أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - خالد صبيح - شهداء منسيون















المزيد.....

شهداء منسيون


خالد صبيح

الحوار المتمدن-العدد: 2640 - 2009 / 5 / 8 - 08:46
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    



حسنا فعل السيد رضا الظاهر، وهو كاتب يعبر بطريقة حرة عن رأي الحزب الشيوعي العراقي، حينما أشار بنبرة نقدية للجهات الرسمية المعنية بأمر شهداء الوطن في مقاله ذي العنوان المعبر( طبقات الشهداء) المنشور في طريق الشعب، الجريدة المركزية للحزب الشيوعي العراقي،( 28/4/2009) منتقدا التمييز الذي تمارسه هذه المؤسسات ضد الشهداء الشيوعيين. وهذا النقد هو نقد صحيح رغم ما شاب لغته من ليونة وعمومية لا تمس أحدا في الطرح.

والاستحسان لفعل السيد الكاتب يأتي بالضبط لأنه طرح في نهاية مقاله تساؤلا انطوى على شعور كبير بالمرارة أورد هنا نصه:

(أأنست كراسي النعيم من يستريحون عليها أولئك الذين لولا تضحياتهم لما قيض للمتنعمين الجلوس على هذه الكراسي الوثيرة ؟ أغرَّ البعض أنهم باتوا يكنزون الذهب والفضة حتى أمسوا في شغل عمن فقدوا أحبتهم، بل لا يعرف كثير منهم قبور هؤلاء الأحبة ؟)

ولا اعلم ما إذا كان السيد الكاتب يعرف بأنه بتساؤله هذا قد فتح باب التساؤلات المرة على مصراعيه. وأنا هنا استعير نبرته ذاتها وأتساءل بدوري: ألا يعطينا هذا التساؤل والمرارة التي حملتها شكوى التمييز ضد الشهداء الشيوعيين الحق في أن نفكر حول الموضوع ونسحبه إلى أرضية أخرى هي واقع ممارسة الحزب الشيوعي العراقي نفسه مع شهدائه، (ولن أقول قيادته لان الحزب أضحى كيانا واحدا موحدا تشترك قيادته وقاعدته في كل تفاصيل خططه وتفكيره وسلوكه). الم يصنف الحزب، بطريقة وبأخرى، شهدائه إلى طبقات؟ الم يقدم شهيدا ويمنحه أهمية اكبر من شهداء آخرين لا يقلون شجاعة ولا روح تضحية عنه؟ لماذا يكرس قيادي شهيد( مع الاعتزاز بشخصه وبشهادته) ويهمل شهداء آخرون هم أيضا قياديون ومضحون، كالشهيدة عايدة ياسين والشهيد على حسن( أبو حيدر) على سبيل المثال؟. ألا تنطبق الشكوى من الذين أنستهم( كراسي النعيم) رفاقهم على موقف الحزب الرسمي من شهداء بشتاشان؟ وهم الشهداء الأكثر إحراجا للحزب بسبب من خوفه من التطرق إلى ذكراهم وأسباب استشهادهم ومن الذي قام بقتلهم وكيف ولماذا؟ الم يهمل الحزب شان هؤلاء الشهداء ويدارى الموقف عن ظروف وأسباب استشهادهم تكريما لتحالف ركيك مع قتلتهم؟

قبل أيام قليلة مرت ذكرى هذه المجزرة البشعة التي باتت تفاصيلها وأشخاص مرتكبيها معروفة للقاصي والداني، ولم يحرك الحزب ساكنا، رغم ما قدمه من إيحاءات عن نواياه بأجراء مراجعة لسياسته ومواقفه على ضوء الانتقادات التي وجهت إليه من رفاقه أنفسهم، وخصوا بها علاقته التابعة مع القوى القومية الكردية، بل والأكثر أن الحزب قد ركز إعلاميا في هذا اليوم على فعاليته في أعياد آيار غاضا الطرف عن ذكر (ولو مجرد ذكر) إن جريمة بشتاشان وقعت في هذا اليوم بالذات، وأنها أخذت مذاك تشكل غصة وشرخا في يوم الفرح الاياري هذا.

يبدو ان شهداء بشتاشان، كما يهمس بين الأنصار القدامى، قد خسروا باستشهادهم مرتين، مرة حين فقدوا حياتهم ومرة لأنهم بخسوا حق احترام تضحيتهم، بذكرهم وبادانة مرتكبي جريمة اغتيالهم على اقل تقدير، علما إن هؤلاء استشهدوا بالضبط وهم يدافعون عن مقر قيادة الحزب وقادته.

لكن صمت الحزب الرسمي من قضية بشتاشان بات شيئا لا يطاق ولا يمكن السكوت عليه، بل والأكثر انه صار مثيرا للاهتمام ويحفز على البحث والتفكير في الأسباب الحقيقية التي تكمن وراءه. ولنحاول هنا أن نتأمل في ما يمكن أن يعتبر سببا حقيقيا يمكن أن يكون كامنا وراء هذا الصمت المخزي للحزب من شهداء هذه المعركة الشجاعة.

في الحالات النادرة التي يجري فيها التطرق بنطاق ضيق ومحدود لهذه الواقعة من قبل قياديي الحزب يجري التأكيد على أن هذه القضية ماثلة في ضمير الحزب وتفكيره، ولكن الحزب يرتاي أن الأوان لم يان بعد لمعالجة هذه القضية وطرحها. ولا احد يستطيع الجزم بأنه فهم معنى أو شكل هذا الأوان الذي يبدو انه لن يأتي أبدا إلا حينما يسمح الخصم بذلك، وتجربة جرائم شباط 1963 التي موه الحديث عنها إبان التحالف مع البعث دليل جيد ويمكنها أن تشكل خلفية للفهم وتعطي بعض التفسير لموقف الحزب الحالي من جريمة بشتاشان.

وبما إن القضية أساسها سياسي فلنبحث بالدوافع السياسية أو المصالح السياسية التي يمكنها أن تشكل خلفية لهذا الموقف والسلوك المريب إزاء هذه القضية.

صار مفهوما للجميع أن الحزب الشيوعي العراقي يعقد علاقة استراتيجية مع القوى القومية الكردية فيها قدر كبير من التبعية، وأسباب ودواعي هذه العلاقة في مراحلها المختلفة لم تكن بسبب ضرورات عملية بقدر ما كانت تعبر عن انقياد لتأثير توجهات قوموية كردية داخل الحزب الشيوعي نفسه، وعلى وجه الخصوص قيادته السابقة، والتي قادت إلى تأسيس الحزب الشيوعي الكردستاني الذي انتقل بتنظيم الإقليم كليا إلى مستوى علاقة تبعية كاملة مع الأحزاب القومية الكردية. لكن المفارقة ان هذا التحالف الاستراتيجي لم يحقق على ارض الواقع في الظروف الجديدة، بعد سقوط النظام البعثي، نتائج سياسية ملموسة، فقد سعى الحزب الشيوعي العراقي إلى التحالف التكتيكي لأغراض انتخابية مع الأحزاب القومية الكردية لكن رغبته هذه جوبهت بالرفض، وتم الاكتفاء بإلحاق الفرع الكردي من الحزب في الائتلاف الذي شكلته الأحزاب القومية الكردية. وإذا كان لهذا التحالف الاستراتيجي مع القوى القومية الكردية إبان معارضة النظام ما يبرره، لأسباب تتعلق بهيمنة هذه الأحزاب على منطقة العمل المسلح التي كان ينشط فيها الحزب في كردستان العراق، نتج عنه مسارا للأمور فيه قدر من الإلزام حول بعض الاولويات التي تقررها مصلحة الأحزاب القومية الكردية، مما أعاق قدرة الحزب على اتخاذ مواقفه باستقلالية تامة، واضطر بسبب هذه الظروف، وبمفاهيم التحالف التي فرضتها المرحلة السابقة، على القيام ببعض التنازلات، فان هذا التوجه بعد سقوط النظام، وانتهاء مرحلة تواجد الحزب الاضطراري على ارض كردستان، بات يثير الانتباه والشك في طبيعة الدوافع التي تكمن وراء انقياد الحزب لهذه القوى. ولاشيء يفسر، برأيي، هذا الانحدار سوى ما يمكن نعته بانعدام ثقة الحزب بالقوى السياسية القائمة على العملية السياسية، وهي تخوفات مشروعة إلى حد ما، وفي نفس الوقت، وهذا الأخطر، هو نوع من التعبير عن انعدام ثقة الحزب بنفسه وبقدراته وبجماهيره، بحيث بات لا يرتكن لغير التحالف مع طرف قوي يؤمن له وجودا سياسيا يقيه من العزلة والتهميش، كما بررت في حينه بذلك قيادة الحزب سبب انخراطها في العملية السياسية واشتراكها في حكومة بريمر.

بيد أن هذا المستوى السياسي لايمكن له أن يشكل وحده سببا حقيقيا كافيا لهذا السلوك من قبل الحزب، فالسياسة هي عملية متحركة وتحتمل التغيرات ولا يمكن لأسبابها أن تدوم إلى ما لانهاية. وهي تتطلب أيضا، لكي تخاض بطريقة صحيحة، الكثير من الجرأة والاستعداد للتضحية بمواجهة المصاعب. وبالتأكيد إن الحزب يدرك في ظروفه الحالية أن من أولى اولويات عمله الآن، لكي يخوض المعترك السياسي بنجاح، هي إعادة بناء الحزب ومد خيوط علاقته مع الجماهير من خلال اتخاذه مواقفا جريئة وصادقة ومعبرة عن تطلعاتهم ومصالحهم ليشكل من الجماهير، ما اعتادت أن تسميه الأدبيات الشيوعية الكلاسيكية، سياجا يحميه في صراعه السياسي. وهذا من شانه أن يضعه في موقع الاستقلالية وبالتالي الفاعلية السياسية الحقيقية. لكن الحزب عجز عن أداء هذا الدور، والدليل هو النتائج الهزيلة التي حصل عليها في الانتخابات الثلاث التي جرت في العراق، وكذلك في انعدام قدرته على الحضور المؤثر في الشارع وفي العملية السياسية. وهنا ينبثق بالضرورة ظن وتقدير آخر، غير الظرف السياسي، يمكن أن يضاف كسبب لتفسير الدوافع الكامنة وراء هذه المواقف والتبعية للقوى الكردية التي تعيق الحزب عن اتخاذ ابسط المواقف لكي لا يمس علاقته ببعض هذه القوى. وعلى وجه التحديد الجلاليين، حزب رئيس الجمهورية الحالي، القوموي الكردي، والمسؤول الأول عن مجزرة بشتاشان، جلال الطالباني.

وينبغي الانتباه بهذا الصدد إلى ظاهرة جرت الإشارة الصريحة لها ليس من منتقدي الحزب فحسب وإنما من بعض المدافعين عن الحزب بحماسة، وهي ظاهرة اشتغال الكادر القيادي الحزبي في مراكز حكومية رفيعة، وهي مراكز ووظائف لم تأت في حقيقة الحال نتيجة لحضور الحزب في السلطة كمحصلة عادلة لنتائجه الانتخابية. فالجميع يعرف أن هناك عدد من الكادر القيادي يعمل في وظائف كبيرة: وكلاء وزارات، ومديرون عامون، سفراء، ومديرو مكاتب لمسؤولين كبار في الدولة، كان أكثرها لوزرارت ومكاتب تابعة للقوى القومية الكردية. ومرت جميعها عبر المرشح الكردي، وهذا بطبيعة الحال يلقي بظلال من الشك حول قدر المنفعة الشخصية التي يجنيها هذا الكادر من وظائفه، هذا غير بعض الاستثمارات المالية والشراكات التجارية التي يعقدها كادر آخر لا يشغل وظائف في الدولة. لاسيما إذا ما عرفنا أن هناك ضمن الكادر القيادي بعض التجار الصغار الذين يؤثرون مصالحهم الشخصية على عملهم الحزبي نتيجة لما تمليه عليهم ذهنية التاجر الصغير من سلوك والتي تتسم عادة بضيق الأفق والنفس القصير والميل لعقد الصفقات. هذا إذا تغاضينا عن بعض المصالح الصغيرة الأخرى: قطع أراضي، رواتب تقاعدية، منح مالية، وهذا الأمر يؤثر سلبا،كما لا يخفى، على قدرة هذا الكادر على اتخاذ مواقف تؤثر على مصالحه الشخصية.

هذان السببان، كما يمكن أن يسشفه أي مدقق في الواقع، يمكن أن يكونا هما اللذان يكمنان وراء هذا المستوى من التبعية للقوى القومية الكردية. وفي كل الأحوال فهما ثمنان رخيصان لمقايضة موقف وتاريخ وشهداء. وإذا كان الحزب الشيوعي العراقي يدين الآخرين وينتقدهم بمرارة على عدم إنصافهم له ولتاريخه ولشهدائه فحري به أن ينصف شهدائه هو أولا قبل أن يطالب الآخرين بهذا الإنصاف. لكن يبدو أن الحزب يراهن كعادته على الصمت كموقف نهائي من كل شيء لا يريد الوقوف أمامه، ويراهن على ما يفترضه ذاكرة الناس القصيرة التي يمكنها أن تنسى بسرعة، وهو غير مدرك بهذا التصور من أن التاريخ لا ينسى، إن نسي بعض الناس، وانه سيعاقب بطريقته الخاصة.





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,321,757,999
- معوقات وحدة اليسار العراقي
- صناعة الخصوم
- معضلتان يساريتان
- تعرف الأشياء بأضدادها
- عبء التاريخ
- طرائف ديمقراطية
- قراءة اولية في انتخابات مجالس المحافظات
- شارة النصر
- عالمية القضية الفلسطينية
- في إنصاف النقد
- إحراجات غزة
- أدوات العدوان الإسرائيلي
- غزة والعرب
- حذاء الزيدي ووجوه البعثيين
- لماذا اتحاد لكتاب الحوار المتمدن
- اتحاد كتاب الحوار المتمدن
- الحوار المتمدن رتوش في طريق التطور
- دكتاتورية مبطنة بحرير الديمقراطية
- عذرية البنادق
- صحوة اليسار


المزيد.....




- المصريون يصوتون في استفتاء على تعديلات دستورية تمدد ولاية ال ...
- السعوديتان الهاربتان في جورجيا مها ووفاء السبيعي تتحدثان لـC ...
- أهم ما يجب أن تعرفه عن تعديل الدستور في مصر
- التعديلات الدستورية في مصر: الناخبون يدلون بأصواتهم في الاست ...
- أهم ما يجب أن تعرفه عن تعديل الدستور في مصر
- إصابة العشرات بعد خروج قطار عن مساره في الهند
- مقاتلات روسيا.. الخيار الأفضل لتركيا
- وفاة قائد القوة الأممية في الجولان المحتل
- نعم، نعم، نعم لعالم نووي
- ترامب يهاتف حفتر ويخالف موقف خارجية أمريكا المُعلن حول ليبيا ...


المزيد.....

- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان
- تحليل الواقع السياسي والإجتماعي والثقافي في العراق ضمن إطار ... / كامل كاظم العضاض
- الأزمة العراقية الراهنة: الطائفية، الأقاليم، الدولة / عبد الحسين شعبان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - خالد صبيح - شهداء منسيون