لا نجزم بأن البوشية قد أفلت نهائياً، ففي السياسات الأمريكية اليوم الكثير من بصماتها، كما لا نجزم بأن تصبح الولايات المتحدة راعية للديمقراطية وتحترم حقوق الإنسان، طالما أنها أول وأكثر من يشن الحروب التدميرية وينتهك حقوق الإنسان. غير أن هناك جزم أكيد بأن هناك بوشيين كثر ما زالوا يتعاملوا مع الكثير من ملفات المنطقة وأحداثها الساخنة من ذات المنطق الأمريكي الذي لا يتعاطى مع كثير من ملفات المنطقة إلا وفق الهوى الأمريكي، إياه، والمصلحة الصهيونية بالدرجة الأولى. وهذا الأمر ينطبق على حدث، وغير تطور من تطورات المنطقة التي يأتي فيها أمن إسرائيل ومصلحتها في رأس معاييرها وأولوياتها.
فإلى اليوم، ورغم أن الانتخابات الإيرانية قد انتهت، وانتهى عرس وموسم البكاء العربي على "الديمقراطية الإيرانية" الموؤودة، وتم تنصيب أحمدي نجاد في مراسم رسمية وشرعية كرئيس لولاية جدية في إيران، فإن نفراً ما، ما زال مصراً على النفخ في كير الحدث وتكبيره وقسره وفق هواه، لا وفق ما هو، فلعل وعسى "تصيب وما تخيب". وبالأمس، كانت، مثلاً الولايات المتحدة، صاحبة الخبرة الاستخبارية والدبلوماسية الواسعة في شؤون المنطقة، أول من اعترف، وبعد قراءة، عملية وواعية لتطورات ومآلات الوضع الداخلي الإيراني، بأحمدي نجاد كرئيس منتخب لإيران، غير آبهين بمشاعر أصدقائهم الذين ما زالوا في غمرة الندب على "الحظ الديمقراطي" في إيران. غير أن المسؤولين الأمريكيين، ووسط دهشة وذهول حلفائهم، أدركوا لاحقاً، خطولرة تسرعهم، وبأن اعترافهم هذا سيجعل الكثيرين من عرب النخوة الديمقراطية الإيرانية بلا عمل، ولن يجدوا ما يسترزقون به، ويبكون عليه، بعد اليوم، إذا كان "رب البيت" الأمريكي قد استسلم وأعلن إذعانه لشروط الواقع، وقد تم الاستغناء عن خدماتهم الغوغائية البكائية. ولكي تعيدهم إلى عملهم المعتاد في مراسم اللطم الديمقراطي، عادت اليوم، وأصدرت "لهم"، تصريحاً بالتراجع عن مواقف الأمس المثيرة، في سابقة هي الأولى تقريباً في العرف الدبلوماسي، وتمثل، بحد ذاتها، جرحاً عميقاً للكبرياء الدبلوماسي الأمريكي، رغم أن شيئاً من الواقع لم يتغير، ولكن ما تغير فقط، هو الموقف والتصريح.
لقد بدا واضحاً الآن، أن الولايات المتحدة لا تكاد تترك مناسبة أو حدثاً، أو تطوراً دون استثماره وتجييره خدمة لأهدافها وأهداف إسرائيل في المنطقة. ولا يدري المرء أي شأن لها بأية انتخابات أو أحداث داخلية، أو خيارات وطنية في أية بقعة من العالم، إذا كان منطق العلاقات بين الدول يقول هذا، لولا محاولة قطف ثمار منها تخدم سياستها الإمبريالية العدوانية. ومع ذلك سنسلم بحق واشنطن بالتدخل في انتخابات إيران، وأن تجري تلك الانتخابات وفق ما تشتهي، وتأتي بالمعسكر الذي تريد، رغم أن الواقع والتجربة، أثبتا، بأن لا مصلحة حقيقية لأمريكا، في أي حدث ديمقراطي أصيل، في عموم العالم، لأنه عندها سيكون مـعبـّراًً عن مشاعر وتطلعات الشعوب وعواطفها الحقيقية في العداء المطلق للسياسات الإجرامية التي دأبت على ممارستها ضد شعوب العالم كله. ومن هنا سنتفق مع أمريكا بأن الانتخابات الإيرانية مزورة، وأن الرئيس أحمدي نجاد لا يمثل تطلعات الشعب الإيراني وووو...إلخ. وإذا جارينا أمريكا في هذا المنطق فإن عليها تطبيقه في عموم المنطقة الاستبدادية الشرق أوسطية لا أن تكون انتقائية وعورائية في التشديد على الأخذ به هنا، والتغاضي عنه، ورفضه هناك.
ومن هنا ماذا عن الانتخابات الديمقراطية، والأنظمة الديمقراطية القرووسطية للعائلات السلالية القدرية التي امتلكت العباد والبلاد؟ وماذا عن الجنرالات، والفراعنة، والدايات والبايات والباشاوات وزعماء الميليشيات والقبائل، والطوائف، والماريشالات، والملوك، والديناصورات وأولياء وخلفاء الله المؤبدين الحاكمين بأمر الله، هل هؤلاء كلهم ديمقراطيون؟ ولماذا لا يستثيرون الحمية والنخوة الديمقراطية الأمريكية؟ ولماذا تعترف بهم "ماما" أمريكا، وتتبادل معهم السفراء، وتلتقط الصور التذكارية في حضرتهم المهيبة، وتتراقص معهم بسيوف الله المسلولة في ليالي الأنس في الصحراء؟ ولماذا لم تجر مرة واحدة انتخابات، ولو بلدية، أو"كشافة"، أو "عرفاء" صف في واحدة من هذه المحميات والمشيخات الأبوية الخارجة من قيعان التاريخ والزمان؟
والأهم من ذلك كله، أنه ينصب اليوم جزء كبير من التعاطي مع الأزمة الإيرانية على تشريح مبدأ ولاية الفقيه الذي أسس له الإمام الخميني، واعتباره "ممسكاً" سلبياً، يتم من خلاله تناول إيران من خلال الجيش، إياه، الذي أقعده عن العمل الموقف المتذبذب الأمريكي.
ووقد يكون هناك، وقد لا يكون أية تحفظات على مبدأ ولاية الفقيه الذي، هو في النهاية خيار يتواءم مبدئيأً مع رؤية الشعب الإيراني، ووفقاً لعقيدته، ومخزونه الإسطوري، والفكري، والديني والتاريخي، الذي لا علاقة لأحد به، وهو بكل الأحوال، والمحصلة النهائية، إطار إيديولوجي وسياسي يتم من خلاله ترتيب البيت الداخلي في هذا الجزء من العالم. وهو على العموم، ومهما كانت سلبياته أو إيجابيته، أفضل من انعدام وجود أية أطر سلطوية كما هو الحال في المنظومة الاستبدادية المجاورة السائبة على هواها لمزاجات "أولي الأمر" الذي يـُقدسون ولا يناقشون، لكن ما يجمع الكل على رفضه، في كل زمان، ومكان، هي ولاية "السفيه" هذه، التي نراها اليوم تمارس بلا ضوابط ولا حسبان هنا وهناك، والتي جعلت العالم، برمته، يتخبط بالأزمات، ويئن على شفير البراكين والهاويات؟