسي. فمن الناحية المجردة لا تناقض أو تضاد بين الاثنين، انطلاقا من أن الرؤية السياسية هي رؤية حزبية، والرؤية الحزبية سياسية أيضا. إلا أن هذه "الجدلية" المسطحة لها خطورتها المدمرة بالنسبة لواقع لم تتكامل فيه القوى الاجتماعية بعد، ولم تترسخ فيه قواعد العمل السياسي والديمقراطية الاجتماعية، ولم تتقيد الأغلبية فيه بعد بالعمل حسب قواعد القانون، ولم تتغلغل مواد الدستور في نفسية وذهنية الأجيال الصاعدة، ولم يتحول الدفاع عن هذه القيم والمفاهيم إلى إدراك يرتقي إلى مصاف الوعي الضروري.
فقد سلبت الدكتاتورية كل الأبعاد الحيوية للحرية، وأبقت على نقيضها في كل الميادين والعلاقات الظاهرة والمستترة للمجتمع. وبالتالي فإننا نقف أمام تركة ثقيلة تفترض كحد أدنى بناء أساس الحصانة الشاملة للتكامل الاجتماعي والسياسي والثقافي. وهي حصانة ممكنة التحقيق من خلال حرث الوجود الاجتماعي بمعاول العقلانية والنزعة الإنسانية. وهذا بدوره غير ممكن دون التأسيس الذاتي من جانب مختلف القوى الاجتماعية والأحزاب لحقيقة الرؤية السياسية، أي للرؤية التي تتجاوز حدود الحزبية الضيقة، بمعنى الخروج من نفسية "كل حزب بما لديهم فرحون".
والقضية هنا ليست في أن الحزبية الضيقة هي أحد مصادر الشر الاجتماعي، بل ولأنها البنية السيئة لإعادة إنتاج الانغلاق ومن ثم استحالة رؤية الأمور والأحداث وآفاقها بصورة سليمة. فهي الرؤية التي تحاصر المرء والحزب السياسي نفسه بالبقاء ضمن شرنقة التخلف الثقافي وتجرّئه على مواجهة كل ما لا يتشابه معه في الطول والعرض والعمق، أي على كل ما لا يتشابه معه في السطحية والأحكام المباشرة. وهي رؤية لا تصنع في نهاية المطاف سوى مرايا متلوثة بخبائث التقليد. وتعيد بالتالي إنتاج أحد أسوء نماذج الغلوّ السياسي. وفي هذا يكمن الخطر التاريخي المحدق بآفاق التطور السياسي للعراق والإمكانيات الفعلية لإرساء أسس الدولة الشرعية والمجتمع المدني. وهي آفاق وثيقة الارتباط بالدور الذي ينبغي أن تلعبه الأحزاب السياسية.
غير أن هذه المهمة التاريخية التي تقف أمامها الأحزاب السياسية العراقية المعاصرة هي ليست قضية نظرية أو حزبية خاصة، بقدر ما هي قضية سياسية وحقوقية بالأساس. فالمضمون العملي المباشر والحقيقي أيضا للمكون السياسي بالنسبة للأحزاب في العراق حاليا ينبغي أن يكون العمل من اجل إيجاد الصيغة الواقعية والمعقولة للنظام الديمقراطي والعمل من خلاله لتنظيم وجود الأحزاب سياسيا وتطورها العام. فهو الميدان الذي يحول التنافس الحزبي إلى فضيلة ويجعل من نتائجه عملية إيجابية تخدم التطور السياسي للأحزاب نفسها. والمقصود بالصيغة الواقعية والعقلانية للنظام الديمقراطي هنا هو التأسيس النظري والعملي للنظام الجمهوري البرلماني، الذي يمكنه تذليل هواجس ونزوع "الزعامة" من جهة، ويوسع القاعدة الاجتماعية للعمل السياسي، وبالتالي يؤسس اجتماعيا وسياسيا وقانونيا لتذليل الراديكالية بشكل عام والسياسية منها بالأخص. وهي مهمة ينبغي أن تتحول إلى مضمون التحزب في الظرف الحالي والمستقبل.
***





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,388,029,218
- لقاء مع المناضلة والكاتبة المعروفة سعاد خيري
- السلام العادل.. بين الأصالة والثورية
- لقاء مع الاستاذ سعيد شامايا ـ عضو سكرتارية مجلس كلدوآشور الق ...
- مع عيسى حسن الياسري رفيق الرحلة في منزل الاسرة العالمية


المزيد.....




- السودان: تحالف -الحرية والتغيير- يدعو لمظاهرات ليلية تنديدا ...
- محمد مرسي: وفاة أول رئيس مصري منتخب في قفص الاتهام
- بعد زيادة طهران مخزون اليورانيوم.. أي سيناريوهات تنتظر الاتف ...
- فيديو ساخر... بقرة تقتحم فندق
- استهداف معسكر للجيش العراقي بالصواريخ
- الحوثيون: هجوم واسع على مطار أبها السعودي وإصابة الأهداف بدق ...
- إطلاق نار على تجمع احتفالي في كندا (فيديو وصور)
- إيران ترد على محمد بن سلمان وتكشف عن -أملها-
- تحرير فتاتين عراقيتين من قبضة عائلات -داعش- داخل سوريا
- هل ينهي دواء مضاد لارتفاع ضغط الدم المعاناة من مرض عضال؟


المزيد.....

- كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي ... / مجدى عبد الهادى
- حوار مع ميشال سير / الحسن علاج
- حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع ... / حسقيل قوجمان
- المقدس متولي : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- «صفقة القرن» حل أميركي وإقليمي لتصفية القضية والحقوق الوطنية ... / نايف حواتمة
- الجماهير العربية تبحث عن بطل ديمقراطي / جلبير الأشقر
- من اختلس مليارات دول الخليج التي دفعت إلى فرنسا بعد تحرير ال ... / موريس صليبا
- أفكار صاخبة / ريبر هبون
- معرفيون ومعرفيات / ريبر هبون
- اليسار الفلسطيني تيار ديمقراطي موجود في صفوف شعبنا وفي الميد ... / نايف حواتمة


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - يعقوب زامل الربيعي - لقاء مع الدكتور ميثم الجنابي