أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد محمد رحيم - -خيال ساخن- في خريطة السرد المصري















المزيد.....

-خيال ساخن- في خريطة السرد المصري


سعد محمد رحيم

الحوار المتمدن-العدد: 2687 - 2009 / 6 / 24 - 09:57
المحور: الادب والفن
    


عرفت التجارب الحديثة للكتابة السردية في مصر، السبّاقة عربياً، تحولات عميقة، عديدة، في غضون مدة زمنية تقل عن القرن الواحد.. تلك التحولات التي أصابت شكل السرد ومتنه.. الأسلوب والرؤية.. الموضوعات وطرق معالجتها.. كيفية استثمار عناصر السرد التقليدية، ولاسيما الزمن، وكذلك المكان... موقع السارد ووجهة النظر.. فضلاً عن العلاقة المتداخلة بين الواقع والتاريخ كمرجعية أساسية من جهة وبين محاولات كسر سياقهما ونسقهما والوصول إلى ما ورائهما بقوة الرؤيا والخيال، من جهة ثانية.
كان البدء، حداثياً، مع جيل محمد حسين هيكل الذي وضع، باتفاق كثر من النقاد ومؤرخي الأدب، اللبنات الأولى للرواية الفنية ليأتي نجيب محفوظ رائداً لجيل آخر، ارتقى بفنية الرواية وعزز أسسها. وكان من ثم جيل جمال الغيطاني وإدوار الخراط.. الستينييون الذين جاروا ثورة الشباب واليسار في العالم وتمردوا على سلطة الأب ( بأبعادها المركّبة والمعقّدة ) لإيجاد منعطف جديد، لا في مجال الفن وحسب، وإنما على صُعد الحياة كافة وقيمها وتقاليدها. هؤلاء مهدوا لمن أتى بعدهم ( الأجيال اللاحقة ) الذين حرصوا على تحديث فن السرد ( القصصي والروائي ) بما يوافق التغيرات الجارية في شؤون الحياة كلها، ولاسيما موضع الإنسان في العالم، وطبيعة ماهيته وأفكاره وأحلامه ومشكلاته واغتراباته التي اختلفت عما كانت عليه قبل عقود قليلة.
باختصار كان على الجيل الجديد التعاطي مع قيم جديدة ( وجودية وفكرية وفنية ) ليثبِّت مكانته إزاء الإرث العظيم الذي خلّفه السابقون الكبار، حيث أن بعضاً من أولئك الكبار( أطال الله أعمارهم ) ما يزال يبدع ويطوّر تقنياته ورؤاه مزاحماً جيل الشباب في طرقات الحداثة.
ومحمد العشري ينتمي إلى الجيل الأخير الذي انفتحت له آفاق أوسع ( أو هكذا يجب أن يكون الأمر ) لمواجهة مسائل الكتابة السردية والنظر من زوايا أُخر لمشكلات البشر والتاريخ. وهكذا بتنا نتوقع، نحن القراء، منه ( الجيل الجديد ) ما يفاجئنا ويدهشنا سواء في بناء اللغة والأسلوب أو الرؤية، أو في اختيار الموضوعات وكيفية معالجتها سردياً، وابتكار أنساق للسرد غير مألوفة، وتطوير الأنساق الشائعة منها. أي طرق في الكتابة تتجاوز ما عرفناها عند جيل الأساتذة. ولكن، هل حصل هذا حقاً؟. هذا السؤال هو ما كان يشغلني وأنا أقرأ رواية العشري الأخيرة ( خيال ساخن/ الصادرة عن دار الاختلاف في الجزائر والدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت ـ 2008 ) وأخشى أن يكون انطلاق مقاربتي للرواية من هذا التحديد العالي الذي وضعته لتوقعي سبباً في إعطاء أحكام قاسية عنها؟.
يبدأ فعل الحكي في الرواية بضمير المتكلم. فجملة الاستهلال هي؛ "في حديقة البيت رأيت كتلة من شجرة متحجرة، باقية من الأزمنة الجيولوجية البعيدة" من هو السارد؟ لن نعرف قط.. وهو الذي سيعلمنا كيف عثر صاحب البيت: تاجر الغلال، على تلك الكتلة وجاء بها إلى حديقته لتكون عنصر جذب لحيوان شرس مفترس ( السلعوة: أهي الكائن الخرافي ذاته الذي نسميه في العراق السعلوة؟! ) يسكنها ويحبس الساكنين في الداخل لأيام قبل أن يأتي رجل يدعى ساهر ويفتك به. هل السلعوة حيوان خرافي، أم حقيقي؟ للوهلة الأولى يبدو وكأننا في جو شبه أسطوري، أو نصف واقعي ونصف حلمي، إطاره التاريخي ممحو.. ينقلب السرد ليكون بضمير الغائب حتى فصل ( النافذة ) ص65 فيعاود الاستئناف مرة أخرى بضمير المتكلم، وهذه المرة حتى نهاية الفصل، وليتحول بعدئذ إلى ضمير الغائب حتى ختام الرواية. ترى ما هي المسوغات الفنية لهذه الانتقالات؟ وهل حققت هدفها الجمالي الذي لاشك أن الكاتب كان يفكر فيه.
يصرع ساهر السلعوة "ممسكاً بفكيها، أبعدهما عن بعضهما،جذبهما في اتجاهين مختلفين بقوة كبيرة، جعلت الحيوان يثور ويرفع صوته مزمجراً". وعلى هذه البطولة يستحق شكر وإعجاب أفراد الأسرة فيقومون باستضافته لعدة أيام في منزلهم قبل أن يغادر، إلى غير رجعة. وفوق الصخرة حيث قُتلت السلعوة سيعملون تمثالاً لساهر المنقذ، ثم تمثالاً آخر. ترعاهما جمانة ابنة التاجر التي كانت طفلة يومها، وتبقى تتساءل عن ساهر، حتى تلتقي ابنه مصادفة في رحلة مدرسية، وهي شابة، فتظنه هو ( ساهر )، كما لو أن السنين لم تمر عليها وعليه!.
نعود إلى ساهر الذي يسكن قرية متاخمة للمدينة، يستولي فيها على منصب العمدة بعد غياب الأخير.. يذهب إلى المأمور لتثبيت عموديته.. أثناء رجوعه يتسكع في الشوارع فيمر ببيت التاجر ويرى السلعوة ويقتلها..بعد ذلك يجري الإيقاع بالعمدة الجديد بمؤامرة من العمدة القديم، العائد إلى قريته، يشترك فيها تجار المدينة ومنهم تاجر الغلال/ الفنان.. ألم يخبرنا السارد أن المنقذ/ ساهر قد رحل إلى غير رجعة؟ إذن لماذا عمل له التاجر تمثالين في حديقة بيته إذا كان متآمراً عليه؟.
تنشأ علاقة حب بين جمانة والشاب ابن ساهر لتشكل المحور الرئيس للسرد.. ولا أعلم لماذا يظل الشاب بلا اسم حتى النهاية على الرغم من أننا نعرف اسم والده واسم حبيبته. وإذا كان الروائي يخبرنا الكثير عن شخصيته فإن الغموض حول حياته وتاريخه يتبدد شيئاً فشيئاً ولا يبقى محجوباً عنا سوى الاسم.. وبين الشد والجذب تتأرجح العلاقة بين العاشقين، حيث تصر جمانة لتعرف تفاصيل عن حياة الشاب وعائلته، ثم نجدها تتهرب من الإجابة على أسئلته "فكلما اقتربنا خطوة من بعضنا، أجد الكثير من الأمور المهمة التي تحتاج إلى تفسير، حين أسألك تهربين وتغيبين" مَن يهرب مِن مَن ولماذا؟. وأخيراً تبقى الإجابات معلقة ومرجّأة بفعل الطاقة البدائية الفائرة والخلاقة للحب. وهنا يستثمر الروائي مقدرته اللغوية الشعرية في وصف المشاعر والطبيعة والأحداث ومناجاة النفس والمعشوق والكون، وهذه قطعاً لا تخلو من مسحة جمالية رومانسية واضحة. غير أن مقاطع بكاملها يمكن الاستغناء عنها من دون أن يضر بتماسك الرواية. فهي في الغالب إنشائية، وتبدو غريبة على النسيج العضوي للنص، أو أنها بالأحرى غير موظفة لتكون جزءاً حياً، لا غنى عنه، في ضمن ذلك النسيج. والقارئ يشعر أن هناك ترهلاً في بعض المواضع على الرغم من قصر الشريط اللغوي للرواية، وهذا يضعنا مرة أخرى أمام معضلة التجنيس؛ هل ما كتبه العشري يعد رواية أم قصة طويلة؟
شخصياً لست ضد الهالة الرومانسية للغة الكتابة السردية، بالعكس. فنحن في عالم تغلب فيه لغة العنف والقوة الغاشمة والسوداوية واليأس بأمس الحاجة إلى اللغة العذبة المتدفقة بشرط عدم الإفراط فيها كي لا تثقل النص الروائي وتترك فيه بقعاً فجة، وإلى الحد الذي تبدو فيه ثيمة الحب وكأنها منظورة من عقل مراهق قليل الخبرة. وربما أراد العشري أن يجعل شكل نصه والرؤية المتضمنة فيه متوافقين مع جوهر شخصية الشاب، ابن البيئة الفقيرة شبه الفلاحية ومحدود التجربة في مجال العلاقات العاطفية. وفي سبيل المثال تتكرر كلمة القلب مرات كثيرة، عشرات المرات جرياً مع النظرة التقليدية التي تتصور القلب، تلك المضخة العضلية، منبعاً للحب ومصباً له. وحتى لو عددنا الأمر مجازاً فهو مجاز أُستهلك كثيراً، ومنذ قرون طويلة، في الكتابة الأدبية. "ماء الحب المتدفق في قلبي دفعني إلى التريث" ص65. "ارتجف صوتها بعد أن شق قلبي نصفين" ص68. "فالقلب حين يحمل الإنسان على أجنحة الحب تتلاشى جاذبية الأرض" ص71. وهناك جمل كثيرة أخرى ترد فيها كلمة القلب. والنص في مشاهد عديدة منه، إذا ما نُظر إليه من زاوية التحليل النفسي، يبدو مثل خيلات وهوامات في تصور شاب حالم تعويضاً عن عجز واقعي. وما يمكن أن يؤخذ على الرواية، بهذا الصدد، هو استخدامه لضمير الغائب،غالباً، في عرض وجهة النظر واتجاه السرد بدلاً من ضمير المتكلم. وإذا ما نظرنا إلى الرواية من الخارج، لا من داخل النص، فإن ضمير الغائب يجعل موقعاً وموقفاً للسارد من الحدث يكاد يكون هو نفسه موقع وموقف الروائي، طالما كان السارد ( الداخلي )، الذي يُفترض أن يكون موضوعياً/ حيادياً، يدلي بأحكامه وتقويماته مراراً حول الأحداث الواقعة والجارية.
يتأرجح السرد بين محاولات ملامسة جلد الواقع وخدشه أحياناً، وبين التحليق فوقه بلغة حالمة حتى يتهيأ للقارئ وكأنه إزاء سياقين للسرد متوازيين ومتنافرين.. سياق الحياة الواقعية للشخصيتين الرئيسيتين وتاريخ عائلتيهما وسياق الانغمار في دنيا الأحاسيس المثالية. وكان يمكن للروائي أن يطوِّع كثراً من عناصر السرد وخيوطه التي أمسك بها ثم أضاعها بفعل الاستعجال، كما أظن.
أما النهاية فجاءت تقليدية، لا تختلف عن نهايات مئات الروايات وكذلك مئات الأعمال الميلودرامية التي تعرضها الفضائيات والتي تجعل من الحب والصراع من أجله موضوعها.. الغني الذي يرفض تزويج ابنته من فقير، وإصرار الفتاة العاشقة على نيل الفوز بفتاها. وهنا، في ( خيال ساخن ) تلجأ إلى ذكائها فتنجح في إقناع والدها لتلحق بمن تحب إلى مدينة الألعاب، ولا ندري كيف عرفت أنه هناك، لتنبئه بالخبر السعيد.
سعى محمد العشري في روايته هذه إلى تحديث أدوات سرده، وخلق إزاحة في البناء والرؤية. ولذا كانت انتقالاته بين ضميري الغائب والمتكلم.. بين ما هو معقول وما هو غير معقول.. بين ما هو يومي ومباشر وبين ما هو حلمي أو أسطوري.. كما أنه استطاع اللعب بالأنساق السردية عبر الارتداد بالزمن، وإعادة رسم الأحداث من زوايا ومنظورات مختلفة.. هذا النمط من الكتابة ينطوي على تهكم خفي.. سخرية مهذبة، إن صح التعبير، من تقاليد السرد، من أجل فتح أفق جديد له ( للسرد ) وابتكار تقاليد جديدة. فهل أفلح؟.
ننتظر من العشري ما هو أفضل. وباعتقادي أنه قادر على تقديمه لنا، هو الكاتب الشاب الذي لم يستنفد من طاقته وموهبته، حتى الآن، سوى الجزء اليسير.






كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,685,706,886
- في -ثغرها على منديل- تحسين كرمياني يحتفي بالحب
- أسماؤنا
- نحو استشراف مستقبل ثقافتنا
- بعقوبة التسعينيات: ثقافة تعاند حصاراً مركّباً
- حس الواقع
- الولع بالقراءة: مع آلبرتو مانغويل في -تاريخ القراءة-
- في استهلاك المصطلحات السياسية
- القارئ مترجماً
- شذرتا الحداثة ومأزق تحديث الدولة العربية
- حداثة المثقف.. تحديث الدولة
- سيرك الإعلام ومهرِّجوه
- ذلك الانهيار في عالم الأمس لستيفان تسفايج
- المثقف وشبكة علاقات السلطة؛ 3 موقع المثقف ووظيفته
- المثقف وشبكة علاقات السلطة:2 آليات الإقصاء والإدماج
- المثقف وشبكة علاقات السلطة: 1 آليات صناعة الممنوع
- الدولة والإنتاج الثقافي
- تلك الأسطورة المتجددة: قراءة في كتاب -أسرار أسمهان؛ المرأة، ...
- -متشرداً بين باريس ولندن-: هوامش المدن المتروبولية في أوروبا ...
- إيزابيل الليندي تكشف أسرار أسرتها في -حصيلة الأيام-
- قراءة في كتاب: ( لعنة النفط.. الاقتصاد السياسي للاستبداد )


المزيد.....




- الشاعر اليمني يرثي -الشهيد الفريق سليماني- بأعذب كلمات
- -المنشق-.. فيلم وثائقي أميركي يحكي قصة مقتل خاشقجي
- -الثقافة المصرية- ترد على أنباء ارتفاع الأسعار في معرض الكتا ...
- عبيابة : إقصاء المغرب من مؤتمر برلين استبعاد لاتفاق الصخيرات ...
- بوريطة: من بين كل دول العالم.. الجزائر وحدها من تصدر تلك الب ...
- صائدو الكنوز: مسكوكات الاسكندر المقدوني المفقودة
- كاريكاتير -القدس- لليوم الجمعة
- متى نتقن لغة وثقافة الحوار..؟!
- سيتا مانوكيان: حكاية الفنانة التي صارت راهبة بوذية
- كيف أثر ظهور الأوبئة والأمراض في الفنون البصرية؟


المزيد.....

- حروف من الشرق / عدنان رضوان
- شبح الأمراض النادرة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- ديوان النفي المطلق / السعيد عبدالغني
- ديوان الحضرة / السعيد عبدالغني
- ديوان الحاوى المفقود / السعيد عبدالغني
- ديوان " كسارة الأنغام والمجازات " / السعيد عبدالغني
- أثر التداخل الثقافى على النسق الابداعى فى مسرح يوهان جوتة / سمااح خميس أبو الخير
- زمن الخراب (رواية) / محمود شاهين
- طقوس الذكرى / عبد الباقي يوسف
- مسرحية -كلمات القرد الأبيض الأخيرة- وجدلية العلاقة بين الشما ... / خالد سالم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد محمد رحيم - -خيال ساخن- في خريطة السرد المصري