أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سرمد السرمدي - في المسرح العراقي لا صوت يعلو فوق صوت المعركة !















المزيد.....


في المسرح العراقي لا صوت يعلو فوق صوت المعركة !


سرمد السرمدي
الحوار المتمدن-العدد: 2746 - 2009 / 8 / 22 - 04:49
المحور: الادب والفن
    


او الفبركة ؟, طيب..لماذا الوفود الفنية والمسرحية العراقية تحصل على شهادات تقديرية فقط وحين تعود تعامل معاملة من حصل على الأوسكار ونوبل ؟!, هل ننسى ان فيلم الحدود الملتهبة العراقي حضره في القاهرة خمسة اشخاص !!

قال لي اطلع بره والا اتصرف بطريقة اخرى , فاضل خليل ,الدكتور ,الفنان , المسرحي , عميد كلية الفنون الجميلة جامعة بغداد سابقا يطردني من مكتبه عندما اصبح عميد كلية الفنون الجميلة جامعة بابل وقتها ,والسبب مضحك بصراحة , دخلنا انا وزميلي علي لمكتب سكرتيرة السيد العميد ولا اعلم لما لا يقال الأستاذ فعلى الأقل لسنا في مقام التفريق بين سيد وسيدة !, الا ان اثار العسكرة لم تترك من حياتنا اليومية ما يمكن الركون اليه كثابت اصيل, او على الأقل منطقي, فكلمة السيد تحيلني الى عبد بالضرورة , ولو كنت ملكا حتى وتنادي من تكلمه بالسيد او سيدي فأنت بلا وعي ستتصرف على اساس ما الزمت برمجة سلوكياتك به عبدا ,بالتالي كل حوار يبدأ بحضرة السيد هو جلدة عبودية تشق طريقها لتلسع ذاتك من الداخل !.

لما بررنا طلب دخولنا على الأستاذ وليس السيد فاضل خليل عميد الكلية بصفتنا طلبة في قسم المسرح نرغب بالحديث معه عن مشروع مسرحية , وهذا كان للتغطية وقد نجحنا في اخفاء الهدف الحقيقي من هذه المقابلة , ما كان بالسكرتيرة الا ان اخبرته فقال ليدخلوا, وهنا بالذات كان لزاما علي وانا صاحب الفكرة ان ابدأ الكلام حين طلب منا الجلوس والحديث فيما جئنا اليه به ولكن بسرعة لأن اجتماعا ينتظره ,وبدأت الحديث دون تردد وزميلي علي يترقب ردود افعال الأستاذ فاضل وهو يناضل لكبت ثورة غضب داخلي بدأت باقتحام ملامح وجهه عنوة وكان زميلي علي كمن يستعد للأنبطاح عند انفجار قنبلة ,مما حدا بي الى ان اسرع بالقاء كلماتي والهدف الحقيقي من هذه الزيارة الغارة , كان كل ما ارمي اليه هو ان حصول كليتنا المتواضعة على استاذ للفن ذو خبرة عالية كالدكتور فاضل هي فرصة للنهوض لا العكس , ولما سمعنا ان هنالك دعوة من جمهورية مصر لحضور العراق مهرجانا فنيا للطلبة,حز في انفسنا ان تتكرر مأساة معينة , وهذه الدعوة لم تغري الكروش الفنية البغدادية التي لم تفلت من مخالبها دعوة فنية ليمثل العراق فيها من الفنانين والأدباء الذين ينتشرون في طول العراق وعرضه ولكن ذنبهم الوحيد هو ان محل سكناهم ليس بغداد, والا لكانوا احفاد هارون الرشيد حتى لو ان مسقط رأسهم البصرة ,الجبايش , عفج , المشخاب ,تلكيف ,سريديب ,حلبجة ,هل سمعت قنان يذكرها محل سكناه في لقاء فني من قبل ؟!, طبعا لا والعراق كله اختصروه في اغنية منصورة يا بغداد , وليحترق الباقي عادي , ويا ليتها انتصرت!, اذكر في مرة تم استضافة مخرج مسرحي عراقي في فضائية عراقية بعد 2003 وقال انه يستعد ليقدم مسرحية بعنوان ثالث اثنين الميكانو, بالتعاون معي ولما ذكرني قال كاتب عراقي يسكن خارج بغداد !,مع ان مدينة بغداد تأسست 710 قبل الميلاد ومدينتي بابل تأسست في بداية الألف الثالث قبل الميلاد , ولكن فرق التوقيت يبدوا فاقد الأولوية ولو كان بألاف السنين ,خاصة وان اذان الصلاة في القناة الرسمية العراقية وقتها يذكر مدينة بغداد وضواحيها بغض النظر عن تسمية محافظات التنكيلية بالذات بعد بداية التسعينات,عادي, عادي جدا !.

في اثناء شرحي للأستاذ فاضل ان تجربتنا الأولى والتي مثلنا فيها كلية الفنون الجميلة في نفس المهرجان في الدورة السابقة , عصفت بعض مشاهدها بذاكرتنا لدرجة اننا حين سمعنا خبر وصول الدعوة مرة اخرى كان كل ما نأمله ان لا تتكرر ذات الأخطاء التي لم نكن بمقام الحديث عنها وقتها ولم يوجد من يسمع لنا اصلا , فها انت جئت مشرعا بالفن محلقا بالثقافة باعثا روح الصراحة والحوار المفتوح المغلق بينك وبين الطلبة, وكانت هذه الشعارات تتبوأ قائمة القصائد الشعرية التي القاها علينا الأستاذ حينما اجتمع بكافة الطلبة في اول ايام تنصيبه عميدا للكلية ,بالتالي ليس ذنبي ان صدقت هذه القشة وانا غارق في وحل الواسطة والمحسوبية واللا مبالاة واللا فن في كلية الفنون , لكن حينما قلت ملخصا مفيدا لرأينا كطلبة في الأسماء التي سمعنا انها ترشحت للسفر وانتهى الأمر كما يبدوا , وكان الرأي بأختصار مفاده ان الوفود هناك سخرت من الوفد العراقي عندما ذهبنا لمثيل العراق في تجربة مشابهة سابقا في 2001 ,والسبب ان هذا المهرجان الذي تقيمه جامعة جنوب الوادي مخصص للطلبة وليس للأساتذة , وكان على سبيل المثال هنالك وفد مشارك من الأردن يتضمن معيدا في الكلية يرافق عشرة طالبات وعشرة طلاب لوحده !.

اما الوفد العراقي فيتضمن من عشرة الى ثلاثة عشر استاذا على الأقل واثنان من الطلبة ولو كان بالأمكان ان يكون عدد الطلبة واحد لأتخذوا الى ذلك سبيلا !, فما هذا يا استاذ فاضل ؟!, هل تتقبل كون وفدا لمهرجان طلابي بحت يتضمن عددا من الأساتذة يمثلون اضعاف الطلبة الذين هم صلب الموضوع والدعوة والمهرجان والمشاركة برمتها !, التفت واطلق العنان لثورة الغضب اخيرا وانبطح زميلي علي واقفا مستعدا للهرب من مكان الأنفجار وانا اضحك غير مصدق قوله انتهى الموضوع اطلع بره والا تصرفت بشكل ثاني , ولا اعلم وقتها ما اذا يعني بالتصرف الثاني سحب مسدسه او رشاش كلاشنكوف من تحت المكتب, فملامح وجهه وقتها تدل على عميد في القوات الخاصة يدير كلية للفنون القتالية لا الجميلة , الا ان تساؤلاتي انبطحت هي الأخرى والزميل الواقف يلوح لي بالخروج طلبا للأمن والأمان وانا مبتسم اشد ما يمكن توقعه من ابتسامة لشدة هول الصدمة ونهضت وخرجنا والسكرتيرة يبدوا سمعت جملة العميد الصاعقة فتبحرت في وجوهنا ونحن نصطنع الأبتسامة فشكرناها ونزلنا السلم لساحة الكلية نكتم ضحكاتنا والسخرية من فكرة وجود من يسمع لنا او من تصدق كلماته افعاله وهو خلف الكرسي, بالضبط لمن يذكر مشهدا للفنان العراقي بهجت الجبوري في مسلسل يؤدي فيه دور مدير المخابرات !.

كانت تجربتنا مريرة لهذا اردنا بعض التصحيح , في عام 2001 جاءت دعوة لكلية الفنون جامعة بابل , من مهرجان الملتقى الفني الطلابي ,واكرر الطلابي للمشاركة ,كان اختيار الأعمال التي تمثل العراق في المهرجانات العربية والدولية يقوم على اساس كون المسرحية لا تتضمن اكثر من خمسة وهم في مجملهم اعضاء الوفد جميعا , بمعنى ان الممثلين ثلاثة على الأكثر ,والسبب هو تكاليف السفر , التي يراد في الأخير الأنتفاع من المتبقي منها , وكلما تناقص عدد المشاركين في الوفد تزايد حجم حصة كل منهم , من تكاليف السفر والأنتاج المسرحي الذي على الأغلب يأتي من الجهة الداعية , مع نتفه من كرم العراق لا تمثل ربع تكاليف تمثيله في مهرجان فني ورفع علمه على خشبة مسرح لا على خشبة شهيد ! ,بالتالي اثر هذا في المسرح العراقي مما حدا بالكتاب والمخرجين الى البحث عن هكذا مسرحيات , ويفضل ان يكون البطل من الرواد , وكلمة الرواد لا تحيلنا الى الفضاء بقدر ما تحيلنا الى الأرض !, فهنا الرائد المسرحي في بلدان اخرى قد يعزز ويكرم ويكون عملة نادرة لا حجر عثرة في طريق تعاقب الأجيال , ولكن في العراق حدث ولا حرج عن العوائل الفنية ,فكل فريق منهم اتخذ لنفسه بلدا ومهرجانا ملكا صرفا , لا تفلت الدعوة السنوية اليه من يده اطلاقا , وكيف تفلت وهي تمر على مكتبه , واصبحت هذه التعاملات معروفة في التسعينيات , والغريب ان كل مسرحية تحصل على شهادة تقديرية لمشاركتها يتم عرضها في ارجاء العراق وكأنها حصدت النوبل والأوسكار والغرامي ,بل ان الأغرب هو مستوى المسرحية الذي لا يعادل واحد بالمئة من الكيلو غرام بالنسبة لأطنان مثلت حجم مقالات النقد التي لو جمعت من كل الصحف الرسمية الثورية الحماسية , فكل مواضيع المسرحيات كانت تماشيا مع خط سير شرطي المرور عنوة وقتها , بل ان هذا فقط جواز مرورها من تحت مقصلة الرقيب,واذن هي لم تكن موجهة للعراقيين ولم تمثل العراقيين امام جمهور عربي او دولي !,بل لم تكن تنفع للعرض الجماهيري الطبيعي الذي يدفع فيه الجمهور تذكرة الدخول ويجلس في الصالة فرحا بأنه حصل على مكان لمشاهدة عمل فني يستحق عناء الأنتظار وثمن التذكرة, ابدا , كانت مهزلة سميت بالمسرح الجاد, وهو المسرح الشحاذ, الذي يتخذ من موضوعه الموازي للمنهج الرسمي مدخلا لأستلام كلفة انتاج مسرحية لا يحضرها الا كادرها واصدقائهم ومعارفهم بل يحضرها كادر مسرحية مشابهة قبل ان يحين دورهم بأعتلاء الخشبة , وهذه دائرة النخبة العراقية الثقافية المغلقة,تحت شعار لا يهم ان كان الفن ليس جماهيريا مادام جادا !, وبغض النظر عن هذا الأتهام الصريح الواضح لوعي الشعب العراقي بالغباء والتخلف لدرجة انه يعجز عن مسايرة الدرر والحكم المذهبة وعقد اللؤلؤ, هذا الشعب الذي تتغنى به هذه النخبة الثقافية من على المسرح, فأن هذه المسرحيات تملأ الصحف وشاشات التلفزيون بكونها تمثل هذا الشعب في كل محفل دولي,لأن الرقيب لم يرى داعيا لعرض مشاكل البطالة والجوع والإضراب عن الزواج والضحايا والمفقودين والأرامل واليتامى والمنكوبين,لأنه لا توجد مثل هذه المشاكل في المجتمع العراقي اطلاقا , فالعدد القليل من الأعمال الفنية التي ربما لمحت ولو بالهمس لهذه المشاكل لم تكن تعني الشعب العراقي ابدا , انما تماشيا مع موضة الواقعية فنيا والتي جاءت عبر الأفلام المصرية بالتأكيد ,ولكن من يصدق ؟!.

لم يكن اختيار مسرحيتنا المتكونة من ممثلين اثنين ومخرج حيث المؤلف عالمي على هذا الأساس, لم تكن بوقا للدعاية ولا ابرة تخدير اخرى في وريد العراقي الذي احتار الطبيب اين يجد وريده وهو الجلد على العظم اثناء حصار الداخل والخارج ,كان اختيار المسرحية مبني على كوننا اثنان فقط من الطلبة سنسافر ومعنا خمسة اساتذة ورئيس اتحاد الطلبة الحبوب المحبوب عند عميد الكلية , مع ان هذا الطالب لم يكن طالبا بل ممثلا للسلطة في كلامه وملبسه حتى انهم في مصر ظنوه احد الأساتذة , وكان كذلك تقريبا , اذن ثلاثة هم كادر المسرحية التي تم اختيارها لا على اساس الموضوع ولا الفكرة ولا الجودة حتى , وخمسة من الأساتذة الكرام !, كانت هذه المسرحية مشاركة في مهرجان المسرح العراقي عام 2000 قبل الميلاد , اها لا تستغرب ايها القارىء كوني ذكرت قبل الميلاد, لأنني لم اكن اتوقع مهرجانا يستضيف الفرق وطلبة المسرح من كافة كليات الفنون العراقية الثلاثة وقتها , وتكون وجبة افطار هذه الوفود سندويجا من جبن العرب العراقي , ولأوضح اكثر نوع هذا الجبن , فهو مصنوع خارج أي رقابة صحية , في الريف العراقي تحديدا , من بائعة على الرصيف تجلس كل صباح عارضة لمنتجات بقرتها الحلوب بالكاد, من جبن وقيمر وحليب ولبن , والذبان يرقص على انغام الجوبي العراقي وهو يقتنص فطوره من بين المنشة التي تهز بها البائعة في الهواء لعلها تبعد الذبان او تقتنصه , ولكنها بالفعل تدعوه , فهذه المنشة المصنوع من ورق النخيل الطويل الذي يجمع عند تيبسه وتساقطه ,مغمسة هي الأخرى بالحليب , لأن البائعة تتركها جانبا في كل مرة تنشغل مع زبون مستطرق لناصية الشارع الذي تجلس فيه, وعادة ما يكون قرب فرن لبيع الصمون , واغلب رواد مطعمها المتجول هم من الجنود العراقيين الذين قد ولو بالصدفة يملكون ان يترفهوا بقطعة جبن مع افطارهم المعتاد , الصمون والشاي وقتها , فتخيل انت كونك طالب في المسرح وتأتي لبغداد الرشيد والمأمون لتفطر الجبن بالصمون ,وحين تسأل مستغربا وانت تقضم اللقمة اليتيمة ذاك المعيد في الكلية المسكين المغلوب على امره الذي اوكلت اليه مهمة توزيع الأرزاق على الفانين , عفوا الفنانين ,عند سؤاله عن اين ذهبت الأموال المهولة التي سمعنا بتخصيصها لهذا الصرح الفني المنهار الذي يسمى مهرجان المسرح العراقي ,يجيب لا تسألني ولا هم يحزنون !.

في نفس المهرجان , وعند المساء تم اخبارنا بعنوان فندق مخصص للوفود, وذهبنا الى فندق الميدان في منطقة البتاويين البغدادية التي كان اختيار ادارة المهرجان لها مبنيا على اساس فني واقعي روسي بحت, لأنني وقتها توصلت لمعنى ان يطلب منا ستانسلافسكي كممثلين بأن نشحذ قوة ملاحظتنا للواقع, ومااجمل هذا الواقع المستفز الذي حشرنا فيه فاضل خليل عميد كلية بغداد وقتها , ومدير المهرجان !, فبغداد كلها تعرف بل والعراق, ان منطقة البتاويين هي تجمع لعمال البناء من عرلااقيين ومصريين وسودانيين وغيرهم ,بالتالي هي من افقر المناطق الصناعية الطابع , وتنتشر فيها المقاهي والمطاعم التي يرتادها اصحاب المهن اليدوية حصرا ,اما في الليل , في فيلم مصري قديم اسمه الباطنية !, بالضبط , حشيش , خمرة, واشياء اخرى لم افهم كيف تحدث وسيارة الشرطة وسط الميدان , وصلنا لاستعلامات الفندق , رافعين رؤسنا بفخر,وفود !!, واذا بصاحب الفندق يقول لنا لا مكان لكم هنا فالكلية لم تعطني المال واخشى ان يتكرر معي ما يحدث كل مرة , فقد فعلوها سابقا واكتفوا بتوجيه كتاب شكر عبارة عن ورقة تصدر من الكلية تشكر صاحب الفندق على جهوده الوطنية , ويا ويلك اذا اشتكيت , بل الى من تشتكي والورقة تذكرك وطنيا شريفا مناضلا مساهما بالدفاع عن العراق والأمة العربية والأسلامية وكافة الضعفاء والشعوب المضطهدة من الأمبريالية الأميركية من فيتنام الى اليابان الى الى , وتأتي الآن وتطلب المال لقاء هذا الفعل الوطني كأي امبريالي صهيوني ملعون , مكانك السجن عزيزي !.

تشردنا لساعتين في الشارع امام الفندق, كنت اضحك بقوة , على المناظر التي حشرنا وسطها , بل تدرجت شيئا فشيئا مع مجموعة من السكارى الجالسين على رصيف الفندق , حتى نسيت همنا كوفد فني في مبيت الليلة, وانا استمع لنكاتهم التي في مجملها ضد النظام والسلطة وكل ما ساهم في فقرهم , وهم ينتقمون منه اثناء السكر , وانا بالكاد امتنع عن اكمال هذا المشهد الواقعي العراقي خارج خشبة الزيف والتخريف التي تعودتها , لكن نادانا أستاذنا بأن عميد الكلية فاضل خليل اتصل وهدد صاحب الفندق فأذعن الأخير لكي يسمح لنا بالمبيت مجبورا !,عادي , نمنا , وجاء موعد تقديم مسرحيتنا , وقدمناها , ولا اذكر الا اني خرجت عن النص وقتها مما اثار حفيظة سامي عبد الحميد الذي يجلس في المقدمة , لم تكن بالنسبة لي اكثر من سفرة اخرى , ولحظة اخرى تعري واقعي العراقي امامي, مسرحية لا تمت للواقع بصلة, مهرجان لا يحضره المشردين في ساحة الميدان, سخافة اخرى لا اكثر !.

في عام 2001 وبعد اختيار المسرحية على اساس حجم كادرها ,تم إبلاغنا بالتحضير للسفر الى مصر لتمثيل العراق في مهرجان الملتقى الفني لجامعة جنوب الوادي ,عادي , لم يخطر في بال عراقي ان تأتيه فرصة كهذه للهرب ومجانا !, نعم هذا كل ما جال في بالي وقتها وانا طالب في المرحلة الثالثة قسم الفنون المسرحية , بعد ان اصدروا لنا جوازات السفر , ونظرت الى الجواز لأول مرة في حياتي ,ابتسمت في داخلي وادركت ان هذا القدر ,سأهرب لا محالة , فقد سمعنا عن قصص مشابهة , بل وحتى من المقربين للسلطة , هربوا عند اول فرصة , ايعقل ان اضيع فرصة لن تأتي لمسحوق مثلي ولو واحد بالمليار ؟!,اين وكيف ومتى , هذا رهن بالظروف وقتها , المهم ان الأمر لا يستحق حتى التفكير فيه مع نفسي, فأنا في سجن اسمه العراق والحرية لا تحتاج تفسيرا عند من لا يعلم موعد اطلاق سراحه , سأهرب من المجهول الى المجهول , فالمحاولة وحدها كفيلة بأن تكون نجاح !.

قد يضحك غير العراقي بالتأكيد من هكذا سعادة بالهرب وقتها , لكن هذه الضحكة وبالا على من يضحك , فهي تعني جهلا تاما بما اصاب التفكير العراقي من شلل وملل ويأس حاد مزمن , طالب في كلية الفنون يتحول لضابط , واخر يسحب للجيش, وثالث يسجن بسبب صلاته في جامع , وانا افكر في الهرب, تبدوا منطقية جدا الآن,و كان السفر يستدعي اصدار جواز وتأشيرة تكلف اربعمائة الف دينار عراقي يصنع في بغداد , أي بجودة لا تجعل العملة الورقية تقوى على تحمل ما يتصبب في يدك من عرق وانت تحملها تحت شمس العراق التي اقل ما توصف به انها باب من الجحيم ,وهذا الرقم بالتالي يعادل وقتها راتب المعلم العراقي 133 % مرة , لأن راتب المعلم ثلاثة الاف دينار في الشهر ,هذا ما عدا تكاليف السفر ,فالحسبة ببساطة حتاج مليون دينار عراقي , لتستطيع تناول الحمص بطحينة في اول مطعم سياحي اردني بعد الحدود ,ويأتي لك الحظ بسفر مجاني الى مصر والأهم من هذا جواز سفر له طابع الوفود الدبلوماسية , حيث لم يكن مسموحا للعراق وفق قرارات الأمم المتحدة بحرية تبادل الوفود على تنوعها ,فأذن هي ليست فرصة فقط ,هي هدية من القدر , فكل احلام الشباب العراقي كان يتطاير منها كلمات مثل الجواز والفيزا واللجوء والبنات والمستقبل , في غمرة كوابيسهم , العسكرية, الأعدام, التعذيب, الفقر, البطالة !.

لم تكن ضمن مواصفات المسرح العراقي وشعاره بأن لا صوت يعلو فوق المعركة حتى يمر من تحت مقصلة الرقيب,بل هي لا صوت فعلا, لم يكن الموضوع في مسرحيتنا وطنيا قوميا نضاليا حربيا حيزبونيا ,ابدا, على الرغم من ان المخرج وقتها انتشى بأضافة موسيقة فيلم الرسالة في نهاية المسرحية ,وكأنه يقول انني فعلت شيئا على الأقل,طيب اترك تقييم هذا الشيء لمخيلة القارىء ! , كان الموضوع اتفه من كل ذلك ,مسرحية كوميدية لكاتب ايطالي , اسمها الأكمة والكسيح , ميلودراما بمعنى الكلمة تصلح لأجواء الطلبة الجامعيين فعلا, لكنها لا تصلح اطلاقا لتمثيل العراق والتعبير عنه في محفل ومناسبة عربية او دولية , الا انني لم اعترض فلم يكن هدفي فني بل انساني بالدرجة الأساس, فرصة الهرب بذاتها كما تعلم ,في الوقت الذي يعبر غيري الألغام قرب جبال شمال العراق نحو تركيا ,ومن يقطع الصحراء صوب السعودية مشيا على الأقدام ,بلفني الخجل ان حاولت ان اعتذر للقدر على هذه الفرصة التي ترميني في القاهرة وبطريقة قانونية ,الا ان افكارا فكاهية اخذت تراودني وقتها وخاصة قبل يوم من السفر , خير اللهم اجعله خير , انا في الحلم ويأتيني شيخ كبير السن يلبس الزيتوني في الزيتوني زائد اللون الزيتوني في عمامته هالة المشهد زيت زيتونا , يترجل قربي من حصان مرسيدس رئاسي ابيض في ابيض بدون لوحة ترقيم تدل على القرية ,ليبتسم لي في هدوء عادل ادهم قبل بدأ الحوار في شخصياته الشريرة التي اشاهدها في الأفلام الشبه اباحية ,ويقول بصوت كما مغني الأوبرا ,يا سرمد, ستكون ملعونا يا ولدي ان فعلت فعلتك وخنت العراق وهربت منه , وهو البلد الذي رباك وعلمك مجانا , وهو الذي رأى فيك الجدارة والروح القتالية العالية لكي تمثله في هذه المعركة الفنية , غني معي يا بني , هكذا هكذا يلعب المحاصرون , الى اخر الأغنية !.

بالطبع , هو امر متوقع ان تكون للفلافل اعراض جانبية وقتها , فلم اعر اهتماما لكوابيس نوم العراق الغير هانىء لا كهرباء ولا ماء ولا امان , فتشعر ان بيتك سيهدم عليك لمجرد ان ابن مسئول اضاع كرة القدم التي يلعب بها في رمية غير حرة عبرت بها داخل حديقة دارك,وياويلك ان انكرت رؤية الكرة او عرضت ان تشتري غيرها ,فقد عطلت بطلا حربيا عن اداء مهماته الاستفزازية التي تكشف الخونة العملاء المختبئين بين صفوف الشعب المكافح الصادح ليل نهار بأغاني سعال المرض وآهات الحسرة , اكيد لم يكن هكذا حلم بايخ من خطابات الستينات ليردعني في الوقت الذي تنهال علي اسئلة الكينونة كلها دفعة واحدة حينما اواجه وجه غريب لم اعرفه لليوم في مرآة كل صباح , وبصراحة لم افكر فيما سيحدث بعد الهرب , ولا اعرف وقتها اين وكيف وبماذا استعين غير جنوني وهوسي بفكرة كوني قطعة حطب لنار اخطأ في مسكها الفران فوقعت الى اخر تلة الحطب تنظر لكل من تعرف وهم يحرقون واحدا تلو الآخر كأي غريب متغرب متقرب من حقيقته مبتعد عن النار العراقية , فهو يرسل يستقبل اخبار ذويه ومعارفه حتى لو كان بائع الحلوى العجوز الذي كان يمر وقت صباه امام بيته في احياء مدن العراق, هكذا تخيلت نفسي وبكيت من هول تقمصي للفكرة , الا ان دموعي تقاسمتها فكرة اخرى , هي كوني لاشيء , قطعة حطب تنتظر دورها ولا ترى الا من امامها كطابور للتلاميذ يسوقونهم للصف او جند يساق بهم للحرق , على الأقل في فكرة الهرب سيكون لي متسع من الرؤية لأشاهد احتراق العراق بأكمله , كما يفعل كل المغتربين ,لكن لما لا افعل شيئا لأمنع هذا المصير فأنا محترق في كل الأحوال ,سؤال اتفه من ان تضيع اللحظة لتجيبه , اللحظة التي تنظر فيها لصورة عائلية معلقة على حائط في بيتك العراقي, تجيب السؤال تسقط الصورة ؟!, تجاهلت السؤال وكنت اخر راكب في طابور الطائرة العائدة بنا من مصر لعمان والتفت وبيدي جواز السفر اخيرا لأركض ,هربت نعم, ولم يمسكني العميد الا في اخر لحظة, لا لم يكن فاضل خليل !.


يتبع ….
لحظة عارية–11

الكاتب
سرمد السرمدي
العراق





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- اغتيال طاهرعبد العظيم الفنان التشكيلي المصري
- مقاعد دراسية اسرائيلية في الجامعات العراقية
- مقتل المشاركين في مسرحية عراقية !
- التمر العراقي والقوة الجنسية عند الكتاب العرب
- جفت دموع العراقيات في بلد دجلة والفرات
- الفن العراقي عاري عاري عاري
- علكة صهيونية تغزوا الأسواق العراقية
- ليس في لوحة الغدر لون للرجال – لحظة عارية 3
- القاهرة تكتب وبيروت تطبع والعراق يغرق - لحظة عارية 2
- رسالة عراقية ل عمر موسى
- لحظة عارية 1
- فنية الفعل في القرن الواحد والعشرين
- ثالث اثنين الميكانو
- نحو السهل الممتنع
- ألف باء الآه
- بعثرة في بعثرة
- ذات كيان الذات
- نقطة التلاقي الأفتراقية..افتراضية فن ثامن !
- نقطة التلاقي الأفتراقية في اخر الفنون واخيرها !
- في اخر الفنون واخيرها !


المزيد.....




- الرواق للنشر يصدر - هوامش التاريخ - للكاتب مصطفى عبيد
- المغرب أول بلد إفريقي عربي ضمن المنتدى البرلماني لآسيا والمح ...
- بيروت تستضيف مهرجان الأفلام الأوروبية
- كاريكاتير
- وفد كوري شمالي يصل إلى الجنوب لتفقد مواقع العروض الفنية في أ ...
- العرض المسرحي -وهنا أنا-... مونودراما فلسطينية مستوحاة من أل ...
- فتاة جزائرية تدخل موسوعة غينيس بتأليف أضخم وأغرب كتاب (صور + ...
- بعد عام ترامب الأول.. العالم الفني يضرب بأعمال -غاضبة-
- -ميلوديا- الروسية تفوز بجائزة عالمية
- فاليتا المالطية وليوفاردن الهولندية عاصمتا الثقافة الأوروبية ...


المزيد.....

- ت. س. إليوت / رمضان الصباغ
- مجلة الخياط - العدد الاول / اياد الخياط
- السِّينما التونِسِيَّة: الذاكرة السياسيَّة مُقاربة واصِفة فِ ... / سناء ساسي
- مأساة يغود - الثورة والثورة المضادة - ج 2 / امال الحسين
- الإفطار الأخير / هشام شعبان
- سجن العقرب / هشام شعبان
- رجل العباءة / هشام شعبان
- هوس اللذة.. رواية / سماح عادل
- قبل أن نرحل - قصص قصيرة / عبد الغني سلامه
- المعرفة وعلاقتها بالفنون بصفة عامة / محسن النصار


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سرمد السرمدي - في المسرح العراقي لا صوت يعلو فوق صوت المعركة !