أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سعد هجرس - أسماء .. الفلسطينية!















المزيد.....

أسماء .. الفلسطينية!


سعد هجرس

الحوار المتمدن-العدد: 2743 - 2009 / 8 / 19 - 08:35
المحور: القضية الفلسطينية
    


نحن العرب نستحق ما نحن فيه من تخلف وبؤس وجهل واستبداد. أما البكائيات التى تعلق مسئولية المصائب التى نعانى منها على شماعة الاستعمار وأى عوامل خارجية أخرى فلم تعد سوى اسطوانة مشروخة وكاذبة وغير مقنعة. فالاستعمار قد حمل عصاه ورحل عن الغالبة الساحقة من البلدان العربية منذ منتصف القرن الماضى تقريبا، ومع ذلك فان احوال الشعوب العربية لا تقل تعاسة بعد «الاستقلال»، إن لم تكن أتعس على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بشهادة كل المؤشرات العالمية المعتمدة. وبدلاً من أن يكون الاستقلال نقطة انطلاق نحو المستقبل والتقدم تحول، فى الأغلب الاعم، إلى بداية للنكوص إلى الماضى السحيق، والمزيد من التخلف، والاندفاع المحموم نحو العصور الوسطى.. حيث السيادة لمؤسسة الخرافة وليس للعلم والتعليم، والمجد لـ “النقل” لا “العقل”، و”التقليد” وليس “التجديد” أو الاجتهاد والابداع والابتكار، والامتثال والسمع والطاعة وليس الحق فى الاختلاف وقبول الآخر والتنوع والتعددية والتسامح. ومن ثم أصبحت اليد العليا لـ “الفتوى” وليس “القانون”، للفقيه لا العالم، لـ “ولى الأمر” المعصوم وليس رجل السياسة الذى يمكن أن تتفق أو تختلف معه بحرية، بعد أن أصبحنا “رعايا” لا “مواطنين”. والمظاهر الفجة - لهذا الاندفاع الرهيب إلي العصور الوسطى - مثل الوقائع التى لا حصر لها لتكفير التفكير، ومصادرة الأفكار والآراء والكتب، ومنع الافلام والمسرحيات، وملاحقة المدونين ومستخدمى الفيس بوك، وخنق الابداع، وحبس المعارضين ومطاردتهم والتضييق عليهم - وصولاً إلى الأمثلة الأكثر فجاجة والأكثر غباء التى أشرنا إليها فى مقالات سابقة - مثل التليوح بجلد صحفية سودانية بتهمة ارتدائها البنطلون!- ليست كلها سوى تفاصيل ذات قيمة رمزية لهذا الاندفاع الجنونى إلى الهاوية، فى وقت تحلم فيه البشرية - بالوصول إلى الكواكب الأخرى وغزو الفضاء الخارجى وتغيير الخرائط الجينية والقضاء على الامراض الوراثية واطالة عمر الانسان إلى أكثر من مائتى عام. واخر اعراض هذا المرض العربى المزمن ظهرت فى قطاع غزة المحتل وتمثلت فى تلك الممارسات الشاذة التى لا تتوقف سلطة حركة حماس عن فرضها على الفلسطينيين، ومنها قيام شرطة الشاطئ بالقاء القبض على الصحيفة والروائية اسماء الغول لانها كانت تسبح فى البحر قبالة شواطئ غزة مع عدد من زميلاتها وزملائها. أما التهمة فهى “السباحة بالزى غير الشرعى، والضحك بصوت عال أثناء السباحة دون أدب وبكل وقاحة ودون وجود أحد من أهلها أو أقربائها معها” كما جاء فى البلاغ. كما وجهت للجميع - على النحو الذى ذكره اسماعيل حسنى فى العدد الاخير من مجلة روزاليوسف - تهمة الاختلاط غير المشروع (رغم وجودهم فى مكان عام!) . وهذا الذى حدث مع “اسماء” يتكرر يوميا عشرات المرات ويلقى الرعب والاذلال فى قلوب المواطنين فى غزة. أضف إلى ذلك أن الجدل دائر فى غزة منذ 9 يوليه الماضى وحتى الآن حول قضية لا تقل غرابة عن قضية أسماء الغول، هى قرار رئيس مجلس القضاء الأعلى فى حكومة اسماعيل هنيه بفرض الحجاب على المحاميات الفلسطينيات أمام محاكم القطاع اعتباراً من أول سبتمبر المقبل! وبالطبع فإن محاولة فرض الحجاب على المحاميات مجرد حلقة من مسلسل طويل لفرضه - بالاكراه - على فتيات ونساء غزة منذ انفراد حماس بالسلطة، حيث اطلقت وزارة الاوقاف والشئون الدينية فى حكومة اسماعيل هنية حملة بعنوان “نعم للفضيلة” استخدمت فيها آلاف الملصقات العملاقة طبعت فى مصر وتم تهريبها إلى القطاع. والعجيب ان هذه الحملة ليست موجهة لـ “السافرات”، أى غير المحجبات، لانهن أصبحن أقلية نادرة> بل موجهة إلى المحجبات اللاتى ترتدين الحجاب مع البنطلون وليس الجلباب (ولا أعرف سبب عقدة تلك الجماعات من البنطلون سواء فى السودان أو فى غزة رغم أنه أكثر حشمة وكياسة ورغم أن الجلباب يمكن أن يكون أكثر إثارة وتهتكا!) ويبدو أن هذا الجدل العبثى حول الحجاب والبنطلون والجلباب تصدر النقاش العام لدرجة أن رئيس الوزراء الاسرائيلى بنيامين نتنياهو نفسه دخل على الخط ووجدها فرصة لتشويه سمعة الفلسطينيين أمام العالم بأسره بعد كل هذا الذى يفعلونه بأنفسهم وهو الأمر الذى رصده الكاتب محمد على الاتاسى بقوله “لم يكن ينقص هذا الوضع السوريالى سوى استيقاظ ضمير الرجل الابيض المستعمر الذى يمارس “القتل النظيف” بحق النساء والاطفال، ومن ثم يتباكى على أوضاع المرأة فى المجتمعات المسلمة. ومن هنا جاءت تصريحات نتنياهو الذى لم يتوان عن القول تعليقا على فرض الحجاب على محاميات غزة أن “هناك صراعا حضاريا فى المنطقة بين المنهج الاصولى والمنهج التقدمى” مشبها خطوة حماس بسياسات طالبان فى افغانستان. ورداً على شماتة نتنياهو هرع المتحدث باسم حركة حماس سامى أبو زهرى لعقد مؤتمر صحفى يقول فيه “إذا كان الاحتلال يحافظ على ثقافة العرى فالأولى بالشعب الفلسطينى أن يحافظ زيه الذى يتوافق وتقاليده وتراثه” أليست هذه قمة العبث؟! القضية الفلسطينية تتعرض للتصفية - إن لم تكن قد صفيت بالفعل - بينما لا يهتم قادة حماس إلا بقضايا الحجاب واللحية والتنابذ مع رئيس وزراء دولة الاحتلال بثقافة العرى وثقافة الحجاب كما لو أن الصراع الفلسطينى - الاسرائيلى “صراع أزياء” وليس صراعاً على وطن مغتصب؟! هل هذه واجبات حركة تحرر وطنى .. أن تقوم باكراه شعبها على الزى الذى يرتديه براً وبحراً وجواً، وإصدار التعليمات إليه بقوائم المسموحات والممنوعات من المأكولات والمشروبات، وإلهاء الناس بهذه السفسطات عن القضايا الحقيقية للتحرير وأنتزاع الاستقلال، بينما العدو يعمل على قدم وساق لتهويد ما تبقى من الارض وتغيير الأمر الواقع، والاعجب ان “المتفرجين” العرب لا يزجرون حماس هذا العبث بل يقومون بتقطيع هدوم بعضهم البعض فى الجدل العقيم عن مدى “شرعية” فرض المايوه الشرعى على أسماء الغول أو الحجاب على محاميات غزة.. أما فلسطين فلها رب يحميها.. أو فلنقل عليها السلام؟ هذا التهريج الغث يبين مدى الانحطاط الذى وصل إليه العقل العربى، فليست المسألة حجاب أو لا حجاب. لان الحجاب فى النهاية مجرد زى ومظهر اجتماعى. وليس مهما أن يكون المجتمع مشجعا للحجاب أو لا، المهم أن يكون هذا المجتمع واعيا بالتحديات الداخلية والخارجية، ومدركا لطبيعة المستجدات الاقليمية والعاليمة، ومستعدا لمواجهتها والتفاعل معها وفق رؤية عقلانية، والواضح أن هذه الرؤية العقلانية لا يمكن الوصول إليها، ثم وضعها موضع التنفيذ، بدون حرية فى التفكير والتعبير والتنظيم.. دون وصاية من أى سلطة، سياسية كانت أو دينية أو مالية. وهنا مربط الفرس، ونقطة الخلاف الرئيسية مع جماعات الاسلام السياسى وممارساتها الراهنة. فمن حقها أن تتبنى ما تشاء من توجهات، لكن ليس من حقها أن تفرض هذه التوجهات على خلق الله بالاكراه وحد السيف حتى لو حصلت على أغلبية الاصوات فى صناديق الانتخابات. لأن الانتخابات تعطى الفائز تفويضا مؤقتا وليس تفويض مطلقا ودائما وعلى “بياض”. إنه تفويض لفترة محددة ينتهى بعدها ويعود الأمر للناخبين من جديد ليقرروا إذا كانوا سيجددون ثقتهم أو سيسحبونها ولمن سيعطونها ثم إن هذا التفويض مقصور على نطاق محدد، هو إدارة الشئون العامة، ولا يمتد إلى الحريات الخاصة. وهذه الممارسات التى نراها فى السودان وغزة، ومن قبلهما فى أفغانستان طالبان، هى اسوأ دعاية لجماعات الاسلام السياسى حاليا، حيث انها ترسخ المخاوف من موقف هذه الجماعات من المرأة والاقليات غير المسلمة وقضايا الحريات العامة والخاصة، كما أنها تؤكد فرضية أن وصول هذه الجماعات إلى السلطة يؤدى إن أجلا أو عاجلا إلى تهديد الوحدة الوطنية وتعريض وحدة التراب الوطنى لخطر التقسيم ثمنا لتطبيق الشريعة ولو على شبر واحد، وليذهب الوطن إلى الجحيم. وتؤكد بالمقابل أن الدولة الدينية والدولة الاستبدادية ينهلان من نفس النبع رغم ما يبدو بينهما من تناقض. فإذا كان زواج السياسة بالمال يؤدى إلى إنجاب الفساد والاستبداد، فان زواج السياسة بالدين يؤدى إلى إنجاب التطرف والتعصب والتمييز. أى ان الاستبداد والتعصب “شقيقان” من ناحية الام، ألا وهى السياسة، ويفترقان فقط من ناحية زوج الام.. المال والدين. وهذا يعيدنا إلى المربع رقم واحد: لماذا نريد الاستقلال؟ نريد الاستقلال ليس لذاته أو لاننا نكره المستعمر الاجنبى فقط، وإنما لأننا أولا وقبل كل شىء نريد الحرية بمعناها السياسى والاقتصادى والاجتماعى والثقافى ونريد العدل على كل هذه الاصعدة. وربما كان أحد اخطاء حركة التحرر العربى أنها رفعت شعار “الاستقلال التام أو الموت الزؤام” دون أن تحدد طبيعة دولة الاستقلال، فلا معنى لاستبدال المستعمر الاجنبى بحكم “وطنى” مستبد لا يقل عنه قسوة وفظاظة حتى لو رفع الشعارات “القومجية” تارة أو “الدينية” تارة أخرى. فكل هذه الشعارات لا يمكن أن تكون مبرراً لحرمان المواطن من حريته .. أو مصادرة هذه الحرية والوصاية على خلق الله والتنطع على حرياتهم العامة والخاصة.





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,321,713,871
- العشوائيات .. بعيون غير عشوائية
- قراءة سريعة في تقرير مهم (3 3)
- قراءة سريعة في تقرير مهم (2):
- وهم حوار الحضارات
- سيد القمني.. وجائزته الملغومة
- وصمة عار وشعاع أمل:لبنى .. السودانية
- قراءة سريعة في تقرير محترم (1)التقرير السنوي السادس للتنافسي ...
- ما رأى بشير عقيل؟!حسنة وأنا سيدك!
- مروه.... -النوبية-
- أيها المصريون: اعقلوا قليلا!
- جنيه 2005 العجيب
- وصف مصر بالمعلومات
- دماء على أرض مصر
- مفارقات القبض علي عبدالمنعم أبو الفتوح!
- بعد رواج مزايدات المتاجرة بدماء مروة الشربيني متي نعلن الحرب ...
- لماذا رفض -غالى- مناقشة قضية -مروه-؟!
- ازدواج المعايير .. وازدواج الشخصية
- مال.. وصاحبه غائب!
- الإصلاح الزراعي... الثاني 1 2
- التطبيع .. وسنينه


المزيد.....




- المصريون يصوتون في استفتاء على تعديلات دستورية تمدد ولاية ال ...
- السعوديتان الهاربتان في جورجيا مها ووفاء السبيعي تتحدثان لـC ...
- أهم ما يجب أن تعرفه عن تعديل الدستور في مصر
- التعديلات الدستورية في مصر: الناخبون يدلون بأصواتهم في الاست ...
- أهم ما يجب أن تعرفه عن تعديل الدستور في مصر
- إصابة العشرات بعد خروج قطار عن مساره في الهند
- مقاتلات روسيا.. الخيار الأفضل لتركيا
- وفاة قائد القوة الأممية في الجولان المحتل
- نعم، نعم، نعم لعالم نووي
- ترامب يهاتف حفتر ويخالف موقف خارجية أمريكا المُعلن حول ليبيا ...


المزيد.....

- حركة حماس والكيانية الفلسطينية المستقلة / فهد سليمان
- في راهنية الفكر السياسي للجبهة الديمقراطية.. / فهد سليمان
- فلسفة المواجهة وراء القضبان / محمودفنون
- مخيم شاتيلا - الجراح والكفاح / محمود عبدالله كلّم
- فلسفة المواجهة وراء القضبان / محمود فنون
- المملكة المنسية: تاريخ مملكة إسرئيل في ضوء علم الآثار(1) / محمود الصباغ
- قطاع غزة.. التغيرات الاجتماعية الاقتصادية / غازي الصوراني
- الفاتيكان و الحركة الصهيونية: الصراع على فلسطين / محمود الصباغ
- حزب الشعب الفلسطيني 100 عام: محطات على الطريق / ماهر الشريف
- الحركات الدينية الرافضة للصهيونية داخل إسرائيل / محمد عمارة تقي الدين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سعد هجرس - أسماء .. الفلسطينية!