أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - فلاح خلف الربيعي - المأزق التنموي في العراق... استمرار الطابع الريعي وارتفاع الإنفاق الأمني والعسكري















المزيد.....


المأزق التنموي في العراق... استمرار الطابع الريعي وارتفاع الإنفاق الأمني والعسكري


فلاح خلف الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 2727 - 2009 / 8 / 3 - 07:56
المحور: مقابلات و حوارات
    



نص المقابلة التي أجرتها جريدة الصباح ملحق أفاق إستراتيجية مع الباحث
حاورت الصباح الباحث الاقتصادي د. فلاح خلف الربيعي لتقف معه عند اهم المحاور.
اجرى الحوار: راضي محسن داود

* ما هو واقع التنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في العراق ؟
هناك حقيقة تم تجاهلها من قبل صانعي القرار خلال العقود الماضية من قبل الأنظمة التي حكمت العراق وهذه الحقيقة تنص" على أن التنمية الاجتماعية والثقافية هي نتاج للنمو الاقتصادي وسياسات التنمية" . وهذا يعني أن هناك نوع من العلاقة الجدلية أو التفاعل الديناميكي وعلاقات التأثير المتبادل بين حالة التنمية الاقتصادية من ناحية وواقع التنمية البشرية والاجتماعية والثقافية من ناحية ثانية ، فالسياسات الهادفة إلى تحسين واقع التنمية البشرية والاجتماعية والثقافية لا يمكن أن تحقق أهدافها بدون وجود مصدر اقتصادي مستقر لتمويل تلك البرامج ، من هنا تتأكد أهمية عملية تنمية القطاعات الإنتاجية ، وأهمية بناء اقتصادي قوي ومستقر، لكونه السبيل الوحيد لضمان تنمية إنسانية (اجتماعية وثقافية) مستقرة
وفي ضوء هذه الحقائق يمكن ان نفسر ما يجري حاليا في العراق من ارتفاع كبير في معدلات الفقر والجريمة والبطالة والمظاهر الأخرى للتخلف الاجتماعي والثقافي والتدهور الإنتاجي . فقد أدت ظروف عدم الاستقرار التي مر بها الاقتصاد العراقي، خلال فترات الحروب والحصار الاقتصادي وما تبعها من احتلال وهجمة الإرهابية الى إهمال للقطاعات الإنتاجية والتنمية الاقتصادية وعملية الاستثمار بشكل عام، و توجيه القسم الأعظم من الموارد التي حققها العراق خلال العقود السابقة نحو تمويل الإنفاق الأمني والعسكري،وقد أسفر عن هذا التوجه تقليص الدعم الموجه لقطاعات التنمية الإنسانية وفي مقدمتها قطاعي الصحة والتعليم، وما ترتب على تلك السياسات من تعاظم المخاطر والتحديات التي واجهت التنمية الإنسانية في العراق واستشراء الفقر وعدم المساواة و المظاهر الأخرى للتخلف الاجتماعي والثقافي و حالة التدهور الإنتاجي .
وللأسف لم يطرأ تغيير مهم على هذا التوجه بعد إسقاط النظام الديكتاتوري فجر التاسع من نيسان 2003
و لعدة أسباب في مقدمتها تركز اهتمام الأحزاب والحركات التي تدير العملية السياسية على كيفية الاستيلاء على مواقع السلطة والمال العام ، و كيفية احتلال مواقع النفوذ أكثر من اهتمامها بالنواحي ذات الصلة بشأن الاقتصادي والتنموي وبخاصة مشكلة البطالة وإعادة أعمار البنية الإنتاجية والبنية التحتية ، فلم يطرح أي من هذه الاحزاب برنامج اقتصادي بعيد المدى للنهوض بالواقع الاقتصادي والمعيشي، يهدف الى حشد الجهود لتخفيف العبء عن كاهل المواطن العراقي الذي عانى منذ أربعة عقود مختلف صنوف القهر الاقتصادي والاجتماعي والسياسي .
بناء على هذا التحليل فإن السياسات الاقتصادية الهادفة إلى النهوض بالواقع الاجتماعي والثقافي وتحسين نوعية الحياة في العراق في المستقبل ينبغي أن تضع الآليات الكفيلة بالنهوض بالقطاعات الإنتاجية وعملية الاستثمار كسبيل وحيد لرفع مستوى التنمية الإنسانية في العراق


*- ما هي العوامل التي ساهمت في استفحال المأزق التنموي في العراق منذ العام 2003 ولحد الان ؟
أن أي برنامج اقتصادي بعيد المدى يستهدف النهوض بالواقع الاقتصادي والمعيشي كسبيل للخروج من المأزق التنموي في العراق، ينبغي أن ينطلق من التشخيص الدقيق للعوامل التي ساهمت في استمرار هذا المأزق والعوامل و أدت إلى تفاقمه، وفي مقدمة تلك العوامل استمرار تبعية السياسة الاقتصادية للإيرادات النفطية،و استمرار الطابع الريعي وغير الإنتاجي لتوجهات السياسة الاقتصادية الذي ساهم في تدهور القطاعات السلعية وبخاصة قطاع الزراعة والصناعة التحويلية، وتكريس الطابع الريعي – الخدمي للاقتصاد العراقي ، فضلا عن استمرار ارتفاع الإنفاق الاستهلاكي الخاص والعام وبخاصة الإنفاق الأمني و الدفاعي ، الذي فتح الباب واسعا لشيوع مظاهر الفساد المالي والإداري في جميع أنشطة الدولة الاقتصادية والإدارية والأمنية. وقد أقترن هذا التوجه بضعف مرونة الجهاز الإنتاجي، مما أدى ارتفاع معدلات الاستيراد. وهذا الوضع أدى إلى بروز نوع من التناقض بين التوجهات الوزارات الإنتاجية الهادفة إلى النهوض بواقع القطاعات الإنتاجية وبخاصة وزارة الصناعة والزراعة والتخطيط وما تحتاجه لتنفيذ تلك التوجهات من رفع لمعدلات الاستثمار الإنتاجي من ناحية والتوجهات الاستهلاكية لأجهزة الإدارة العامة للدولة والأجهزة الأمنية والعسكرية من ناحية ثانية وبرز هذا التناقض بشكل تنافس حاد على التخصيصات المالية ، و للأسف فأن الظروف الأمنية أدت إلى حسم هذا التنافس لصالح الأنشطة الاستهلاكية ،وتحديدا لصالح الأنشطة الدفاعية والأمنية ،وترتب على هذا التوجه زيادة مستمرة في الإنفاق الاستهلاكي وعلى حساب الاستثمار قي المجالات الإنتاجية وفي مجالات التنمية الإنسانية ، وهذا التبدل العنيف في نمط تخصيصات هو الذي يفسر حالة التدهور المستمرة في القطاعات الإنتاجية، و زيادة التفاقم في حالة الاختلال بين رأس المال الفوقي والاجتماعي ورأس المال الإنتاجي المباشر، لهذا فأننا نشهد اليوم أسوء أنواع الاختلال القطاعي،بعد أن تعمقت حالة عدم التناسب بين القطاعات التي تشكل مصادر العرض المحلي للناتج السلعي غير النفطي، والقطاعات التي تعمل كروافد للطلب المحلي،وقد أنعكس ذلك،بشكل اختلال بين القدرات الإنتاجية الحقيقية المتولدة في الاقتصاد الوطني،التي تعبر عنها القيم المضافة المتحققة في قطاعي الزراعة والصناعة التحويلية، والقدرات الاستهلاكية الكبيرة المتمثلة بالدخول المتولدة في الأنشطة غير السلعية، وبخاصة أنشطة الإدارة العامة والدفاع . .

*- ماهي الوسائل والاليأت لتصحيح مسار التنمية المستدامة في العراق والخروج من هذا المأزق ؟
بعد انتهاء حالة الاحتلال العسكري للمدن العراقية و التحسن النسبي في الوضع الأمني ، ينبغي أن تكثف جهود الحكومة نحو وضع الآليات الكفيلة بالخروج من المأزق التنموي وتصحيح مسار التنمية من خلال توجيه النسبة الكبرى من التخصيصات الاستثمارية وموارد النقد الأجنبي نحو قطاع الصناعة التحويلية وقطاع الزراعة لجعل هذين القطاعين أكثر استيعابا للقوى العاملة ولحركة رؤوس الأموال .وتبني إستراتيجية للتنمية تهدف الى تحويل الاقتصاد العراقي من اقتصاد استخراجي-خدمي الى اقتصاد صناعي –زراعي ، وتحقيق هذا الامر يستلزم إعداد برنامج بعيد المدى لتتصرف بموارد النقد الأجنبي، ووضع الآليات الكفيلة بتحسين توظيف تلك الموارد ،وفي مقدمتها الموازنات بعيدة المدى للنقد الأجنبي ،التي تأخذ في الحساب إمكانيات تعويض الاستيراد وتنويع هيكل الإنتاج و هيكل الصادرات الى جانب تهيئة المناخ الاقتصادي الملائم، الكفيل بتعزيز حالة التنافس بين القطاع العام والقطاع الخاص وعلى أساس اعتبارات الكفاءة الإنتاجية والخضوع لقوى السوق، وذلك بالعمل على منح القطاع الخاص الفرصة الكاملة للقيام بدوره في عملية التنمية،على أن تهتم القطاعات الحكومية بتهيئة المتطلبات الأساسية لهذه التنمية من توفير البنية الأساسية كالخدمات والمواني والطرق وشبكات الكهرباء والمياه ، فاستمرار احتكار المؤسسات الحكومية للمشاريع الكبيرة في مجالات القطاع النفط والصناعة الصناعة التحويلية ة والخدمات العامة، وعدم السماح للقطاع الخاص للدخول الى هذه المجالات ، سيحرم الاقتصاد العراقي من استثمارات القطاع الخاص المحلي والأجنبي من ناحية مثلما يحرمها من المهارات والمعرفة والتكنولوجيا التي يمكن أن تصاحب تلك الاستثمارات وتسهيل مشاركة رأس المال الوطني والأجنبي في ملكية المشاريع المحلية وتطوير للسوق المالية لإتاحة الفرصة لمزيد من الاستثمارات،وتوفير المزيد من القنوات لاستقطاب المدخرات ، كما يستلزم إعادة توزيع القوى العاملة على الأنشطة الاقتصادية في ضوء احتياجاتها الفعلية،وبما يكفل زيادة مستويات الكفاءة الإنتاجية للعاملين، وإضفاء نوع من المرونة على سياسات التشغيل والتوظيف خاصة في مجال الاستغناء عن خدمات العمالة الفائضة ، ومعالجة تلك القضية عن طريق رفع مستوى المهارات،والتوسع المستمر في المشاريع الخصخصة وفتح مختلف الأنشطة والقطاعات للمنافسة ، والعمل الجاد لمكافحة الفساد الإداري والمالي .

*- ما هي التحديات التي تواجهها خطط التنمية المستدامة في العراق ؟
بعد أكثر من ست سنوات من التجربة الصعبة والباهظة التكاليف ، أخفقت كل من سلطة الاحتلال والحكومات والأحزاب السياسية التي تولت إدارة البلاد وبشكل خاص خلال السنوات 2004-2007 - ولأسباب موضوعية وذاتية متعددة- ليس فقط في إحداث التغيير الاقتصادي الجذري المطلوب، وإنما أيضاً في الحفاظ على حالة الاستقرار السياسي والاجتماعي والأمن وفرض سلطة القانون والنظام العام والعدالة بين المواطنين ، ومع أن النزاهة والحكمة تقتضي من الفاشلين الانسحاب وترك مواقع المسئولية العامة لمن هم أكثر كفاءة في إدارة الشأن الاقتصادي والاجتماعي لضمان مواصلة جهود التغيير الديمقراطي والتنمية، فإن هذا الأمر لم يتحقق لحد ألان
فلا تزال الأولوية في اختيار الوزراء وموظفي الدولة الكبار تتم على أساس اعتبارات المحاصصة السياسية والموازنات الطائفية ،وعلى حساب التخصص الأكاديمي والكفاءة والنزاهة ويشكل هذا العامل في رأيي أكثر التحديات التي تواجه عمليات التنمية خطورة الى جانب تحدي الإرهاب الأجنبي والمحلي، والتدخل الخارجي المعادي، وعجز الحكومة والقادة والأحزاب السياسية الفعالة عن تقديم الحلول العملية لحالة الخراب التي لحقت في البنية التحتية وبخاصة قطاع الكهرباء والمياه والصرف الصحي والنقل والمواصلات والاتصالات والبنية الإنتاجية وانخفاض معدلات الإنتاج والتصدير للنفط والغاز .
أن نتائج هذا الفشل تظهر الحاجة إلى أهمية تقوية دور التنظيمات والأحزاب والشخصيات الديمقراطية صاحبة المصلحة الحقيقة في عملية التنمية وعملية التحول الديمقراطي بعد أن هيمنت المليشيات المسلحة والتنظيمات الإرهابية على المشهد السياسي في السنوات الماضية ، فهذه القوى تمتلك المؤهلات لتقديم البرامج و السياسات الاقتصادية البديلة .

*- ما أهمية العامل الإداري في التنمية المستدامة في العراق ؟
أرتبط الاهتمام بتطوير الجهاز الإداري في العراق مؤخرا بعدة عوامل من أهمها ،الانتقال من النظام الديكتاتوري الى النظام الديمقراطي و ما صاحبه من زيادة كبيرة في الإنفاق العام وبخاصة إنفاق الجهاز الإداري ترافقت مع حالة التناقص النسبي في الإيرادات العامة بسبب تدهور أسعار النفط وضعف إيرادات الدولة من القطاعات غير النفطية ، هذا الى جانب ضعف أداء أجهزة الدولة التنفيذية وفشلها في مجالاتٍ كثيرة في توفير الخدمات و تحقيق الأهداف العامـــة. و سعي الحكومة الى فرض سلطة القانون وإشاعة النظام ومكافحة الفساد المالي والإداري والسياسي ، و ارتفاع سقف التوقعات الاجتماعية من الخدمات التي ستقدمها الحكومات الوطنية ، و التحول المنتظر في سياسة الدولة نحو توسيع الدور الاقتصادي للقطاع الخاص لا يمكن ان يتحقق الا في ظل وجود جهاز إداري يتمتع بالكفاءة
الى جانب تلك العوامل المحفزة على التطوبر الإداري برزت عوامل أخرى ساهمت في تكريس حالة التخلف في الجهاز الإداري من أهمها الفشل في تحديد الأولويات في اختيار الوزراء وموظفي الدولة الكبار ،وعلى أساس التخصص الأكاديمي والكفاءة والنزاهة ، الذي أدى الى تكوين كوادر وأطر إدارية عاجزة عن القيام بمهامها بالشكل الصحيح ، فضلا عن ضعف مستوى التدريب الفعّال للقيادات الإدارية التي تتولى مهمة تنفيذ برامج التنمية الاقتصادية والتنمية الإدارية سواء أكان ذلك من حيث الكم أو الكيف،فمن حيث الكم لا يزال عدد مؤسسات التدريب الإداري محدوداً ، كما ساهم عدم استقرار الجهاز الإداري نتيجة للتغيرات السياسية السريعة في فقدان الجهاز الإداري لتوازنه، وتعرضه للكثير من التقلبات غير المدروسة وغير المبررة علي أسسٍ موضوعية تراعي مصلحة الجهاز الإداري،وجعلته بالتالي غير قادر على أنجاز أي تطور في المجال إداري .

* ما هي أثار برامج التكيف الهيكلي على السياسة التنموية في العراق ؟
يترتب على تطبيق برامج التكيف الهيكلي جملة من الآثار ايجابية والسلبية، ومن ابرز الآثار الايجابية هي زيادة قابلية الاقتصاد الكلي على امتصاص الصدمات الخارجية الناجمة عن التقلب في ظروف أسواق الصادرات والأسواق المالية الدولية ، كما تعمل على الوصول إلى معدلات عالية للنمو الاقتصادي وعلاج التشوهات الاقتصادية ، و بخاصة تشوهات الأسعار (أسعار الفائدة، أسعار الصرف)، وتقليل عجز الموازنة العامة، وتخفيض العجز في ميزان المدفوعات للوصول إلى حالة الكفاءة في استخدام موارد الصندوق، وحسن الأداء الاقتصادي، وبالتالي زيادة قدرة البلد المستفيد على سداد مديونيته الخارجية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي لإعادة حالة التوازن الداخلي والخارجي.
إلا أن تطبيق برامج التكيف الهيكلي يترتب عليه جملة من الآثار الاجتماعية السلبية وبخاصة تلك التي تنجم عن تطبيق سياسات التقشف المالي التي تلحق أفدح الإضرار بفئات واسعة من الشعب خصوصا الفئات الفقيرة و أصحاب الدخول الثابتة (الأجور والرواتب ) كما تؤدي تلك السياسات الى حرمان الكثير من فرص التعلم و التدريب ، و تؤدي سياسات التحرير التجارة الخارجية ورفع القيود طغيان النزعة الاستهلاكية لفئة قليلة من إفراد الشعب وسقوط الفئة العظمى في مصيدة الجوع
ولتنفيذ تلك البرامج بتكلفة اجتماعية واقتصادية أقل حدة ، ينبغ توفر دعم مالي خارجي على نطاق كبير. فذلك أمر هام لتفادي الآثار الانكماشية أو على الأقل تخفيف حدتها، وكذلك لتخفيف الأعباء على الطبقات الشعبية. ومن ثم توفير ظروف تصبح فيها هذه البرامج متقبلة أو محتملة دون معارضة قوية ، ولهذا تصطحب هذه البرامج عادة بتقديم مساندة مالية من الصندوق والبنك الدولي ومؤسسات دولية أخرى فضلاً عن تأجيل سداد الديون(إعادة الجدولة) .
كما أن هناك تكلفة السياسية ينبغي عدم تجاهلها عند تقييم برامج التكيف الهيكلي فمعظم الدول التي طبقت برامج الصندوق واجهت أحد أمرين، أما التضحية بالديمقراطية من أجل الاستمرار في تنفيذ البرنامج، أو واجهت خطر الانقلابات العسكرية بعد أن تفاقمت العواقب الوخيمة لتنفيذ تلك البرامج.
* هل هناك برامج وسياسات بديلة عن التكيف الهيكلي ؟
بناءا على الآثار السلبية المذكورة لا ينبغي أن ينصب اهتمام صانع القرار على التطبيق الحرفي لوصفة الصندوق ، بل ينبغي ان تكون عملية التكيف الهيكلي جزء من عملية شاملة، تهدف إلى بناء أسس جديدة للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية مع المجتمع الدولي، تنطلق من مراعاة آلاثار الركودية والتضخمية التي خلفها الحصار الاقتصادي الدولي على المواطن العراقي ،
أما القضية العاجلة والمحورية في البرنامج البديل فهي العمل على تعبئة كل الجهود بهدف إعادة أعمار البنية الإنتاجية والعمل على زيادة الإنتاج بالاعتماد على القوى الذاتية. وكل إنجاز في هذا السبيل سوف يساعد على التغلب على الصعوبات الاقتصادية الراهنة. ولابد من توفير شروط أفضل لزيادة الإنتاج وبخاصة زيادة إنتاج المواد الغذائية بهدف رفع نسبة الاكتفاء الذاتي. وزيادة إنتاج المنتجات ذات الاستهلاك الشعبي للوفاء بالاحتياجات الأساسية لأكبر شريحة في المجتمع. وزيادة إنتاج الأنشطة الصناعية التصديرية التي يمتلك العراق ميزة نسبية في إنتاجها وبخاصة الصناعات البتروكيمياوية ، وصناعة تصفية النفط ورفع مستوى الأداء في باقي الأنشطة الصناعية والزراعية . وإصلاح نظم الأجور والمعاشات. ولابد من تهيئة المناخ الاستثماري المناسب لتحفيز الاستثمار الخاص والأجنبي ، والتركيز على وإتباع سياسة نقدية ومالية مناسبة لمكافحة التضخم ، وتخفيض معدلات البطالة، والاهتمام بتوفير الخدمات العامة والأنشطة الاجتماعية الترفيهية والترويحية للتخفيف من وطأة الكبت والحرمان و القهر الاجتماعي والاقتصادي الكامن في نفوس العراقيين طوال العقود الأربعة الماضية .

* هل تتوفر في العراق ظروف وإمكانيات للاستثمار الأجنبي والعربي والمحلي ؟
بشكل عام فأن نجاح أي دولة في جذب الاستثمار الأجنبي ، يتوقف على عدة عوامل، في مقدمتها الاستقرار السياسي والأمني الى جانب العوامل المادية كالبنية التحتية من مطارات وموانئ وطرق ومصادر طاقة ومياه ووسائل اتصال، والعوامل غير المادية و في مقدمتها سلوك الإدارة الحكومية وبخاصة قضية الفساد والمصداقية التي تمارس تأثيرا قويا على مناخ الاستثمار ، من خلال تأثيرها على التكاليف والمخاطر والعوائق المفروضة على المنافسة .فقرار الاستثماري مدفوع بالسعي لتحقيق الربحية ، وتتأثر الربحية بالتكاليف والمخاطر والعوائق أمام المنافسة ،وبدرجة توفر الأمن والاستقرار ، وبخاصة أمن حقوق الملكية ، ودرجة التقييد باللوائح التنظيمية والقوانين ،ونظام الضرائب ، التي تترك أثار بالغة الأهمية على التكاليف والمخاطر ، هذا الى جانب أهمية النواحي الديناميكية ،كمستوى المهارات والكفاءات التكنيكية والتنظيمية السائدة في الموقع المعني، و مستوى البحث والتطوير ومدى كفاءة النظام المحاسبي والإداري والقضائي .
وترتبط حاجة الاقتصاد العراقي إلى الاستثمار الأجنبي بعدة أمور من أهمها ، بالرغبة في تنشيط الاقتصاد الكلي وتنويع الهيكل الإنتاجي ومصادر الدخل. واستقطاب الخبرات الإدارية والتكنيكية ذات المستوى العالي التي تسهم في رفع الطاقة الاستيعابية والقدرات الإنتاجية للاقتصاد الوطني وخلق فرص عمل للمواطنين،كما أن وجود الاستثمارات الأجنبية في الاقتصاد العراقي سيضع العراق في مكانة ملائمة على خريطة العالم الاقتصادية، ويكسبه سمعة دولية طيبة تفتح الأبواب أمام المزيد من الاستثمارات في المستقبل.
غير أن تلك الطموحات تصطدم بعدد من المعوقات في مقدمتها استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني وغياب الإستراتيجية الواضحة للتنمية الاقتصادية وعشوائية القرارات فيما يتعلق بالاستثمار وتوظيف العمالة، و جمود التشريعات المتعلقة بالمجالات الاقتصادية والاستثمارية ومحدودية السوق المحلية، حيث يتحكم حجم السوق في تحديد قيمة الاستثمارات وعوائدها، وهذه النقطة يمكن التغلب عليه بالانفتاح على أسواق الدول المجاورة ، و غياب المسوحات الميدانية والخرائط الاستثمارية التي توضح أهم الفرص الاستثمارية الموجودة في العراق واحتكار الحكومات وشرائح معينة من كبار المستثمرين للمعلومات عن هذه الفرص فضلا عن استمرار هيمنة الحكومة والقطاع العام على معظم الأنشطة الإنتاجية على الرغم من إعلان الحكومات لتوجهها نحو الخصخصة

* أية فلسفة اقتصادية تكمن خلف الخطط التنموية الجارية في العراق ؟
نظرا للأهمية الإستراتيجية للنفط الخام، الذي سيظل لفترة طويلة، المصدر الرئيسي لتمويل عملية التنمية في العراق، فأن الفلسفة الاقتصادية التي ستنجح في العراق هي تلك الفلسفة التي تتمكن من تسليط الضوء على ككيفية استخدام إيرادات النفط وفق معايير الكفاءة الاقتصادية الخاصة بالسوق الحرة. وعلى وجه التحديد تلك الفلسفة التي تتبنى السياسات الاقتصادية التي تعمل على رفع كفاءة استخدام إيرادات النفط لتحقيق النمو المستدام والتشغيل وتنمية الاقتصاد على أساس السوق الحرة ، و تمهد السبيل لتحول الاقتصاد العراقي من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد إنتاجي صناعي –زراعي ، عبر اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتغيير الهيكل الإنتاجي لصالح قطاع الصناعة التحويلية وقطاع الزراعة.بعد أن كانت سياسات النظام الشمولي خلال الفترة ( 1979-2003) ، تركز على الاستغلال الجائر للثروة النفطية والموارد العامة في دعم ألأنشطة الأمنية والعسكرية ،فهدرت مئات المليارات من الدولارات على الإنفاق على الحروب و ودفع الديون والتعويضات ، و ما ترتب على تلك السياسات من إهمال شبه كامل لعملية التنمية الاقتصادية والإنسانية وبالتالي تفاقم الاختلالات الهيكلية والمشكلات الاجتماعية والسياسية والثقافية .
وبعد سقوط هذا النظام استندت سلطة الاحتلال على الفلسفة الليبرالية و تحديدا على النظريات الاقتصادية النيوكلاسيكية ، والسياسات الكينزية وبعد الكينيزية، غير أن تلك النظريات عززت من الطابع الريعي والاستهلاكي للاقتصاد العراقي وزادت من ضعف النواحي الإنتاجية، و لم تقدم حلولا جديرة بالاهتمام لرفع كفاءة استخدام إيرادات النفط وتحقيق النمو المستدام والتشغيل، كما أن الأحداث الكارثية السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي سادت في العراق خلال الفترة ( 2004-2007) ،وحالة انعدام الأمن العراق ساهمت ،في تقليل الثقة بتلك التطبيقات وبروز الدعوات الى مراجعة وتقييم وتحليل الأسس التي استندت عليها تلك السياسات الاقتصادية والإستراتيجية التي نادت بها الولايات المتحدة لإعادة بناء الاقتصاد العراقي على أساس السوق الحرة ، فالسياسات المنفذة لم تكن تستند على فهم للأوضاع الاقتصادية في العراق ، وإمكانيات النمو،والمشاكل الهيكلية ، لذا فانه إنها فشلت في تحسين الوضع الاقتصادي المتدهور على الرغم من إنفاق الموارد المالية الوفيرة المتوفرة.

*هل توجد في العراق سياسات محدد وستراتيجيات تنموية أم ان الحاصل ألان هو فوضى اقتصادية ؟
عمت أجهزة الدولة في العراق ومنذ سقوط النظام السابق في نيسان 2003، حالة من الفوضى الاقتصادية والإدارية والسياسية ،ساهمت في تكريسها عدة عوامل أبرزها: الفوضى التي رافقت إدارة الاحتلال ، فضلا عن ضعف مستوى كفاءة الوزارات والأجهزة الحكومية الوطنية التي جاءت بعد استلام السيادة في حزيران2004، فمعظم هذه الأجهزة قد انبثقت عن عمليات المحاصصة الطائفية، غلبت الاعتبارات الطائفية والحزبية على اعتبارات التخصص الأكاديمي والكفاءة والنزاهة، وقاد هذا الوضع الى تكريس حالة التخلف الاقتصادي والإداري وشيوع مظاهر البيروقراطية والفساد الإداري والمالي، وبطء عمليات إعادة الأعمار والركود الاقتصادي .
لم تطرأ تطورات مهمة على هذا المشهد المأساوي لحد الآن ، نتيجة لغياب الرؤية الاقتصادية الوطنية الواضحة والمشروع السياسي والاقتصادي الوطني ،أدى إلى عدم وضوح الأولويات لدى صانعي القرار الاقتصادي لذا فنحن بحاجة الى تبني سياسات تستند إلى رؤية إستراتيجية مدروسة تضمن تحقيق إدارة سليمة للفائض الاقتصادي. وبرامج عملية مجدية اقتصاديا تستهدف، أولا إلى مواجهة المشكلات الآنية المتمثلة بالأمن وإعادة الأعمار ومكافحة البطالة والسعي نحو تنويع الموارد الوطنية بما يضمن توفير مصادر دخل موثوقة وإعادة النظر في هيكل الإنفاق العام لرفع كفائته بما يكفل تعزيز الطابع الإنتاجي والاستثماري وتحسين الخدمات العامة وتوفير فرص عمل منتجة للمواطنين.
أما الخطط التنموية التي تم العمل بها خلال الفترة من 2004 -2009 لا يمكن وضعها ضمن إطار عملية التخطيط التي هي عملية مركبة تشمل على إبعاد زمنية وقطاعية ومؤسسية ومكانية وبيئية ،أما تلك الخطط ، فكانت تفتقر إلى عنصر الربط آو التنسيق بين تلك الإبعاد ، وبذلك فهي لن تتعدى عملية حساب للتكاليف المالية المشاريع المختلفة وبالأخص مشاريع القطاع العام ، وأساليب انجازها،ومتابعة مراحل تنفيذها،دون أن يرتبط ذلك باحتساب آثارها على مجمل الاقتصاد الوطني وآفاق تطوره من حيث الدخل القومي ومستوى الأسعار ومستوى المعيشة والتوازن بين مختلف القطاعات الاقتصادية.و بهذا فهي اقرب للبرامج الاستثمارية وليس خططا لكونها اقتصرت على البعد الزمني القصير الأجل وأهملت تقريباً الآثار التنموية الطويلة الأجل


للإطلاع على المقابلة انظر الرابط الاتي :-
http://www.alsabaah.com/paper.php?source=akbar&mlf=copy&sid=87227





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,479,034,966
- التكامل الاقتصادي بين الشروط التقليدية والشروط الحديثة
- البرلمان العراقي و تحريم المشروبات الكحولية
- دور السياسات الاقتصادية في استفحال ظاهرة البطالة في العراق
- سبل مواجهة المأزق التنموي في العراق
- دور الإعلام في عملية التنمية في العراق
- مدرسة التبعية المنهج الملائم لتفسير ظاهرة التخلف في دول العا ...
- الجودة الشاملة في التعليم الجامعي وإمكانيات تطبيقها في العرا ...
- آليات النهوض برأس المال البشري في الدول العربية
- آليات السوق وسبل تفعيلها في العراق
- التحولات في دور الدولة الاقتصادي بين الدول المتقدمة والنامية
- مشكلة الموائمة بين مخرجات التعليم وشروط سوق العمل
- سبل رفع مستوى التنمية الإنسانية في العالم العربي
- سبل تفعيل شبكات الحماية الاجتماعية في العراق
- التكتلات الاقتصادية في الدول المتقدمة والنامية
- الآثار النقدية للسياسات المالية في العراق
- التحديات التي تواجه تنفيذ أهداف الموازنات العامة في العراق
- برامج الخصخصة ..الاهداف والاستراتيجيات والاساليب والاثار وشر ...
- برامج صندوق النقد الدولي وأزمة التنمية في الدول النامية
- تطور أهتمام الفكر التنموي بالتنمية البشرية
- سبل النهوض ببرامج القروض الصغيرة في العراق


المزيد.....




- مكتب حقوق الانسان في البصرة تحذر من استفحال ظاهرة المخدرات ف ...
- لبنان: غارة جوية إسرائيلية تستهدف موقعا عسكريا فلسطينيا قرب ...
- أستراليا تخطط لحجب المحتوى المتطرف على الأنترنت
- هل تستمر الهيمنة العسكرية الأمريكية في آسيا مع تقدم القوة ال ...
- أستراليا تخطط لحجب المحتوى المتطرف على الأنترنت
- بالفيديو... غارات إسرائيلية على الجبهة الشعبية القيادة العام ...
- الجيش الإيراني يرسل بارجة حربية لحماية الملاحة البحرية في خل ...
- وزير الخارجية الألماني متشدد في موقفه تجاه روسيا!
- بيان مشترك سعودي إماراتي بخصوص اليمن
- إجراء إسرائيلي عقابي ضد غزة ردا على إطلاق صواريخ


المزيد.....

- كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي ... / مجدى عبد الهادى
- حوار مع ميشال سير / الحسن علاج
- حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع ... / حسقيل قوجمان
- المقدس متولي : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- «صفقة القرن» حل أميركي وإقليمي لتصفية القضية والحقوق الوطنية ... / نايف حواتمة
- الجماهير العربية تبحث عن بطل ديمقراطي / جلبير الأشقر
- من اختلس مليارات دول الخليج التي دفعت إلى فرنسا بعد تحرير ال ... / موريس صليبا
- أفكار صاخبة / ريبر هبون
- معرفيون ومعرفيات / ريبر هبون
- اليسار الفلسطيني تيار ديمقراطي موجود في صفوف شعبنا وفي الميد ... / نايف حواتمة


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - فلاح خلف الربيعي - المأزق التنموي في العراق... استمرار الطابع الريعي وارتفاع الإنفاق الأمني والعسكري