غيبة العقل القبطي وعودة الأقباط إلى الساحة


سامي المصري
الحوار المتمدن - العدد: 2632 - 2009 / 4 / 30
المحور: القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع      Bookmark and Share

مقال الأستاذ كمال غبريال بالحوار المتمدن تحت عنوان عودة الأقباط إلى الساحة يطرح أخطر المواضيع التي تهدد الكيان الوجودي للمجتمع القبطي. الكيان القبطي في مصر يحمل طاقة حضارية ذات بعد تاريخي وثقافي واجتماعي قادر على أن يعيد لمصر رونقها ودورها الحضاري. لست أقول كلاما بلا أساس لكن التاريخ الحديث لمصر برهن على عظم الطاقة الحضارية لذلك المجتمع، فعندما قام الأقباط بدورهم الوطني العملاق في مؤازرة ثورة 1919 والزعيم سعد زغلول، وبالتعاون الكامل مع إخوانهم المسلمين الأحرار، دانت لهم الأرض، واستطاعوا أن يقفوا ضد التخلف والاستعمار والحكومة. فاقتادوا مصر لمستوى حضاري رفيع على كافة المستويات، عايش جيلنا آثاره وتمتع بثماره. كان هناك حضورا مؤثرا للأقباط في كل عمل بنائي في مصر على كافة المستويات، فكان هناك حضورا سياسيا وحضورا ثقافيا وعلميا واجتماعيا وإعلاميا. كان لهم دورا رياديا في كل مجال؛ في قيام الجامعة المصرية والارتقاء بها لأعلى مستوى علمي عالمي، خاصة للكليات العملية، في المجال الطبي وفي المجال الهندسي، والمحامين، وفي الصحافة، والفكر. كل ذلك تقلص إلى حد العدم وبسرعة شديدة.

ليس التعصب ضد الأقباط كان وحده سببا لما حدث، فالتعصب ضد الأقباط لم ينقطع عن مصر، لكنه كان يزداد وينقص طبقا لعوامل كثيرة أهمها حالة الأقباط أنفسهم وقدراتهم على العطاء الحضاري. فما نحن فيه اليوم من انهيار أهم أسبابه هو الردة الحضارية للمجتمع القبطي نفسه.

مقال الأستاذ كمال يضع فيه يده على أسباب الوضع الكارثي الذي بلغ إليه الأقباط في مصر اليوم. فمشكلة الأقباط الكبرى تكمن أولا في داخل المجتمع القبطي المتقوقع الكامن الخائف الخائر الخانع المغيب خلف أوهام دينية فجة. لا يمكن عمل أي إصلاح لهذا المجتمع من الخارج قبل أن يفيق من المخدر الديني السلبي الذي يتعاطاه في الداخل. لا يستطيع أحد أن يقدم حلا لمشاكل الأقباط المستعصية من الخارج، قبل أن يصحو هذا المجتمع من كبوته الحقيقية الفادحة في الداخل. إن مظاهرات وهتافات أقباط الخارج لا تستطيع أن تقيم مجتمعا قبطيا كريما في مصر، وصيحات الأحرار من المسلمين في مصر وخارج مصر دفاعا عن الأقباط لا تستطيع أن تعطي للأقباط حقوقهم، طالما أن الحراك القبطي داخل مصر يتسم بهذه السلبية المريعة والتقاعس المخزي. المرأة في مصر نالت وتنال وستنال حقوقها بالعمل الإيجابي الدءوب المحترم. كل الأقليات في مصر ستنال حقوقها من نوبيين وبهائيين وقرآنيين وعرب سيناء طالما هناك عمل بنائي جاد. بينما الوضع الكارثي للأقباط الذين هم أكبر تعدادا، وأكثر ثقافة، وأعرق تاريخا، فإن أوضاعهم تزداد سوء واستفحالا كل يوم وستزداد.

الأقباط اليوم منتظرين من يتفضل عليهم ليمنحهم كرامتهم ويعطيهم حقوقهم، بينما الكرامة لا تمنح ولكن يأخذها من يستحقها، والحق لا يعطى لكن يناله ويغتصبه كل من يجاهد ويعمل من أجله. الأقباط أشبعتهم الشكوى والتذمر والشعور بالظلم فعوقتهم عن العمل الجاد الهادف والمشاركة الفعالة، حتى يكونوا موجودين على الساحة لذلك يحققون الفشل ويحصدون الريح. الأقباط قنعوا واستكفوا فلقد خدرتهم أحاديث البابا شنودة المغيبة للعقول، فانصرفو اعن الحياة إلى السلبية القاتلة. الأقباط أسكرتهم أحاديث أبونا زكريا التي تهدم ولا تبني فأصابهم عمى التعصب واستبدلوا المعرفة المفيدة بحماقة التطرف، فبدلا من أن يبنوا أنفسهم اهتموا بتجريح الآخر. فيقول لهم السيد المسيح، "يا مرائي اخرج أولا الخشبة من عينك وحينئذ تبصر جيدا أن تخرج القذى من عين أخيك." (مت 5:7) ويقول لهم القديس بولس الرسول "لأنه ماذا لي أن أدين الذين من خارج، ألستم انتم تدينون الذين من داخل؟ أما الذين من خارج فالله يدينهم فاعزلوا الخبيث زمن بينكم (1كو 5: 12-13). قبل أن تناقش مشاكل الدين الإسلامي الداخلية عليك أن تناقش أولا الكوارث التي بداخل العمل الكنسي والتي أصبح لها تأثيرا خطيرا على كل بيت وعلي كل قبطي. اليوم البيت القبطي يهدده الطلاق الذي تفشى بشكل وبائي والذي يزيد من خطورته الفساد الرعوي المقترن بالجهل. دع المسلمين يناقشون مشاكلهم وهم قادرون على ذلك فعندهم من المثقفين ممن يستطيعوا أن يناقشوا ويصلحوا التخلف الديني عندهم. بينما لا يستطيع أحد أن يناقش كوارث التخلف الديني على الصعيد القبطي، فمن يتجاسر على ذلك يتصدى له المنتفعون بالفساد المغيبون للعقول بالتعصب الأعمى. يا قبطي أنظر أولا لمشاكلك الفادحة التي أفسدت مجتمعك وبيتك وأهلك. بدلا من الدفاع عن الفساد في الكنيسة دفاعا أعمى عن تعصب وجهل.

لا ينال أحد كرامة إن لم يعمل من أجلها حتى يكون جديرا بها، ولن يستطيع أحد أن يمنح الأقباط مكانتهم وحقوقهم على الساحة المصرية ما لم يكونوا جديرين بهذه المكانة التي فقدوها بسبب غيبتهم وتخلفلهم. الشعب القبطي تحول إلى شعب متلقي للأفكار غير صانع لها، الشعب القبطي الذي كان خلاقا مبدعا متفوقا في كل مجال بالأمس القريب، قد هجر استخدام العقل وفقد المنطق ففقد قيمته، ولا يملك أحد أن يعيد إليه هذه القيمة إلا إذا تخلى كل واحد عن غيبته وتعصبه وأفيق من المخدر الديني ليقوم بالعمل المنوط به لخدمة نفسه ومجتمعه ووطنه والإنسانية جمعاء.