أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - مازن لطيف علي - العراق بين الحربين .. رسائل ضابط انكليزي















المزيد.....

العراق بين الحربين .. رسائل ضابط انكليزي


مازن لطيف علي

الحوار المتمدن-العدد: 2749 - 2009 / 8 / 25 - 08:24
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


لا تزال رسائل المس بيل مصدرًا مهمًا من تاريخ العراق؛ قبل وبعد تأسيس الدولة العراقية، وستظل مادة أساسيّة لقراءة تاريخ العراق المعاصر، وهذا الضرب من المنتج الفكري والأدبي والتاريخي التوثيقي يدعى بـ«أدب الرسائل»، وهو ما زال شحيحًا في الثقافة العربية. بيد أن ثمة استثناءات صادرة، كما هو حال رسائل الضابط الإنكليزي سيرل بورتر الذي وضع أقدامه على أرض العراق مع جحافل الجيش الإنكليزي المهاجم من الفاو إبّان أحداث الحرب العالمية الأولى في العام 1914. ويبدو أنه غرس أقدامه بقوة في الأرض التي وطئها، فشغف بأهلها وهام بسياقات حياتها، وغمرته أحداثها، حتى تاق إلى نقل تلك الأحاسيس المرهفة إلى شقيقته دورا القاطنة في بنكلور المدينة الواقعة جنوبيّ الهند حيث مكث وعائلته منذ عقود خلت من وجود الإنكليز في الهند.
سرد سيرل بورتر باسلوب مشوق ولماح، ووصف العراق والعراقيين وتقاليدهم وأدق تفاصيل حياتهم في رسائله. وحدث أن جمعت دورا الرسائل التي حصل عليها بعد وفاتها المفاجئة في بورتسموث في العام 1947، بعدما وصلتها قادمة بسفينة من الهند. ثم حدث أن شغفت بالعناية بها وجمعها وتبويبها ثم تعريبها ابنته أمل التي كانت نتاج زواج سيرل من لولو البغدادية العراقية رغم ما حل ببعض الرسائل من مصير مجهول بين رزم ما صودر من أوراق للسيدة أمل، وأمسى جزءاً من غنائم قبوات أجهزة مخابرات السلطة البائدة. وهكذا يمكن حصر أحداث الرسائل بين أعوام 1914و1947.

آل بورتر
وأمل بورتر من الشخصيات النافذة في الثقافة العراقية. فولادتها ونشأتها عراقيتان، وثقافتها موسوعية متعددة المصادر، وسيان عندها الخبرة في اللغتين الإنكليزية والعربية، وهو أمر نادر الحدوث. الأستاذة أمل قامت بتعريب وتبويب رسائل والدها في الكتاب الذي صدر حديثاً عن دار ميزوبوتاميا في بغداد، في طبعة أنيقة. كان قد شغف بتلك الرسائل الدكتور المعمار علي ثويني، وساهم في التعريف بالرسائل منذ سنوات عدة، وقدم للكتاب ذاكرا: سيرل بورتر (بورتر تعني باللاتينية البواب)، عاش في الفترة نفسها التي عاشت خلالها الخاتون (بيل) حتى وفاتها المفاجئة في العام 1926. وكان يشكو من عنجهيتها وطبعها البورجوازي والرجولي، وذكر أنه كان يشاهدها تمتطي حصانها على شاطئ دجلة، متمشية مع عشيقها العراقي الشاب (ناجي الكرادي). وربما يكون هذا الاسم هو المصدر في التسمية التي أطلقها العراقيون على الانكليزي (أبو ناجي).
وسيرل بورتر (بريطانيا 1895-بغداد 1967) شخصية تناستها الأحداث، لا سيما بعد المناخات التي غطت على العراق بعد ثورة تموز 1958، وقد قام، في أثناء مكوثه في العراق، بتأسيس منظومات الكهرباء فيه، فهو من أسس أولى محطات توزيع الكهرباء في بغداد وكركوك، وكم أتمنى أن يكون لدينا مثله ليجد لنا حلا سحريا اليوم.
لقد مكث بعد رحيل جُلّ الجالية الإنكليزية، التي لم يكن يهتم بطقوسها، وربما يكون هذا السبب وراء قطيعته للمجتمع المخملي البريطاني الذي كان يعيش مترفعا على سواد العراقيين. مردّ ذلك ربما إلى سجية متواضعة، ودمثة وشغوف بطبقات الناس الدنيا وعامتهم، ونزعة إنسانية جعلته يندب ويبكي بشدة استغربها حتى أولاده حينما اغتيل المهاتما غاندي (1869-1948)، وهو يصرخ: بابي. بابي. لقد قتلوا الإنسانية في قتلك. وعكس سيرل صدق مشاعره وتوجهاته الفكرية الإنسانية الوسطية التي تتبنى هموم الناس وترسم احلامهم في الخلاص والقسطاس.

خزعليّة العراق
نجد في الرسائل فضاءً رحباً وعفوية في البوح، من دون تكلف أو محاباة أو طلب إعجاب ممّن يطلع عليها، فلم يدُرْ في خلده أن رسائله ستكون محل حظوة ابنته، ثم لتكون مقروءة بعد وفاته بأربعة عقود ونيف، وستؤرخ لمرحلة تأسيس العراق الذي مكث شاكيًا باكيًا من الاستلابات المتكررة والانكسارات المتراكمة. والأهم أن في ثنايا السرد يمكث الكثير من العظة التي يوجهها لمن أحبهم صادقا، في عراق كان يحلم في أن يكون مضيئا ويانعا.
كان مغرما بعيون النساء ورقة طبعهن، حتى القرويات منهن وإحداهن (خزعلية) الجميلة المدبرة التي تشع كلماته شغفا وعشقا وإعجابا بتلك المعيدية التي لم تأخذ قسطها من التعليم، لكن سمات التجمل والجمال والخبرة الشهرزادية كامنة حية فيها منذ أنانا وعشتار. ففي إحدى رسائله يذكر: انني عاشق الهندسة والرياضيات وأصبحت دانتي القرن العشرين... لن أؤلف كتابا أهم من الكوميديا الإلهية، بل سأقوم بعمل جبار وعظيم جدا وهو خلق سجادة طائرة، وسأنتج منها الآلاف وأعممها لكل أهالي بغداد. إنني الآن أحلق عاليا في السماء، على بساط سندسي، لم أسرقه من علاء الدين، ولم يجلبه لي الجني، ولم تمنحني إياه شهرزاد، بل أوحته لي بياتريس العراقية الرائعة. وفي إحدى رسائله يصف لأخته أزقة بغداد وجماليتها يذكر: أزقة بغداد الضيقة لها جماليتها العالية، لا أعتقد ان من شقها قد تجاهل ذلك، وكما يقول سكانها أن هذه الأزقة تمتد عميقا في التاريخ ولا فضل للعصملي فيها أبدا، لقد أهمل الأتراك هذه البلاد تماما. ويتناقل القوم طرفة تحكى عن الحاكم التركي المنقول حديثا إلى بغداد، بعد أن غضب عليه أسياده هناك، حينما كانت ولاية بغداد منفى للمغضوب عليهم. ويصف سيرل الحياة البغدادية فيذكر أن صاحب محل البقالة يصنع في بيته، أو يشتري ممن يصنع في حقله اللبن والجبن والقيمر (بالمناسبة هل حكيت لك عن القيمر أم لا قولي لي لأحدثك عن ألذ ما أكلت طوال عمري الذي عشته في الهند أو أوروبا) لا أفران للخبز بالشكل الذي قد اعتدنا عليه، فكل عائلة توفر لنفسها خبزها، الحياة هنا رائعة، لم تفسد بعد، كل شيء لم تمسه يد الصناعة، هل ستبقى هذه الواحة الصحراوية لي كما أراها الآن... أكاد أسمعك تقولين: يالرومانسية! نعم أشعر بالرومانسية والفوضى تغمرانني الآن. تحاول إدارة القوات إيجاد حكومة مناسبة، وتضارب الآراء والمصالح يعيق كل شيء، وهذا البلد مقسم في أفكاره وتطلعاته, لقد انتهت الاضطرابات الآن، وكانت في أوجها في شهري حزيران وتموز.
نجد في ثنايا الرسائل الكثير مما يمكن أن نطبقه على أحوال اليوم، فالعراق لم يتبدل رغم تلون المناخات، والناس هم الناس.

الإنكليزي العراقي
لقد تناست الأحداث هذا الرجل وغاب مثلما الكثير من المشاريع البشرية التي طوتها الأحداث والأيام، ولاسيما بعد ثورة تموز 1958، بعد أن طفحت طبقات جديدة على سطح المجتمع؛ كان مصدرها الريف، بخلاف الطبقات المخملية السابقة المنحدرة من بيوتات الذوات، وطبقات السلطة الوارثة والمورثة بعضها للبعض، وسادت، بعد تأسيس الدولة العراقية، ثم بادت. ويبدو أن الدولة التي نقلتها الخاتون بيل مسطرة على الورق إلى تجسيدها كدولة منعكسة في النفوس والضمائر، لم تكن متجانسة البتة، وربما أريد لها أن تكون كذلك مثلما هو حادث اليوم، فثمة من مكث يحمل الضغينة على المسحوقين أو يجهلهم، وشعر بعلياء منزلته وقامته فوق قامات أهل البلاد، وهذا ما ازدراه سيرل بورتر بدون مهادنة، بعدما سكنته ملائكة العراق فأحبه وأهله وثقافته، وعشق الحياة الوادعة فيه وطرائق العيش والأكل وتزوج مرتين من سيدتين عراقيتين. بعد وفاة الأولى اقترن بالثانية، ومكث يلهج لأبنائه بمحبة العراق، وأنه أحسن من بريطانيا، وأن أناسه هم الأطيب الذين يمكن العيش بينهم، وحين سألوه عن السبب وراء عدم رغبته في العيش في بريطانيا، كان يجيبهم بعفوية: أنتم لا تعرفون قيمة هذا البلد، فالعراق خير بلدان الدنيا. وتقمصته الثقافة العربية، ولم يزدرها كما البعض، حتى كان يصحح المفردات لأبنائه. تحكي أمل أنها حينما كانت صغيرة وهي خارجة بمعيته من الدار أطلقت كلمة «زبل» على ركام البناء في الخارج، فقال لها «ليس زبل وإنما أنقاض».
كان يحضر صخب الجالغي ويهيم في طرب سليمة مراد ومجالس الأنس البغدادية وشط دجلة، وسرد خواطره عن أرشد العمري الذي اعتمده في مشاريعه، والشاي المهيل من يد خزعلية، ومفارقات الحياة في كركوك المزدانة بتلاوينها، وكلها خواطر جديرة بالتأمل والإيحاء والقراءة النفسية والاجتماعية. توفى سيرل الإنكليزي البغدادي في العام 1967 وكان يوصي بأنه لا يبرح ثراها، فدفن في بغداد ليكون روحا وجسدا فيها.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,553,606,958
- الجنابي وكتابه (هادي العلوي – المثقف المتمرد!)
- أحمد عبد الحسين .. شكراً لك ياصديقي لأنك جمعتنا في موقف واحد
- الحقيقة والسراب .. قراءة في البعد الصوفي عند أدونيس
- يهود كُردستان
- قاسم محمد الرجب.. شيخ الكتبيين العراقيين
- اليهود في العراق 1856 1920 ودورهم في الحياة السياسية والاقت ...
- الصدمة النفسية .. أشكالها العيادية وأبعادها الوجودية
- علم الأديان...مساهمة في التأسيس
- سوسيولوجيا الجنسانية العربية .. الجنس وموضوع ...
- خواطر وذكريات مع مخطوطة ((الشخصية المحمدية)) للرصافي
- الكلمات الفردوسية..مجموعة من ألواح بهاء الله
- أدَبُ اليَهوُد العِراقيين وَثقافتهُم في العَصر الحدِيث
- 78 عاما على صدور كتاب الدولة الاموية في الشام
- ميثم الجنابي وإشكالية (أوزان الهوية الوطنية)
- نجاة الصغيرة.. الصوت الدافىء
- صعوبة نشر وطبع وتوزيع الكتاب تجبر المثقف العراقي على طبع كتب ...
- بلقيس حميد حسن : التيارات والاحزاب الليبرالية صارت لاتهتم لا ...
- المؤسسات الدستورية وآلية عملها عند نشوء الدولة العراقية المع ...
- الرصافي في رسائل التعليقات
- وجوه القَائد .. في الانساق والبنى المولدة


المزيد.....




- هل تقضي مصالح واشنطن على مبادرة عمران خان في مهدها؟
- الأجهزة الأمنية السورية تتسلم تباعا أحياء حلب الشمالية من -ا ...
- بالصور... حريق يلتهم كنيسة مارجرجس في مصر
- وحدات من الجيش السوري تتحرك نحو عين العرب -كوباني- الحدودية ...
- حريق ضخم يلتهم أجزاء كبيرة من كنيسة مارجرجس الأثرية بالقاهرة ...
- قوات سوريا الديمقراطية تتهم تركيا والفصائل المتحالفة معها با ...
- شاهد.. حريق في كنيسة جنوبي القاهرة
- ماذا تعرف عن الرئيس التونسي الجديد ؟
- ويلفريد كانون وزاها يسجلان لكوت ديفوار في شباك الكونغو
- اللجنة الإعلامية  للاتحاد الرياضي للجامعات تعقد اجتماعها الأ ...


المزيد.....

- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى
- التاريخ المقارن / محسن ريري
- ملكيه الأرض فى القرن الثامن عشر على ضوء مشاهدات علماء الحملة ... / سعيد العليمى
- إملشيل، الذاكرة الجماعية / باسو وجبور، لحسن ايت الفقيه
- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون
- إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات ... / زهير عزيز
- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - مازن لطيف علي - العراق بين الحربين .. رسائل ضابط انكليزي