أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي - علي أوعسري - التحالفات المشاعية مظهر من مظاهر التفسخ السياسي: في البدائل الممكنة















المزيد.....


التحالفات المشاعية مظهر من مظاهر التفسخ السياسي: في البدائل الممكنة


علي أوعسري

الحوار المتمدن-العدد: 2697 - 2009 / 7 / 4 - 04:05
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي
    


هناك بعض الأسئلة القديمة-الجديدة التي تنطرح بحدة مع كل استحقاقات انتخابية تجري بالبلاد؛ ومما لا شك فيه أن أسئلة عديدة تراود المتتبعين لكيفية تدبير الشأن العام من خلال انتخابات، لم تتوفر فيها بعد أدنى شروط الديمقراطية. لذا تبدو، اليوم، الحاجة ماسة الى طرح بعض من هذه الأسئلة، خاصة بعد ما صاحب إجراء الانتخابات الأخيرة من ملابسات وظروف غير طبيعية، وما استتبعها من إفرازات وتداعيات سلبية، ليس فقط على الساحة السياسية الوطنية، بل أيضا على المجتمع والبلاد بشكل عام.
كثيرة إذن هي الأسئلة التي أضحت تكتسي ملحاحية وراهنية في كل لحظة انتخابية، وليست الانتخابات الجماعية، ليوم 12 يونيو 2009، بمعزل عن مثل هذه الأسئلة؛ ذلك أن الانتخابات الأخيرة تمخضت عن إشكاليات ومظاهر وسلوكيات جديدة أثارت نوعا من الاشمئزاز لدى الرأي العام الوطني، ولم تعمل إلا على تنفير أغلبية الشعب عن الانخراط في هكذا استحقاقات مقبلة، وبالتالي دفع الرأي العام الوطني، من جديد، الى مزيد من الانتظارية وعدم الانخراط في تدبير الشأن العام. غير أن الرأي العام الوطني، في مجموعه، وان اتخذ مسافة فاصلة بينه وبين الانخراط في تدبير الشأن العام، إلا أنه لا –ولن- يرضى عن الديمقراطية الفعلية بديلا، باعتبارها شرطا من شروط انخراطه في الحياة السياسية العامة.
سنحاول من خلال طرحنا لبعض الأسئلة الجوهرية إثارة بعض الإشكالات التي تعيق التطور الديمقراطي بالمغرب، اعتقادا منا بأن اللحظة الانتخابية الراهنة، بما لها وبما عليها، إنما هي مواتية للخوض في نقاش سياسي وفكري من شأنه إماطة اللثام على ما يجري في بلادنا اليوم، خاصة وأن بلادنا تعرف متغيرات عميقة في بنية المجتمع والدولة. وعلى الأحزاب السياسية، إن هي أرادت الاستمرارية أن تقف بالدراسة والتحليل عند هذه المتغيرات.
أما اجترار خطابات وإيديولوجيات "الحركة الوطنية"، بمضامينها "الوطنية" العروبية، التي هي في طور التحول الى مضامين اسلاموية، فلم يعد يجدي نفعا اليوم، إلا إذا كانت مثل هذه الخطابات الديماغوجية ستعيدنا الى فتح نقاش سياسي تاريخي موضوعي لمعرفة ماجرى إبان الاستقلال وفي فترات حاسمة من التاريخ السياسي في المغرب، بهدف تبيان ماهية إيديولوجيات "الحركة الوطنية" والتي أوصلت البلاد، في المرحلة التاريخية الراهنة، الى مأزق سياسي اجتماعي هوياتي، ما عاد تجاوزه بشعارات جاهزة أمرا بسيطا.
لكن ما الفائدة من كل هذا النقاش "السياسي" والإعلامي، ومن كل هذه الكتابات والمناقشات النظرية الفكرية، ما دام هذا كله لم يفعل فعله بعد في هذا الواقع السياسي الذي انتقل الى حالة غير مسبوقة من الرداءة، إن لم نقل من التفسخ والتفكك؟.... أليس هذا العبث الذي جرى –ويجري- في الساحة السياسية الوطنية مؤشرا، من بين مؤشرات أخرى، على بداية مرحلة جديدة، أضحت فيها المشاعية، التنظيمية والسلوكية، سمة بارزة في حياتنا السياسية؟.... لقد بدأت مؤشرات هذه المشاعية في التكشف، من خلال العديد من الممارسات، خاصة في شكل وطبيعة التحالفات السياسوية التي أفرزتها العملية الانتخابية التي جرت يوم 12يونيو 2009.
بديهي القول أننا كنا نتوقع أن تجرى الانتخابات في جو غير سليم وغير ديمقراطي، بالنظر لعدة اعتبارات سياسية واجتماعية وتاريخية أفرزت – ولا تزال تفرز- نوعا من العزوف الجماعي لمختلف مكونات الشعب المغربي. بالمقابل، لم يكن ليخطر ببالنا أن تكشف مجريات الأحداث الانتخابوية، وخاصة كيفية نسج التحالفات، عن هذا القدر من السياسوية، وعن هذا القدر من السلوك النفعي الانتهازي لدى أغلبية الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات؛ تلك الأحزاب التي لم تعد تمثل، جميعها، إلا ما تبقى من تلك الفئات المجتمعية غير العازفة، وهي طبعا فئات لا تشكل إلا أقلية الشعب المغربي.
بناء على هذه المعطيات، تبدو لنا الحاجة ماسة في توضيح بعض الأمور الأساسية التي نراها حاسمة في كل تحليل موضوعي، إذا نحن أردنا القيام بنوع من نقد هذا الواقع المتعفن الآيل الى نوع من المشاعية البدائية؛ وإلا فإننا سنجدنا نمارس نوعا من التوصيف وأحيانا تبرير ما يجري، على غرار ما يقوم به بعض "الأساتذة الباحثين في العلوم السياسية" الذين اصطفتهم بعض وسائل الإعلام الى مصاف "المحللين السياسيين الاستراتيجيين".
فيا للغرابة، يطل علينا كثير من هؤلاء "المحللين الاستراتيجيين"، سواء عبر قناة الجزيرة، أو عبر برامج سياسوية في القناتين المغربيتين، أو من خلال بعض الجرائد، فيرددون كلاما أشبه ما يكون بالخواء. تراهم يقدمون "إحصائيات وأرقام"، ويقومون باستنتاجات سطحية ميكانيكية سريعة، على ضوء تلك الإحصائيات، حتى إذا استوفوا استنتاجاتهم، انبروا الى استخلاص نتائج "باهرة"، لا يمكن أن يتوصل إليها سوى عباقرة العلوم السياسية والاجتماعية"، ممن نذروا حياتهم للكد والجد، وممن لهم "القدرة" على استشراف الأفاق المستقبلية، ورصد اللحظات التاريخية المفصلية في تطور الشعوب وتقدمها.
ليس موضوعنا نقد هذا النوع من التوصيف الذي ما فتئ يبحث له عن نوع من المشروعية في أفق بناء رأي عام مزيف. بل إن حاجتنا الأساسية تتمثل في نقد قواعد هذه "اللعبة السياسية" التي تجري بين الدولة والأحزاب المنخرطة في المسلسلات الانتخابوية من جهة، وبين تلك الأقلية الشعبية المصوتة من جهة أخرى. أما الأغلبية الصامتة العازفة، فقد أرسلت –ولا تزال ترسل- رسائلها في كثير من المحطات، الى من يهمهم الأمر، في الأحزاب وفي الدولة. غير أن المعنيين بالأمر لم يتخذوا أية إجراءات سياسية دستورية –وليس رجات سياسية كما يقول البعض- من أجل حل هذه الإشكالية السياسية المعقدة التي تهدد استقرار الدولة والمجتمع على حد سواء.
لماذا أوردنا في نقاشنا الأحزاب جميعها؟ لأن جميع الأحزاب ارتمت في أتون عملية انتخابوية لا تتوفر فيها أدنى شروط المصداقية، وهو الشيء الذي تلقفه الشعب المغربي بحسه الوطني، حتى إذا جاءت الاستحقاقات، مضى الشعب في مقاطعتها. فإذا كانت الانتخابات التشريعية تجري، في غياب إصلاحات دستورية تمكن الوزير الأول من ممارسة صلاحياته الدستورية كاملة، على غرار ما هو معمول به في الدول الديمقراطية، وإذا كانت الانتخابات الجماعية تفرز مجالس جماعية وبلدية، تحت وصاية وزارة الداخلية، فلماذا إذن كل هذه "البهرجة الديمقراطية"؟...، ولماذا إذن كل هذا التبذير للمال العام في حملات انتخابية لم تعد تقنع أحدا؟.
بمعنى آخر، فان كل الأحزاب لم يعد في وارد برامجها "السياسية" مناقشة الصلاحيات الدستورية المفترض أن تمكنها من تدبير الشأن العام، وطنيا أو محليا، بشكل ديمقراطي، رغم بعض الخرجات المناسبتية لبعض الأحزاب التي تدعو الى إصلاحات دستورية فضفاضة، وخارج إطار أي تحالف سياسي يضع انجاز الإصلاحات الدستورية هدفا واضحا أمامه ويسعى لتحقيقه، من خلال تعبئة أوسع الفئات الديمقراطية واليسارية والامازيغية، الأكثر تنورا والأكثر استعدادا للانخراط في هذه المعارك السياسية الحاسمة.
في غياب مثل هذه المبادرات السياسية الجريئة، والتي يجب أن يفتح فيها نقاش وطني حول أية مضامين وطنية وديمقراطية لأية إصلاحات دستورية، وليس فقط إعادة إنتاج مفاهيم "الحركة الوطنية"، في الإصلاح السياسي والدستوري. ففي غياب مثل هذه الشروط، لن تحضى أية دعوة مناسبتية للإصلاحات الدستورية بأي التفاف جماهيري واسع، وسيضل خطاب أحزاب "الحركة الوطنية"، في مجموعه، غارقا في الإيديولوجيا، وليس نابعا عن متطلبات الواقع. إذاك لن يكون بمقدور هذه الأحزاب وخطابها النفاذ الى عمق الواقع المجتمعي المغربي الذي تعتمل فيه متغيرات جوهرية، لا بد من صهرها في إطار من الوحدة الوطنية المرتكزة على التعدد الثقافي الهوياتي، بما يتيح للامازيغية، باعتبارها مكونا مركزيا في الهوية المغربية، أن تتبوأ المكانة اللائقة بها، في أفق إرساء وحدة وطنية ديمقراطية منفتحة، تأخذ بعين الاعتبار كل العناصر التعددية المكونة للهوية المغربية.
أما الارتكان الى إيديولوجيات "وطنية"، عروبية، اسلاموية، فأضحى مستهلكا ومتجاوزا، وليس بإمكانه مسايرة التطورات التي تعتمل في المجتمع المغربي، وخاصة في بنيته التحتية، بما هي بنيات ثقافية واقتصادية واجتماعية ومجالية، سمتها البارزة التعدد والتنوع. إن تجاهل الأحزاب لمثل هذه الخصوصيات المحلية وللتغيرات المجتمعية الناجمة عنها يقود، الى جانب أسباب أخرى، أغلب مكونات الشعب المغربي الى العزوف الانتخابي، اقتناعا منه أن الأحزاب السياسية إنما استنفذت دورتها -أو قل للدقة طورها- الإيديولوجية والسياسية والتنظيمية، بحيث أن شعارات الأحزاب في الديمقراطية وفي الانتقال الديمقراطي لا صلة لها بواقع الجهات وبتعدد خصوصياتها المحلية، ولا بما ينبغي أن يكونه المشترك الوطني الجامع.
في سياق وطني تعتمل فيه متغيرات عميقة، انبثقت "حركة لكل الديمقراطيين"، باعتبارها إعلانا رسميا عن نهاية ما سمي انتقالا ديمقراطيا أو تناوبا توافقيا هذا لا يهم، و باعتبارها مؤشرا عن بداية مرحلة جديدية، خاصة بعد تحول الحركة الى حزب الأصالة والمعاصرة في محاولة منها أجرأة أطروحاتها على أرض الواقع. جاء تدشين هذه المرحلة الجديدة، إذن، بعد أن استشعرت الدولة حجم تلك المتغيرات المجتمعية التي أدت، من بين متغيرات أخرى، الى نوع من النفور عن الخطاب الإيديولوجي "الوطني" الذي تبنته أحزاب الحركة الوطنية منذ الاستقلال، وعن الخطاب المخزني التقليداني السائد.
لم يكن بمقدور الأحزاب السياسية "الوطنية" إنتاج خطاب حداثي نابع عن المتغيرات المجتمعية، فاستنفذت، بتهالك وتقهقر خطابها "الوطني"، كل إمكانيات استمراريتها والحفاظ على امتدادها الجماهيري، خاصة بعد انخراطها التام والفوقي في تمرير أجندات "الانتقال الديمقراطي"، وفشلها في انجاز نقلة نوعية الى الديمقراطية. فهذه الأحزاب، ونظرا لطبيعتها الطبقية البرجوازية والبرجوازية الصغيرة، ضلت مترددة وعاجزة عن طرح مواقف سياسية ملائمة، من شأنها المساهمة في حل المشاكل، سواء المؤجلة أو تلك المترتبة عن المتغيرات المجتمعية التي طرحت، بدورها، رهانات ثقافية مستجدة، وأفرزت حاجات تنموية مجالية، وانتظارات جيلية، بمضامين ذات طابع جهوي محلي أكثر منه طابع وطني.
بهذا يمكننا فهم لماذا جاءت "حركة لكل الديمقراطيين" وبعدها حزب الأصالة والمعاصرة، يتلقفان خطابا "جديدا" -وهو ليس بجديد- ظاهره محلي جهوي تنموي وباطنه أجندات سياسية مركزية لها علاقة بالتحولات الجارية في بنية ووظيفة الدولة التي تسعى جاهدة لمأسسة الرهانات والقضايا المترتبة عن تلك المتغيرات المجتمعية وفق منظورها الاستراتيجي المرتكز الى جملة من المتغيرات الكونية والإقليمية التي لها أثرها الحاسم في إيجاد حل توافقي، إقليمي دولي، لقضية الوحدة الترابية.
هذا لا يعني أن التحولات الجارية في بنية الدولة ووظيفتها إنما جاءت تستجيب فقط لمستلزمات حل القضية الوطنية، رغم أهميتها القصوى، وإنما جاءت تلك التحولات باعتبارها ضرورة أملتها شروط تطور النظام الرأسمالي الهجين/التبعي السائد بالمغرب، وما يقتضيه من تطوير قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج الرأسمالية من جهة، وتكثيف العمل "التنموي" والجهوي من خلال مجتمع مدني منخرط في الصيرورة الرأسمالية العولمية، والذي يجد في الدولة وفي الدوائر الرأسمالية سنده المالي والتخطيطي والتوجيهي. تجري كل هذه التحولات/المخاضات بهدف الحفاظ على نوع من التماسك الاجتماعي المهدد بسبب من استقالة الدولة عن أداء العديد من الخدمات الاجتماعية الأساسية، وأيضا بسبب من تفويت بعض المؤسسات الإنتاجية الوطنية للرأسمال المحلي والأجنبي، وانكفاء دور الدولة في الضبط المجتمعي الذي أضحى ضبطا أمنيا بوليسيا بامتياز، عوض أن يكون ضبطا اجتماعيا سياسيا ذي أفق ديمقراطي.
أما الأحزاب السياسية، وهي التي ضلت بعيدة عن كل هذه التحولات المجتمعية والكونية الحاسمة، فقد عقدت العزم على الانخراط في هذه البهرجة الديمقراطية، من دون مطالبتها بصلاحيات دستورية ضرورية لكل ممارسة ديمقراطية سليمة من شأنها أن تقنع أغلب الفئات الشعبية بجدواها وأهميتها المحورية. اظافة الى ذلك، لم يعد يهم هذه الأحزاب ما إذا كانت هذه الانتخابات ذات مصداقية وذات مشروعية شعبية. فهي –أي الأحزاب- ماضية في تهافتها على كسب مناصب ومقاعد، ولو من خلال نسج تحالفات مشاعية بدائية، لا أثر فيها لمرجعيات سياسية وفكرية واضحة ومتسقة، على أساسها يمكن أن تبنى التحالفات، ولا لضوابط تنظيمية صارمة تحد من ظاهرة الترحال السياسوي، ولا لبرامج انتخابية قابلة للتنفيذ على أرض الواقع.
أضحى خطاب الجميع ضد الجميع –ومع الجميع- هو محاربة الفاسدين والمفسدين!.. وحتى يتسق أصحاب هذا الشعار الديماغوجي مع أنفسهم، فمن الأولى لهم أن يوضحوا للرأي العام الوطني من هم هؤلاء الفاسدين والمفسدين؟ وما هي ملفات الفساد التي فيها تورط هؤلاء الفاسدون والمفسدون؟... لقد ذهب حزب العدالة والتنمية الاسلاموي الى حد عقد تحالفات غريبة مع من كان يصفهم، في حملته الانتخابية، بالمفسدين (القنيطرة نموذجا، وليس حصرا)..... فهل أصبح الفساد هو ذاك البرنامج المتوافق عليه، أي ما يسمى "برنامج حد أدنى" الذي على أساسه تقوم التحالفات المشاعية البدائية، بين الجميع وضد الجميع، في واقعنا السياسي الراهن.
يعتبر حزبا الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية أن التحالف بينهما هو بمثابة خط أحمر وأنهما ماضيان في خطان متوازيان لا يلتقيان. هذا جيد، فمن شأنه أن يوضح خارطة التحالفات، لكن كيف أمكننا أن نفسر التقاءهما في تسيير مجالس بعض المدن (برشيد نموذجا، وليس حصرا)؟... هل انتفت الحاجة الى وجود خطوط حمر أم أن "ثورة ابستيمولوجية" قد أمكن لها أن تبرهن على أن الخطان المتوازيان أضحيا يلتقيان؟!
كل ما هنالك، أن الأمر ليس سوى مجرد مسرحيات هزلية، فما تكاد تقترب إحداهن من نهايتها، حتى يخرج طرف سياسي يشن "حملة ديماغوجية عشواء" على طرف سياسي آخر يعتبره بمثابة النقيض الذي وجب مواجهته والحد من نفوذه –وعدم الالتقاء معه-، وكأن هذا الصراع المحموم نابع عن نبض جماهيري، أو قل أملته حاجات مجتمعية ماسة؛ غير أن الحقيقة أن كل الأطراف السياسية، على اختلاف توجهاتها، أضحت منخرطة في مسرحية تتقاسم فيها الأدوار والمواقع، فيما هي تعمل جادة على إبعاد أي تطارح جدي للأسئلة السياسية والاجتماعية الجوهرية ذات الصلة بالحقل السياسي، المسمى عندها "مشهدا سياسيا". لقد صدقوا أيما تصديق، ففي كل مسرحية مشاهد، ولا بد لنا من تتبع جميع المشاهد الى نهايتها حتى يتسنى لنا فهم المغزى من كل هذه المسرحيات!.
ورغم أن نسبة كبيرة من الشعب المغربي ارتأت مقاطعة الاستحقاقات الانتخابية لما آلت هذه الأخيرة الى هذا العبث المشاعي، ورغم أن هذا الموقف الجماهيري يشكل تطورا سياسيا حاسما، له أهميته القصوى، إلا أن كل هذه التطورات ليست لها آذان صاغية، ولا تأثير لها في طريقة وفي منهجية اشتغال الأحزاب السياسية، وتحديدا في مواقفها من هذه المهازل الانتخابية.
من كل ما تقدم أمكننا أن نتبين أن الأحزاب السياسية، كلها، أضحت منخرطة في لعبة سياسوية مكشوفة، بعيدا عن هموم وطموحات أغلبية الشعب المغربي الذي تعتمل فيه تغيرات جيلية وقيمية وهوياتية وسوسيولوجية وسيكولوجية لا يستهان بها. لذا نرى أن هذه الأغلبية الشعبية لم تعد تثق في الخطابات والممارسات السياسوية لهذه الأحزاب. أما هذه الأخيرة، وبعد أن استوعبت هذا المعطى، فإنها انبرت لممارسة السياسوية النفعية، من دون أخلاقيات وضوابط.
فما تكاد تضع الاستحقاقات أوزارها وينجلي غبار المعارك الدموية أثناء الحملات الانتخابية، حتى تبدأ معارك الناخبين الكبار، إذاك بالضبط ترى الأحزاب تنسج تحالفات غريبة، يسميها البعض هجينة؛ أما نحن فلم نجد لها اسما سوى التحالفات المشاعية البدائية بسبب من كونها لا تعتمد على أية معايير عقلانية ولا على أية قواسم مشتركة مفهومة للرأي العام.
من الناحية التاريخية، فان المشاعية إنما تحيل الى أولى المراحل البدائية في التطور التاريخي الاجتماعي للبشرية؛ وهي أيضا –أي المشاعية- تحيل، وفق الخطاطة الماركسية الكلاسيكية، الى نوع من المجتمع الشيوعي الذي أثبت التاريخ أنه لم يتحقق بعد!. وإذا كنا هنا أمام استحالة تاريخية لتحقق الإحالة الثانية –أي المشاعية الشيوعية-، على الأقل في المرحلة التاريخية الراهنة، فان الإحالة الأولى –أي المشاعية البدائية- تبدو وكأنها الأكثر احتمالا وقربا للتحقق في راهن التحالفات السياسية الوطنية.
والحال هذه، فإننا ماضون في طريق من التفسخ الاجتماعي والتفكك الدولتي، وهو ما بدأت تتكشف مؤشراته من خلال "الحياد السلبي للدولة"، حيث جرت مواجهات دامية أيام الحملة الانتخابية، وأثناء انتخاب رؤساء المجالس البلدية، في العديد من المدن المغربية، من دون أن تتخذ أية إجراءات صارمة من طرف السلطة. لم يعد يسعفنا من أجل تجاوز هذا المأزق أن نجري فقط انتخابات، تشريعية كانت أم جماعية، من دون الوقوف على ما يعتمل داخل المجتمع من تغيرات جوهرية، بهدف التأسيس لمشروع وطني جامع بديل لكل تلك المشاريع "الوطنية" والفئوية والمخزنية، الغارقة كلها في شعارات ماضوية، والحاملة لإيديولوجيات متصدعة، أضحت مضامينها متجاوزة الى غير رجعة، ولا تستجيب لتطور الواقع الاجتماعي التاريخي ببلادنا.
ألا يعني مقاطعة أغلبية الشعب المغربي لهكذا استحقاقات أن كل هذه المشاريع، سواء "الوطنية" –نسبة الى أحزاب "الحركة الوطنية"-، أو اليسارية السبعينية "الثورية"، أو المخزنية –بشتى تلاوينها وتمظهراتها الجديدة القديمة- أضحت متجاوزة وغير ذي جاذبية؟... ألا يعنى هذا أن الأحزاب -ومعها الدولة- أضحت غير قادرة عن ملامسة تطلعات وآمال الأجيال الراهنة، وعن تحقيق حلمها في التغيير نحو بناء مجتمع ديمقراطي منفتح لكل المغاربة، ونحو بناء دولة الحق والقانون التي يفترض فيه تأمين تكافؤ الفرص أمام جميع المغاربة، وليس فقط أمام النخبة الفاسية التي تتموقع في كل مفاصل الدولة المغربية الحالية.
إن من شأن عدم معالجة هذا التفضيل/التمايز، بين أبناء الشعب المغربي، والناجم عن ملابسات الصراع السياسي، وعن سيطرة إيديولوجية "الحركة الوطنية" على المشهد السياسي الوطني، لما بعد الاستقلال، إن من شأن هذا كله أن يغذي توجهات وعصبيات محلية وجهوية، خاصة لدى المكونات الامازيغية للشعب المغربي التي عانت نخبها وجماهيرها التهميش من طرف دعاة إيديولوجية "الحركة الوطنية".
لا يخطئ التاريخ أبدا، فهو إذا لم يتقدم الى الإمام تراجع حتما الى الوراء، لكن بشكل مأساوي دراماتيكي. فبدون التقدم نحو الديمقراطية الفعلية وبناء دولة الحق والقانون التي تفتح الفرص متساوية أمام جميع المغاربة، على أساس الكفاءة والمردودية، فإننا سنشهد ارتدادات وخيمة العواقب على المصلحة العليا للبلاد. بمعنى آخر، إن من شأن ديمومة سيطرة النخبة الفاسية، ممثلة في نواتها الصلبة "آل الفاسي الفهري" على أهم المسؤوليات والمناصب الوطنية العليا، وتجاهل النخب الوطنية الأخرى، من شان ذلك أن يدفع باتجاه المزيد من التعصب العرقي، بدلا من معالجة المسألة الثقافية الهوياتية، بما تقتضيه من هدوء ومن روح وطنية بغية التأسيس لمشروع مجتمعي وطني ديمقراطي منفتح. في هذا الصدد، فإننا نتفهم رغبة بعض الفعاليات الجهوية الامازيغية في تأسيس أحزاب جهوية تكون لها القدرة على تفهم الخصوصيات المحلية التي ما فتئت الإيديولوجية "الوطنية"، أي إيديولوجية الحركة الوطنية، تهمشها وتريد طمسها.
إن الواقع المغربي في تطوره الراهن أفرز رفضا واضحا لكل هذه المشاريع "الوطنية" والمخزنية التي أوردنا سلفا؛ وهذا التطور هو نتيجة منطقية لعدم حسم الصراع السياسي لصالح القوى الشعبية الأكثر تضررا، منذ الاستقلال. فأحزاب الحركة الوطنية، بإيديولوجيتها "الوطنية"، سواء اليسارية منها والمحافظة، لم تعمل على توجيه الصراع السياسي لما فيه مصلحة القوى الشعبية، وإنما انخرطت في صراع محموم حول السلطة، بعيدا عن القوى الشعبية، قبل أن تنخرط في مسلسل النضال الديمقراطي من داخل المؤسسات، الذي انتهى بتبوء قيادات "الحركة الوطنية" مواقع سياسية في فترات متلاحقة، كان آخرها ما سمي التناوب التوافقي أو الانتقال الديمقراطي.
أما الأحزاب المخزنية، فلسنا في وارد التطرق إليها، فهي لم تكن أبدا جماهيرية حتى يمكننا مناقشتها. لقد ضلت تفبرك دائما في آخر اللحظات، أي كلما استدعى حسم الصراع السياسي بين المؤسسة الملكية وبين أحزاب الحركة الوطنية خلق أحزاب إدارية لتشتيت الأصوات الناخبة، ومن ثم تمييع الحياة السياسية، حتى إذا جاء مسلسل التناوب التوافقي، انخرط ما تبقى من أحزاب الحركة الوطنية في المشروع المخزني السائد، مخلفة وراءها فراغا في الساحة السياسية، مما فسح المجال أمام نزعات اسلاموية لتكثيف نشاطها رغبة منها في التموقع السياسي، وذلك بعد أن أدت، للنظام السياسي، مهام إستراتيجية، خاصة في محاربة قوى اليسار والحد من نفوذه وامتداده الجماهيري. ها هي الآن، أي القوى الاسلاموية، تنسج تحالفات مع الاتحاد الاشتراكي، أي مع جزء من اليسار الذي لطالما نعتته ب"الإلحاد".
جدير بالذكر هنا أن نشير الى أن التحالفات ليست تستند الى معايير أخلاقية وقيمية، وإنما تحكمها مصالح طبقية محددة، لذا فان التحالف القائم بين الاتحاد الاشتراكي والعدالة والتنمية ليس سوى مقدمة لتحالف طبقي إستراتيجي جاء يعبر عن حاجة ماسة أملتها تصدع التركيبة الاجتماعية للحزبين، التي أخذت تتكشف، في شكل منها، في العزوف السياسي لما يسمى الطبقة الوسطى التي أضحت تعيش أوضاع اجتماعية مزرية، مما حدا بممثلي هذه الفئات الى محاولة لملمة صفوفها، تأهبا لمواجهة المستقبل، وما يحمله من مخاطر على واقعها الطبقي .
وأخذا بعين الاعتبار التركيبة الطبقية البرجوازية والبرجوازية الصغيرة للحزبين الأنفين، وبحكم إمكانية تعايش مختلف عناصر الإيديولوجية البرجوازية التي تتخذ، في مراحل معينة، طابعا وطنيا (الاتحاد الاشتراكي)، وفي مراحل أخرى طابعا اسلامويا (العدالة والتنمية)، أمكننا فهم حيثيات التقاء هذين الحزبين، في هذه المرحلة التاريخية، في تحالف طبقي برجوازي-برجوازي صغير. غير أن هذا التعايش الإيديولوجي لم يكن له ليتحقق بمجرد اتساق المضمون البرجوازي للإيديولوجية "الوطنية" والاسلاموية وحسب، بل إن هذا التعايش جاء نتيجة خلخلة ذلك التوازن السياسي القائم بين الحزبين من جهة، وبينهما وبين التحالف الطبقي المسيطر من جهة أخرى.
بمعنى أدق، لقد أضحى ذلك التعايش الإيديولوجي أكثر ممكنا لما أخذت إيديولوجية الحزبين في الخفوت، بفعل المتغيرات المجتمعية التي أوردنا آنفا، حتى إذا تحسس الحزبان خطورة "الوافد الجديد" على أوضاعهما التنظيمية والسياسية والإستراتيجية، بدءا في مغازلة بعضهما البعض تمهيدا لنسج ذلك التحالف بينهما، والذي جاءت الانتخابات الأخيرة تكرسه.
في هذا التمفصل التاريخي بالذات، بدأت الأواصر والصلات، التنظيمية والسياسية، تنقطع بين هذه الأحزاب السياسية "الوطنية والديمقراطية والإسلامية" وبين من يفترض أنها تمثلها من الجماهير الشعبية. انكشف إذن سر الإيديولوجية "الوطنية" والاسلاموية، وها هي الجماهير التي هي وطنية بامتياز، تفك ارتباطاتها مع هذه الإيديولوجيات التي عمرت ردحا من الزمن، قبل أن توصلنا في النهاية الى هذه المأساة، أي الى مأساة مجتمع يبحث في هويته وفي جذوره وفي التمايز الذي لحق ببعض مكوناته.
فالمتتبع لتطور الواقع السياسي المغربي، في ارتباطه بالتحولات الكونية، سيقف لا محالة على بداية تبلور ثقافات محلية جهوية بديلة جاءت تملأ ذلك الفراغ الذي انكشف بانكشاف الإيديولوجية الوطنية التي فيها تحتل "الفاسية" موقعا محوريا. ليست إذن محاولات تحول الحركة من أجل الاستقلال الذاتي بالريف الى حزب سياسي جهوي سوى ذاك التعبير الواضح لهذا التبلور الثقافي الآخذ في التنامي، بعد أن فشلت الدولة والأحزاب السياسية في معالجة الإشكالات السياسية والمجالية، وفي تجديد النخب بشكل ديمقراطي.







كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,559,506,248
- من الانتقال الديمقراطي الى حركة لكل الديمقراطيين
- مآل الانتقال الديمقراطي بعد استيفاء ضروراته السياسية وانتفاء ...
- موازين وشهداء الفلكلور: في نقض الخلفية الثقافية لمنظمي مهرجا ...
- ليس بتهميش الدكاترة يمكن الاطمئنان الى حال البحث العلمي في ا ...
- في الحاجة الى حوار وطني شامل وليس الى مأسسة الحوار الاجتماعي


المزيد.....




- شهود عيان لـCNN: جيش النظام السوري يدخل كوباني بعد رحيل الأك ...
- الجيش السوري يدخل كوباني مصحوبا بقوات روسية بموجب اتفاق مع ا ...
- السعودية.. إنقاذ عامل سقط في بئر عمقها 400 متر - فيديو
- الثالوث النووي الصيني.. هل تستعد الصين لحرب كبيرة؟
- الجزر المكتشفة في القطب الشمالي قد تبين ولادة الحياة على الأ ...
- بلاغ رسمي: جلالة الملك يصدر عفوه الكريم على الآنسة هاجر الري ...
- شاهد: إخلاء مبنى في الفلبين بعد وقوع زلزال بقوة 6.7 درجات
- خمسون عاما من التوهج.. نجم حسن حسني الذي لا يغيب
- تكتم السعودية عن نتائج زيارة خان.. هل يعني فشل الوساطة مع إي ...
- -حالة وعي- تجتاح الشباب التونسي


المزيد.....

- قراءة في الوضع السياسي الراهن في تونس / حمة الهمامي
- ذكرى إلى الأمام :أربعون سنة من الصمود والاستمرارية في النضال / التيتي الحبيب
- الحزب الثوري أسسه – مبادئه - سمات برنامجه - حزب الطليعة الدي ... / محمد الحنفي
- علاقة الريع التنظيمي بالفساد التنظيمي وبإفساد العلاقة مع الم ... / محمد الحنفي
- الطبقة العاملة الحديثة والنظرية الماركسية / عبد السلام المودن
- الانكسارات العربية / إدريس ولد القابلة
- الطبقة العاملة الحديثة و النظرية الماركسية / عبدالسلام الموذن
- أزمة الحكم في تونس، هل الحل في مبادرة “حكومة الوحدة الوطنية“ / حمه الهمامي
- حول أوضاع الحركة الطلابية في المغرب، ومهام الوحدة.. / مصطفى بنصالح
- تونس ، نداء القصرين صرخة استمرار ثورة الفقراء. / بن حلمي حاليم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي - علي أوعسري - التحالفات المشاعية مظهر من مظاهر التفسخ السياسي: في البدائل الممكنة