أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رجاء بكرية - هو وبرقيات ملونة














المزيد.....

هو وبرقيات ملونة


رجاء بكرية

الحوار المتمدن-العدد: 2684 - 2009 / 6 / 21 - 02:59
المحور: الادب والفن
    


الجزء الاول

"عن رجل أبعد من الغيم، أما حذّرتك من الأساطير الّتي تلبسني وتحيلني إلى جنيّة شرّيرة؟"

صدفة

معظم الرّسائل الّتي تكتبها إليّ نقشتها على ورق أصفر تيمّنا. اعتقدت أنّ ألوان عبّاد الشّمس، وولعي بفرشاة غارسها وعمق ما تشعله من وهج في عينيّ قد يمنحني حظّا. فيكَ أو على خارطة السّنة المقبلة. واعتقدت أنّ تلك الأوراق الّتي تشرع شعرها فوق شمسيّة خضراء تمتلك فعل السّحر لمجرّد أنّها استطاعت أن تجنّن فان جوخ على بعد ساعات من تفتّحها، وتحدث جرحا عميقا في بدنه، وشرخا ملتويا لذاكرته. رسائل ملوّنة، زرقاء ، خمريّة ورديّة، خضراء وباذنجانيّة، تماما كالّتي أكتبها أنا إليك! ماطرة وعنيفة كالشّتاء الّذي يعصف حين تحدّق بعيني.

صدفة، أو على غير انتظار جئت إلى بريدي متلبّكا بسؤال. رأيت تعثّر خطوك، وابتسمت. بعد رسالة ونصف قفز قلبي إلى ذاكرتي ومزّقت كبرياء رجال كنت منهم. بعد عشر رسائل وربع توثّبت رعشة أصابعي، وأصبحت غزلانا رشيقة في رسم العبارة. بلا مسطرة وبدون بيكار رسمت قلوبا كثيرة، رسَمَتْها الغزلان وحدها وأفرحتك. بعد اكتمال ربع الرّسالة أصبح للكلام رائحة الكمّون والقرنفل، " أنا فلّاحة، من إحدى قرى الجليل، وتدوّخني التّوابل بلا حد، لا تخف من غيبوبتي السّريعة" قلت. لأصابعي أضيفت فيما بعد إصبع جديدة فنّانة في تلوين اللّهفة بين عيون الفسحات النّائمة. استيقظ المدى الأبيض وبقي فزع العينين، قلقا متسائلا، يومها كتبت تقول:
"هل أعجبك البورتريت؟ أنجزه صديق فنّان. رأيتك بعيون قلبي في ذلك المقهى، واشتهيت القهوة. أعددتها وجلست أمام الصّورة، صورتك، أشرب وأتأمّل!"
تهدّج لون حبري . لم يكن سهلا أن أكتب ثانية بتلقائيّة وأنا أصغي لرقص الدّم بين قلبي ورئتيّ. اختنق الهواء في كفّي، ولم أتمكّن من الإفراج عنه بسهولة. توسّلت، "يا ربّ الورود أفرج عن أصابعي الصّغيرة، ستنكسر الأظافر داخل التويج وتتلف". حاولت أن أكتب، لكن بأنفاس تقبض على حكاية بضفائر قصيرة في بريد متعب.
جذبت خاتم علاء الدّين إلى بنصري الأيسر، وتأمّلته طويلا قبل أن أرتكب حماقة من حماقاتي الصّغيرة وأمسحه صدفة فيخرج وجهك منه معاتبا. سارعت بنقش لهفتي المتبّلة هذه المرّة بقرنفل تحبّه. حاولت أن أبقى امرأة بشعر مبعثر مثل جدائل شمس ضيّعت طريقها إلى المغيب، أعرف لا تحبّ المغيب، لكنّه قدرك معي أن تعشق رغما عنك شعر شمس أو غيمه في طريقها إلى قلبها أو ساقها. قلت لك حين وصل بريدك متعثّرا:
" رأيتُ صورتي، أقصد رأيتك وأنت تتأمّلها، لكن ألا تعتقد بأنّها عالية قليلا؟ لماذا علّقتَ شعري بالسّقف، وجلست مبهورا تتأمّل لمعانه كلّما شدّت أطرافه عاصفة؟ أخاف على عينيّ السّقوط، وعليك التواء العنق. هل أنا محقّة، أم أنّه فقط يخيّل إليّ؟ هل يراها غيرك في تلك الغرفة؟ وأين السّرير، هل رأيت في حياتك غرفة نوم عاقلة فيها امرأة معلّقة بالسّقف دون سرير؟ أين وضعته؟ اعترف. طبعا في درج الخزانة! هل جلست فوقه امرأة مثلا حتّى طويته معها داخل درج وأرسلتَ الباقي ببريد سريع إليّ؟ لم أخبرك، يا عزيزي، أنّها أمور ضروريّة لامرأة مثلي تعالج المسافة بين السّقف والبلاط بنفس الدقّة الّتي بها تعالج ريشة الكحل وهي تتململ بين الجفن والرّمشين. تحديد الأماكن ضروري لانحدارات قلب يتساقط على سفوحه الآن جليد"

أساور فضّة

ساحرة تلقائيّة الرّسائل الّتي يكتبها إليها . لم تصادف رجلا يكتب ببراءة. اعتقدت أنّ الرّجال عموما يمارسون البراءة ضمن حالتين اثنتين، إمّا لأنّهم يعرفون تماما، وإمّا لأنّهم يتشكّكون فيما يعرفونه، وهو ممّن لم يثقوا بعد بسحر الكلمات البكر. يخاف أحيانا ممّا يكتب، ورغم خوفه يغامر بكتابة ما يعنّ له. قلتَ كي تبرّىء ذمّة فعلك:
"صورتك ليست عالية كما يبدو، إنّها أمام ناظريّ مئة بالمئة. قريبة من سريري" لم تذكر المرأة الّتي تجلس فوق السّرير، لكنّني افترضت أنّ لا امرأة هناك ولو كانت سأتجاهلها تلبية لرغبتي في التوهّج، "أنتِ هناك صورتك معلّقة فوق السّرير مثل حدائق الكرمل الّتي حدّثتني عنها، قلتِ إنّها معلّقة في الهواء مثل غيمة ضائعة. أليس كذلك؟ وانظري ، لا تخذليني لئلا يظلّ بريدي قلقا، وتأكّدي من قامتي العالية، لا يمكن أن أنزل إليها، يجب أن أصعد إليها دائما ولو التوت عنقي"
فوجئت للحظة، لكنّني امتلأت بمهنيّتي العالية في الكذب الأبيض، وهمست:
" لا بأس، فلتلتو عنقك إذن، إنّه كبرياء الرّجل حين يهزمه زيتون امرأة "
بعد رسالتك الأخيرة فكّرت برائحة صباح يوقظك ولا تعثر على بريدي هناك، بين الرّسائل الكثيرة المنتظرة أن تفضّ ثوبها. حنقت قليلا لأنّ الرّسالة أنثى وليست ذكرا، لأمكن أن أحتال حين أعلن فضّك لملابسه. لاستطعت أن أغيظك قليلا. فكّرت كعادتي بنبض أصابعك فوق الطّاولة، والأغنية الّتي ستقذفها بعصبيّة مباشرة من رأسك إلى سلّة المهملات احتجاجا، وابتسمت بخبث. فكّرت كيف ستتجاوز شعورك العارم بالفقد. ليوم يضاف إلى يومك العاطل عن القرنفل والكمّون. يأتي ولا تسمع غير ريح تخرخش بأساورها، توقظك لتقول لك، "بريد المرأة لن يصل اليوم أيضا. قالت لك لا تعلّق رأسها بالسّقف ولم تسمع. أرسلتني بأساور الفضّة هذه كي ألحّن رسالة على وقع عصافير الزّرع، ولهفة إصبعها الجديدة. لتلك المرأة أشواق متبّلة وأنت؟.
هل ستجيبها حينذاك، أم أنّك ستفتح النّافذة الوحيدة في غرفتك، وتلقي أساور فضّتها إلى عاصفة مارقة؟


* كاتبة وروائية فلسطينية





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,396,564,257





- 9 جوائز من نصيب وثائقي -سكان الأرض اليباب- للسورية هبة خالد ...
- مطالب بمنح حكم برازيلية جائزة الأوسكار بعد لقطة طريفة
- اعتصام لمنتخبين من كلميم بمقر وزارة الداخلية
- الصويرة المغربية تحيي أيام موسيقى القناوة في دورتها الـ22 وت ...
- الصويرة المغربية تحيي أيام موسيقى القناوة في دورتها الـ22 وت ...
- فضيحة القرن.. 50 مقالا تختزل مسيرة ماركيز الصحفية
- لماذا فنان عربي ضرير لا يمكنه تحديد سعر لوحاته المعجزة (صور) ...
- كتاب -المحاكم الإلكترونية-... دراسة في أنظمتها المستجدة على ...
- رحل بعيدا عن يافا.. سميح شبيب يدفن بمخيم اليرموك
- مشاهير هوليوود يطالبون بتقديم ترامب إلى العدالة بتهمة التواط ...


المزيد.....

- الاعمال الشعرية الكاملة للشاعر السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- مسرحيات (برنارد شو) توجهات لتوعية الإنسان / فواد الكنجي
- الملاكم / معتز نادر
- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رجاء بكرية - هو وبرقيات ملونة