أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نجم خطاوي - كاد الهمج أن يقتلوا صاحبي















المزيد.....

كاد الهمج أن يقتلوا صاحبي


نجم خطاوي

الحوار المتمدن-العدد: 822 - 2004 / 5 / 2 - 10:28
المحور: الادب والفن
    


قبل عشرين عاما بالضبط شاهدته أول مرة في وادي من وديان كوردستان وهو مقر قاطع بهدنان كما كانوا يسمونه , وكنا يومها فتية تضمنا مفارز ومقرات الحزب الشيوعي العراقي , وزيارتي تلك مبعثها وجع أسناني وورم اللثة , وكنا نحسدهم نحن القادمين من مناطق اربيل لوجود ثروة لا تعوض لديهم وأعني صاحبهم طبيب الأسنان الطيب الذي وفر له الحزب بعض المستلزمات لعلاج أسنان الأنصار والفلاحين .

وسأترك وصفي لصاحبي ولصفاته مكتفيا بما له علاقة بحكايتي أو لنقل بحكايته , فما أن تشاهده وهو بنحافته الواضحة وسمرته وسواد شعره ولهجته العراقية القريبة للهجة أهل الجنوب , حتى تحس وتستشعر عراقيته وطيبته .

والتقينا لمرات أخرى وفي أماكن مختلفة في الجبال أيام الحركة الأنصارية , وفي دمشق التقيت به ثانية عام 1990 بعد اضطرارنا لترك العراق والجبال والكفاح المسلح وبعد عمليات أنفال نظام الدكتاتور المقبور , وتشاء الصدفة أن يكون لاحقا زميلي في معهد اللغة في مدينة( مينسك) البيلاروسية . ولرب يصح قول أحدهم بأن العراقيين باتوا يشبهون الغجر لكثرة ترحالهم , إذ رحلت تاركا المدينة التي عشقتها( مينسك) قادما صوب السويد وصقيعها تاركا دراستي وزملائي , وهنا في ستوكهولم لقيته مرة أخرى .

وصاحبي هذا مثله مثل بقية المكافحين من العراقيين جاهد وكافح بالسلاح وبالكلمة وبكل قدراته في سبيل الخلاص من الغول الكبير واعني به نظام صدام , ومن سنوات كفاحه هذه يمكن عد تسعة قضاها في الجبل ووديانه , وقد بح صوته ورفاقه وأصدقاءه وبقية الطيبين وهم يحتجون ضد الحرب ومشعليها عبر التظاهرات والاحتجاجات في شوارع السويد والعالم , ولكن هذا لم يمنع الحرب في أن تقع . ورغم المأساة والفواجع التي سببتها الحرب فقد استبشر صاحبي لسقوط الطاغية صدام ونظامه .

في العام الماضي وفي تموز بالتحديد ذهبت لوطني بعد سنوات المنفى الطويلة , وبالصدفة ذهبت لزيارة عائلة صاحبي في منطقة الكاظمية في بغداد , وكانت فرصة طيبة للتعرف بهذه العائلة الطيبة , وعدت حاملا لصاحبي أخبار الأهل والوطن .

في آذار هذا العام قرر صاحبي الذهاب للوطن لزيارة مدينته وأهله وأصدقاءه القدامى وبعد سنوات قاربت السبع والعشرين .

ورغم آن زيارته ترافقت مع أحداث أليمة يمر بها الوطن هذه الأيام إلا انه تمتع كثيرا وطابت روحه وسط أهله ومعارفه ومدينته وذكرياته , ولم ينغص رحلته تلك سوي اللحظات التي عاشها بعد رجوعه من بغداد باتجاه سوريا .

وسأقتطف من رسالته الحزينة لي :

( يوم الخميس الثامن من نيسان قررت مغادرة مدينتي بغداد متوجها صوب سوريا وهي المحطة التي منها سأواصل رحلتي باتجاه السويد ثانية , وكنا مجموعة من المواطنين العراقيين ,استأجرنا أربع سيارات من نوع GMS حيث أن سائقي هذه المركبات يسيرون على شكل ( مجموعة ) خوفا من الحوادث التي كثرت أخيرا )

ويواصل صاحبي حديثه :

( بعد مسير ثلاث ساعات وصلنا صوب طريق يسمونه ( 160 ) وهناك توقفنا حين أخبرونا بأن السفر نحو سوريا عبر نقطة ( الوليد ) مستحيلا حيث أغلق السوريون والأمريكان الطريق , وهناك عرفنا بأن الكثير من الناس قد قضوا ليلتين ولم يتسنى لهم العبور )

وبعد مناقشات كثيرة كما يروي صاحبي قرروا العودة عبر الطريق الذي سلكوه حين غادروا بغداد صباحا أي باتجاه شمال بغداد ثم منطقة التاجي وقريبا من سامراء متوجهين نحو شمال مدينة الرمادي وعبر منطقة الثرثار , وقبل وصولهم منطقة الثرثار شاهدوا ما كانوا يخشونه ويؤرق تفكيرهم , أحجار وشجر وضعت فوق الطريق لمنع مرور السيارات , وحين اقتربوا باغتتهم مجموعة من الملثمين الذين كانوا يفتشون السيارات وركابها ودون أن يعرف أحدا سببا لذلك .

أترك صاحبي يروي حكايته بنفسه :

( وصل الدور ( السره ) لنا , قال لي شخص ملثم :

- أين أوراقك ؟ )

ومن أين يكون لعراقي قضى في المنفى هذه السنوات الطويلة من هويات ووثائق , وهو الذي عبر جبال ووديان وبحار ومحيطات ودول وحدود وووووووو .

ويكمل صاحبي :

( بصياح وصراخ حاد صاح أحدهم

- جيبوه ....

وكانت لهجته فلسطينية واضحة لي وضوح القمر , والذي سحبني بخشونة وأخرجني من السيارة كان سوريا من خلال لهجته وحركاته إذ صرخ في وجهي ...

- أنت ليس عراقيا

قلت كيف يا أخي لا أكون عراقيا وأنا من مدينة الكاظمية ومن واحدة من عشائرها المعروفة !

نهرني منكرا عراقيتي :

- أنت لا تملك هوية عراقية

قلت له الدوائر مغلقة ولم أستطيع أن اجلب معي هوية تثبت عراقيتي وليس لدي سوى هويتي السويدية المثبت عليها اسمي ولقبي وصورتي .

ويمضي صاحبي في قص حكايته وقد تعمدت أن أقتبس منها دون التعليق

( أجلسوني على صخرة صغيرة بعد أن سحبوا أقسام رشاشاتهم وصوبوها نحوي وخاطبني أحدهم :

- أنت أجنبي

تصور يا صاحبي أن أكون أجنبيا ويصبحون وهم القادمين من دول أخرى عراقيين بقدرة قادر.

بعدها ذهب بعضهم يواصل صيد الناس الأبرياء وترهيبهم عبر سحب أقسام الشاشات , واستطاعوا إيقاف عشرات السيارات ... وكان عملهم الترهيب بعينه ..

لم اشعر للحظة بالتضامن معهم بل كرهتهم وكرهت أساليبهم المتدينة , وكانوا بالمناسبة لا يجيدون القراءة والكتابة وكانوا أشبه بالهمج مدعين البطولة بواسطة السلاح .

بقيت في مكاني قرابة النصف ساعة ثم بدءوا التحقيق معي ثانية :

- ما هذه العلامة الموجودة على هويتك ؟

قلت :

- هذه علامة البريد في دولة السويد ويمكن بواسطتها استلام الراتب وإجراءات أخرى .

نادوا على سائق المركبة التي كنت جالسا فيها والذي يبعد مسافة ليست قريبة :

- هل هذا عراقي ؟

كمدت صبري مجادلهم بلا قانونية احتجازي هكذا لينهرني أحدهم :

- اسكت أنا المسؤول هنا ...

وبعد نصف ساعة أخرى قالوا لي أن اذهب وذهبت برهبة صوب السيارة وركابها الخائفين )



كنت قبل شروعي في الكتابة أبحث عن عنوان لحديثي , وقد فكرت كثيرا قبل أن اختار كلمة ( الهمج ) إذ لعلي اخطأ التسمية أو أكون قد تجنيت على الواقع ! وفي الحقيقة فأنا مدين بهذه التسمية لركاب السيارات العراقيين الذين رافقوا صاحبي بالصدفة في رحلته والذين تنفسوا الصعداء حين شاهدوه يعود إليهم سالما , وأعود لاقتبس من صاحبي :

( هنأني الركاب على سلامتي قائلين :

- روح اذبح خروف ...هؤلاء همج كانوا يقتلوك

أجبت بأني لم افعل شيئا مضرا بأحد ...

قالوا بألم وحرقة أنت لا زلت لا تعرف أيها الأخ من الذي جاء إلى العراق ومن الذي خرج منه .. لقد تغيرت الناس ....

أجبتهم بكوني قد التقيت أناسا طيبين وجربت ذلك من دخولي مدينة زاخو وحتى سامراء والكاظمية وبغداد وغيرها .... وليس من حق الدخلاء أن ينكروا علي وطني وعراقيتي )



ملاحظة لا بد منها

حين كنت أفتش عن معنا لكلمة همج وجدت التالي

الهمج هم القوم الذين لا خير فيهم وهم الرعاع من الناس الحمقى

أكتب كلماتي وأنا أرقب الدماء التي سالت وتسيل , والفوضى والخراب والألم , و(الخير) الذي منحوه لنا ( الحمقى ) حين مكنوا باول وغيره من الحديث عن جزء من السيادة , وعن عودة قادة الفرق العسكرية الذي لا زلنا نجهل مشاركتهم وأفعالهم القديمة وهل كانوا حقا أبرياء من دماءنا , وعن حديث صديق صدام القديم الإبراهيمي عن عودة نظام البعث المقبور بعد أن يريد أن يلبسه حلة جديدة , وعن تعزيزات الأمريكان الجديدة , وعن مبررات استخدامهم المفرط لكل هذا السلاح والتدمير , وعن ...وعن ... وعن .....


السويد 30/04/2004





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,469,967,989
- من بطاقات آخر الليل
- سلاما لأحبتي الشهداء الشيوعيين
- تحليق
- لم تحطبوا لوحدكم فلا تأخذوا النار لخبزكم - حول القرار الجائر ...
- قصيدتان لشاعرين من السويد
- هل يمهد كنس ساحة التحرير وشتل الأشجار في حديقة الأمة الطريق ...
- سأطردك من ذاكرتي أيها الغول البغيض
- ليس الحزب الشيوعي العراقي وحده الذين ابتهجوا بالقبض على الطا ...


المزيد.....




- فوز رواية -لا صديق سوى الجبال- للكاتب بهروز بوجاني
- شاهد: معرض من نوع آخر في فينيسيا ... لوحات فنية تنتظر زائريه ...
- إليسا تعلن اعتزال صناعة الموسيقى -الشبيهة بالمافيا-
- الأدب العربي ناطقًا بالإسبانية.. العدد صفر من مجلة بانيبال ي ...
- حصون عُمان وقلاعها.. تحف معمارية وشواهد تاريخية
- قداس بكنيسة صهيون.. الفنان كمال بلاطة يوارى الثرى بالقدس
- للحفاظ على اللغة العربية... حملة مغربية ضد إقرار اللغة الفرن ...
- اللبنانية إليسا تصدم متابعيها بقرارها الاعتزال .. والسبب &qu ...
- اللبنانية إليسا تصدم متابعيها بقرارها الاعتزال .. والسبب &qu ...
- تعز.. تظاهرات حاشدة تطالب بتحرير المحافظة وترفض الاقتتال الد ...


المزيد.....

- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نجم خطاوي - كاد الهمج أن يقتلوا صاحبي