أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - حسقيل قوجمان - من ينسى ماضيه لن يعرف حاضره ولا يؤمن مستقبله















المزيد.....


من ينسى ماضيه لن يعرف حاضره ولا يؤمن مستقبله


حسقيل قوجمان

الحوار المتمدن-العدد: 2698 - 2009 / 7 / 5 - 10:29
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


من ينسى ماضيه لن يعرف حاضره ولا يؤمن مستقبله
اعتقد ان هذا العنوان يصح على جميع المجالات الادبية والعلمية والفنية والسياسية ولكني بهذا المقال اركز على الجانب السياسي وخصوصا الجانب السياسي الماركسي لان الحركة الماركسية هي الحركة التي تهمني ولي بعض الالمام في مسيرتها.
في الحركة السياسية الماركسية، الحركة الشيوعية، يجري الحديث دائما عن الانتقاد الذاتي. ويتركز موضوع الانتقاد الذاتي على الاعتراف بالخطأ علنا بجرأة وصراحة. وهذه ظاهرة سليمة ومفيدة وهامة في مجال الانتقاد الذاتي. فهل يعني الانتقاد الذاتي مجرد الاعتراف بالخطأ؟ هذا ما اود مناقشته في هذا المقال. اعتقد ان الاعتراف بالخطأ مهما كان جريئا وصريحا لا يشكل الا الخطوة الاولى في مسار الانتقاد الذاتي. فالانسان ليس معصوما عن الخطأ وكل انسان معرض للخطأ خصوصا في السياسة التي تتناول حركة البشر، حركة الانسانية، والخطأ فيها ليس محتملا او حتميا وحسب بل ان الخطأ فيها يؤدي الى خسائر بشرية في اكثر الاحيان. وقد بين معلمو الماركسية مثل لينين ان الانتقاد الذاتي هو من اهم خواص الحزب الماركسي الحقيقي. فالاعتراف بالخطأ خطوة هامة في عملية الانتقاد الذاتي على النطاق الشخصي وعلى النطاق الحزبي وعلى النطاق الاجتماعي.
هناك من الاخطاء ما يتعدى نطاق الخطأ ويتجه نحو الجريمة التي ينبغي العقاب عليها وهذا ليس موضوعي في هذا المقال. اتحدث هنا عن الخطأ الذي يبقى في نطاق الخطأ، اي الخطأ الذي يمكن اصلاحه ولا تتجاوز اضراره نطاق الخطأ. والموقف من الخطأ يختلف باختلاف الاشخاص والمنظمات والجمعيات وغيرها. فهناك ظاهرة تجاهل الخطأ، اي عدم الاعتراف به ومواصلة العمل كأنما لم يحدث الخطأ. وهناك الاعتراف الالتفافي بالخطأ ومحاولة ايجاد الاعذار له والقاء التبعة على الغير. وهناك الاعتراف الصريح الجريء والعلني بالخطأ، وهو الموقف الماركسي الصحيح الوحيد من الخطأ
ان الاعتراف الصريح والعلني بالخطأ ليس سوى الخطوة الاولى في عملية الانتقاد الذاتي. والخطوة الثانية هي دراسة الاسباب التي ادت الى الوقوع في الخطأ. اذ ان وقوع الخطأ في موقف سياسي مثلا لابد ان يكون له سبب ادى اليه. وسبب الخطأ هو ذاتي، اي متعلق بالشخص او المنظمة او الحزب الذي وقع في الخطأ. سبب الخطأ لابد ان يكون تحليلا خاطئا للظروف التي وقع فيها الخطأ وهذا شيء ذاتي. ان دراسة الاسباب التي ادت الى الخطأ هي الضمان الوحيد لعدم الوقوع في نفس الخطأ في ظروف مشابهة او ظروف مختلفة لان السبب يكمن في طريقة التفكير والتحليل التي ادت بنا الى الخطأ الاول. فاذا تقاعس المرء عن دراسة السبب الذاتي الذي اوقعه في الخطأ دراسة جدية لا يستطيع معرفة حاضره، اي انه لا يستطيع ان يضمن عدم وقوعه في خطأ مشابه لان اسلوبه في التفكير والتحليل الذي اوقعه في الخطأ السابق ما زال لم يتغير ويمكن ان يوقعه في خطأ مشابه او خطأ اخر حسب الظروف.
لهذا جاء عنوان المقال بان من ينسى ماضيه لن يعرف حاضره. فمن يتجاهل الخطأ ويحاول نسيانه، او الاعتراف بالخطأ بخجل وبطريقة التفافية ومحاولة القاء اللوم على الاخرين، وحتى الاعتراف الصريح بالخطأ وهو الخطوة الصحيحة بدون دراسة الاسباب التي ادت اليه، كل هذه المواقف لا تؤدي الى حماية المخطئ من الوقوع في خطأ او اخطاء مماثلة او مختلفة. ان دراسة اسباب الخطأ باخلاص هي الصفة الثانية الضرورية للانتقاد الذاتي. فالاعتراف بالخطأ لا يمكن اعتباره نقدا ذاتيا ما لم يتبع بدراسة الاسباب الذاتية التي ادت بالمرء او المنظمة الى الخطأ. فمن ينسى ماضيه، اي يتجاهل او يعترف بالخطأ بدون دراسة الاسباب التي ادت اليه لن يستطيع ان يعرف حاضره، اي لا يستطيع ان يضمن عدم وقوعه بنفس الخطأ ثانية ولا يستطيع ان يؤمن مستقبله من الوقوع باخطاء متكررة ومتفاقمة.
والخطوة الثالثة في الانتقاد الذاتي هي العمل على اصلاح السلوك الخاطئ ومحاولة تغيير اسلوب التفكير او العمل او التحليل. والاصلاح هو الاخر اصلاح ذاتي، اي انه اصلاح لاسلوب تفكير المرء او المنظمة واسلوب تحليله للحركة وللاوضاع المستجدة. وفي موضوعنا الذي يتعلق بالحركة الماركسية يعني اصلاح اسلوب التفكير زيادة الانسان لمعرفته الماركسية ولكيفية استخدامها كدليل للعمل. بهذه الطريقة يمكن للمرء ان يتفادى الوقوع في اخطاء مشابهة او اخطاء مختلفة الى درجة كبيرة ولو ان هذا الاصلاح واعادة النظر في اسلوب التفكير والتحليل لا يقضي على امكانية الوقوع بالخطأ بصورة نهائية. ولكنه على الاقل يضمن ان المرء لا يقع في نفس الخطأ او في خطأ مشابه وان اسلوب تحليله وتفكيره يؤدي اكثر من السابق الى التوصل الى حلول اكثر صحة للاوضاع التي يمر بها في نضاله.
اذا اخطأت فعلي اولا ان اعترف صراحة باني اخطأت، وثانيا ان ادرس بجد الاسباب التي اوقعتني في الخطأ وثالثا ان اصحح طريقة تفكيري وتحليلي للاوضاع التي تمر بي لكي اتفادى الوقوع في اخطاء مشابهة. هذا هو المعنى العلمي الدقيق للانتقاد الذاتي.
هل هناك امثلة تاريخية للانتقاد الذاتي غير الكاملة؟ انها امثلة لا تحصى، منها الكبيرة ومنها الصغيرة ولكننا نستطيع ان نأتي بالمئات منها في تأريخ الحركة الماركسية خلال اكثر من قرن ونصف. وسأكتفي بمثل او مثلين عالميين كنموذج بارز على ذلك وربما بمثل او مثلين محليين ايضا.
احببنا ثورة اكتوبر والاتحاد السوفييتي الذي جاء نتيجة لهذه الثورة العظمى. مجدنا الاتحاد السوفييتي واعتبرناه وطن الطبقة العاملة الاول ودام حبنا له حتى انتصاره على النازية وانقاذ العالم منها واعادة بناء ما دمرته الحرب وحتى المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي. كان واضحا في المؤتمر العشرين والمؤتمرات التالية ان الاتحاد السوفييتي غير الكثير من مبادئه وسياساته الى عكسها. ليس في هذا المقال مناقشة للتغييرات التي طرأت على الاتحاد السوفييتي منذ المؤتمر العشرين ولا موقفي منها. ما اريد مناقشته هو موقفي من الاتحاد السوفييتي. (ليسمح لي قرائي الكرام ان اعزو الخطأ الى نفسي لكي لا أضطر الى ذكر الاسماء والمنظمات). فقد بقيت على حبي للاتحاد السوفييتي رغم التغييرات التي طرأت على مبادئه وعلى سياساته. واضح ان هناك خطأ في تقديري وحبي للاتحاد السوفييتي. فاما ان حبي السابق له كان خطأ واما ان حبي الجديد له هو الخطأ.
الانتقاد الذاتي في مثل هذه الحال هو اولا ان اعترف بوجود خطأ. ثم علي ان ادرس ما الذي جعلني احب الاتحاد السوفييتي بشكله السابق. هل كانت الاسباب التي دعتني لحب الاتحاد السوفييتي السابق صحيحة ام كانت خاطئة؟ واين يكمن الخطأ اذا كانت خاطئة؟ واذا كانت صحيحة الا يعني هذا ان موقفي من الاتحاد السوفييتي بعد المؤتمر العشرين كان خاطئا؟ وعلي اخيرا ان اصحح طريقة تفكيري وتقديري للسياسات والمبادئ التي قام عليها الاتحاد السوفييتي السابق والاتحاد السوفييتي اللاحق. ان عدم ممارسة مثل هذا الانتقاد الذاتي يعني انني قد نسيت ماضي. هذا ما اقصده بان ينسى الانسان ماضيه.
ان عدم ممارسة الانتقاد الذاتي الصحيح فيما يتعلق بحبي للاتحاد السوفييتي بشكله السابق يمنعني من السلوك الصحيح في تقدير وتحديد موقفي من الاتحاد السوفييتي الجديد. فانا احببت الاتحاد السوفييتي بشكله الجديد كما احببته بشكله القديم رغم انه اعلن صراحة عن تغيير الاسس التي بني عليها الاتحاد السوفييتي السابق. احببته فقط لان اسمه ما زال الاتحاد السوفييتي. ويرجع هذا في رأيي الى انني لم ابحث الاسباب التي ادت بي الى الخطأ في حبي القديم ولم اصلح طريقة تفكيري وتحليلي لما يحدث في الميدان، في الاتحاد السوفييتي في هذا المثل، لكي اتفادى الخطأ مرة اخرى. وهذا ما اقصده بان من ينسى ماضيه لن يعرف حاضره. فليس في سلوكي ما يضمن ان يكون موقفي الجديد افضل واصح من موقفي القديم. كذلك لا استطيع ان اضمن ان يكون تحديد موقفي من غير الاتحاد السوفييتي ككوبا والصين وفنزويلا واندونيسيا والفليبين وفيتنام وكوريا وتايوان والولايات المتحدة وبريطانيا افضل من موقفي من الاتحاد السوفييتي. وهذا ما اقصده من عبارة لا يستطيع ان يضمن مستقبله. ان ما حدث فعلا هو انني احببت الاتحاد السوفييتي في شكله القديم واحببت الاتحاد السوفييتي في شكله الجديد واحببت الاتحاد السوفييتي في شكله تحت قيادة خروشوف واحببت الاتحاد السوفييتي بشكله تحت حكم بريجنيف واحببت الاتحاد السوفييتي في فترة حكم غورباشوف ومجدت البيريسترويكا على انها ثورة اكتوبر ثانية ورفعت اسم غورباشوف الى السماء على انه لينين رقم ٢. حتى فوجئت بالانهيار التام للاتحاد السوفييتي وتحوله الى دويلات راسمالية واقعة تحت النفوذ الامبريالي متمثلا بالولايات المتحدة ودول ناتو. كل ذلك حدث لاني لم ادرس الاسباب التي دعتني الى حب الاتحاد السوفييتي بشكله الاول والتمسك بنفس الاسباب اذا اعتبرتها صحيحة وترك تلك الاسباب وتحديد الاسباب الجديدة التي تجعلني احب الاتحاد السوفييتي بشكله الجديد.
احببنا ستالين حبا بلغ لدى بعضنا درجة العبادة. وحين القى خروشوف خطابه المعروف في المؤتمر العشرين للحزب شعرنا بالخطأ فكرهنا ستالين الى درجة العبادة. وهذه خطوة اولى في مجال الانتقاد الذاتي. فقد اعترفنا بمجرد تحولنا من حب ستالين الى كرهه بخطأ حبنا له. اننا لسبب ما احببنا ستالين حين لم يكن فيه ما يستحق حبنا وحين القى خروشوف خطابه قلبنا حبنا الى كراهية. كان علينا ان نحاسب انفسنا لماذا احببنا ستالين وهو لا يستحق الحب والتقدير؟ لماذا احببناه وهو الجاهل الظالم المجرم كما قدمه لنا خروشوف؟ كان علينا ان ندرس كيفية تقديرنا وتتبعنا لسلوك ستالين وتحديد الاسباب الدقيقة التي ادت الى حبنا له بدلا من كرهنا. كان علينا ان ندرس بكل دقة الاسباب التي دعتنا الى حب ستالين ومعرفة ان كانت هذه الاسباب صحيحة ام خاطئة. ان تقاعسنا عن ممارسة متطلبات الانتقاد الذاتي تعني نسياننا لماضينا. نسينا اننا احببنا ستالين واحببناه حتى العبادة. وتحولنا الى كرهه ايضا الى حد العبادة. ان ستالين لم يجبرنا بحد السلاح على حبه. وكذلك خروشوف لم يجبرنا بحد السلاح على كره ستالين. فحبنا او كرهنا هو ظاهرة ذاتية فينا وعلينا ان ندرسها على هذا الاساس وان نصحح ما في ذواتنا من النواقص التي ادت الى الخطأ.
فما الذي حدث بعد ذلك؟ حدث اننا صدقنا خروشوف في كل ما جاء به حول ستالين وكرهنا ستالين على هذا الاساس. فلم يكن كرهنا لستالين مبنيا على دراسة دقيقة لستالين ولسلوكه ولاعماله وانما بني كرهنا لستالين على اساس تصديق ما جاء به خروشوف بدون تمحيص. كرهنا ستالين واحببنا خروشوف حبا شبيها بحبنا لستالين بنفس الطريقة التي احببنا بها ستالين لان اسلوب تفكيرنا وتحليلنا لم يتغير ولم نصلح الاخطاء التي ادت بنا الى حب ستالين سابقا. ان نسياننا لماضينا جعلنا عاجزين عن معرفة حاضرنا. عدم دراستنا للاسباب التي ادت بنا الى الخطأ الاول جعلتنا نقع في خطأ مشابه له في حبنا لخروشوف. ارجو من القارئ ان يلاحظ انني لا اناقش الموقف الصحيح من ستالين كما اعتقده ولكني اناقش الموضوع كظاهرة تكشف تقاعسي وعجزي عن ممارسة الانتقاد الذاتي من اجل تصحيح طريقة تفكيري وتحليلي وفهمي لما يحدث في الواقع، في الطبيعة، في المجتمع، لكي اصل الى مواقف اكثر صحة واقل خطأ. ان عدم ممارستي للانتقاد الذاتي بصورة صحيحة ادى بي بعد ذلك الى كره خروشوف وحب بريجنيف ثم كره بريجنيف وحب غورباشوف ولا ادري ماذا سيكون موقفي من يلتسين او بوتين.
ما الذي كان سيحدث لو ان خروشوف قال لنا ان الخطأ هو خطأ لينين وان لينين هو السبب الاساسي للخطأ الذي حدث في الاتحاد السوفييتي؟ ان الوقائع اثبتت الان ان الخروشوفيين لم يكرهوا ستالين فقط بل كرهوا لينين وماركس وانجلز والاشتراكية والشيوعية. وقد عبروا عن كرههم للينين بان ازالوا كل ما يذكر بلينين حتى اسم لينينغراد. وهم يحاولون منذ سنوات ازالة ضريح لينين كما ازالوا ضريح ستالين. اليس من المحتمل اننا كنا نصدق خروشوف كما صدقناه بصدد ستالين؟ في الحقيقة لم يتطرق خروشوف صراحة الى خطأ لينين وثورة اكتوبر نفسها ولكن يلتسين قال بملء فيه ان ثورة اكتوبر كانت خطأ تاريخيا فظيعا. وليس من يعزو ثورة اكتوبر الى غير لينين. فماذا كان موقفنا من تصريح كهذا من قبل قائد للاتحاد السوفييتي؟ قد يتصور البعض ان الموقف من ثورة اكتوبر ومن لينين مقصور على يلتسين ولكن هذا غير صحيح. ان العديد من المتحدثين باسم الماركسية يعتبرون ان ثورة اكتوبر كانت خطأ ولم تكن الظروف ناضجة للقيام بالثورة. بل يستشهد هؤلاء بكارل ماركس لاثبات نظريتهم. واذا شك انسان بذلك فما عليه الا ان يراجع مقال فالح عبد الجبار عن ثورة اكتوبر المنشور في الحوار المتمدن على سبيل المثال. ولكن هل بدأ اتهام لينين بالخطأ منذ تصريح يلتسين فقط؟ لا اعتقد ذلك. فانا كنت حين القى خروشوف خطابه ضد ستالين في المؤتمر العشرين في سجن نقرة السلمان. وقد كان الجو العام في المنظمة الشيوعية في السجن تصديق كل ما قاله خروشوف عن ستالين. ولكن ظهر بعض السجناء الشيوعيين من توصل الى ان الخطأ لم يكن خطأ ستالين بل كان خطأ لينين. واذا شك احد فيما اقول فهناك شاهد حي على ذلك هو ارا خاجادور يستطيع ان يشهد ان رايا كهذا صدر من عدد من السجناء يعرفهم حق المعرفة. ان نسياني لماضي، فيما يتعلق بحب ستالين، ادى الى جهلي وعدم معرفتي لحاضري، الموقف من ستالين بعد خطاب خروشوف، والموقف من خروشوف بعد خطابه، والى عدم ضماني لمستقبلي في موقفي من لينين وثورة اكتوبر.
وفي مناسبة الحديث عن الانتقاد الذاتي قد يكون من المفيد الاشارة الى اخطاء اقترفناها في حياتنا المحلية، في سياستنا فيما يتعلق بتطور الحركة السياسية العراقية. كلنا اعجبنا وفرحنا بثورة تموز والقضاء على النظام الملكي شبه الاقطاعي وتحقيق النظام الجمهوري وبلوغ العراق مرحلة الاستقلال التام والغاء المعاهدات والاتفاقيات الاستعمارية. ورفعنا شعار صيانة الجمهورية كشعار اساسي او شعار استراتيجي لسياستنا. وشعار صيانة الجمهورية يعني في الواقع منع او تحاشي العودة الى النظام الملكي ولا اكثر من ذلك. والتاريخ اثبت ان العراق نجح لحد الان في صيانة الجمهورية. فهل كان شعار صيانة الجمهورية يعني سيادة واستمرار النظام الوطني الثوري في العراق؟ جرى اسقاط نظام عبد الكريم قاسم في ١٩٦٣ وما رافق ذلك من مجازر فظيعة كان ابرزها اغتيال عبد الكريم قاسم قائد ثورة تموز وما اصاب الحزب الشيوعي والشيوعيين من المصائب نتيجة للانقلاب. ولكن الجمهورية لم تتحطم بل بقي العراق قطرا جمهوريا. وهذا يبين اننا اخطأنا في رفع شعار صيانة الجمهورية كشعار اساسي استراتيجي. لان الجمهورية بقيت قائمة في الحكم الوطني الذي كان يمثله نظام عبد الكريم قاسم والحكم الجمهوري الذي يمثله نظام حزب البعث.
الموقف الصحيح في مثل هذه الحالة كان ان نعترف بان شعار صيانة الجمهورية على اهميته لم يكن الشعار الاستراتيجي الصحيح في مرحلة ثورة تموز وفترة حكم عبد الكريم قاسم. وبعد الاعتراف بذلك كان علينا ان ندرس سبب وقوعنا في مثل هذا الخطأ. كان علينا ان ندرس اوضاع ما بعد ثورة تموز والتغير الذي طرأ على الاصطفاف الطبقي بعد الثورة وتحديد الشعار الاستراتيجي الصحيح الحقيقي الذي كان ينبغي ان نرفعه كشعار استراتيجي بعد ثورة تموز. واكثر من كل ذلك كان علينا ان نصلح ما في ذاتنا من ضعف وجهل وعدم فهم للتطور الطبقي الحاصل في العراق نتيجة للثورة لكي لا نقع ثانية في مثل هذا الخطأ. ولكني اعتقد اننا عجزنا عن هذه الخطوات الضرورية للانتقاد الذاتي.
مرت المجازر الفظيعة التي حلت بنا وجاءت حكومة عبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف فسلكنا تجاهها نفس سلوكنا تجاه حكومة قاسم لاننا اعتبرناها حكومة وطنية فوقعنا في خط اب المعروف. وهذا يدل على اننا لم نغير من اسلوب تفكيرنا ولم نعمل على اصلاح العيب فينا.
وحدث انقلاب ١٩٦٨ وتحملنا من المجازر ما تحملناه ثانية. ولكننا سرعان ما نسيناها وعملنا على الاتفاق مع جمهورية صدام حسين باعتبارها جمهورية وطنية. رفعنا اسم صدام الى السماء واعتبرنا انه اعتنق الماركسية (باسمها الاصلي الاشتراكية العلمية) واختار طريق التطور اللاراسمالي نحو الاشتراكية واعتبرناه كاسترو العراق واعلنا اننا سائرون معه في جبهة لا مرحلية حتى الاشتراكية. وقاسينا ما قاسينا منه نتيجة لذلك ولو ان الجمهورية لم يطرأ عليها اي تغير. لم نشعر او لم نرد ان نشعر بان حكومة صدام كانت حكومة فاشية حتى حين شكلنا جبهة معها. فماذا حدث بعد سقوط صدام حسين واحتلال العراق؟ حدث اننا نسينا نسيانا تاما لجبهتنا معه واعتبرنا مدة حكم صدام حسين خمسة وثلاثين عاما من الحكم البعثي. كل ذلك ادى الى اننا نسلك بنفس الذهنية ونفس التفكير ونفس السياسات التي ادت بنا الى الاخطاء المتتالية التي وقعنا بها وها نحن الان نعزو كل ما يحدث في العراق الى الصداميين وفلول صدام وازلام صدام والى البعثيين بدون ان نفكر في اصلاح نمط تفكيرنا والعمل على اعادة النظر في اسلوبنا في الحكم على ما يحدث حولنا. ولا اريد الاطالة في الحديث على ما يجري اليوم ولكنه ليس سوى استمرار للعقلية التي قادتنا الى الخطأ في الحالات السابقة. ان نسياننا لماضينا جعل من المستحيل علينا ان نعرف حاضرنا ومستقبلنا.
ان السلوك الصحيح لاي انسان ماركسي مؤمن بالماركسية ويامل بانقاذ الطبقة العاملة والكادحين من الاستغلال بكل اشكاله، الاستغلال الراسمالي، والاستغلال الامبريالي والاسغلال الديني والاستغلال الطائفي والاسغلال القومي والاستغلال العنصري وما شابه ذلك من اشكال الاستغلال، هو ان نسلك السلوك الصحيح في الانتقاد الذاتي فندرس الظروف التي ادت بنا الى الخطأ ونعمل على اصلاحها. لا نستطيع ان ننجز خطوة واحدة في هذا السبيل قبل ان نصلح انفسنا ونعيد النظر في اسلوب تفكيرنا واسلوب فهمنا للنظرية الماركسية التي نؤمن بها ونعتبرها دليلا لنا في العمل. لا يمكننا ان نعرف حاضرنا ونضمن مستقبلنا الا باعادة النظر في فهمنا ومعرفتنا للنظرية الماركسية الحقيقية من معلميها ماركس وانجلز ولينين وستالين. فالماركسية هي السلاح الذي يؤهلنا لتفادي الاخطاء والتوصل الى الحلول الصحيحة للمشاكل التي تواجهنا في النضال الثوري الذي يوجهنا الى تحقيق هدف البشرية، هدف الوصول الى مجتمع خال من جميع انواع الاستغلال.








كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,685,173,590
- تعددت الماركسيات والدرب واحد
- تأثير دور الطبقة العاملة على دور الحزب الماركسي (ثانية)
- تأثير دور الطبقة العاملة على دور الحزب الماركسي (اولى)
- صفحات منسية من الانتصار
- مساهمة في الحوار مع الدكتور طارق حجي (اخيرة)
- مساهمة في الحوار مع الدكتور طارق حجي (ثانية)
- مساهمة في الحوار مع الدكتور طارق حجي (اولى)
- خطاب لستالين ينشر لاول مرة
- اول ايار يوم الاعتراف بان عمال العالم طبقة واحدة
- دور الحزب الماركسي في الحركة العمالية
- موقع الطبيب في الاصطفاف الطبقي
- متى يجوز لحزب ماركسي الاشتراك في حكومة؟
- سذاجة طرح الماركسية على التصويت
- الحزب الماركسي حزب الطبقة العاملة فقط
- نقاش مع عبد الحسن حسين يوسف (اخيرة)
- نقاش مع عبد الحسن حسين يوسف (ثانية)
- نقاش مع عبد الحسن حسين يوسف (اولى)
- الصراع الطبقي وتوازن القوى (اخيرة)
- الصراع الطبقي وتوازن القوى (اثانية)
- الصراع الطبقي وتوازن القوى (اولى)


المزيد.....




- خلف: مندسون يستخدمون أسلحة لقتل المتظاهرين لاتهام القوات الأ ...
- بوتين يفتتح نصبا تذكاريا في إسرائيل تخليدا لذكرى حصار لينينغ ...
- بوتين يكشف للإسرائيليين عن حقيقة تاريخية صادمة بخصوص لينينغر ...
- شرطة ذي قار تتفق مع العشائر على تشكيل وفد للتفاوض مع المتظاه ...
- انتفـاضة الاتــاوة في تونس-جانفي 2014
- سعيد أنميلي : تعديلات حزب التقدم والاشتراكية بمجلس النواب ته ...
- اليسار… ما بين تحدي الوجود… ومتطلبات النهوض…
- الحركة التقدمية الكويتية: حان الوقت لإنقاذ الكويت قبل أن تتح ...
- المتحدث باسم الصدر يكشف تفاصيل خطيرة جدا عن قنص المتظاهرين
- بيان من عمليات بغداد الى المتظاهرين السلميين


المزيد.....

- الأفكار الثورية لأنطونيو غرامشي / أنس رحيمي
- الموجه الثانية للحركة الشيوعيه في مصر- 1 / محمد مدحت مصطفى
- حول الانتفاضة والمرحلة الانتقالية / الحزب الشيوعي اللبناني
- الإنتفاضات الشعبية العربية من منظور قانون تفاوت التطور اللين ... / هيفاء أحمد الجندي
- «مسؤوليّة الحماية» و«الحقّ في التدخّل الإنسانيّ» / نعوم شومسكي
- دراسة الدولة والثورة في المنطقة العربيّة من منظورٍ ماركسي / جلبير الأشقر
- حول فلسفة الإنسان الأعلى / ليون تروتسكي
- الثورة المستمرة من أجل الحرية والرفاهية والتقدم لكل البشر / عادل العمري
- إختراقات - الإختراق التاريخي لماركس و مزيد الإختراق بفضل الش ... / بوب افاكيان
- الديمقراطية في التاريخ / محمد المثلوثي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - حسقيل قوجمان - من ينسى ماضيه لن يعرف حاضره ولا يؤمن مستقبله