أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد محمد رحيم - في استهلاك المصطلحات السياسية














المزيد.....

في استهلاك المصطلحات السياسية


سعد محمد رحيم

الحوار المتمدن-العدد: 2646 - 2009 / 5 / 14 - 09:03
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إن أكبر وأخطر نقد يمكن أن نوجهه لأنفسنا الآن، في هذه اللحظة من تاريخنا، هو أننا مستهلكون، من غير إنتاج. وفي الغالب، مستهلكون سيئون، لكل شيء، بدءاً من الطعام والملابس ومستحضرات التجميل وأجهزة الاتصال والتكييف وانتهاءاً بالمفاهيم والمصطلحات والأفكار.. وربما تكون عملية الاستهلاك الجارية في حقل المعارف والثقافة السياسية هي الأكثر ضرراً، وتأثيراً على مسار حياتنا ومستقبلنا.
هناك من ينعتوننا ( وهم نسبياً على حق ) بالكسل والركون إلى الراحة، وانتظار أن يأتينا كل شيء جاهزاً، كأننا جميعاً مثل ذلك المتبطل الذي كان يستلقي تحت نخلة مثقلة بالتمر، علّ تمرة تسقط، بفعل الريح، في فمه الذي يبقيه مفتوحاً، ليأكلها. وهذا أقصى حد من الجهد كان بمستطاعه بذله. وهنا لا أريد الإسهاب في الحديث عن استهلاكنا للأشياء المادية والذي يحدث بطريقة يرثى لها، حتى صرنا نود الحصول على تلك الأشياء من دون أي تعب ( على الحاضر ) بعدما صارت نعمة النفط نقمة في حياتنا. أجل، لا أريد الخوض بتفاصيل هذه الظاهرة فهي معروفة للجميع، وإنما هدفي هو التطرق إلى استهلاكنا العشوائي واللامسؤول للمصطلحات والمفاهيم السياسية.
حين تبقى النخب السياسية تجتر مصطلحات بعينها عبر خطاباتها وتصريحاتها التي تتناقلها وسائل الإعلام من غير أن نجد لها انعكاسات في التطبيق، وفي السياسات المتبعة، وفي السلوك العام لهذه النخب فإنها ( أي تلك المصطلحات ) لا تفقد معناها فحسب وإنما تصبح، أيضاً، عند شرائح المجتمع المختلفة وطبقاتها، موضوعاً للتندر والسخرية وإطلاق النكات. كما حصل في مصر بعد هزيمة حزيران، وفي العراق في أثناء حقبة التسعينيات حين راحت النكات تنهال ويتناقلها الناس للترويح عن أنفسهم. فالنكتة، مثلما نعلم، وسيلة فعالة من وسائل المعارضة السياسية ( السلبية ).
في نهاية السبعينات جاء إلى بغداد أحد قادة الفصائل الفلسطينية اليسارية وألقى طوال ساعتين خطاباً رناناً حماسياً ألهب مشاعر المئات من الحاضرين الذين ازدحمت بهم قاعة الجامعة المستنصرية، ونصفهم كانوا من الفلسطينيين والطلبة العرب، فراحوا يصفقون ويرددون أناشيد التحرير والنصر. وكنت يومها طالباً جامعياً، وقد ألفيتني متحمساً ومستثاراً. وفي اليوم التالي التقيت بعض أصدقائي فرحت أحدّثهم عن لباقة ذلك القائد وثقافته وقدرته على تأجيج عواطفنا، فسألني أحد أولئك الأصدقاء، وكان أقلهم تعليماً ( لم يكمل المتوسطة )، وبنبرة تهكم وسخرية؛ هل قال أننا سنحررها قريباً؟ أذكر أنني لحظتها، أصبت ببعض الانزعاج، غير أنني أقر الآن بأن ذلك الصديق كان يمتلك حسّا بالواقع أكثر مني.
استهلكت النخب والأنظمة السياسية العراقية ( والعربية ) المتعاقبة خلال العقود الماضية مصطلحات ومفاهيم سياسية كثيرة حتى باتت بلا معنى عند متلقيها الذين كادوا يفقدون ثقتهم بها بعد أن فقدوا ثقتهم بالمتحمسين لها، والمتاجرين بها، ومنها؛ ( الحرية والتقدمية والاشتراكية ومصلحة الجماهير والتأميم والإصلاح الزراعي والتحرير والوحدة ) فيما راحت مصطلحات جديدة اليوم تلقى الرواج، تزدحم بها خطابات وتصريحات السياسيين، وترددها أجهزة الإعلام مثل ( الديمقراطية والشفافية والإصلاح السياسي وحقوق الإنسان والمجتمع المدني والأعمار، الخ.. ) وأخشى ما نخشاه هو أن تلقى هذه مصير تلك، وأن تتحول كأخواتها إلى مادة للاستهلاك الإعلامي والانتخابي، ومحض شعارات، وكلمات تتكرر فقط في الخطب والتصريحات الحماسية، لتغدو من ثم مناسبة للسخرية والتنكيت والضحك عند الناس.
في مطلع التسعينيات علّق الراحل الكبير علي الوردي على محاضرات ندوة حضرها،عن ثورة العشرين، عُقدت ببعقوبة، قائلاً؛ لن تنهض أمة من غير حماس، ولكن يستحيل أن تنهض أمة بالحماس وحده.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,684,353,238
- القارئ مترجماً
- شذرتا الحداثة ومأزق تحديث الدولة العربية
- حداثة المثقف.. تحديث الدولة
- سيرك الإعلام ومهرِّجوه
- ذلك الانهيار في عالم الأمس لستيفان تسفايج
- المثقف وشبكة علاقات السلطة؛ 3 موقع المثقف ووظيفته
- المثقف وشبكة علاقات السلطة:2 آليات الإقصاء والإدماج
- المثقف وشبكة علاقات السلطة: 1 آليات صناعة الممنوع
- الدولة والإنتاج الثقافي
- تلك الأسطورة المتجددة: قراءة في كتاب -أسرار أسمهان؛ المرأة، ...
- -متشرداً بين باريس ولندن-: هوامش المدن المتروبولية في أوروبا ...
- إيزابيل الليندي تكشف أسرار أسرتها في -حصيلة الأيام-
- قراءة في كتاب: ( لعنة النفط.. الاقتصاد السياسي للاستبداد )
- النخب؛ البيئة الثقافية، والمشروع السياسي
- في وداع عام آخر
- تواصل النخب والشباب
- سؤال الثقافة.. سؤال السياسة
- لمّا سقط المطر
- عالم يتغير
- -ليلة الملاك- ملعبة خيال طفل


المزيد.....




- بعد صورة أثارت الجدل.. نيكول سابا تنفي خبر حملها: مش ناقصني ...
- محمد نادزيم طفل عمره 3 سنوات يدخل قائمة الأذكى في العالم
- كيف تستعيد صور وفيديوهات -واتس آب- المحذوفة خطأ؟
- -حاسة- يؤدي فقدانها إلى احتمال الموت!
- 5 علامات للإصابة بفيروس كورونا
- ماكرون: أخوض معركة ضد معاداة السامية كل يوم
- الجيشان المصري والسعودي يستعدان لتنفيذ ضربة ساحلية
- رئيس حكومة لبنان: التقيت عددا من السفراء الأجانب وجميعهم أبد ...
- لحظات مرعبة على متن طائرة في الجو
- استطلاع: أيُّ بريق بقي للرأسمالية ؟ 56% من سكان العالم فقدو ...


المزيد.....

- الإسلام جاء من بلاد الفرس ط2 / د. ياسين المصري
- خطاب حول الاستعمار - إيمي سيزير - ترجمة جمال الجلاصي / جمال الجلاصي
- حوار الحضارات في العلاقات العربية الصينية الخلفيات والأبعاد / مدهون ميمون
- عبعاطي - رواية / صلاح الدين محسن
- اشتياق الارواح / شيماء نجم عبد الله
- البرنامج السياسي للحزب / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- الشيخ الشعراوي و عدويّة / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- مستقبلك مع الجيناتك - ج 1 / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- صعود الدولة وأفولها التاريخي / عبد السلام أديب
- الثقافة في مواجهة الموت / شاهر أحمد نصر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد محمد رحيم - في استهلاك المصطلحات السياسية