أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سرمد السرمدي - علكة صهيونية تغزوا الأسواق العراقية















المزيد.....


علكة صهيونية تغزوا الأسواق العراقية


سرمد السرمدي
الحوار المتمدن-العدد: 2712 - 2009 / 7 / 19 - 10:08
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



- لحظة عارية 4

نصيحة من اب عربي لأبنه: كي تموت مرتاحا التزم بحرث البحر وحفر الصخر لأنك لن تعيش مرتاحا.. أنسى ! , لم تكن في وصية ابي كمثل هذه السطور,لم يكن لديه وقت لكتابتها, لكنني لم اجد ما يبرر غير هذه الكلمات حينما افكر في ما اكتبه كعنوان وصيتي ان وجدت ووجد ابني وقتا لقراءتها ! ,لست من الذين يبرمجون حياتهم على لوحة التقويم السنوي فليس لدي ادنى احساس بحبة رمل الزمان المتطفلة لداخل عيني بعد ان اغرقتها الدموع في محاولة اخراجها فما عدت اراها في المرآة ,اعترف انها مغامرة غير محسوبة بالخروج من تحت عباءة الزمان الا ان روح المغامرة لا تستحق ان تقتل بحجة كونها غير محسوبة, فلن نجد الصدفة كما نعرف معناها لو تم ترتيبها ولن تبقى المغامرة الضمان الوحيد من ان في الأفق اكثر من خط يفصل السماء عن الأرض لو وضعت تحت مجهر العقل قبل القفز في مجاهل محيطها ,الا ان دعوتي ليست من الجنون في شيء , فالعاقل وحده سيدرك اهمية الزمان والصدفة والمغامرة كما يدرك الذي يقترب من الشمس وهو يعلم باحتراقه لا محالة وكل ما يأمله الوصول الى اقرب مسافة تضمن له العيش ليحكي قصة تحقيق الأنسانية خطوة اخرى باتجاه المجهول ,نعم العاقل وحده من يدرك اهمية هذه اللحظة وقدرتها على تفسير معنى الحياة, التي لا بد ان يكون لها معنى ,حتى لو كانت في العراق , والا ؟!

ولأن كل مشاهد الحياة تصطف لتعبد طريق الوصول للمعنى المنشود والقيمة الفعلية للحظات السير باتجاه هذا الهدف الإنساني, لماذا نستذكر مشاهد بعينها دون اخرى ؟!, بل ويطيب لنا تكرارها على مسامعنا وكل من تتوفر فرصة الحديث عنها معه , مشاهد نبرر ذكرها بكونها اثرت في حياتنا كثيرا ولهذا هي مهمة بما يكفي لتسكن الذاكرة للأبد وتفرض ذكرها ضمن هويتنا الحالية كتعريف عن من نكون لأنفسنا وللآخرين ان تطلب الأمر ,لكني ارى ان ما لا نتذكره من وقائع هو الذي اوصلنا لما نحن عليه اليوم بالفعل ! , فانتقاءنا لمشاهد معينة من سيناريو حياتنا لا يعدوا اكثر من محاولة الهرب من الوجه الذي نتعرف عليه كل صباح في المرآة لأول مرة حينما يقذف بالسؤال علينا من انت ؟!

مسافة بيننا وبين المرآة يسكن فيها هذا السؤال , مسافة بيني وبين ذاتي , بين ماانا كائن الآن وبين ما كنت اريد ان اكون , فراغ كحفرة نحاول ردمها بتراب الذكريات التي ننتقيها بحيث تبقى صورتنا جميلة للدرجة التي علقت هذه المشاهد بالذاكرة واصبح من الصعب استبدالها , بل ان تكرارها ادى الى استفحالها وانا اتحدى فيك الأمانة ايها القارىء ان استطعت سرد مشهد منها دون حذف او اضافة كل مرة , بل ان تلتزم بذات نبرة الصوت واسلوب السرد لقصة من كتابك الذي اعتقدت بكونه قادر على سد هذه الثغرة بينك وبين المرآة الآن,أنت لا تصدقني , بينما احسبك الآن تنظر في اقرب مرآة بحجة ان شيئا دخل في عينك اثناء القراءة , او ان شعرك بحاجة لتصففه , او لتشرب الماء, او ربما وهذا وارد ان تكون مللت من هذه السطور فارتميت عند اقرب مرآة تتنهد ضجرا متسائلا عن ماذا تفعل كبديل عن مواصلة القراءة , ولكنك في الحقيقة تتفحص المسافة بينك وبين من ينظر اليك من خلال مرآتك لعلها ليست بحجم الخطورة التي اصفها لك,لكن هيهات ! ,لتكن متأكدا ايها القارىء ان ما تنساه من مشاهد حياتك هو ما اوصل الغريب الذي تراه الآن في مرآتك محدقا فيك مستغربا بأن كيف تصدق انت محاولاتك لتجاهله ستنفع وهو انت وليس ما تفكر فيه بديلا عنه على الأطلاق, فالمرآة العراقية لا تكذب ولو كانت مهشمة !

مرآة الحقيقة والواقع ! , بضائع صهيونية تغزوا الأسواق العراقية ,لكن دعنا نتوقف عند من يبدأ حديثه في لقاء تلفزيوني او ندوة ثقافية او حتى مع صديق بكلمة في الحقيقة والواقع , فهذا الشخص مثقف بالضرورة ليحظى بتسليط الأضواء عليه ولو انها قد تسلط حتى على المجرمين والشاذين بوصفهم نماذج انماط اجتماعية تكمن اهمية التعريف بها لتلافيها او الاتعاظ منها على اقل تقدير, لكن انا اقصد بالذات من يعتلي منبرا ثقافيا معينا في وقت معين يتاح لكلماته ان تصل الى الناس ويبدا الحديث مطبقا الحقيقة على الواقع منهيا بذلك كل الجهود الفلسفية الباحثة عن سماء للحقيقة في تراب الواقع منذ عرف الأنسان كلمة العقل ,واذا بي اسمعها من أنسان بسيط جدا يجلس في دكانه يمتهن البقالة يقرأ القرآن حينما لا يزدحم زبائن بضاعته وقلما نرى هذا المنظر في حصار بدأ يأكل الأخضر واليابس اقتصاديا اقامته امريكا الغبية الذكية , وغبائها يتركز في كون افتراضها ان العراقي قد يصدق هذا الفعل الذي طال الشعب وليس السلطة كما كانت تدعي انه هدفا أي اضعاف السلطة والحد من جبروتها الذي امتد الى ما بعد الحدود , وذكائها يكمن في كون الحصار احدى ستراتيجيات الحروب التي دأبت الحضارات قديما في حروبها الضارية على استثماره في زرع الموت البطيء الغير مكلف لأي سلاح او مقاتلين في سكان الحصون المحاصرة , وفعلا موتنا كان بطيئا ليأتي اليوم الذي تمتد يد امريكا اليسرى بدعوى المساعدة بينما ادارت يدها اليمنى لخنقنا منذ ثلاثة عشر سنة فياله من ذكاء ! ,ساقتني الصدفة البحته لأشتري منه سكائري ذاك الرجل فأذا به ذلك الطيب البسيط يرمي بحمله كما لو ان سلامي عليه كان طوق نجاة له من غرقه بالتفكير في ما غدت عليه حياتنا ,وبنظرة بسيطة الى تبدل ماركات السلع والمنتوجات الغذائية وحلويات الأطفال التي تنتشر في محله هنا وهناك على الرفوف الخجولة من عريها المكشوف ,استطيع ان افهم كيف هي همومه هذا المسكين حينها من ضمن المساكين الذين انا اسوأهم حظا لأني عشت لأكتب ما تم خلال موتي كعراقي ! , البائع معيشته تعتمد على ثبات معين بالأسعار وانواع السلع الا ان حرب الكويت وهذا المشهد الدكاني كان في بداية التسعينات , تلك الحرب جرت على الأسواق العراقية انواعا مختلفة من البضائع التي كانت تأتي من الكويت , وكنا نتعجب كيف ان بلدا مثل الكويت يستطيع ان يغرق العراق باكمله بحلويات الأطفال والسكائر الأجنبية بهذا الشكل , الا ان هذا القياس الكمي ارهقنا لأنه اساس خطأ نظرتنا لبلدنا وجيرانه والنتائج واضحة للقارىء, تحدث لي الرجل اثناء اعطائي ما طلبت من السكائر عن كونه لم يعد يعرف هل هذه الحلويات المانية ام تركية ام فرنسية فجل العراقيين يدرسون مبادىء اللغة الأنكليزية ضمن منهاج دراستهم الأبتدائية وقد عانى صاحب الدكان من محاولة فك شفرة المكتوب على اغلفة الحلويات المخصصة للأطفال لأتقاء شر الوقوع في الحرام حيث مشهد قراءته للقرآن فسر لي هذا التوجه المفترض من قبله برمي حيرته في ملعبي لعلي اساعده في قراءة تاريخ الأنتاج او المكونات , وكانت العلكة هي النموذج الأقرب ليده فقال هذا العلك مثلا لم افهم ما مكتوب عليه وقد يكون فيه لحم الخنزير !, طبعا انا ضحكت لكن بادب ولا مجال للسخرية في كون العلك يحتوي لحم فأر حتى وليس خنزير , فهو علك يا رجل !, الا انني حاولت قراءة الغلاف لهذا العلك وكل ما تفوه به الرجل اثناء محاولتي ذلك كان عن خوفه من ان يكون صنع في اسرائيل وادخلوه عن طريق الكويت مستغلين الفوضى بسبب الحرب ليقتلوا ابناءنا , طبعا شارلوك هولمز لم يكن ليفكر بوجود جريمة كهذه , هذا ما قلته ساخرا ولا اعلم ان كانت سخريتي راقت للرجل صاحب المحل فقد احتار اكثر لكوني لم اعلم ما مكتوب, وكلما اتذكر ذلك المشهد اتوقع الصناعة هندية تبعا لطريقة رسم الأحرف , لكن الرجل حينما اعطيته نقود السكائر اكد لي بان هذا العلك ضمن المخطط الصهيوني لا محالة !, طبعا تركت الخبير العسكري صاحب دكان البقالة وهو يعيد النظر بالعلكة والعلكة المشكوك فيها الى علبتها , وقد كانت لحظة مميزة بالنسبة لي حيث فاته ان يدقق في ورقة الخمسة دنانير الممزقة من الوسط بحيث عجزت عن اقناع ثلاثة دكاكين بقالة قبله بأخذها , وهي صالحة لكن وقتها اصبح الشك يبث سمومه في كل شيء أكان بديهيا أو مسلما به , فأبسط اجابة اعتذار عن استلام هذه الورقة النقدية كان الشك بأن يأخذها تاجر عند التسوق للدكان من قبل صاحبه , بينما فيما قبل الحصار كنا نمزق هذه الأوراق ليس من باب التبذير فنحن بلد نفطي بالأسم فقط وحسبك زيارة لمدننا التي توقف فيها العمران منذ السبعينات دليلا , انما فقط لأن تمزق النقود قبل حرب الكويت كان نادرا جدا بالنظر لجودتها التي كانت تنافس الدولار الحالي ,انطلقت مع سكائري فلا شك لدي باندماج صاحب المحل بنظرية مؤامرة العلك , مع ان نظرية المؤامرة كانت في حد ذاتها علكة مؤامرة ,أليس هذا هو الغزو بحد ذاته ؟!, حقا ان كان لك الف صديق قد تأتي لحظة لا تجد حتى واحدا منهم , اما لو كان لديك عدو واحد لرأيته في كل مكان و زمان !.

لما جاءنا مفوض الشرطة ومخرج العمل الفني الطلابي الذي على شكل اوبريت مسرحي سيقدم من قبلنا في مهرجان بابل ,وكان متمرسا في مسرحيات دعائية كنوع من التوجيه الأجتماعي والتي تقوم بانتاجها اقسام الأعلام في الوزارات الأمنية ومااكثرها في العراق , ولا يحسب القارىء ان هذا نصرا للفن على حساب نزعة العسكرة المدنية ابدا فهو بحد ذاته فنا معسكرا يتكفن بالبزة العسكرية هو الآخر, وقف الثلاثة امامنا أي المخرج زهير المطيري من مدينة الحلة وهو الآن صديقا عزيزا جدا بعدما توطدت علاقتنا على مر السنين رغم الفارق العمري بيني وبينه لكنني فهمت هذا الأنسان الموهوب حينما وجدته يوما ما يجلس في مقهى العرب الكائن بشارع الأمام علي "ع" في مدينة الحلة مركز محافظة بابل يسترق السمع لكل شاردة وواردة من زبائن المقهى محاولا مسرحة هذه المشاهد والشخوص الشعبية التي يتعايش معها , وكان هذا طقسه في عملية الكتابة الذي تعرفت من خلاله عليه واستوعبت كون عمله في الشرطة هو مجرد شق طريق لما يريد بين ما هو مسموح وممكن فلا نسمع في العراق عن الغنى المادي او حتى العيش الرغيد بابسط صوره لفنان مسرحي !,واغلب الفنانين لديهم وظائف ثانوية عند ذكرهم لها واساسية في دورها بابقاءهم بعيدا عن تذبذب الدخل الفني الذي طالما كان من الشح بمكان بحيث لا تنشرح تجاعيد أي اب عراقي حينما يقرر ابنه الذهاب لدراسة الفن الا حينما يضمن بأن هذا لن يؤثر على عمله !, فالفن ليس مهنة للعيش المستقر , اعود للحظة التي وقف فيها المخرج المذكور والممثل العراقي المعروف مازن محمد مصطفى والذي كان وقتها يشق طريقه نحو النجومية (على الطريقة العراقية فلا يحسب القارىء ان النجومية في العراق مسموحة !) , ومعه يقف الفنان التشكيلي مؤيد محسن وهو زميل دراسة رغم تفاوت مراحلنا عن بعض في كلية الفنون الجميلة , الا ان هذا الأنسان لا تستطيع مفارقته بعدما تتعرف على جرأته في النقد والرسم ولعل هذه الجرأة التي نفتقدها دائما هي السبب في تأخر دراسته للماجستير ,اما الفنان مازن فلم اعرف عنه وقتها سوى موهبته الواضحة في التمثيل ولم تربطني به الا اللحظة فوق خشبة المسرح , بالتأكيد اعاد علينا المخرج ذات خطاب المدير بأهمية مشاركتنا لرفع رأس المدينة الثقافي في هكذا مناسبة مهمة كمهرجان بابل الدولي وبالطبع همس لنا بطريقة كوميدية بكون الفائدة والمتعة ستجتمعان في هذه التجربة بلا شك , كبادرة زرع الدافع لدينا لأخذ المشاركة بجدية اكثر ,ولكنه لم يفلح في انتزاع دافع بعض الطلبة وانا منهم للمشاركة فقط لأجل تصديقنا بوعد مدير المدرسة حين قال ان مكافأتنا تتم عبر مساعدتنا في رفع بعض درجات لمواد الدراسية باعتبار هذه المشاركة هي نشاط تطوعي من قبلنا , والأهم كون المكافأة ستشمل مسح ايام غياباتنا من السجل المدرسي وهذا ما كان يقلقني لأن غيابي عن المدرسة كان كثيرا لكن ليس فظيعا حين يقارن بغياب المدير واغلب المدرسين الذين حجتهم حراسة الشوارع بفرض حواجز رقابة امنية حسب مراتبهم في الحزب الحاكم وقتها, اما نحن معشر الطلبة الكسالى فغيابنا بسبب كون الحالة الأقتصادية قد تدهورت واصبح الطالب يعمل ويدرس ويريد التفوق ومتعة ايام شبابه بنفس الوقت , والمهمة صعبة خاصة في محاولة مقاومة المغريات ايام المراهقة المرهقة , لهذا كنا نغيب لنسكن سينما الخيام وبابل يوميا تقريبا لمشاهدة الأفلام التركية ونتاج سينما السبعينيات المصرية لزيادة الوعي الثقافي الشبابي فيما وراء الحجاب !, مراهقين لم تجذبهم يوما مشاهد التوعية الجماهيرية التي يقدمها امثال المخرج المذكر في نقابة الفنانين في بابل , فلم تكن من منافسة تذكر بين اعلان عن فيلم تركي بالمايو وبين بندقية ونخلة وخيمة فوق جبل في صورة اعلان عن مسرحيات التوعية الوطنية , والتي يكون من عناوينها غالبا الفارس والجبل ,ونحن لم نرى مانع من الأطلاع على الجبل في السينما التركية ثم نفكر بانتظار فتح الستارة عن الأخ فارس بعدها ,الا اننا لم نفعل فلم نجد وقتا للتوعية ونحن نيام نبحث عن طريقة للعيش في مرحلة الشباب التي كثرت قصص جيل السبعينات فيها حتى بدت اساطير مقارنة بما عشناه واقعيا !

لم يكن مشهد السينما يثير الغرابة وانت ترى زملائك من باقي المدارس يسجلون الحضور اليومي تقريبا وكأنه درس في اللغة التركية يقدمه الأستاذ ابراهيم تاتلس كثيف الشعر والأستاذة كائن من كانت ,خفيفة الظل والملابس!,لم يكن غريبا بالمرة هذا المشهد وانت ترى الجنود الذين بالطبع دورهم اهم من الطلبة في بلد امتهن الحرب طريقة للعيش ميتا !, ولا اكاد اذكر هذا المشهد حتى انفض عن كتفي قشور المكسرات التي يتسلى بها رواد السينما من كافة طبقات الشعب المدعو للنظر الممنوع من اللمس , وهي تتطاير علينا وقتها من الكراسي الخلفية التي طالما كانت تمتلئ باعداد من ابو خليل , وهذه التسمية للجند في العراق ,وقلما لم نخرج مطرزين بالقشور في ايام اجازة الجند وقضاءهم الوقت في السينما بانتظار باص يقلهم لأهلهم هنا وهناك, ولم نجرأ على الأعتراض في الوقت الذي لم يعترض صاحب السينما المحب للنظافة كما هو واضح , وذلك لأن قدرتنا العضلية لا تسمح بشجار متكافىء وارد في حالة الأعتراض , واكتفينا باعتبار مطر القشور جزأ من مؤثرات الفيلم التركي الذي يمطر ملذات لا نود التلهي عنها لحين لحظة خروجنا من الدرس , او تخرجنا ؟!

للحظة التي قالها تلك الكلمة السحرية ,للحظة التي نطق بها اخيرا بعد طول انتظار وصبر معتق ,كان طابور الطلبة واقفا تحت الشمس متأملا حرفا جديدا في خطاب من جاء يمثل اتحاد الطلبة وقتها ليشرف على العمل الفني , ولكن خاب املنا فخطاب المدير ها هو يتكرر, الألتزام والنظام الخ , كل ما هو معروف وروتيني يعاد على لسان شخص اخر مسئول عن هذه المشاركة الفنية ,لكنه يبدوا بخبرة عمله مع الطلبة يعرف كيف يفكرون جيدا , فقال الكلمة المنتظرة من قبلنا تحت الشمس قبل بدأ التمرين على العمل الفني ,قال وستشارك معكم في هذا العمل طالبات من اعدادية التجارة والصناعة والزراعة والفرع الأدبي والعلمي ولم يبقي اختصاصا الا ذكره وكأنه جمع كل مدارس المدينة في هذا العمل بما اثار في صفوف الطلبة نشاطا بدأ يدب كما لو ان موعد الطعام قد رن جرسه لجماهير ثورة الجياع منهيا حقبة من خطابات الملل تحت الشمس الحارقة وقتها ,فانتقلت صيحة مغلفة بالهمس بين الطابور كاحجار الدومينو التي مالت بفعل فاعل فانتقلت الكلمة من اولنا لحد ان وصلت للمخرج الذي سمعها واضحة النطق والمعالم .. بنات .. بنات !, فابتسم مجبرا .

كان الهم الوحيد لمنظمي مهرجان بابل هو ان يملئوا الفراغ الذ ي بدأ الحصار الأقتصادي يوغل في توسيع هوته بين فقرات المهرجان بكون المال المخصص اخذ بالتناقص لمثل هذه النشاطات الثقافية في العراق , وبالتالي لا يوجد اقرب من الطلبة لكلمة مجانا !, فهم زاد المظاهرات التظاهرية وجمهور جاهز للأحتفالات الشعارية الوطنية التي تضمن شاهد جمهرة عفوية تظهر للكاميرا الأعلامية فتصدقها اعين المشاهدين خارج الحدود ومااكثر المصدقين في وطننا العربي لهذه المشاهد الجماهيرية التي كان يدفع اليها الطلبة عنوة مما يستدعي بالكاميرات ان تتسابق لألتقاط الصور الموثقة مع رغبة الطلبة بالتسلل هربا من هذا الأستوديو الدعائي ,اذن لم تكن مشاركتنا غير مليء فراغ مجاني باية وسيلة , حتى لو كان بفرق الأعراس المحلية التي لا ترتقي طبقات مطربها الصوتية للسمع الأصيل الا مع اخر رشفة من قنينة خمر لتدفع بالموهبة للصعود حتى لو كانت من انكر الأصوات , وساهمت الحالة الأقتصادية المزرية في تكاثر هذه الفرق اللافنية بالفعل ,بينما بدأت الوفود والفرق الأجنبية يقل حضورها في دورات مهرجان بابل بسبب ارتفاع التكلفة الموازية لفقر الميزانية العامة للدولة والتي طبعا لا بد من تخصيصها للفقراء المتزايدين عددا بين المواطنين , وحين تسمع كلمة فقير تحسبه بلا شهادة او مهنة , لكن في العراق الأمر اختلف لدرجة ان المعلم الذي يمنح الشهادة نال لقب الأستاذية بكونه افقر طبقة عراقية ,الا ان الميزانية كانت موزعة بشكل عادل لدرجة ان وجوه العراقيين في الشوارع اثناء الحصار هي اخر ما يفكر المصور الصحفي المخلص للحكومة ان يصوره كمشهد ودليل على وطئة الجوع لكونها تلك الوجوه محمرة مشرقة مبتسمة حالمة كل صباح وكأنه يوم اخر في جمهورية افلاطون ,لدرجة اننا كنا نخطىء كثيرا جدا في تذكر اسم الأتفاقية بين العراق والأمم الغير متحدة حتى سميناها بالنفط مقابل الشواء , وليس مقابل الغذاء !.

انا ارتدي زي افغاني , هذا كل مااتذكره من ملابس تلك الشخصية التي يفترض بها ان تكون محاربا من حضارة بابل القديمة , ولعل الرداءة في تصوير الأزياء والديكور المسرحي لذاك الأوبريت لم تكن مشكلة وسط ندرة الأنتاج الفني العراقي وقتها بل والآن !, اصف معي طوال القامة الذين تم اختيارهم لهذه الأدوار وانا اقف في طابور منتظرا دوري لأصل الى مسئول سينوغرافيا العرض وهو الفنان مؤيد ولما وصلت لعنده حاملا مشعلي , وكانت هذه لحظة دخولي للمسرح والجمهور يملأ المكان والعرض بدأ فعليا , اخذ يضع موادا معينة في المشعل الذي احمله حسب شخصيتي كمحارب ينتظر الأه انكي او ما شابه , ولما اشتعل مشعلي ذهبت مسرعا تحت قصف كلمات مساعد المخرج بأن اسرع فقد حان دخول المجاميع الذين انا منهم ,لكني تعثرت وتبددت جمرة ناري وعدت في الصف منتظرا اعادة اشعال مشعلي والخيبة والقلق تأكلني كما النار فيه, فلما رآني مؤيد انفجر غضبا مستغربا وعمل على اشعاله من جديد مما زاد في توتري حيث انا اصلا متوتر لكونها اول مرة لي بمواجهة جمهور مسرحي ,لكني ذهبت هذه المرة بحذر في اتجاه خشبة المسرح واذا بالنار تنطفأ لوحدها , فنظر الي مؤيد وبدأ يسب ويلعن الهة بابل جميعهم بصوته الجهوري الذي استدعى حضور المخرج والممثل مازن الذي ينتظر دوره معنا بنفس المنظر المسرحي لتهدأته واخذوا شعلة زميل لي وقسموها نصفين فكانت نار مشعلي اصغر نار بين شخصيات المحاربين على المسرح , ماشي لم اعترض فكل مااريده هو ان لا اكون السبب في تخريب العرض كما يهتف مؤيد وقتها قبل دخولي المسرح, ولم يعلموا ان خيبة امل قد هبطت على الطلبة جميعا وقتها بسبب كوننا اجتمعنا مع الطالبات بيوم العرض فقط وليس كما كانت احلام العصافير تداعب خيالاتنا طوال التمرين تحت الشمس !

اعتلينا خشبة المسرح نحمل المشاعل لنمهد حضور الممثل مازن بشخصيته الرئيسية في وسطنا وكان المنظر جميلا وكل شيء يسر وفق المخطط الى ان جاءت اللحظة التي نرمي فيها المشاعل خلف المسرح بحركة مسرحية مموهة رشيقة , بالطبع هذا ما تم تدريبنا عليه لكن ما حدث انني نسيت من هول صدمة الجمهور وهيبة اللحظة بأن كل الأعين موجهة الي ركبتي العاريتين بسبب هذا الزي السخيف الذي يبدوا ان البابليين كانوا يتخذونه علاجا لأرتفاع الحرارة صيفا ولكن لما لم يحدد المخرج احداث المسرحية شتاء ام ان البابليين لا يبردون!, كل هذه الأفكار تلعب بخاطري اثناء وجودي على الخشبة وبلحظة القاء المشاعل رميته عليها على عكس ما فعل زملائي حيث سوء الطالع جعلني في المقدمة , ورأيت بام عيني كيف ان خشبة المسرح احترقت حول المشعل المرمي وسطها وانا اتساءل كيف سيكون عقابي وحضرة المسؤل الذي اراه في التلفزيون يجلس بمقدمة الحضور امامي . فقفز افراد من الحماية الأمنية المرافقة له لأطفاء النار باقدامهم ونجحوا فالتفت الى الكواليس واشهد ان المخرج يلطم كاتما صرخات غضبه ومعه مؤيد ومازن الذي دخل اخيرا متوترا مما احدثت انا من مشهد لم يكن في الحسبان ,فلما توسطنا مازن كان المفروض ان نسحب مركبا مصنوعا من الخشب ليعتليه ثم ندور مرتين على المسرح وبعدها نخرج به الى الكواليس, ونحن من يدفع المركب الثقيل الذي من تحته عجلات , ما ان بدأنا الدفع بعد وقوف مازن عليه مادا يديه كالمصلوب بدأت العجلة التي من جانبي تأن من ثقل الخشب الذي تحمله, فهذا المشهد لم نتدرب عليه لأن المركب وصل يوم العرض,وكل ما قالوه ادفعوا !, وانفصلت العجلة بقدرة النحس عن المركب الخشبي تدريجيا لحين ان اصبح الثقل كله علي انا المسكين الضعيف البنية طويل القامة بحيث يسهل كسر ظهري, واذا بي اضحك كاتما السخرية بصعوبة ومازن يهمس لي استمر بالدفع انقذونا من الفضيحة , وفعلا اختصرنا الدفع على دورة واحدة ثم اخرجنا المركب من الكواليس وتنفس الجميع الصعداء وكل ما حصدته من كسر ظهري هو نسيانهم حادثة المشعل الكارثية بعد ان شكروني لأحتمالي ثقل المركب , وحان موعد رحيلنا ولم يكن على لساننا طيلة الطريق من مدينة بابل التاريخية الى بيوتنا غير اننا خدعنا شر خديعة !

الصدمة !, كانت اصغر طالبة مشاركة في العرض المسرحي الذي شاركنا فيه اساسا لنختلط بهم من الممكن ان نناديها خالة او عمة لكبر عمرها المتراكم على مقاعد الدراسة التي بالكاد تتخطاها, فقد جلبوا للعرض المسرحي افشل الطالبات , ومن مرحلة الأعدادية, ونحن لم يكن اكبرنا متجاوزا الستة عشرة سنة ,فكان الجو مشبعا بحنان الأم !

بعد تذكر هذه التجربة التمثيلية الفنية اليتيمة اصبحت متيقنا من ان رصيدي الفني يكفي ليؤهلني لدراسة الفن المسرحي تحديدا !!! ,فتقدمت نحو استعلامات الكلية,متسائلا كيف اصفها اذا سألوني فربما كان احدهم يتذكر حادثة المشعل لحضوره العرض المسرحي وقتها , وكنت مرتبكا فعلا لكوني لا اعلم كيف يحسب من في داخل الكلية هذه التجربة وانا اريد ان يقبلوني بشدة لا لموهبتي انما لم يبقى وقت متاح لأختار دراسة وبعدها يكون البديل فقط هو ان التحق بالجيش لأنعدام حجة تأجيل الموعد دراسيا او مرضيا الخ, وبالكاد تشجعت لأصل الباب , واذا بي استرجع ذكرى اخت لهذه التجربة التي ان لم تعجبهم سأذكر الأخرى, فلم تكن يتيمة بما انني في عام 97 كتبت واخرجت مسرحية على خشبة مسرح الأعدادية ادت الى رسوب كل من شارك فيها من الطلبة .. ,! .


لحظة عارية 5
يتبع...

الكاتب
سرمد السرمدي
العراق










رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,931,039,971
- ليس في لوحة الغدر لون للرجال – لحظة عارية 3
- القاهرة تكتب وبيروت تطبع والعراق يغرق - لحظة عارية 2
- رسالة عراقية ل عمر موسى
- لحظة عارية 1
- فنية الفعل في القرن الواحد والعشرين
- ثالث اثنين الميكانو
- نحو السهل الممتنع
- ألف باء الآه
- بعثرة في بعثرة
- ذات كيان الذات
- نقطة التلاقي الأفتراقية..افتراضية فن ثامن !
- نقطة التلاقي الأفتراقية في اخر الفنون واخيرها !
- في اخر الفنون واخيرها !
- العصر الجليدي الخامس
- تداخل افتراضات الفن الثامن !
- جدلية فن الفن الثامن !
- نحو فن للفن..الفن الثامن !
- ميثولوجيا قصة و انحراف معرفي
- ميثولوجيا معاصرة للأديبة العراقية سارة السهيل !
- ميثولوجيا قصة و انحراف معرفي !


المزيد.....




- من موزع جرائد في أمريكا إلى مليونير يصاحب قادة العالم
- بعد تسليح روسيا للأسد.. قلق في واشنطن وإسرائيل
- السيسي عن ترامب: أحدث تغيرات فريدة على مستوى العالم (صور)
- ترامب للسيسي: قمنا بعمل رائع في مكافحة الإرهاب
- السبسي يعلن نهاية خمس سنوات من التوافق مع حركة النهضة في تون ...
- وزير الخارجية الليبي يبحث مع نائب رئيس الوزراء الكويتي تطورا ...
- هبة سبتمبر
- واشنطن ترصد 185 مليون دولار لمساعدة الروهينغا
- 15 طريقة تكسبك احترام الآخرين في العمل
- موريتانيا تغلق مركز تكوين العلماء وتسحب ترخيصه


المزيد.....

- كيف يعمل يوسف الشاهد على تطبيق مقولة -آدام سميث- : «لا يمكن ... / عبدالله بنسعد
- آراء وقضايا / بير رستم
- حركة الطلاب المصريين فى السبعينات / رياض حسن محرم
- تقدم الصراع الطبقي في ظل تعمق الأزمة العامة للامبريالية / عبد السلام أديب
- كتاب -امام العرش مرة أخرى- / عادل صوما
- الطائفيّة كثورةٍ مضادّة السعوديّة و«الربيع العربيّ» / مضاوي الرشيد
- المثقف ودوره الاجتماعي: مقاربة نظرية المثقف العربي وتحديات ا ... / ثائر أبوصالح
- مفهوم الديمقراطية وسيرورتها في إسرائيل / ناجح شاهين
- فائض الشّباب العربيّ والعنف في تقارير التنمية البشرية العربي ... / ميسون سكرية
- مرة أخرى حول المجالس / منصور حكمت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سرمد السرمدي - علكة صهيونية تغزوا الأسواق العراقية