ضاع العمر


جهاد علاونه
الحوار المتمدن - العدد: 2637 - 2009 / 5 / 5
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع      Bookmark and Share

يمضي الإنسان على الأغلب حياته وهو في تعب وشقاء لكي يجمع ثروة بسيطة أو كبيرة ,يستنفذ بعدها نصف عمره ونصف شبابه أو كله على الإطلاق , ويصحو الإنسان المغتر بنفسه بعد عمر طويل ليجد نفسه أنه ضحية أهوائه وملذاته التي لا يشبع منها , وينظرُ خلفه فيجد شبابه قد ومهما كان حجم ثروته إلاّ أنه في نهاية الموضوع يستنفذ نصفها أو جميعها في إعادة صحته إليه .

يُمضي الإنسان عمره وحياته ومستقبله وشبابه وهو يبني مستقبله بتعبه وكده وعرقه , وبهذا يخسر صحته النفسية والعضلية , ويخسر نصف أو أكثلر من نصف عمره وهو على هذه الحالة وحين يحقق كل ما يريد أو حتى ربع أو نصف ما يريد , نجده فعلاً يبيع كل الذي حققه في سبيل إستعادة ما فقده من جمال أو شباب أو وقت .

النجوم والفنانون تنطبق عليهم أيضاً هذه الحالة , فكل ثروتهم أو كل ما يحققونه من أرباح في المهرجانات والحفلات نجدهم أنهم يخسرونها في ترتيب يومهم أو في ترتيب وتزويق إبرستيجهم , والفنانات تنفق كل ما يكسبنه على الزينة و(الميك أب) والتسريحات والعطور , والرجال أيضاً ينفقونها على النساء والحفلات والطشات وشمات الهوى , حتى أن البعض لا تتمتع بوقت كافٍ لكل ذلك بل أن مسؤولياتهم تزداد وبالتالي ترتفع لديهم النفقات وحجمها .


المهم في موضوعنا لهذه الساعة هو الإنسان العادي , هذا الإنسان الذي يهلك وهو يحاول أن يبحث عن قطعة أرض ليبني عليها شقة أو لشراء شقة , هذا الإنسان ينفق الوقت والساعات كلها وهو يحاول أن يكون ثروة بسيطة نجده في النهاية ينفقها جميعها من أجل إستعادة صحته وشبابه .


وأعرف رجلاً كان صديقاً لي منذ 10 سنوات عبارة عن مليونير أو نصف مليونير , ولكنه كان يحسدني على قدرتي في التذوق , لأنه كان وما يزال يفتقد لحاسة التذوق ,فهو يأكل العسل كما يأكل الفلفل , ويأكلهما دون الإحساس بفرق المذاق بينهما , فكان ينظر لي في (الورشة ) وأنا آكل مع زملائي البندورة الحارة المقلية مع الفلفل وهو يحسدنا , وحتى الآن أنفق آلاف الدنانير من أجل الشفاء ولم يشفى .


رجل ٌ آخر صديق لصديقي أو لأحد أصدقائي كان مصاب بالسكر أي بإرتفاع السكر في الدم , وكان رحمه الله حذراً, لا يأكل الأشياء التي تحتوي على الكايبوهيدرات وةالسكريات وخصوصاً الفلكتوز , وأمضى حياته أكثر من 35 سنة ولم يشرب شيئاً حلواً أو يأكل شيئاً حلواً , وكان ينظر لثروته التي بين يديه بتعجب !!!!!!!!!!!!إذ كيف به يملك كل هذا ولا يستطيع أن يأكل وقية (أوقية) كنافة نابلسية ؟؟؟!!

وذات يوم مر بجانب محل حلويات في إربد فوجد جاره يأكل الكنافة , علماً أن جاره فقير جداً لا يقدر على شراء الخبز , فسقطت من عيني الرجل الدموع وقال في نفسه : شو نافعيتني لفلوس ؟ بدي يا ناس أوكل كنافة نابلسية , وسالت إريالته ولعابه على الكنافة ودخل المحل وطلب كيلو كنافة وطلب من صاحب المحل أن يزيد عليها نسبة القطر أي السكر , ولهمها وأكلها بشراهة حتى إحمرت عيونه وخرج من المحل وهو مبسوط وعيونه تدمع لأنه يعرف نفسه ماذا فعل , ودخل غرفة نومه وأغلق الباب خلفه ونام نومته الهادئة مثلما نامها سقراط , وأغمض عينيه لأنه يعرف أنه لم يتناول كنافة ولكنه تناول سُماً زعافاً , ونام نومته الأخيرة وأسلم الروح والجسد وغادر البيت والحارة والوطن إلى بيت آخر وحارة أخرى ووطن آخر , لا أحد يعرف عنه شيئاً .


العالم الذي نحن به عالم مجنون ومتناقض جداً مع نفسه , الإنسان يمضي حياته وهو يتعب في جمع الثروة وحين يجمعها لا يتلذذُ بها , وأعرف رجلاً أمضى حياته في جمع ثروة كان حين حققها قد فقد في النهاية قدراته الجنسية أو أنها كانت ضعيفة , فكان يشكو من ضعف في الإنتصاب , وأحياناً من سرعة القذف التي بذل في سبيل ضبطها نصف ثروته .
ورجل آخر أمضى حياته وهو يحاول أن يجمع قوة عضلية في بناء جسمه , وكان حين حققها , كان فعلاً قد وجد نفسه مضطراً للتنازل عنها في سبيل مواجهة (الدسك) في الفقرة الرابعة والخامسة من عاموده الفقري بالإضافة إلى دسك في العجزية الأولى والثانية .
يجمع الإنسان المال والثروة, ويخسر شبابه وهو عارف بذلك وحين يصل للثروة , يتحسر على الشباب فيحاول أن ينفق ما جمعه في سبيل إسترداد شبابه , وصدق الشاعر القائل :
ألا ليت الشباب يعود يوماً

فأخبره بما فعل المشيبُ.

هذه هي فلسفة الفقراء, والتي يحسدهم الأغنياء عليها .