أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - واثق غازي - لعنة التجنيد الاجباري في العالم العربي.. العراق انموذجاً






















المزيد.....

لعنة التجنيد الاجباري في العالم العربي.. العراق انموذجاً



واثق غازي
الحوار المتمدن-العدد: 2660 - 2009 / 5 / 28 - 09:05
المحور: حقوق الانسان
    


تمهيد:

التجنيد الإجباري في العالم العربي أحد الموضوعات العديدة المسكوت عنها رغم شيوعها، ورغم مساسها المباشر بحياة الناس خصوصاً الشباب. ولعل هذا السكوت الذي تمارسه أكثر وربما جميع المؤسسات في العالم العربي هو الذي دفعنا إلى كتابة هذه الصفحات. ولقد اتخذنا من العراق وتاريخه المأساوي أنموذجاً لاستيعاب خطورة التجنيد الإجباري ومردوداته السلبية في مختلف المجالات الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والثقافية، والتي تقود بالمجمل إلى استنزاف الطاقات البشرية والاقتصادية في العديد من بلدان العالم العربي.

جريمة الإكراه والقسر:

التجنيد في العالم نوعان تطوعي وإجباري. التطوعي يتقدم فيه الشخص باختياره وأرادته لكي يصبح عضواً في الجيش. أما التجنيد الإجباري أو الإلزامي فهو الذي يؤخذ فيه الإنسان إلى معسكرات التدريب سواء كان راغباً بذلك أو مكرهاً عليه. وكلمتي (إجباري) أو (إلزامي) كافيتين للتعبير عن بشاعة هذا النوع من التجنيد، لأن الإجبار والإلزام لا ينسجمان مع الشخصية الإنسانية السوية التي تعشق الإرادة الحرة.
ورغم العيوب الكثيرة التي تشوب هذا النوع من التجنيد والويلات والعذابات التي تصيب الشباب بسببه إلا أننا نجد إصراراً غبياً على التمسك به وإبقائه وسيلة لتغذية الجيوش بالعنصر البشري. فالتجنيد الإجباري منتشر في العديد من بلدان العالمين الغربي والشرقي، المتقدم والمتخلف. وبلدان العالم العربي هي واحدة من بين تلك البلدان التي تفرض التجنيد الإجباري على أبناءها، والسياسيون في هذه البلدان يطلقون على التجنيد الإجباري عبارة (خدمة العلم)، ويعلق الدكتور علي الوردي على هذه العبارة بقوله: (وما ندري ماذا يقصدون بالعلم وبخدمته، إنها أقاويل سلطانية قد لقنوا بها منذ أيام طفولتهم الأولى، فهم يتشدقون بها ويعتقدون أنهم قد وصلوا بها إلى الحق الذي لا ريب فيه).
إن التجنيد الإجباري جريمة بشعة لا تقل في بشاعتها عن القتل. وهي جريمة يقوم بها السياسيون من حيث يشعرون أو لا يشعرون. وهي في نظرنا جريمة عقائدية، تحديداً جريمة العقيدة السياسية، يقوم بها مرتكبها بدوافع فكرية أيديولوجية ضاناً أنه يحسن فعلاً. وهو في هذه الحالة لا يختلف عمن يرتدي حزاماً ناسفاً ليفجر به نفسه وسط حشداً من الناس ضاناً أنه سوف ينتقل إلى جنة الخلد ونعيم الآخرة.
والتجنيد الإجباري في نظر الكثيرين جريمة لأنه قائم على الإجبار والإلزام وليس على الاختيار والإرادة الحرة. فمن حق الإنسان أن يكون حراً مختاراً، وهذا ما تحفظه له قوانين حقوق الإنسان في العالم. وقد التفتت بعض بلدان العالم إلى تناقض التجنيد الإجباري مع حقوق الإنسان ومع مبادئ الديمقراطية فقامت بإلغائه، وهو ما فعله الكونغرس الأمريكي في بداية سبعينيات القرن الماضي.
يرى البعض في العالم العربي أن التجنيد الإجباري جريمة لان المجند لا يحظى بالعناية الصحية أو الغذائية الكافية أو المعاملة الإنسانية اللائقة أثناء فترة تجنيده. ونحن رغم اعترافنا بأن ما يقولونه حق إلا أننا نصر على كون التجنيد الإجباري جريمة حتى ولو توفرت كل الظروف الصحية والغذائية الكافية والمعاملة الإنسانية اللائقة، وذلك ببساطة لأن الأساس الذي يقوم عليه التجنيد الإجباري خاطئ، وهو الإجبار والإلزام والاستهتار بإرادة الفرد وحقه في الاختيار. إن ما بني على الباطل فهو باطل. والتجنيد الإجبار بني على استلاب حرية الإنسان وحقه في الاختيار، بمعنى حقه في قبول أو رفض الانتماء إلى الجيش، لذلك فهو في نظرنا عمل إجرامي مهما قيل عن جودة الخدمات المقدمة إلى المجند أثناء فترة تجنيده.

الشباب والتجنيد الإجباري:

الشباب هم الفئة الأكثر تضرراً من التجنيد الإجباري، لأنهم الفئة الخاضعة له والمشمولة به. ولكن رغم ما يتعرضون له من ويلات وعذابات وتنكيل واحتقار وامتهان لإنسانيتهم جراء هذا التجنيد، إلا أننا نجد من بينهم من يتحمس له ويدافع عنه دون أن يدرك أن التجنيد الإجباري هو امتهان لإنسانية الإنسان وحقه في الاختيار.
إن مشكلة الشباب العربي تكمن في أنه مازال إلى يومنا هذا يعيش تحت تأثير التنويم الاجتماعي والسياسي الذي يرى في التجنيد الإجباري خدمة للعلم أو ضريبة للدم ينبغي له أن يؤديها لوطنه. كما إنهم ما زالوا مقتنعين بان من حق حكوماتهم أن تفرض عليهم التجنيد الإجباري. إنهم لا يدركون أن من حقهم أن يعيشوا أحراراً مختارين، بمعنى أن يكونوا أصحاب القرار في الانتماء إلى الجيش عبر (التجنيد التطوعي) أو قرار الرفض والعمل في أي مجال آخر. وعدم الإدراك هذا يعود إلى سياسة هدر الإنسان التي تمارسها الحكومات والمجتمعات العربية ضد أبناءها وضد الشباب بالخصوص، وهو ما يؤكده (مصطفى حجازي) في كتابه (الإنسان المهدور) والذي يرى أن الشباب العربي يكاد يكون أكثر شباب العالم تعرضاً للهدر على جميع مستوياته الإنسانية والمعرفية والاقتصادية والسياسية. إن التخلف الذي تعاني منه الشعوب العربية خصوصاً الشباب في مجالات التعليم، والصحة، والغذاء، والطاقة، والصناعة، جميعها تعمل على خلق إنسان لا يرى في نفسه حق الاعتراض واختيار المصير، بل إنسان من واجبه الخضوع والطاعة حفاظاً على سلامته وسلامة عائلته.
ولعل المشكلة الرئيسة التي تواجه الداعين إلى إلغاء التجنيد الإجباري هي ليست أقناع الحكومات بضرورة التخلي عن التجنيد الإجباري بل أقناع الشباب أنفسهم بضرورة رفضه. فهناك عدد من الشباب العربي إلى اليوم لم يقتنع أن التجنيد الإجباري هو انتهاك لحقوق الإنسان، وانتهاك لحرية الفكر والضمير والعقيدة، وأنه عمل ينبغي له أن يزول من عالم الوجود كما زال الرق من قبل.
لعلي لا أغالي إذا قلت أن موقف الشباب العربي المؤيد للتجنيد الإجباري هو أشبه بموقف العبيد الذين كانوا يرفضون دعوات إلغاء الرق والعبودية، لأنهم لم يكونوا يدركون أنهم مضطهدين وان لهم الحق في حياة حرة كريمة. وبهذا الخصوص قال المطالبون بتحرير العبيد: (أن المشكلة الكبيرة التي تواجهنا هي ليست إجبار المالكين على تحرير عبيدهم، بل إقناع العبيد بضرورة التحرر من مالكيهم).
ولا يعني هذا بالطبع أن جميع الشباب العربي هم من المؤيدين للتجنيد الإجباري، فلربما يكون العكس هو الصحيح، إذ أن الكثير منهم يتذمرون منه ويرون فيه شراً كبيرا. وقد دفعهم هذا الكره للتجنيد الإجباري إلى إتباع شتى الوسائل والأساليب والحيل للتخلص منه ومن شره، حتى أن بعضهم لجأ إلى الغيب وإلى العرافين والسحرة لإيجاد مخرج من هذا المأزق.
لعل المواقف المتباينة من التجنيد الإجباري سواء لدى الشباب أو غيرهم تعكس حالة من عدم التوازن الفكري أو الأخلاقي أو الوجداني من قضايا حقوق الإنسان وحرية الإرادة والاختيار، وهو ما يتيح الفرصة لمجرمي العقيدة السياسية أن يرتكبوا جرائمهم دون أن يواجهوا أية معرضة تذكر.
نعتقد أن الشاب الذي يتقبل التجنيد الإجباري دون رفض أو استهجان هو مخلوق لم تكتمل في داخله الشروط الأساسية للإنسانية وأولها الحرية.. حرية الإرادة وحرية الضمير والاعتقاد.

حجج المؤيدين للتجنيد الإجباري:

يمكن تلخيص حجج المؤيدين للتجنيد الإجباري في نقطتين رئيستين هما: أولاً، الدفاع عن الوطن وحماية أمنه وسيادته واستقلاله. وثانياً، تقوية شخصية الشباب العربي وحمايتها من التحلل والتفسخ والميوعة.
هاتان هما الحجتان الرئيستان اللتان يستند إليهما المدافعون عن التجنيد الإجباري في العالم العربي. وهما حجتان تكادان تكونان الوحيدتين في هذا المجال، إذ أن البحث في أقوال المدافعين عن التجنيد الإجباري يقودك، على الرغم من اختلاف طرائق التعبير، إلى الوصول إلى هاتين الحجتين أو السببين. وهذا ما حرصت على عمله، إذ أخذت عينة عشوائية من الأشخاص الذين دونوا آرائهم المؤيدة للتجنيد الإجباري على صفحات الانترنيت وفي مواقع مختلفة، والتي بلغ عدد المشاركين فيها ما يقرب من خمسين شخصاً ومن مختلف البلدان العربية، منها من تفرض التجنيد الإجباري مثل (سوريا والعراق ومصر وليبيا والسودان) ومنها من لا تعمل بنظام التجنيد الإجباري مثل دول الخليج العربي، ودول كانت تعمل بالتجنيد الإجباري ثم ألغته مثل الأردن. ولقد وجدت أن جميع ما قدموه من حجج مؤيدة للتجنيد الإجباري لا يخرج عن هاتين النقطتين: حماية الأوطان وتقوية شخصية الشباب.
بخصوص الحجة الأولى، يرى الباحثون في الشؤون العسكرية أن قوة الجيوش الحديثة وقدرتها على حماية أراضيها لا تقاس اليوم بعدد أفراد الجيش، الذي يريد العرب زيادته بفرض التجنيد الإجباري، بل بحسن إعداد أفراد الجيش وتدريبهم وتسليحهم. وهذا ما تفتقر إليه الجيوش العربية التي اثبت التاريخ الحديث عجزها وفشلها، فهزائم الجيوش العربية عبر تاريخها الطويل خير دليل، كما أن لكم في الجيش العراقي لعبرة. أنه كان من أقوى الجيوش العربية وأكثرها عدداً إلا أنه أنهار أمام ضربات الجيش الأمريكي خلال شهر واحد فقط. إن جودة تدريب وإعداد الجنود الأمريكان وكذلك التفوق التكنولوجي الهائل هو الذي جعل الجيش الأمريكي من أقوى الجيوش في العالم وليس كثرة عدد المجندين الذين يؤخذون قسراً إلى معسكرات التدريب عبر التجنيد الإجباري كما هو الحال في بعض بلدان العالم العربي. والجيش الأمريكي جيش قائم على التجنيد التطوعي وليس التجنيد الإجباري.
أما بخصوص الحجة الثانية، فهي في نظرنا أهون من أن تناقش، فالمعروف أن المسئولية هي فيتامين الشخصية، وهذه المسئولية تأتي من أحساس الشاب بدوره في الحياة وقدرته على إدارة كفة الأحداث وليست عبر الإجبار والإلزام. إن التهميش والهدر المستمرين الذين يتعرض لهما الشباب العربي هو السبب وراء صور ضعف الشخصية والميوعة. ومثل هذه المشكلة لا يحلها التجنيد الإجباري بل فتح باب المشاركة للشباب في جميع مجالات الحياة المدنية والسياسية. إن جودة التعليم، والرعاية الصحية الممتازة، وفرص العمل المتاحة للجميع، والنظام الديمقراطي الذي يبيح للفرد حرية الاختيار والتعبير، هي المسئولة عن تقوية شخصية الشباب العربي. أما التجنيد الإجباري فهو يقود إلى ضعف الشخصية وطمسها وليس العكس، فالإكراه والإجبار كفيلان بخلق شخصية مستسلمة مطيعة لا تحسن إدارة شؤونها دون تلقي الأوامر أو التعليمات.
إذا أردنا أن ندافع عن أوطاننا ونحمي شبابنا فعلينا أن نتخلى عن التجنيد الإجباري وليس العكس. علينا أن نبني جيوشنا على أساس التجنيد التطوعي وليس الإجباري. جيوش تعتمد على التفوق الكيفي والتكنولوجي. وعلينا أن نوفر لشبابنا التعليم الجيد والعناية الصحية الممتازة وفرص العمل الحقيقية ونحملهم المسئولية السياسية والاجتماعية عبر بناء نظام ديمقراطي يتيح لهم حرية التفكير والتعبير والعمل.

موقف الدين الإسلامي من التجنيد الإجباري:

أول من فرض التجنيد الإجباري في الإسلام هو الحجاج بن يوسف الثقفي، والي العراق في العهد الأموي، وكان متشدداً في تطبيق هذا النظام بحيث أنه كان يأمر بقتل كل متقاعس عن الجهاد إذا كان قادراً عليه. ولم يكن التجنيد الإجباري معروفاً في زمن النبي، أو في عهد الخلفاء الأربعة من بعده، فالنبي كان يحرض المؤمنين على القتال ولم يكن يجبرهم عليه، وذلك امتثالاً لقوله تعالى: (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال). والتحريض الذي عمل به النبي هو تحريض معنوي يتضمن تبشير الشهداء بالجنة، وتحريض مادي بإعطاء حصة من غنائم الحرب إلى المقاتلين، لأنه لم يكن في ذلك الوقت نظام للرواتب. وهذا ما توضحه السيرة النبوية، إذ نجد أن النبي لم يلزم أحداً بالخروج إلى القتال، ولكنه كان يُرغبهم فيه، إي أنه استخدم مبدأ التجنيد التطوعي وليس التجنيد الإجباري، على الرغم مما نجده من تعنيف بالقول للذين تخلفوا عن القتال. فالدين الإسلامي يرفض الإكراه في شتى صوره، حتى أنه يرفض أكراه الناس على الدخول في الدين نفسه، فكيف به في قضية القتال؟!.
رغم هذا الوضوح الظاهر - كما نراه - في موقف الإسلام من حرية الفرد وأحقيته في الاختيار، إلا أن هناك صمت غامض، مجهول الأسباب، في عدم وجود موقف واضح وصريح من التجنيد الإجباري في المجتمعات المسلمة، فليس من السهل أن تجد فتوى أو رأي ديني بهذا الخصوص، ولكن من السهل جداً أن تجد سيل من الفتاوى في حرمة حلق اللحية، أو حرمة الاستماع إلى الغناء، أو حرمة خلع النقاب، أو حرمة الاختلاط في الجامعات مثلاً. فكثيراً ما نقرأ أو نسمع عن فتاوى دينية في أمور متعددة من شئون الحياة، صغيرها وكبيرها، شائعها ونادرها، ولكننا لم نقرأ أو نسمع عن فتوى بخصوص التجنيد الإجباري الذي يؤخذ فيه الإنسان قسراً من مكان عمله أو مزرعته، أو من أسرته التي تحتاج أليه تربوياً ومعاشياً، ليرمى في معسكرات تدريب تفتقر لأبسط مقومات الإنسانية ولأشهر عديدة.
ومن الجدير بالذكر أن هناك العديد من القضايا التي نوقشت من قبل رجال الدين والتي تتعلق بالتجنيد الإجباري أو بالتجنيد بشكل عام من بينها إجابات حول أسئلة من مثل: هل يجوز حلق اللحية أثناء فترة التجنيد؟ وهل يجوز دفع البدل المالي لغرض الإعفاء من التجنيد؟ هل يجوز تأخير الصلاة بسبب التدريب في معسكرات التجنيد؟ إلى غير ذلك من الأسئلة، أما قضية التجنيد الإجباري نفسها فلم تناقش، كأن حرية الإنسان، واحترام عقله وضميره، وحفظ كرامته ليست من شؤون الإسلام أو خارج اختصاصات رجال الدين. ومن المهم الإشارة إلى أن هذا الإغفال يحدث على الرغم مما يصرح به رجال الدين ومفكريه من أن الدين الإسلامي لم يغادر كبيرة أو صغيرة من شؤون الحياة إلا وكان له رأيٌ فيها.
وهنا يجب التنويه إلى ضرورة التفريق بين التجنيد التطوعي والتجنيد الإجباري، فالتجنيد التطوعي قضية تكاد تكون محسومة في الدين الإسلامي، فمن حق أي إنسان أن يتطوع مختاراً للانضمام إلى الجيش وفقاً لما يراه منسجماً مع طبيعة شخصيته وميوله واعتقاده في خدمة بلده من الناحيتين الأمنية والعسكرية. أما في قضية التجنيد الإجباري فالأمر مختلف، إذ تقف أمامنا إشكالية كبيرة وهي: هل يحق لأحد أيً كان أن يجبر الآخر على حمل السلاح دون رغبته وإرادته؟ وهل هذا الإجبار ينسجم مع تعاليم الدين الإسلامي وسيرة نبيه وخلفائه؟ وهل الإكراه من مبادئ الدين الإسلامي؟ هذه هي الأسئلة المهمة التي نرغب أن يبحثها علماء الدين بواقعية وحياد مستلهمين روح الدين الإسلامي وجوهره دون تملق للحكام أو تزلفاً للمسئولين والرؤساء.
لعله من المناسب القول: إن سياسي البلدان العربية المسلمة الذين يفرضون التجنيد الإجباري على أبناء شعوبهم إنما يتبعون منهج الحجاج وليس منهج النبي أو خلفائه، كما أنهم يتخلون عن مبدأ أساسي من مبادئ الإسلام وهو مبدأ عدم الإكراه. وأنهم باختصار مجرمون عقائديون يعتقدون أن التجنيد الإجباري خير مطلق لذلك يفرضونه على أبناء شعوبهم وهم مرتاحي الضمير.

حسان بن ثابت والتجنيد الإجباري:

لم يُعرف عن حسان بن ثابت مشاركته في أي معركة من معارك المسلمين العديدة. وقد قيل عنه في بعض المصادر التاريخية أنه كان لا يقوى على القتال لعلة أصيب بها. واختلف أهل التاريخ في معرفة ماهية هذه العلة، هل هي علة نفسية أم جسدية. قيل أنه كان يحمل في صدره قلباً لا يقوى على القتال، لذلك كان يصفه بعض المسلمين بالجبن، ولكن النبي كان يدافع عنه ويقول: (لا تسبّوا حسّاناً، فإنه ينافحُ عن الله وعن رسوله). والمقصود هجاء حسان للمشركين ومدحه للرسول وللمسلمين.
لم يشأ البعض أن يصدق أن حسان لم يكن يرغب بالقتال وأن النبي عذره وأحترم رغبته تلك ودافع عنها، ما دام قلب حسان مع النبي وأتباعه، وما دامت كلمات حسان وشعره تنصر النبي وتدافع عن المسلمين. أقول لم يكتفي البعض بذلك، واعتبروا عدم مشاركة حسان في القتال عاراً، لذلك اخذوا يبحث عن مبررات لعدم مشاركة حسان في القتال، فقالوا أن حسان كانت به علة في يده تمنعه من حمل السيف، وقال آخرون أن حساناً كان طاعناً في السن لا يقوى على القتال. إن أمثال هؤلاء لا يريدون أن يعترفوا بوجود أناس لا يرغبون في القتال لأنهم لم يخلقوا له. لا يريدون أن يصدقوا أن هناك أناس خلقوا للشعر والرسم والنحت والتأليف والتمثيل والدرس والبحث والعلم وغير ذلك، وأنهم لا يستطيعون المشاركة في أي قتال لا لعلة في أجسادهم بل لميزة في نفوسهم.
خُلق حسان بن ثابت ليكون شاعراً وليس مقاتلاً وهذا هو سبب عدم مشاركته في القتال مع النبي. ولم يكن في حسان علة في جسده، ولو كان ما يقولنه عن علته تلك لما عيره بعض المسلمين بتخلفه عن القتال ووصفه لهم بالجبن كما ترويه لنا مصادر التاريخ. ولقد تفهم النبي طبيعة حسان وشخصيته وقبله على ما هو عليه من رفض للقتال، ولم يعب عليه يوماً رفضه هذا بل كان يدافع عنه ويمدحه أمام المسلمين ليكفوا ألسنتهم عنه، حتى أنه دعا له قائلاً: (اللهم أيّده بروح القُدُس).
لم يُجبر حسان على القتال لأن التجنيد الإجباري لم يكن معروفاً في زمنه، ولأن النبي يرفض أن يكره الناس على شيء، ويحترم رغبات الناس ومشاعرهم ويقدر مواهبهم ويعتز بها ويستثمرها لصالح الجميع. ولكن سياسيونا العرب اليوم لا يعرفون أو لا يعترفون بذلك، ففي مجتمعاتنا العربية يؤخذ العالم من مختبره وغرفة أبحاثه ليساق إلى معسكرات التدريب التي ينسى فيها ما تعلمه لشدة قسوتها وسوء المعاملة فيها، وكذلك يفعل بالرسام والنحات والممثل والشاعر والمؤلف وغيرهم.
إن رجال السياسة والحكم في مجتمعاتنا لا يستطيعون، وربما لا يريدون، أن يفرقوا بين من يقوى على القتال وبين من لا يقوى عليه. والقوة التي نعنيها هنا هي القوى النفسية وليست البدنية. فالاستعداد النفسي الذي يملكه البعض من الناس قد لا يملكه غيرهم. فبعض الناس مخلوقون لأعمال لا يصلح فيها العنف والضوضاء والحركة الزائدة. أنهم خلقوا لإعمال تتطلب لإنجازها التأمل والتأني والصبر والمثابرة والجد والتواصل، وهي الصفات التي يحتاجها العالم والباحث والفنان. وهذا الاختلاف في طباع الناس من حكمة الله في خلقه ورحمته بهم. ولكن يبدوا أن سياسينا لا يعترفون بهذه الحكمة فيقودون الجميع قسراً إلى معسكرات التدريب بحجة التجنيد الإجباري دون أن يفرقوا بين عالمٍ وجاهل، وبين من يصلح للتجنيد وبين من لا يصلح له.
إن على حكوماتنا العربية وواضعي القوانين فيها أن يدركوا أن الناس غير متماثلين في طباعهم وشخصياتهم واستعداداتهم النفسية، لذلك لا يحق لهم أن يطبقوا القوانين على الجميع بحجة العدالة. وأن التجنيد الإجباري هو أحد القوانين الجائرة والجرائم الكبرى التي ترتكب بحق العلماء والباحثين والدارسين والفنانين وغيرهم الكثير. هذا فضلاً عن كون التجنيد الإجباري جريمة بحد ذاته، تطال جميع المجندين، لأنه مبني على الإجبار والإلزام والأكره وليس التطوع والرغبة الذاتية في الانتماء إلى الجيش.

موقف تولستوي من التجنيد الإجباري:

إن الجانب الإنساني أو الأخلاقي المتعلق بأحقية ممارسة الإكراه والإجبار والإلزام على الآخر هو جوهر قضية التجنيد الإجباري. والسؤال المهم هو: هل يحق ـ من الناحية الإنسانية والأخلاقية ـ لأي جهة أن تجبر شخصاً ما على ممارسة عمل لا يرغب فيه أو يتعارض مع قيمه الإنسانية والأخلاقية ومعتقداته الدينية؟
هذه القضية الفكرية الفلسفية التي تضع الإنسان في موقف الصراع مع الحكومة هي قضية قديمة، ناقشها المفكر والروائي الروسي الكبير ليو تولستوي (1828-1910) في عدد من مؤلفاته منها: (هذه عقيدتي) و(ملكوت الله في أنفسكم). والتي تساءل فيها بكل جراءة ووضوح: (هل يحق للمسيحي، نعم أو لا، ما دام مخلصاً لتعاليم المسيح، أن يكون فرداً من أفراد إدارة تستخدم العنف ضد الرجال؟. إن المسألة الرئيسية في يومنا هذا هي الخدمة العسكرية الإلزامية للجميع: هل يستطيع، نعم أم لا، المسيحي المخلص لتعاليم المسيح، أن يتدرب على قتل جاره وعلى ارتكاب القتل بصفته جندياً؟)، ويستمر في تساؤله قائلاً: (المسألة الهامة جداً والأساسية في حياة كل مسيحي: كيف نوفق بين تعاليم السيد المسيح، الواضحة والدقيقة في قلوبنا، حول الغفران، والتواضع والحب لأمثالنا، الأصدقاء والأعداء، وبين ما يطلب منا: ممارسة العنف العسكري ضد رجال من جنسنا ومن جنس أجنبي عنا؟). وبعد هذه التساؤلات يقول تولستوي بوضوح: (إن الخدمة العسكرية الإلزامية بالنسبة للجميع تقضي على منافع الحياة الاجتماعية، لأن مجرد انتزاع الناس من سياق حياتهم العادية يحول دون إمكانية ممارسة العمل ذاته).
لقد كان تولستوي مسيحياً مؤمناً لذلك فهو يرى ـ كما يرى غيره الكثير من المسيحيين ـ أن الحرب شر يتنافى مع تعاليم المسيح الذي طلب من أتباعه أن يحبوا أعدائهم ويحسنوا أليهم، فهو القائل: (أحبوا أعدائكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون أليكم ويطردونكم).
يرى تولستوي أن العالم الغربي أُنشأ على تناقض كبير بين القيم المسيحية وطموحات الحكام غير المشروعة بالهيمنة والسيطرة على الآخر، وهو يرى أن قبول قانون العنف يقف عائقاً أمام قبول قانون الحب الذي دعا أليه المسيح لذلك نجده يقول: إن الاعتراف (بضرورة وجود الجيوش، والأسلحة، لارتكاب الجرائم على أوسع نطاق في زمن الحرب، تشكل تناقضاً واضحاً وصارخاً بشكل مريع). ويضيف قائلاً: (لقد تطورت الحضارة المسيحية بكاملها على الرغم من لمعانها الظاهري، على أساس هذه المتناقضات).
ولقد عبر تولستوي عن آراءه تلك بصورة قصصية عندما كتب قصة قصيرة عن شاب توصل عبر قراءته للإنجيل إلى ضرورة عدم استخدام العنف ضد أحد حتى من يسيء ألينا، ولكن هذا الشاب دعي للتجنيد الإجباري من قبل حكومة القيصر لغرض حمل السلاح وخوض الحرب، وقد عارض هذا الشاب الانضمام إلى الجيش وحمل السلاح لكنه أخذ إلى معسكرات التدريب قسراً، وعندما وضع السلاح في يده رماه على الأرض، وأعيدت عليه الكرة ففعل نفس الشيء، ولما عجز الضابط المسئول عن إجباره أمر به إلى السجن، وتعرض إلى عذاب شديد واتهم بالخيانة وعدم موالاة القيصر إلى غير ذلك من التهم. هذه هي خلاصة القصة التي ذكرها تولستوي والتي ما زالت تتكرر بصور وتفاصيل مختلفة في عدد من بلدان العالم ومنها بلدان العالم العربي.
إن تولستوي المفكر والفيلسوف والروائي الروسي الشهير يقدم لنا صورة واضحة عن بشاعة التجنيد الإجباري وعن تناقضه الصارخ مع ابسط قوانين حقوق الإنسان ومع تعاليم السيد المسيح، وهو حق الإنسان في حرية الاعتقاد والضمير والفكر، وحقه في ممارسة ما يعتقده منسجماً مع مبادئه وأفكاره. إن تولستوي يرفض الحرب بشتى صورها، ويرفض تجيش الجيوش وقتل الآخرين، ولكنه يرفض بصورة أشد أن يجبر من يعتقد بالمحبة واللاعنف على ممارسة الكراهية والعنف بحجة التجنيد الإجباري.

موقف الدكتور علي الوردي من التجنيد الإجباري:

لعل عالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي (1913- 1995) هو من أشد الرافضين لجريمة التجنيد الإجباري، وأكثر من كتب عنها بجراءة وصدق ونظرة علمية دقيقة، على الرغم من أنه لم يخصص عنواناً أو كتاباً بهذا الموضوع، بل أن كل ما كتبه كان عبارة عن أفكار عرضها في ثنايا عناوين وموضوعات أخرى، ولو جمعنا كل ما كتبه في موضوع التجنيد الإجباري وما يرتبط به لما تجاوز العشرون صفحة، ولكنها عشرون صفحة غنية وصادقة ومعبرة تماماً عن طبيعة المشكلة وبشاعة الجريمة التي اقترفت بحق العراقيين أثناء العهد العثماني وأثناء فترة الحكومات الجمهورية الانقلابية.
تناول الدكتور الوردي في كتابه (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث- الجزء الثاني) تاريخ التجنيد الإجباري في العراق أثناء الحكم العثماني. وقد ذكر أن أشهر الولاة العثمانيين الذين حاولوا فرض التجنيد الإجباري على العراقيين هما: عمر باشا في عامي (1858-1859)، ومدحت باشا في عام (1869)، وان محاولاتهما تلك قد باءتا بالفشل وعادتا عليهما بالهزيمة والخسران.
أما في كتابه الشهير (خوارق اللاشعور) فقد أعلن الدكتور علي الوردي رفضه الصريح للتجنيد الإجباري الذي فرضته الحكومات الملكية أو الجمهورية في زمنه، فهو يرى في التجنيد الإجباري مشكلة اجتماعية كبيرة عانى منها الشعب العراقي منذ الدولة العثمانية، وانه كان من واجب الحكومات العراقية المتعاقبة أن لا تعيد هذه المأساة من جديد، وأن إعادتها ظلم كبير.
ولا يرى الدكتور الوردي شكاً في كراهية المكلف للتجنيد الإجباري، فهو يقول: (لا مراء في أن سواد الشعب العراقي يكره التجنيد الإجباري كرهاً شديداً ولا يكاد أحد أبناء الشعب يعلم بأنه قد بلغ سن التجنيد حتى يتملكه الفزع وتسود الدنيا في عينيه. انه قد يختلق شتى الأعذار ويحاول مختلف المحاولات، وتراه يبكي ويشكو ويكذب ويماري، في سبيل أن يتخلص من هذا النظام الخبيث).
ويبدو من كتابات الوردي أنه خاض حوارات كثيرة بشأن التجنيد الإجباري ولكن دون جدوى، فهو يقول: (فأنت لا تتحدث إلى أحدهم عن التجنيد حتى تراه قد أخذ منه الحماس كل مأخذ وامتلأ قلبه بشعور الوطنية الفياض)... (فإذا اعترضت عليهم في ذلك اتهموك بالخيانة ثم هتفوا بأعلى أصواتهم: ليحيى الوطن! وأنت مضطر في مثل هذه الحالة إلى أن تطلق ساقيك للريح)... (إنهم يجدون في التجنيد الإجباري خيراً ولا يبالون بعد ذلك ماذا يجري على الشعب من جرائه من مصائب ونكبات).
وهو يرى أن المؤيدون للتجنيد الإجباري هم أشخاص يحملهم إطارهم الفكري على ظلم الناس من حيث لا يشعرون. وهو يقول عن المؤيدين للتجنيد الإجباري: (إنهم يسمون التجنيد بخدمة العلم. وما ندري ماذا يقصدون بالعلم وبخدمته. إنها أقاويل سلطانية قد لقنوا بها منذ أيام طفولتهم الأولى، فهم يتشدقون بها ويعتقدون أنهم قد وصلوا بها إلى الحق الذي لا ريب فيه). وهو يعارض التجنيد الإجباري لأنه يرى (إن الشعب العراقي في حاجة إلى التعليم الإجباري أو المعالجة الإجبارية أو غير ذلك من ضرورات الحياة وترى أصحابنا ينسون هذا كله ويفرضون عليه التجنيد الإجباري).
وقد أنتقد علي الوردي بشدة موقف رجال الدين المؤيد للتجنيد الإجباري الذي كانت تفرضه الحكومة العثمانية على العراقيين وغيرهم من أبناء البلدان العربية التي كانوا يحكمونها، فقد كتب قائلاً: (حدثني صديق، وكان من أولئك العراقيين البؤساء الذين كانوا يساقون في العهد العثماني إلى مجازر الحرب كالأغنام، فقال: انه جيء به وبمن معه من المجندين جبراً إبان الحرب العالمية الأولى إلى ساحة (القشلة) في بغداد. فخرج عليهم المفتي وبدأ يخطب فيهم خطاباً حماسياً. وكان مما قاله لهم ذلك الرجل الديني الكبير انه أخذ يذكرهم بواجبهم في الدفاع عن الدين والدولة وبضرورة التضحية بالنفس والنفيس في سبيل حماية القرآن... ثم اغرورقت عينا الخطيب بالدموع من شدة الحماس والتأثر.
لا ريب أن ما قاله الخطيب حق، ولكنه حق خاص بفئة قليلة ـ هي فئة المستفيدين من الدين والدولة. أما سواد الشعب، الذي كان يرزح تحت عبء ذلك الحكم اللئيم ويقاسي من ظلمه وتفسخه ما يقاسي، فلم يكن يفهم من ذلك الخطاب الرنان شيئاً.
لقد كان المفتي منعماً بنعمة الدين والدولة، وكان هو وأبناؤه وانسباؤه وأصهاره معفوّين ـ طبعاً ـ من التجنيد الإجباري. فإذا جند أحدهم بفلتة من فلتات القدر نهض الوسطاء، وقد افعوعمت قلوبهم رحمة وحناناً، فجاهدوا في سبيل تخليص هذا المحفوظ من ويلات الحرب وتشغيله في بعض المهام التي لا خطر فيها، حيث يجعلونه يخدم الدين والدولة وهو آمن مطئمن ترعاه العناية الربانية من كل جانب.
الغريب في أمر هؤلاء أنهم حين ينتفعون من شيء يظنون أن الناس كلهم قد انتفعوا به، وتراهم لذلك يفرضون أهواءهم وشهواتهم على الناس ثم يريدون منهم الطاعة والرضوخ... والتقديس أيضاً).
هذه بعض من مواقف الوردي الرافضة لجريمة التجنيد الإجباري، ومن أراد التوسع فليعود إلى مؤلفات الوردي في كتابيه (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) الجزء الثاني، الفصلان السادس والسابع. وكتاب (خوراق اللاشعور) الملحق.

التجنيد الإجباري ومشاريع التنمية:

أحدى أساليب الهدر العديدة والمتنوعة التي تمارسها الحكومات العربية ضد شعوبها هو أسلوب هدر الثروة البشرية، خصوصاً لدى الشباب، ومنها أسلوب التجنيد الإجباري أو الإلزامي. فبدلاً من أن تستثمر بعض البلدان العربية الطاقات البشرية وما تملكه من ثروات في التنمية الزراعية عمدت إلى إهدار هذا الثروات بفرض التجنيد الإجباري الذي يستهلك طاقات الشباب وثروات البلاد دون تحقيق نتيجة تذكر. فالأموال التي تصرف على معسكرات التدريب التي يدخلها الشاب لبضعة أشهر أو عدد من السنوات دون أن يقوموا بإنتاج شيء، كان من الأولى أن تستثمرها الحكومات في إنشاء (معسكرات التنمية الغذائية) أو (معسكرات التنمية الصناعية) أو (معسكرات التنمية الصحية) أو (معسكرات التنمية المعرفية) أو غير ذلك الكثير مما تحتاجه البلدان العربية، والتي سوف تكون أقوى سلاح يواجه به العرب خصومهم ويدافعون به عن استقلالهم وحريتهم.
ودعونا نضرب مثالاً عن دور الغذاء في تقوية الشعوب ودعم استقلالها وحريتها، فقد أصبح سلاح الغذاء هو السلاح الأقوى لدى الدول المتقدمة، فهذا (هنري فورد) أحد رؤساء الولايات المتحدة السابقين يقول: (إن الترسانة الأمريكية تضم سلاحاً سياسياً ذا فعالية خاصة.. أنه الغذاء).
ويؤكد العلماء المختصون ومنهم الدكتور محمد علي الفرا في كتابه (مشكلة إنتاج الغذاء في الوطن العربي) على (أن البلاد العربية اليوم من أكثر أقطار العالم استيراداً للطعام، ومن أشدها اعتماداً على الاستيراد من الخارج)، وهو يرى (أن الاعتماد على الخارج في استيراد الطعام أمر محفوف بالمخاطر لأنه يعرض البلاد العربية لمزيد من الضغوط الخارجية عليها، وبخاصة إذا ما استخدم الغذاء كسلاح لإرغام شعوب المنطقة وإجبارها على الرضوخ والإذعان للشروط التي تفرضها الأقطار المنتجة والمصدرة للغذاء والمتحكمة في أسواقه)، لذلك فهو على (يقين بأنه إذا كان توفير الطعام للناس شرطاً أساسياً لحياتهم فان الأهم منه هو توفير هذا الطعام من مصادر محلية لا عن طريق الاستيراد من الخارج كما هو متبع الآن).
خلاصة القول في موضوع الغذاء هو أن اعتماد البلدان العربية على الغذاء المستورد يخل بأمنها ويجعلها تحت رحمة البلدان المصدرة، كما أنه يهدد سيادة البلاد واستقلالها. فمن لا يملك غذائه لا يملك حريته ولا يملك استقلاله، إنه مهما اعد من جيوش يبقى عبداً محتلاً من قبل منتج الغذاء ومصدره، لأنه ببساطة (ولي نعمته). وما يقال عن الغذاء يقال أيضاً عن التعليم، والصحة، والطاقة، والصناعة.
ولكن هذا الوضع المزري المتمثل بحالة الاستجداء الدائمة التي تعيشها البلدان العربية، وفي مختلف المجالات، والتي طالما حذر من عواقبها الباحثون والدارسون لا تلقى آذاناً صاغية أو واعية من قبل الحكام أو المسئولين. إنهم يعتقدون أن قوة الشعوب تكمن في جيوشها وقوة قبضة الحكام فيها، لذلك تجدهم يأخذون الشباب قسراً إلى معسكرات التدريب العسكري بدلاً من أن يرسلوهم طوعاً إلى معسكرات الإنتاج الغذائي أو الصناعي أو الصحي أو التعليمي. إن حكامنا يفرضون التجنيد الإجباري ويطاردون المتخلفين أو المتهربين منه ولا يطاردون المتسربين من المدارس والذين تزداد أعدادهم عاماً بعد عام حتى وصلت نسبية الأمية في بعض البلدان العربية إلى أكثر من (60%). إنهم يعتقدون أن قوة السلاح أعظم من قوة العلم والمعرفة.
إن علينا جميعاً، حكام ومحكومين، أن ندرك أن القوى العسكرية لن تنفعنا شيئاً مهما ازدادت وكبرت ما لم نهتم أولاً بخمسة عناصر تنموية هي: الغذاء، والصحة، والتعليم، والطاقة، والصناعة. إذا استثمرنا ثرواتنا المالية والبشرية في تنمية هذه العناصر الخمسة استطعنا أن نواجه العالم بأسره دون خوف أو استجداء. وهذا ما تفعله الصين اليوم وهذا ما يجعلها من أكثر بلدان آسيا تحدياً لهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية، التي أعلنت في أكثر من مناسبة أن الصين هي المنافس الأقوى لها في المستقبل القريب.

الآثار السياسية للتجنيد الإجباري:

يرى المتأمل لطبيعة العلاقة بين الشعب والحكومة في العالم العربي، أن هذا العلاقة قائمة على الشك والريبة وعدم الثقة التي يبديها كل طرف نحو الآخر، ويُرجع المختصون ذلك في جزء منه إلى التجنيد الإجباري الذي عانت منه الشعوب العربية عبر تاريخها الطويل بسبب فرض الحكومات المتعاقبة له، دون أن ترى هذه الشعوب حكومة واحدة أخذت بنظر الاعتبار العواقب والآثار التي يتركها التجنيد عليهم. إن المواطن يرى في الحكومة عدوة له لا تبحث إلا عن أذيته وفرض كل ما من شأنه إلحاق الضرر به.
إن جميع البلدان العرابية التي تشرع للتجنيد الإجباري، مثل مصر وسوريا وليبيا والسودان وتونس والجزائر والمغرب، وكذلك الأردن قبل أن تلغي العمل بالتجنيد الإجباري أو العراق قبل أن يوقف العمل به بعد الاحتلال الأمريكي، جميعها تعاني من سوء علاقة الشعب بالحكومة والذي يعود في جزء منه إلى التجنيد الإجباري، فحكومات هذه البلدان تفرض التجنيد الإجباري باعتباره خدمة للوطن وضريبة للدم وفي نفس الوقت لا تسمح للشعب بممارسة حقه بالانتخاب الحر الديمقراطي لاختيار رئيس الدولة أو الحكومة. إن هذه الحكومات هي حكومات ديكتاتورية ترفض الديمقراطية وترفض الانتخاب المباشر للحاكم، ولكنها في نفس الوقت تفرض على الشعب أن يكون حامياً لها مدافعاً عنها.
لو بحثنا في تاريخ العراق الحديث كمثال عن علاقة الشعب السيئة بالحكومات المتعاقبة، لوجدنا صدق ما ذهبنا إليه حول دور التجنيد الإجباري في هذا السوء. فسوء العلاقة بين الشعب والحكومة بدا واضحاً أثناء الحكم العثماني الذي اعتبر العراق مصدراً للأموال والرجال يستخدمهما في حروبه المتواصلة مع باقي دول أوربا. ولا يمكن إغفال دور التجنيد الإجباري في سوء العلاقة بين الشعب والحكومة، وهذا ما أكد عليه لونغريغ (Longrig) مؤلف كتاب (أربع قرون من تاريخ العراق الحديث) الذي كتب قائلاً: (أن التجنيد الإجباري كان في العهد العثماني من أهم الأسباب التي باعدت بين الشعب والحكومة).
وبعد تشكيل الدولة العراقية عام (1921)، حاولت الحكومة الملكية فرض التجنيد الإجباري من جديد، وكان قائد هذه المحاولة هو جعفر العسكري، الذي لم ينجح في محاولته هذه إلا في عام (1935) حين تم تشريع قانون التجنيد الإجباري واستدعاء أول وجبة في عام (1936)، وبذلك أعادت الحكومة الملكية إلى الأذهان الذكريات الأليمة التي عانى منها الشعب على يد ولاة الدولة العثمانية. ويرى الدكتور علي الوردي: أنه كان من (اللازم بعد تشكيل الدولة العراقية أن تنسى الحكومة مسألة التجنيد الإجباري زمناً طويلاً لكي يتسنى بذلك لأبناء الشعب أن ينسوا تلك الويلات التي قاسوها في التجنيد على أيدي جلاوزة آل عثمان. ولكن المؤسف أنهم لم يكادوا يستقلون حتى رجعوا إلى التجنيد الإجباري بكل حماس! ..).
سارت الحكومات الجمهورية الانقلابية على نفس النهج في موضوع التجنيد الإجباري، ولكنها هذه المرة كانت أكثر ديكتاتورية من الحكومات الملكية. فقد رفضت الحكومات الجمهورية مبدأ الانتخاب المباشر للحاكم والحكومة، ولكنها تشددت في تطبيق التجنيد الإجباري. وفي هذا يقول الوردي عن الحكومات المتعاقبة في العراق: (من المفارقات التي تجري في هذا البلد المسكين: إن الحكومة تفرض التجنيد الإجباري على رعيتها ثم لا تسمح لهم بالانتخاب المباشر. فهي تريد أن تدرب الفرد العراقي على أن يكون جندياً رغم أنفه، ولا تريد أن تدربه على أن يكون مواطناً صالحاً وعضواً فعالاً في بناء جهاز الدولة).
إذا أرادت الحكومات العربية أن تعيد ثقة الشعوب بها، فعليها أن تجعلهم شركاء معها في صناعة الدولة وبناء الوطن، ولا تكتفي بجعلهم خداماً لمصالحها، تطالبهم بواجبات مزعومة مثل التجنيد الإجباري، الذي يسلبهم حريتهم، ولا يمنحهم حق اختيار حكوماتهم.

التجنيد الإجباري في وسائل الإعلام العربي:

إن التجنيد الإجباري كارثة إنسانية وجريمة بشعة مسكوت عنها في العالم العربي. وهي بحاجة إلى من يتحدث عنها ويبرزها للرأي العام. فقد لاحظنا أن وسائل الإعلام العربي ـ الرسمية وغير الرسمية ـ تتحدث في شتى الموضوعات كبيرها وصغيرها، المهم والتافه منها، إلا أنها تتجاهل تماماً موضوع التجنيد الإجباري وما يجلبه من ويلات ونكسات على المواطنين وعلى الوطن. ولعل هذا ما ساهم في زيادة التنويم الاجتماعي والسياسي لدى الشباب ودفعهم للاستسلام لجريمة التجنيد الإجباري دون أن يحركوا ساكناًً، أو دون أن يكون لهم رأي واضح وصريح من هذه الجريمة.
إن الإعلام العربي بمختلف أصنافه المقروءة والمسموعة والمرئية هو إعلام أخرس فيما يتعلق بقضية التجنيد الإجباري. فلقد طال بيّ البحث عن صوت حتى ولو كان خافتاً يتحدث عن هذه الجريمة فلم أجد. كانت هناك بعض الأصوات المتملقة التي تتشدق بشعارات الوطنية الزائفة ترى في التجنيد الإجباري خدمة للعلم وضريبة للدم، وهي أصوات تمثل في نظري الصدى المزعج لصراخ الحكومات.
حسب معلوماتي لا يوجد كتاب عربي واحد تناول موضع التجنيد الإجباري بالبحث والتقصي. ولعل ذلك خلل كبير في مكتبتنا العربية يعكس مدى تجاهلنا لقضايا الشباب الحساسة عندما تصطدم بمصالح الحكومات. فالكتب التي تناولت مشكلات الشباب كثيرة ولكنها كانت تقتصر في حديثها عن مشكلات التعليم والجنس والمخدرات وغير ذلك، أما التجنيد الإجباري وما ينتج عنه من مشكلات نفسية واجتماعية وتربوية فلم يحظى بأي ذكر. كما توجد العديد من الكتب التي تتناول قضايا الاقتصاد والتنمية لكنها لم تتطرق إلى الدور السلبي الذي يلعبه التجنيد الإجباري في تعطيل الأيدي العاملة الماهرة، كالحدادين والنجارين والنساجين والمزارعين وغيرهم، والذين يؤخذون قسراً من أماكن عملها إلى معسكرات التدريب.
أما فيما يتعلق بوسائل الإعلام المسموعة أو المرئية مثل الراديو والتلفزيون والسينما فضني أنها أكثر صمتاً من الوسائل المقروءة. فالبرامج التلفزيونية رغم كثرتها إلا أنها تتجاهل تماماً هذا الموضوع ولا تتعامل معه على أنه موجود أصلاً. أما السينما فقد كانت أشجع من غيرها في هذا الخصوص، إذ يكفيها أنها عرضت أفلاماً عديدة تناولت فترة التجنيد الإجباري أو التطوعي. ولكن الملاحظ على مثل هذه الأفلام انهل اعتمدت على الرأي القائل بان التجنيد الإجباري يساهم في بناء شخصية الشباب وجعلهم أكثر مسئولية ووطنية، وانتشالهم من كارثة وقت الفراغ. ويبدو أن السينما العربية تواطأت مع الحكومات في ترويج هذه الفكرة عن التجنيد الإجباري لتقليل التهرب منه.
غالباً ما كانت هذه الأفلام ذات طابع كوميدي هزلي، وهذه الخاصية توحي لنا بأن أفلام من هذا النوع تحاول التهرب من المناقشة الجادة لقضية التجنيد الإجباري، كما أنها تحاول أن توحي للشباب أن فترة التجنيد الإجباري هي فترة استمتاع وضحك، وأن عليهم أن يتعاملوا معها على أنها فترة استراحة يقضيها الشاب بعيداً عن مشكلات الأسرة ومشكلات البطالة ومشكلات الغرام السطحية التافهة. ولكن هذا الجو السينمائي المتواطئ لم يمنع من ظهور أفلام جادة ناقشت قضية التجنيد الإجباري، ربما من حيث نتائجه السلبية التي قد تقود إلى دفع العرب أو المسلمين إلى قتال بعضهم البعض دون أن يكون لهم رغبة في ذلك، بل تلبية لنداء حكوماتهم، والمثال البارز على ذلك هو فلم (العاصفة) لمخرجه خالد يوسف.
يتحدث فلم (العاصفة) عن الظروف التي سادت في العالم العربي بعد احتلال العراق للكويت عام (1990) وما تبعه من حرب تحرير الكويت عام (1991) على يد القوات متعددة الجنسيات بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. فلقد اشتركت في هذه الحرب عدد من الجيوش العربية منها الجيش المصري الذي دفع بعدد من السرايا المؤلفة من المجندين تجنيداً إجبارياً إلى القتال ضد القوات العراقية المحتلة للكويت. الفكرة الأساسية التي بُني عليها الفلم هي وجود شاب مصري دفعته الظروف الاقتصادية إلى الهجرة إلى العراق بحثاً عن فرصة عمل، وعندما لم يجد اضطر إلى التطوع في الجيش العراقي، وقد كان عليه أن يساهم في احتلال الكويت باعتباره جندياً في الجيش العراقي. وعند نشوب حرب التحرير كان عليه أن يقاتل أخيه المجند إجبارياً في الجيش المصري، بعد أن أنهى دراسته الجامعية، والذي جُلب قسراً من مصر للمشاركة في الحرب. فلقد حاول الهرب ولكنه قبض عليه واخذ قسراً إلى القتال. ينتهي الفلم بمشهد القتال بين الجيشين المصري والعراقي على الأراضي الكويتية والتي يرفع فيها الأخوين السلاح ضد بعضهما. هذا الفلم أشار إلى نقطة مهمة هي تغيب العلاقات الإنسانية حتى بين أفراد الوطن الواحد أو الشعب الواحد أو البيت الواحد لصالح الطاعة العمياء والخضوع المذل لقوانين التجنيد الإجباري.
أرى أن دور السينما العربية كبير جداً في طرح ومناقشة وحتى معالجة العديد من قضايانا المهمة، ولكنه في قضية التجنيد الإجباري دور بسيط وغير مؤثر. ربما يكون السبب في ذلك هو خضوع هذه السينما إلى الرقابة الحكومية التي تعتبر التجنيد الإجباري قضية تمس الأمن الوطني للبلاد. ولكن حتى مع هذه الرقابة أعتقد أن على السينما العربية أن تقوم بدورها والذي يتضمن قضية مهمة هي الدفاع عن حرية الفرد في الاختيار وأن لا يتعرض إلى الإكراه تحت أي دعوى أو مسمى.
من واجب الإعلام العربي أن يناقش دون خوف أو وجل قضية التجنيد الإجباري وتحويلها إلى قضية رأي عام، فنحن اليوم بحاجة ماسة إلى إعادة النظر في العديد من قضايانا ومواقفنا التي نحسب أنها من المسلمات ومنها قضية التجنيد الإجباري. إن تصور التجنيد الإجباري على أنه (خدمة للعلم) أو (ضريبة للدم) تصور بحاجة إلى إعادة نظر وتأمل ودراسة وبحث وتقصي. وهذا ما نأمل أن تقوم به وسائل الإعلام المختلفة وبجميع أصنافها المقروءة والمسموعة والمرئية. ولعل للتلفزيون الدور البارز الذي نتطلع أن يقوم به في هذه القضية لما يحظى به من شعبية خارقة تفوق بقية وسائل الإعلام الأخرى.
إن الجيش الأمريكي اليوم يقوم على التجنيد التطوعي وليس الإجباري، وهو بحاجة إلى المتطوعين باستمرار، لذلك تقوم وسائل الإعلام المختلفة بتقديم برامج تشجع على التطوع في الجيش بتقديم كافة عوامل الترغيب النفسية والاجتماعية والاقتصادية، ولكنها في نفس الوقت تقف موقف الرافض وبشدة لكل ما يتعارض مع حرية الفرد في الاختيار والتعبير ومنه التجنيد الإجباري الذي يعد في نظرها تعدياً خطيراً على حقوق الإنسان ومبادئ الديمقراطية، وهذا ما قامت به عندما أشيع خبر عن رغبة جورج بوش الابن بفرض قانون التجنيد الإجباري على الأمريكيين لحاجة الجيش إلى الجنود في حربي أفغانستان والعراق.

أمريكا والتجنيد الإجباري:

لعله من غير المعقول أن تفرض الحكومات الديمقراطية التجنيد الإجباري على مواطنيها، فهو يتعارض مع مبدأ الاختيار والحرية التي تبنى عليها ديمقراطيات الشعوب. فلا يمكن لحكومة ديمقراطية أن تجبر مواطناً يؤمن باللاعنف مثلاً على الالتحاق بالخدمة العسكرية ليحارب ويقاتل وهو يرى أن الحرب والقتل منافية لقيم الإنسانية. ولقد التفتت العديد من الحكومات الديمقراطية إلى هذا التناقض الكبير فقامت بإلغاء التجنيد الإجباري. مثال ذلك، الولايات المتحدة الأمريكية التي ألغت التجنيد الإجباري على يد الرئيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون في السنوات الأخيرة من حرب فيتنام خلال السبعينيات من القرن العشرين.
في الانتخابات الأمريكية لعام (2004) استخدم التجنيد الإجباري من قبل المرشح الديمقراطي جيم كيري لإضعاف شعبية منافسه الجمهوري جورج بوش الابن، إذ أن كيري روج معلومات مفادها أن بوش ينوي إعادة العمل بالتجنيد الإجباري ليعوض به النقص الحاصل في عدد قواته المنتشرة في أنحاء العالم خصوصاً في أفغانستان والعراق. وقد كان هذا الموضوع يستهدف دفع الناخبين الشباب صغار السن إلى الإقبال على الانتخابات والتصويت لكيري، إذ أنهم من الناحية التاريخية عرفوا بقلة إقبالهم على الانتخابات ومشاركتهم فيها.
ولقد وصل رفض الشباب الأمريكي لفكرة إعادة العمل بالتجنيد الإجباري المنافي للحقوق الديمقراطية إلى قمته عندما قام عدد من نجوم موسيقى البوب بإحياء حفلات في أرجاء أمريكا تندد بالتجنيد الإجباري وتحذر من مخاطره، وقد قال أحد المغنين الذين شاركوا في أحدى هذه الحفلات: (نرفض إعادة العمل بمبدأ التجنيد الإجباري الشائع في الدول العربية والأنظمة الديكتاتورية على يد إدارة بوش).
انزعج الحزب الجمهوري من تحرك الشباب وأنشطة نجوم البوب الأميركي ضد الفكرة، لذلك بعث برسالة غاضبة إلى هؤلاء النجوم يشتكي فيها بشدة من استخدامهم لشبح التجنيد الإجباري في دفع الشباب للتصويت ضد بوش. وقال الحزب في رسالته: (إن التجنيد الإجباري ما هو إلا خرافة تم القضاء عليها). ولقد تضمنت الرسالة مقولات لبوش شدد فيها على أن (الجيش الأمريكي المبني على الخدمة التطوعية من ضباط وعساكر الصف يعمل بنجاح ولا حاجة لمزيد من القوات).
نلاحظ من هذه الحادثة أن التجنيد الإجباري أصبح عاراً تحاول الحكومات الديمقراطية التبرؤ منه لعلمها بتناقضه الصارخ مع ابسط مبادئ الديمقراطية ومع حرية الفرد في العمل وفقاً لعقائده، أما في بلداننا العربية فأن التجنيد الإجباري يعد عملاً وطنياً يتبجح به أدعياء محبي الوطن والمدافعين عن كرامته، ويوصف بالمقابل الرافضين له بالعمالة والخيانة والتأمر. إننا إلى اليوم نعيش في تناقض صارخ بين قيم الديمقراطية الوافدة إلينا وبين قيم الجهالة التي نشأنا عليها ومنها التجنيد الإجباري. وكما قال الدكتور مصطفى حجازي في كتابه (الإنسان المهدور): (لا عبور إلى الديمقراطية بدون استرداد الإنسان لحقه في إنسانيته ومكانته، لا ديمقراطية ممكنة بدون هذا الشرط المسبق المتمثل في القضاء على الهدر الوجودي، واستعادة قيمة الكيان الإنساني وحرمته وأحقيته).
إن ما وصلت إليه الحكومات والشعوب الديمقراطية من رفض شديد للتجنيد الإجباري وقناعة تامة بمخاطره يعود في جزء كبير منه إلى الدور الكبير الذي لعبه المفكرون والكتاب والمثقفون والفنانون، وكذلك ما تقوم به المنظمات الإنسانية ومنظمات المجتمع المدني المدافعة عن حقوق الإنسان في زيادة الوعي بمخاطر التجنيد الإجباري، وهذا ما تفتقر له بلداننا العربية والإسلامية، لذلك فأننا اليوم بحاجة ماسة إلى تضافر جميع الجهود لتوعية الشباب بمخاطر التجنيد الإجباري، ودعم كافة الجهود المناهضة له.

تاريخ التجنيد الإجباري في العراق:

إن دراسة تاريخ التجنيد الإجباري في العراق تمهد الطريق لنا لمعرفة حقائق تكاد تكون غائبة عن عقول الكثير من مؤيدي التجنيد الإجباري، فهي تكشف لنا مدى الضرر البالغ الذي لحق بالعراقيين من جراء هذا التجنيد، ومدى ما خسرته الحكومات أيضاً من حب الشعب لها وثقته بها. ويمكن تلخيص تاريخ التجنيد الإجباري في العراق من خلال أربع شخصيات حاولت فرض أو فرضت التجنيد الإجباري بوحشية على العراقيين، هذه الشخصيات هي: عمر باشا، ومدحت باشا، وجعفر العسكري، وصدام حسين.
أولاً: عمر باشا والتجنيد الإجباري: تبدأ قصة التجنيد الإجباري في العراق بصورة جدية وحقيقية في زمن الوالي العثماني عمر باشا الذي حاول فرض التجنيد الإجباري على العراقيين خلال مدة ولايته القصيرة الممتدة من (1858-1859) والبالغة سنة واحدة وسبعة أشهر مستخدماً كل الوسائل المتاحة لديه دون أن يحقق نتيجة تذكر. وقصة هذه المحاولة يرويها لنا الدكتور على الوردي في كتابه (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) في جزئه الثاني والتي نوجزها لكم فيما يلي:
تشير القرائن إلى أن عمر باشا أنما جاء إلى العراق بمهمة خاصة هي فرض التجنيد الإجباري على الأهالي، فقد كانت الحكومة العثمانية تخشى مغبة ذلك لسيطرة الروح العشائرية على سكان العراق، وربما ظنت أن عمر باشا قادر على تحقيق المهمة لما كان يملك من إرادة قوية وشخصية عسكرية صارمة.
كان التجنيد الإجباري يطلق عليه في ذلك الحين أسم (عسكر نظام)، وكانت خطة عمر باشا أن يشرع بتنفيذه في منطقة بغداد أولاً فإذا نجح فيه سعى إلى تنفيذه في المناطق الأخرى. ولذا فأنه جمع علماء بغداد وأعيانها بغية إقناعهم بالأمر الجديد، وقبل أن يقرأ عليهم فرمان التجنيد وزع عليهم مبالغ كبيرة من المال، كل حسب رتبته، لاجتذاب قلوبهم. فكان نصيب القاضي عشرة آلاف قرش صاغ، أما بقية الحاضرين فقد حصل كل واحد منهم على خمسة آلاف قرش. وقد بلغ مجموع ما وزع عليهم كلهم ثلاثة وستين ألف قرش. فلما قرأ عليهم فرمان التجنيد بعدئذٍ رحبوا به جميعاً وأظهروا الطاعة، ثم صاروا يأتون بأولادهم فيدخلونهم في سلك التجنيد، وكان أول من فعل ذلك مفتي بغداد محمد فيضي الزهاوي حيث جاء نفسه بولده، فحذا حذوه وجهاء بغداد. وفي خلال أيام تم تجنيد خمسمائة.
فرح عمر باشا بهذا النجاح وخيل له أن أهل العراق جميعاً سيفعلون مثلما فعل أهل بغداد، غير أنه لم يكد يشرع بفرض التجنيد على العشائر والمدن خارج بغداد حتى أخذت الفوضى تعم البلاد وأنتشر التمرد في كل مكان، فقد أعلنت عشائر ديالى العصيان وتركت مزارعها وفرت هاربة من وجه الحكومة. وانتقل العصيان إلى الفرات الأوسط واستطاعت العشائر هناك أن تضرب القوات الحكومية ضربات شديدة، ثم عم العصيان مناطق أخرى من العراق.
لقد حدثت بعد ذلك العديد من المعارك الدامية بين قوات الوالي العثماني وبين العشائر العراقية في منطقة الفرات الأوسط، منها الحلة وكربلاء والنجف والديوانية، راح ضحيتها المئات من القتلى.
وفي (25) أيلول من عام (1859) غادر عمر باشا بغداد معزولاً، وكانت مدة ولايته في العراق سنة واحدة وسبعة أشهر، وحين شاع خبر عزله عم الفرح أنحاء العراق، ولا سيما في الفرات الأوسط، واعتبر العراقيون يوم عزله عيداً.
إن هذه الشدة التي استعملها عمر باشا في سبيل التجنيد الإجباري أثارت عواطف الشاعر المعروف السيد حيدر الحلي وكان معاصراً لها، فنظم قصيدة "عصماء" استصرخ فيها الإمام الغائب ودعاه إلى الظهور من أجل إنقاذ شيعته من الكارثة التي حلت بهم، فان الدين على قوله قد تغير والضلال ملأ الأرض والهدى مات. وهي قصيدة طويلة تعبر عن مبلغ كراهية الناس للتجنيد في ذلك الزمان.
ثانياً: مدحت باشا والتجنيد الإجباري: بعد انتهاء ولاية عمر باشا بعشرة سنين أي في عام (1869) حاول مدحت باشا أن يعيد فرض التجنيد الإجباري، وقد كانت نتيجة ذلك قيام ثورة عارمة في بغداد احتجاجاً على فرض التجنيد. ولكن مدحت باشا كان أوفر حظاً من سابقه عمر باشا. وقصة هذه المحاولة يرويها لنا ايضاً الدكتور على الوردي في كتابه (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) في جزئه الثاني والتي نوجزها لكم فيما يلي:
وصل مدحت باشا إلى بغداد يوم (30) نيسان من عام (1869) وغادرها متوجهاً إلى اسطنبول في (27) أيار من عام (1872)، وقد حسبت المدة التي أمضاها مدحت باشا والياً في العراق فكانت ثلاثة سنوات وواحداً وعشرين يوماً. وقصة هذه المحاولة يرويها لنا أيضاً الدكتور على الوردي في كتابه (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) في جزئه الثاني والتي نوجزها لكم فيما يلي:
في أوائل شهر أيلول من عام (1869) أي بعد انقضاء أربعة أشهر على ولاية مدحت باشا في بغداد، شبت ثورة شعبية فيها، وكان السبب المباشر لتلك الثورة هو ما عزم عليه مدحت باشا من فرض التجنيد الإجباري على سكان بغداد. ولقد كان مدحت باشا على علم بالصعوبات التي جابهت عمر باشا في أمر التجنيد الإجباري، فارتأى أن يشرع بتطبيق نظام التجنيد على أهل بغداد أولاً قبل غيرهم من سكان العراق، فأمر بتشكيل لجان للتجنيد فيها قوامها ضباط عسكريون على أن يعاونهم مختارو المحلات. ويبدو أنه كان واثقاً من طاعة أهل بغداد لوجود القوات الحكومية بالقرب منهم.
أصابت القرعة ثلاثمائة مكلف، ولكن هؤلاء رفضوا الانصياع عندما استدعوا إلى الخدمة، وأخذت بوادر النقمة والتحفز تظهر هنا وهناك في بعض المحلات. وكان على رأس المحلات الثائرة محلة باب الشيخ تتلوها محلة قنبر علي. وحمل الكثير من الأهالي أسلحتهم وقاموا بمظاهرة تتقدمهم الطبول وهم "يهوسون" تحدياً للحكومة.
كان مدحت باشا جالساً في مقره قبيل غروب الشمس فسمع لعلعة الرصاص، ولم يكد يتبين جلية الخبر حتى أسرع بنفسه إلى ثكنات الجيش فصار يوزع السلاح بيده على الجنود. ثم أمر بقطع الجسر ومنع عبور النهر بأية وسيلة، وأرسل قوة من الخيالة لكي تحيط ببغداد وتلقي القبض على كل هارب منها أو داخل إليها بغية النهب.
وركز مدحت باشا اهتمامه على محلتي باب الشيخ وقنبر علي، فوجه إلى الأولى منهما أربع سرايا من الجنود مع مدفع تحت قيادة اللواء سامح باشا، كما وجه إلى الثانية مثل ذلك تحت قيادة اللواء فيضي باشا. والظاهر أن الأهالي أدركوا وخامة العاقبة فتفرقوا قبل أن يطلق عليهم الجنود طلقة واحدة. وعندما حل الظلام ألقت الحكومة القبض على مائة وثمانين رجلاً اتهموا بأن لهم ضلعاً في إثارة الجمهور، فمن كان يحترف "الشقاوة" منهم أدُخل في سلك التجنيد، أما الباقون فقدُموا للتحقيق والمحاكمة.
ثم أُستُدعي بعدئذٍ المكلفون الثلاثمائة الذين كانت القرعة قد أصابتهم فلبوا الدعوة طائعين. وكان ذلك إيذاناً ببدء تطبيق التجنيد الإجباري على العراق كله، فصارت الحكومة تستدعي المكلفين من جميع الألوية ولم يُستثنى منها سوى ألوية المنتفق والدليم والعمارة باعتبار أن أكثر السكان فيها هم من العشائر الرحالة.
ثالثاً: جعفر العسكري والتجنيد الإجباري: بدأ الاحتلال البريطاني للعراق عام (1914) عند دخولهم إلى البصرة عن طريق الخليج العربي. ولم يحاول الحاكم المدني للعراق (برسي كوكس) فرض التجنيد الإجباري على العراقيين طيلة فترة حكمه للعراق والتي امتدت من (1914-1921). ومن الجدير بالذكر هنا أن الذين كانوا يهربون من التجنيد الإجباري من أبناء الفرات الأوسط أصبحوا محاربين شرسين تصدوا لقوات الاحتلال بما توفر لديهم من إمكانيات، وهذا يرشدنا إلى أن رفض التجنيد لا يعود إلى جبنهم أو خوفهم بل هو راجع وفقاً لرأي الدكتور علي الوردي لطبيعة شخصيتهم البدوية الرافضة للانقياد للحكومة.
تاريخ الحكومة الملكية في العراق يمتد من عام (1920) لغاية (1958). وقد دعت هذه الحكومة منذ تأسيسها إلى فرض التجنيد الإجباري، ولكن دعوتها هذه جوبهت برفض شديد من قبل العديد من العراقيين. ولقد كان أول الداعين للتجنيد الإجباري هو جعفر العسكري الذي كان قائداً عسكرياً قاتل أول الأمر ضد البريطانيين ولكنه عندما أسر أصبح يقاتل ضد العثمانيين.
شغل جعفر العسكري منصب وزير الدفاع في أول وزارة شُكلت في تاريخ العراق الحديث وكرس كل اهتمامه لتأسيس جيش وطني، فعمل على دعوة الضباط العراقيين الذين سبق لهم أن خدموا في الجيش العثماني والجيش العربي في الحجاز ليساعدوه في وضع نواة الجيش الحديث الذي تأسس بتاريخ (1/6/1921).
عندما تولى جعفر العسكري رئاسة الوزراء للمرة الأولى بتاريخ (22/11/1923) تقدم بمقترح إلي المجلس التأسيسي يقضي بجعل الدفاع عن العراق واجب وطني يجب على جميع أبناء المملكة تأديته، ولكن المجلس التأسيسي لم يأخذ بهذا المقترح.
تقلد جعفر العسكري رئاسة الوزراء للمرة الثانية بتاريخ (21/11/1926) فسعى مرة أخرى إلى تطبيق قانون التجنيد الإجباري، وقد استطاع إقناع مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة في (24/3/1927) بقبول لائحة قانون الدفاع الوطني التي أعدتها وزارة الدفاع تمهيدا لعرضها علي المجلس التأسيسي، ولكن المجلس التأسيسي لم يأخذ بهذا المقترح مرة أخرى.
ظل جعفر العسكري يسعى بكل طاقاته لتحقيق حلمه في تطبيق قانون التجنيد الإجباري وخصوصا عندما كان يتولى وزارة الدفاع ولكن الحكومات العراقية المتعاقبة كانت ترفض دعوة التجنيد الإجباري وترى أن الجيش العراقي يكفيه أن يعتمد على مبدأ التجنيد التطوعي.
عند قبول العراق عضو في عصبة الأمم كدولة مستقلة سنة (1932)، زادت جهود حسن العسكري في كسب التأييد لقانون التجنيد الإجباري، حتى حضي بالقبول في مطلع سنة (1934)، ولكن لم يكن من الممكن وضعه موضوع التنفيذ قبل الفراغ من تعداد السكان وبعد الانتهاء منه أصدرت الإرادة الملكية بتنفيذ القانون اعتبارا من يوم (12/6/1935).
لقد تأسس الجيش العراقي بتاريخ (1/6/1921) وسن قانون التجنيد الإجباري بتاريخ (12/6/1935)، أما استدعاء أول وجبة للتجنيد الإجباري فكانت بتاريخ (1/1/1936). وما يزال الخلاف حول ما فعله جعفر العسكري قائماً، فبعض العراقيين يلعنونه ويعدونه سبب البلاء الذي حل بهم من جراء التجنيد الإجباري، وبعضهم الآخر يمجده ويعتبره قائداً وطنياً عظيماً.
رابعاً: صدام حسين والتجنيد الإجباري: لعل الشعب العراقي لم يعاني من التجنيد الإجباري كما عانى منه في زمن صدام حسين، فقد خاض الجيش العراقي ثلاث حروب دامية هي: حرب الخليج الأولى (بين العراق وإيران)، وحرب الخليج الثانية (حرب تحرير الكويت)، والحرب الأخيرة التي أدت إلى احتلال العراق. وفي الحروب الثلاث كان الشباب المجند تجنيداً إجبارياً هم ضحايا الحرب ووقودها. تشير الإحصائيات إلى أن أكثر من نصف المجندين في الجيش العراقي كانوا من المجندين تجنيداً إجبارياً، وقد كانت تصل مدة خدمة أحدهم إلى ثمان سنوات أو أكثر، وقد قتل الكثير منهم في هذه الحروب. أما عن المعاملة السيئة، وقلة الخدمات، وانتشار الرشوة والفساد الإداري داخل مؤسسة الجيش العراقي في هذه الفترة فان الحديث يطول. باختصار، إن التجنيد الإجباري في هذه الفترة كان جريمة كبرى وكارثة عظيمة حلت بالشعب العراقي خصوصاً الشباب منهم.

التجنيد الإجباري في الدستور العراقي:

بين فترة وأخرى تتعالى بعض الأصوات في العراق مطالبة بإعادة العمل بالتجنيد الإجباري كوسيلة لتوفير العنصر البشري له. ولقد وجدنا من خلال مراجعتنا لبنود الدستور أن هذه المطالبة تتعارض مع العديد من بنوده خصوصاً تلك المتعلقة بحرية الضمير والاعتقاد.
إن المادة الدستورية التي يستند إليها المطالبين بإعادة العمل بالتجنيد الإجباري هي المادة (9) من الدستور العراقي الحديث (دستور 2005) وهي: (تنظم خدمة العَلم بقانون). وهذه المادة بهذه الصيغة الهلامية الرمزية والتي اعتمدت لبناء الجيش العراقي تعد في نظرنا بوابة الشر التي قد تنسف بقية مبادئ الدستور الداعية إلى حرية الفكر والضمير والعقيدة. واعتراضنا على هذا النص يتضمن ثلاث جوانب هي:
الجانب الأول: هو عبارة (خدمة العَلم) التي حُصر معناها في الخدمة العسكرية فقط، وهو إجحاف كبير بحق جميع الحرف والوظائف الأخرى، فهل المدرس والطبيب والإعلامي والفلاح والنجار وغيرهم لا يخدمون العلم؟ خصوصاً إذا فهمنا كلمة العَلم على أنها رمز لسيادة الوطن واستقلاله؟ إن حصر خدمة الوطن بيد حامل السلاح دون غيره يعكس في نظرنا العقلية المريضة التي نمى عليها عدد من العراقيين الذين يعتقدون أن القوى العسكرية هي السبيل الوحيد لخدمة وحماية الأوطان. كما أن ابتعادنا عن الصياغات اللغوية المباشرة ولجوئنا إلى التعبيرات الرمزية التي تخلت عنها دساتير العالم المتحضر هي التي أوقعتنا في مثل هذه الإشكال، فقد كان الأحرى بواضعي الدستور أن يستخدموا عبارة (الخدمة العسكرية) بدلاً من (خدمة العَلم) لأنها خالية من الرمز. ومن الجدير بالذكر أن الدستور العراقي بجميع بنوده ينبغي له أن يُكتب بالأسلوب التلغرافي الذي يضع اللفظ على قدر المعنى بلا زيادة ولا نقصان. ولقد حان الوقت الذي نتبع فيه هذا الأسلوب في جميع كتاباتنا لأنه الأسلوب الأمثل الذي يرسم طريقة التفكير، فاللغة كما هو معروف أداة تفكير، فإذا كانت لغتنا غامضة ورمزية أصبح تفكيرنا غامضاً ورمزياً.
الجانب الثاني: هو عدم تحديد طبيعة الخدمة العسكرية، هل هي تطوعية أو إجبارية. فترك العبارة مفتوحة هكذا دون تحديد يجعل أبناء الشعب العراقي تحت طائلة استلاب الحريات في أي وقت بذريعة خدمة العلم الإجبارية، وهو ما يخشى منه العراقيون.
الجانب الثالث: وهو الجانب الأهم في نظري، إذ أن فهم ما جاء في المادة (9) من الدستور على أنه صيغة تبيح التجنيد الإجباري، يجعل من هذه المادة متعارضة مع عدد من مواد الدستور الأخرى الخاصة بالحريات، والتي أكتفي بذكر واحدة منها وهي المادة (40) والتي تنص على أن (لكل فرد حرية الفكر والضمير والعقيدة). فإذا كان فكري وضميري وعقيدتي يأمراني باللاعنف، فهل يحق لأحد أن يجبرني على حمل السلاح وممارسة العنف بحجة خدمة العلم؟.
إن فرض الخدمة العسكرية الإجبارية يتعارض مع المادة (40) من الدستور لأن إجبار الناس على حمل السلاح قد يتعارض مع عقائدهم الفلسفية أو الدينية أو السياسية. فمثلاً، إذا كان هناك من يؤمن فلسفياً أو سياسياً بعقيدة اللاعنف، فهل يحق للحكومة وفقاً لمبادئ الدستور أن تجبره على حمل السلاح؟ وإذا كان هناك من يعتقد دينياً بان الدين المسيحي يرفض الإجبار في كل شيء حتى في اعتناق الدين نفسه، فهل يحق لأي فرد في هذا البلد وفقاً لمبادئ الدستور أن يجبره على حمل السلاح؟ هذه أسئلة ينبغي لواضعي الدستور والبرلمانيين والداعين إلى إعادة العمل بالتجنيد الإجباري أن يجيبوا عنها.
مما سبق نجد أن الصيغة الواقعية والأمينة للمادة (9) من الدستور ينبغي لها أن تكون كالآتي: (تنظم الخدمة العسكرية التطوعية بقانون) بدلاً من (تنظم خدمة العلم بقانون)، بهذه الصياغة فقط نستطيع أن نرفع التناقض عن مبادئ الدستور، وأن نظمن حريتنا وحرية أبناءنا وحرية الأجيال المقبلة من بعدنا.

الخاتمة:

إن التجنيد الإجباري جريمة ولعنة كبرى تطال عدد كبير من أبناء الشعوب العربية. والتجنيد الإجباري جريمة لأنه بالأساس يتنافى مع حرية الضمير والفكر والعقيدة، وبالتالي حرية اختيار العمل. وهذه الحريات ينبغي لها أن تكون مكفولة في كافة المجتمعات العربية خصوصاً إذا كانت هذه المجتمعات تدعي لنفسها احترام حقوق الإنسان التي منحتها الأديان والمنظمات. فضلاً عن ذلك فان التجنيد الإجباري واحد من أهم معوقات التنمية في العالم العربي لأنه يعد هدراً لأهم ثروة تملكها الشعوب وهي الثروة البشرية. كما أن التجنيد الإجباري هو أحد أسباب سوء العلاقة بين الشعوب والحكومات. فالحكومات تطالب أبناء الشعب بتأدية الخدمة العسكرية الإجبارية دون أن تمنحها حق الانتخاب الحر للحكومة والحاكم. لذلك كله نرى أن التجنيد الإجباري جريمة ينبغي لكافة المؤسسات أن تواجهه وتفضح ما فيه من ظلم وجور، خصوصاً مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الإعلامية بمختلف أصنافها المقروءة والمسموعة والمرئية.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,528,007,800


المزيد.....


- ليس بتهميش الدكاترة يمكن الاطمئنان الى حال البحث العلمي في ا ... / علي أوعسري
- قراءة حول أختيار نجل أمير الأيزيدية لعضوية برلمان كوردستان ا ... / علي مراد
- رسالة مفتوحة الى السيد رئيس الوزراء العراقي / العراق يحتضر / محمود الشمري
- حقوق الإنسان بين رئاسة الدولة ورحمة احزابنا / سمير اسطيفو شبلا
- وأكره اللي يقول: آمين! / فاطمة ناعوت
- المجتمع المغلق.. ضحية ثقافة مريضة / فوزية الحُميْد
- محاربة الفساد وصرامة العدالة والقانون / خالد عيسى طه
- عجائب ومغالطات مليئة بالاتهامات حول مقال اللاجئين العراقيين ... / كريم الربيعي
- حملات تستهدف الشباب في العراق / باسم محمد حبيب
- حفلة موسيقية تفيض بالدماء في المغرب / محمد كوحلال


المزيد.....

- الاندبندنت: الأمم المتحدة تتهم اسرائيل بجرائم حرب محتملة
- تسليم معارضين الى سوريا وتغيير تهم معتقلين
- مئات العراقيين يقدمون يوميا طلبات لجوء للأمم المتحدة في تركي ...
- الأمم المتحدة: ارسال المزيد من المساعدات إلى مناطق المعارضة ...
- مخيم الزعتري -أرض خصبة- لإدارة أعمال صغيرة وتحقيق دخل
- يجب على الاتحاد الأوروبي أن يسد جميع الثغرات التي تتيح التجا ...
- مراسلون : الميليشيات الوافدة على اطراف تكريت تشن حملات دهم ...
- سوريا ـ وابل من البراميل المتفجرة
- ثالث أيام العيد هو يوم المجازر بحق 3 أسر وسوق شعبية ومدرسة ل ...
- - الجزائر ـ إدانة متظاهرين في محاكمة تبدو جائرة


المزيد.....

- كيف تناولت الماركسية قضية المرأة؟ / تاج السر عثمان
- النزعة الكونية : من الأديان إلى حقوق الإنسان / حاتم تنحيرت
- الحق في الصحة في دساتير العالم / إلهامي الميرغني
- بروفسور يشعياهو ليبوفيتش: الضمير الذي يؤنب اسرائيل / يوسف الغازي
- المرتزقة..وجيوش الظل / وليد الجنابي
- الشيعفوبيا / ياسر الحراق الحسني
- مفهوم الديمقراطية من الليبرالية إلى الماركسية / خليل سامي ايوب
- جدلية الامن وحقوق الانسان في عالم الارهاب / رائد سليمان احمد الفقير
- للرأي العام كي يحكم / كمال اللبواني
- الحقوق اللغوية والثقافية الامازيغية : الواقع والمعوقات / انغير بوبكر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - واثق غازي - لعنة التجنيد الاجباري في العالم العربي.. العراق انموذجاً