أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - طارق حجي - ثقافتنا: ... بين الوهم والواقع















المزيد.....



ثقافتنا: ... بين الوهم والواقع


طارق حجي
(Tarek Heggy )


الحوار المتمدن-العدد: 2619 - 2009 / 4 / 17 - 11:15
المحور: المجتمع المدني
    


الفصل الأول

ثقافتنا: كما هـــي!


(1)
ما أكثر الأخطاء الشائعة بين الناسِ والتي تعود في قسمٍ كبيرٍ منها لكون معظمِ الناسِ يعتمدون على الثقافةِ السمعيةِ وليس على المطالعةِ الجادةِ. ومن هذه الأخطاء الشائعة فكرةُ الناسِ عن المفكرِ السياسي ذائع الشهرة نيكولو ميكيافيللي (1469/1527). فمنذ طالعت كل مؤلفاته خلال السنوات ما بين 1970 –1973، لم أسمع أحداً يشير إليه إلاَّ بواحدةٍ من إثنتين: أولهما ربط إسمه بكتاب "الأمير" أصغر مؤلفاته وأقلها شأناً – ناهيك عن عدوله بعد كتابته عن أَراءٍ عديدةٍ له وردت في هذا الكتاب، وثانيهما الربط بين اسمه وبين مقولةِ أن "الغاية تبرر الوسيلة". وهكذا تَختصر الثقافةُ السمعية كتاباتِ رجلٍ مهمٍ للغايةٍ في سطرين لا غير. إن ميكيافيللي عاد في كتاباتٍ أعمق وأوسع وهذب فكرة الغاية تبرر الوسيلة. في سنة 1973 (وأنا في مدينة قسنطينة الجزائرية الساحرة) طالعت باستمتاعٍ عقليٍّ هائلٍ كتابَ ميكيافيللي الكبير (المطارحات) والتي تقل صفحاته قليلاً عن ألف صفحة. وهو كتاب وضعه بعد أن ذاعت شهرتُه بطلبٍ من أُسرةِ Medici الشهيرة كمنهجِ عملٍ لحكومةِ فلورنسا. وتحضرني مقولةٍ رائعةٍ لهذا المفكر السياسي الذي ظلمته الثقافةُ السمعية لبشرٍ يؤثرون الإستسهال عن الجهدِ والمطالعةِ المدققةِ. يقول ميكيافيللي إن الحاكمَ الذي هو في حد ذاتِه ليس حكيماً لا يمكن أن يحصل على نصيحةٍ حكيمةٍ أو أن يحيط نفسه بمستشارين حكماء. لقد أرتني الحياةِ وجهِّي هذه المقولة. فما من حاكمٍ تعاملتُ معه وكان هو نفسه غيرَ حكيمٍ إلاَّ ووجدتُه يبحث عن النصيحة لدى من لا يمكن أن تكون نصيحته صائبة أو حكيمة. كما أنه يحيط نفسه بمساعدين وبطانةٍ تكون عادةً غيرَ حكيمةٍ بل وذات محصولٍ علمي ومعرفي ضحل، مع أخلاقٍ رديئةٍ وانشغالٍ لا بتقديم الحقائق له (أو لها)، وإنما بعملِ سياجٍ من حولِه (أو من حولها) وإبعادِ أصحابِ العقولِ الكبيرةِ وإمطاره (أو إمطارها) بزيفه ورياءه والمدح والتغني بمناقب ومآثر معظمها غير موجود. أما الوجهُ الآخر لتلك المقولةِ الصائبةِ فهي أنني لم أر حاكماً حكيماً إلا وكان يعرف من يستشير وكيف يطلب الحكمةَ من أصحابِها والمعرفةَ من أهلِها. وفي بعضِ الأحيانِ فقد كان الحاكمُ الحكيم غير ذي نصيب وافر من العلم والمعرفة مثل رئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر والرئيس الأمريكي رونالد ريجان ولكنه (أو ولكنها) كان بحكمتِه يعرف طريقَه للحكمةِ والنصيحةِ الصائبةِ واستعمال المستشار الجدير بالاستشارة.

كذلك رأيتُ معناً ثالثاً من معاني مقولة ميكيافيللي الحكيمة. فالحاكمُ الذي يستخف بأصحابِ العقولِ الكبيرةِ يختار دائماً مستشارين يكونون مثله في الاستخفاف بأصحاب العقول الكبيرة. وهنا يرى الإنسانُ عمقَ ومعنى وحكمة المقولة الرائعة: (ويلٌ للعالمِ من الجاهلِ). بل إنني أضيفُ أن معظمَ عيوبِ الحاكمِ غير الحكيم توجد مجسدةً فيمن يختارهم ليكونوا مساعديه. فالحاكمُ غير الحكيم الذي يعشق المديح والإطراء يكون مساعدوه على شاكلته عُشاقاً للمديح والإطراء. والحاكمُ غير الحكيم الذي لديه لوثة الظهور في الإعلام يكون مستشاروه على شاكلته في هذه المثلبة. ولا شك أيضاً أن الحاكمَ غير الحكيم (الفاسد والنَّهاب) والذي ينهب بذاته ولذاته ويفتح طرق النهب لأبنائه وبناته وحواريه، يكون مساعدوه مثله في تلك الصفة من صفات اللصوصية. منذ سنوات أخل حاكمٌ عربيٌّ بطبيعة الحاكم غير الحكيم وطلب من صديق لي، وهو خبير في مجال ثروة طبيعية متوفرة ببلده، أن يشرح له أفضل طريقة للانتفاع بثروةٍ طبيعيةٍ حبا اللهُ بلدَه بها. نصح صديقي هذا الحاكم بنصيحةٍ تنطلق من خبرةٍ طويلةٍ في مجال الثروة الطبيعية التي سأله بشأنها، ناهيك عن تخصصه الدقيق في موضوع السؤال. نصحه صديقي بأمرٍ ونصحه آخرون بما قال له صديقي أنه أسوأ الخيارات. اليوم (وبعد سنوات) فإن هذا الحاكم وبلدَه يدفعون ثمن أنهم ساروا وراء نصيحة من لا يعلم وأعرضوا عن نصيحة من يعلم. كانت نصيحة صديقي كفيلةً بأن تحقق لبلد هذا الحاكم مليارات الدولارات سنوياً لوأنه إتبعها … ولكنه يحصل اليوم نحوعشرة في المائة (10%) من مستوى تلك العوائد لأنه استمع لنصح من لم يكن من الواجب أن يُستشار. هنا أيضاً كان ميكيافيللي على حق: فالحاكم غير الحكيم وضعت أمامه النصيحة الحكيمة وغير الحكيمة فأختار الثانية لأن مقدميها بشر صيغتهم وعجينتهم وسبيكتهم مثل صيغته وعجينته وسبيكته هو.

وجوهر المسألة، أن ميكيافيللي كان على حق بشكل كامل عندما أو ضح لنا أن البحث على النصيحة الحكيمة يستلزم أن يكون الباحثُ هو نفسه حكيماً.

ولكن هل نحن أصحاب ثقافة نصح؟ .. لا أظن. فما أقل المستشارين الأكفاء أصحاب المحصول المعرفي الواسع حول معظم حكام منطقتنا. ولا أدل على ذلك من خلو واقعنا من "مراكز النصح والإستشارة". ففي العاصمة الأمريكية (واشنطن) أكثر من خمسين مركز بحث (كلها من منظمات المجتمع المدني) مختصة بشئون الشرق الأوسط السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية. والسؤَال هو: إذا لم يكن لدينا مركز واحد (غير حكومي) مقابل (أي مراكز دراسات أمريكية أو أوروبية أو إسرائيلية) فما معنى هذا إلاِّ أننا عن (المشورة) و(النصح) "عازفون" و"مستغنون" – وإننا (في ذات الوقت) لسنا أصحاب ثقافة نصح ومشورة.

* * *

(2)
يشعر العقلُ المصري (ومثله في ذلك عقول المجتمعاتِ الناطقةِ بالعربيةِ بدرجاتٍ متفاوتة) بحيرةٍ أمام السؤال الكبير (من نحن؟)… أي التساؤل عن الهويةِ. وفي إعتقادي أن الإجابةَ سهلةٌ للغايةِ إذا تحرر الإنسانُ من ربقةِ موروث يحول بين الإنسان وبين الإيمان بأن الإنتماءَ لأكثرِ من هويةٍ هو أمرٌ ممكن. إن العقلَ العربي بمعناه الضيق أي عقل شعوب الجزيرة العربية وبمعناه الواسع أي عقل الشعوب الناطقة بالعربية قد تأثر تأثيراً قوياً بعارضٍ أساسيٍّ من عوارضِ القبلية العربية (ذهنية قبيلة البداوة) وهوإستحالة أن يكون الإنتماءُ والولاءُ إلاَّ للقبيلةِ وشيخِها. ففي ظل سوسيولوجيا القبيلة البدوية يكون من العبثِ (من وجهة النظر القبلية) أن يقول قائلٌ أنني أنتمي لهذه القبيلةِ "و" لقبيلةٍ أُخرى غيرها. وقد طال هذا العارضُ شعوباً كانت ذات ماضٍ حضريٍ بالغ الثراء وبعيد للغايةِ عن تركيبةِ سوسيولوجيا البداوةِ في الجزيرة العربية مثل مصر وسوريا الكبرى وتونس والمغرب. إلاَّ أن تأثرَ تلك المجتمعات ذات الجذور الأعمق في التمدنِ والتحضرِ كان ولا يزال أقلَ من حدةِ الشعور القبلي العربي بإستحالةِ ثنائيةِ أو ثلاثيةِ الإنتماءِ (التعددية الثقافية).

منذ قرنٍ من الزمان كانت تلك العدوى الآتية من سوسيولوجيا الجزيرة العربية أقلَ بكثيرٍ مما هي عليه الآن –وعلة استفحال العدوى ترجع (من وجهة نظري) لسطوة البترودولار الذي عربد في المناخاتِ الثقافيةِ للمجتمعاتِ الناطقة بالعربية خلال العقود الأربعة.

في إعتقادي أن إنساناً مصرياً سليم العقل متحرر من جرثومة ذهنية القبيلة البدوية إذا سُئل ما هي هويتك فإنه من المنطقي أن يجيب: أنا مصريٌ أنتمي ثقافياً للثقافة العربية كما أنتمي ثقافياً للثقافةِ الإسلاميةِ سواء كنت مُسلماً أو مسيحياً، كما أنني أنتمي لتاريخٍ طويلٍ فرعوني وقبطي ومسلم وعربي ومصري معاصر. إن هذا التعدد أمرٌ منطقي وبديهي لأنه يعكس حقائق الجغرافيا والتاريخ. ولكن المأساة تبدأ عندما يوضع ترتيب لهذه الأبعاد يخالف حقائق الجغرافيا والتاريخ. فرغم إن كاتبَ هذه السطورِ مصريٌّ- عربي وعالمي الثقافة- مسلم، إلاَّ أنه إذا سُئل من هو وكان المطلوب أن يجيب بكلمةٍ واحدةٍ، فسيقول إنه مصريٌّ. والمنطقي أن يفعل القبطي نفس الشيء. أما إذا أعطيت إجابة بكلمةٍ واحدةٍ وقلت "إنني مسلم" أو "إنني عربي" أو "إنني أفريقي" أو أنني من شرق البحر الأبيض المتوسط" فإنني سأكون قد أَعطيتُ إجابة، هي ليست في الحقيقة، بإجابةٍ وإنما كلام عام غير محدد ولا ينطبق على تعريف "التعريف" الذي صاغه المتكلمة (الفلاسفة) منذ قرون (أي أن يكون جامعاً مانعاً).

وينطبق نفس الشيء على السوري-اللبناني-العراقي-المغربي-السوداني وسائر الشعوب الناطقة بالعربية.

ولكننا لن نحصل على إجاباتٍ صافيةٍ بتلك الكيفية إلاَّ إذا عملنا جاهدين على تخليص تفكيرنا من شوائبِ القبليةِ البدويةِ التي جاءت إلينا بفعلِ نفوذِ البترودولار مع رياح حقبة الثقافة النفطية.

منذ قرنٍ من الزمان قال أستاذُ الجيل أحمد لطفي السيد أن المصريَّ هو من لا يعرف لنفسه صفةً في كلمةٍ واحدةٍ سوى "أنه مصري". وهكذا فإن اللبناني هو من لا يعرف لنفسه صفة في كلمة واحدة سوى أنه لبناني … ويقال نفس الشيء على باقي الشعوب الناطقة بالعربية.

ومن الأمور التي تُثير خلافاً واسعاً حولها موضوع البعد العربي في هويتنا. وهو موضوع جدير بالإحترام؛ إلاَّ أن الطريقة التي يُناقش بها تستحق – أحياناً - الرثاء. فمعظم الذين يتحدثون عن البعد العربي في هويتنا يدمجونه اليوم في البعدِ الإسلامي. وهوأمرٌ (كما أسلفت) يثير الرثاء (بسب عدم معرفة الكثيرين بتاريخ "الفكرة العربية"). لقد نشأت فكرةُ الهويةِ العربية منذ أكثر قليلاً من مائةِ سنةٍ على يد مثقفين مسيحيين من سوريا الكبرى. وكانت فكرةٌ بالغة الرقي (بالشكل الذي قُدمت به وقتها). لقد كان مسيحوا سوريا الكبرى يرفضون تأسيس الهوية على أساسِ الدين لأن ذلك في ظل الإمبراطورية العثمانية ما كان ليعني سوى أنهم مواطنون من الدرجةِ الثانيةِ. وكان البديلُ الذي قدموه أسمى وأرقى: لقد قاموا بتأسيس الهوية على أساس اللغةِ والثقافةِ. وهكذا يتساوى المتكلم بالعربية المسلم مع المتكلم بالعربية المسيحي. إن هذه الأطروحة الراقية كانت أطروحةً ثقافيةً أولاً وأخيراً. ولكن عسكر صغار أصحاب محصول ثقافي ومعرفي هزيل أرادوا إختزال التاريخ والقفز بالرابطةِ العربيةِ من رابطةٍ ثقافيةٍ إلى رابطةٍ سياسيةٍ دون توفر المعطيات؛ فأجهدوا الفكرة ودمروا أجزاءً كبيرة منها.ثم جاء طاعونُ ثقافة النفط فجعل الفكرة العربية تابعة للفكرة الإسلامية (وهي في أصلها مستقلة عن أي دين إستقلالاً كلياً) فإذا بنا لا نسمع اليوم إلاَّ تعبير (الأمة الإسلامية والعربية) … وهكذا أصبحت الفكرةُ العربية التي أنشأها روادها (المسيحيون) لتكون بديلاً عن الهوية المؤسسة على أرضية دينية- ذيلاً للفكرة الإسلامية. ولا يملك المرءُ العارف بتاريخ الفكرة العربية إلاَّ أن يقول (يا للسخرية).

ومن الضروري أن ينظر القارئ المحايد لتجربة اليهود التاريخية حيث عاشوا في شتات منذ قام الرومان بهدم الهيكل في القدس وطرد اليهود منها سنة 70 بعد الميلاد –ورغم ذلك ظلوا من جهة "يهوداً" كما كانوا من جهات أُخرى منتمين لمجتمعات شتى. وهي تجربة تاريخية تُثبت أمرين هامين يصعب على العقل العربي (في معظم لا كل الأحوال) قبولهما: أولاً أنه من الممكن تعدد أبعاد الهوية ثانياً أن الأختلاط الواسع بالأغيار (حسب التعبير العبراني) لا يؤدي قط لتآكل وإضمحلال وزوال الهوية والخصوصيات الثقافية كما يتوهم كثيرون في الواقع العربي متأثرين في ذلك (مرة أخرى) بنفوذ سوسيولوجيا القبيلة البدوية. هذا النفوذ الذي خلق عقلاً يقاوم (بشراسةٍ بالغة الغرابة) أقوى معلم من معالم التقدم الثقافي وهو الإيمان الراسخ بالتعددية بل وأحياناً بالوحدة في ظل الإختلاف.

إن فك الإشتباك بين رقائق هو يتنا أمرٌ ممكن لو توفرت الرؤية (على مستوى قيادات المجتمع: سياسياً وثقافياً) ووضعت برامج التعليم على أَساسٍ من تلك الرؤية. ولا أعتقد أن ذلك أمر عسير – بشرط توفر إرادة إحداثه عملاً بالمقولة المعروفة (رب همة أَحيت أمة).

من الحقائق التي كان ينبغي أن تكون واضحة، وأن تكون نتائجها – بنفس الدرجة – واضحة ومتسقة مع مقدماتها، هي أن هويتنا الثقافية تقوم على الحقائق التالية:

- أننا ( تاريخياً ) جزء من الثقافة العربية الإسلامية .
- أننا ( جغرافياً ) جزء من ثقافة شرق البحر المتوسط .
- أننا ( زمنياً ) جزء من العالم الحديث والذي يقوده "الغرب" وإن كانت الثقافة الذائعة والشائعة بأسم "الثقافة الغربية" هي ثقافة ذات بُعد غربي "لا يُنكر" ولكنها أيضاً ثقافة ذات بُعد "أنساني" بمعنى أن الكثير من "المحصول الثقافي الغربي" ليس غربياً وإنما وفد من ثقافات أخرى سابقة ..

* * *


(3)
نظرةٌ مُتأنيةٌ لمُعظَمِ ما يُكتَب ويُقال ويُذاع (سياسياً وإعلامياً وثقافياً) في واقعِنا تدُل على أن كثيرين من مُثقفينا والمُنشغلين بالشأنِ العامِ في واقعِنا تنطبق عليهم الأوصافُ التالية :

• رغم كونهم مصريين، إلاََّ أنهم يهتمون بشئونٍ دوليةٍ وإقليميةٍ أكثر وأكبر من إهتمامهم بنحوثلاثين مليون مصري يعيشون تحت الحد الأدنى لإطار أية حياة كريمة ... بل يعيشون في ظروفٍ حياتيةٍ يصعُب على الكثيرين تصورها. ولا شك أن هذا الأمر غريبٌ إلى أقصى حدودِ الغرابةِ ؛ إذ كان من اللازمِ أن يُشَكِل هذا التحدي (والذي قد يُعَّرِض أمنَ مصرَ القومي بأسرها لخطرٍ داهمٍ) جل إهتمام المُثقفين المصريين بما لا يترُك أكثر من رُبع إهتماماتهم لسائر الأمور الأُخرى الدولية والإقليمية، بل والمحلية.

• رغم كونهم مصريين، إلاََّ أنهم يهتمون بشئونٍ دوليةٍ وإقليميةٍ أكثر وأكبر من إهتمامهم بالمستوى المُتهافت والمُتدني لمؤسسات بلدهم التعليمية والتي سيُحدد ما تقوم به هذه المؤسساتُ شكلَ ونوع وإتجاه ومستوى ومُستقبل أقل من عشرين مليون مصري تضمهم (اليوم) المؤسسات التعليمية في مصرَ. ولا شك أن هذا الأمر أيضاً غريبٌ إلى أقصى حدود الغرابة .

• رغم كونهم مصريين، إلاََّ أنهم معنيون بشئون دولية وإقليمية أكثر وأكبر من إهتمامهم (شبه المعدوم) بالمستوى المُتدني (بالغ الخطورة) لغير قليل من مكوناتِ المؤسسات الدينية التي تعمل (في غير قليل من الحالات) ضد توجهات العصر والتقدم والمُجتمع المدني. ولا شك أن هذا الأمر أيضاً بالغ الغرابة، فقد وصلت بعضُ شخصيات المؤسساتِ الدينية في واقعنا لحال من البعد عن العلم والمنطق والصواب والتقدم ما يمثل ضربات هدم بالغة الأضرار بعقولِ أبناءِ وبناتِ مصرَ الذين نريدهم في "إتصالٍ" مع العصر لا في "إنفصام مرضي" معه .

معنى ذلك عندي، أن العقودَ الأخيرة قد شهدت إعادة صياغة وجدان عددٍ غير قليلٍ من المصريين، بحيث أصبحت الأولوياتُ عندهم (في مُعظمها) غير محليةٍ، أي غير مصريةٍ .

ويُذكرني هذا الحديث بما سمعته أكثر من مرةٍ من شخصياتٍ سياسية كُبرى في الولايات المُتحدة الأمريكية، إذ سمعتهم يتحدثون عن ظاهرةِ إهتمامِ الكثيرِ من المصريين الذين يتعاملون معهم بشئونٍ مُعظمها دولي وإقليمي وأقلها مصري ! ... وأنا أزعم أنني أعرفُ العقل الأنجلوسكسوني، وأعرف كيف تُذهله هذه الظاهرة (وأعني بالعقل السكسوني العقل البريطاني والأمريكي والأسترالي المُتَسِم أولاً وأخيراً بالبرجماتية) .

وقد زاد من كثافةِ هذه الظاهرة، أن تيارين فكريين (وسياسيين) مؤهلان للتماهي مع هذه الظاهرة. فتيارُ الإسلامِ السياسي يشبه التيار الماركسي في جزئيةِ "الأُممية". بمعنى أنه كما كان الشيوعيون يؤمنون بأنهم شركاءُ "الإشتراكيين" في كلِ مكانٍ , فإن الإسلاميين (بل وبشكلٍ أشد كثافةً) لا يؤمنون بفكرةِ "الدولة المُعاصرة" و"الوطن" و"الوطنية". فالبديلُ عندهم هي فكرةُ "الأُمة" – والأُمة هنا بالطبع هى "الأمة الإسلامية" ... بينما كاتبٌ تنويري عظيم مثل أُستاذ الجيل أحمد لطفي السيد وأبناء مدرسته لا يقصدون بتعبير الأُمة غير "الأُمة المصريـة" ... ومن غير المُصادفة أَنه أَطلقَ على حزبِه الذي أسسه سنة 1907 "حزب الأمة" والذي خرج منه بعد ذلك من صاروا قادة لتياراتٍ أخرى (صار بعضُ رجالِ حزب الأُمة من زُعماء حزب الوفد وصار أخرون زُعماء للأحرار الدستوريين , وصار غيرُهم من كبار المُستقلين). وينطبق نفسُ الشئ على "القوميين العرب" , فيكفي أنهم رحبوا بإلغاء إسم مصرَ في سنة 1958 ورحبوا بإستبداله بتسمية "الإقليم الجنوبي" من إقليمي "الجمهورية العربية المتحدة". فالأُمة عند هؤلاء تعبير يعني "الأُمة العربية". ونظراً لقوة تأثير التيارين (الإسلام السياسي والقومية العربية) فقد توفرت عواملٌ قويةٌ دفعت بهذا التغيير في أولوياتِ الوجدانِ المصري صوب "الخارج" عوضاً عن التركيز (كأولويةٍ أولى) على "الداخلِ".

أَعلمُ أن البعضَ سيقول أن هناك علاقةً جدليةً بين "أدوارِ مصرَ الخارجية" وبين قدرتها على تجويد الداخل. والردُ هو من شقين، الأول : أن هذا مقبولٌ بالنسبة للقادة السياسيين، أما إذا تحول الأمر إلى ظاهرةٍ غريبةٍ يهتم فيها المُثقفُ المصري بحالِ الطفل الفلسطيني (مثلاً) أكثر من إهتمامه بحالِ الطفل المصري، ويكون مشغولاً بهمومٍ خارجيةٍ عن مآسيه الداخلية، فإننا نكون أمام وضعٍ بالغ الغرابة. ومن ناحية أخرى، فإن المنطقَ والتاريخَ يقولان بأن من كان ضعيفاً في الداخل كان بالضرورةِ ضعيفاً في الخارج. لقد إنكسر حلمُ محمدِ علي وحلمُ مصرَ الستينيات لأنهما أرادا لعب أدوار خارجية قبل الأوان وفي ظل ضعف داخلي بلا حدود.
وضروري أن أو ضح أنني لا أدعو لعدم الإهتمام بالعالم الخارجي وشئونه (بما في ذلك شئون منطقة الشرق الأوسط) ولكنني أدعو فقط لإعادة ترتيب الأولويات بحيث نكون مثل سائر مواطني الدول المُتقَدِمة ؛ إذ تَشغل الشئونُ العامة أكثر بكثير من نصف إهتمامات المواطنين والمُثقفين .

ولا شك أن الحل الأمثل لهذه المُعضلة التي خلقتها السياسةُ والإعلامُ والتعليمُ في مصَر منذُ خمسينيات القرن الماضي هى مسئوليةُ تلك الجهاتِ الثلاث : السياسة والإعلام والتعليم. ولكن نظراً لأن مردودَ التعليم بعيد المدى (أجل طويل) فإن الحري بالقيادات السياسية والإعلامية أن تلعب الدور الأهم على المستوى الزمني القصير والمتوسط. فنحن لسنا بحاجةٍ لأيديولوچيات بقدر ما نحن بحاجةٍ لحصصٍ أكبر من أدوات صناعة المُستقبل. وفي ظني أنه لا توجد على وجه الأرض أدوات لصنع واقع ومُستقبل أفضل إلا "العلم وتقنيات الإدارة الحديثة". وأكبر مثالٍ على عدم جدوى الأيديولوچية في صُنع مُجتمعٍ أفضل هو ما أحدثته الأيديولوچية الماركسية في العديدِ من الدول وعلى رأسها الإتحاد السوفيتي السابق التي فشلت فشلاً ذريعاً في خلق ظروفِ حياة كريمة لأبناءِ وبناتِ مُجتمعاتنا ... وآمل ألا يُجرب البعض الأيديولوچية الإسلامية – السياسية حتى يكتشف (كما إكتشفت أوروبا الشرقية) أن الأيديولوچيا (سواء ماركسية أو قومية عربية أو إسلامية) غيرُ قادرةٍ على خلقِ مجتمعٍ جيد وشروطٍ حياتية طيبة .

ورغم وقوفي في نقطة وسط المسافة ما بين التفاؤلِ ونقيضهِ فيما يخص العديد من الأمور كأن يبرأ مُجتمعنا (على المدى الزمني القصير والمتوسط) من عللٍ ثقافية مثل : (1) ذهنية الكلام الكبير (2) ثقافة مدح الذات (3) ذهنية التغني بماضٍ مجيد لم يحدُث إلا في الخيال (4) ثقافة الأشخاص لا المؤسسات (5) الشخصانية عوضاً عن الموضوعية (6) الشعور بالتَمَيُز عن الآخرين بسبب الدين (7) عدم الإيمان العميق بعالمية العلم والمعرفة (8) ضآلة هامش التسامُح (9) عدم قبول الآخر بالمعنى العميق والتطبيق الواسـع لـه (10) الإقامة في الماضي وضآلة الإهتمام بالمُستقبل (11) شيوع ذهنية ومناخ ثقافي عام لا يساوي كليةً بين الرَجُل والمرأة، وعليه فإنه يُعطل نصف المُجتمع ونكون بصدد مُجتمع نصفه "مُجَمَد" في مُقابل نصف آخر "مُعَقَد" (فرجالُ المناخ الثقافي الذكوري هم ليسوا ببشر أسوياء، وبالتالي فلا يُنتَظَر منهم إقامة واقعٍ فاضل والتأسيس لمُستقبل مُزدهر) ... رغم أنني أقف في نقطة وسط المسافة بين التفاؤل ونقيضه في إمكانية أن يبرأ مُجتمعُنا من تلك العلل الكُبرى التي تُقَزِم وتشل فعالياته، فإن حقيقةً من حقائق واقعنا المُعاش تدفعني للإقتراب من التفاؤل؛ حيث أجد بين الشباب من دون الثلاثين من العمر إهتماماً كبيراً بالواقع والمُستقبل وإهتماماً أقل بكثير (كما ينبغي) بشئون الآخرين. وأعتقد أن ذلك إنجازٌ كبيرٌ، ولكنه ليس إنجازاً لأي عاملٍ محليّ بقدر ما هو إنجاز لتكنولوچيا المعلومات والكمبيوتر والإنترنت التي جعلت هذا الجيل يتصل بالعالم إتصالاً يسمح له بحُسن ترتيب الأولويات.

* * *


(4)
كنت في خضم حوار محتدم حول ما يسمى بالأصولية أو التطرف الديني عندما توقف ذهني عند عبارة قلتها، وهي أنني لم أر خلال أكثر من ثلاثين سنة من الإهتمام بالثقافة والفكر والعلوم الإنسانية إنساناً واحداً رحبَ وعميق الثقافة ومتطرفاً في آن واحد. فالواقع أن الإنسان الذي أتيح له أن يتعرف على ثمار الإنسانية على مر العصور لا يمكن أن يكون أصولياً أو متطرفاً بمعنى أن الإنسان الذي ألم بشكل جيد بآثار الحضارة الإغريقية/ الرومانية مثل أشعار هوميروس ومسرح إسخيلوس ويوريبيدوس وأرستفان وسوفوكليس والآثار الفلسفية لأرسطووافلاطون، وأفكار سقراط وديوجين وغيرهما… والإنسان الذي وقف على آثار الحضارة الإسلامية سواء كانت من قبيل الأعمال الشعرية أو كانت من الأعمال الفكرية لعمالقة مثل الفارابي وإبن رشد وإبن سينا والرازي.. والإنسان الذي قرأ كل أو بعض آثار شكسبير راسين وفولتير وروسو وموليير وديكارت وكانط وهيجل ونيتشه وجوته وفلوبير وإبسن وتولستوي وتشيكوف وكامو وسارتر وهيمنجواي وفوكنر.. وعشرات غيرهم.. والإنسان الذي ألمّ بقسط وافر من التذوق للفنون التشكيلية وفنون الموسيقى والأوبرا… إن إنساناً على هذه الشاكلة لا يمكن أن يكون متطرفاً أو متعصباً ناهيك عن أن يكون أصولياً بالمعنى المتداول الآن.
والدليل الأكبر على صدق هذه المقولة هو "الوقع": فأين هو (بين جميع المتطرفين أو الأصوليين) من يمكن وصفه حسب الإستعراض السابق بوصف المثقف الكبير؟
والمعنى الذي أقصده هو فائدة الإهتمام بتوسيع رقعة الثقافة وتنشيط عملية التثقيف في مجتمع من المجتمعات؛ بمعنى إثراء الحياة الثقافية-فهذا هو الأمر القادر على إيجاد مناخ لا يسمح لأفكار التطرف والعنف والرأي الواحد بالذيوع والشيوع.
ولا يقلل من أهمية هذه النظرة أن يقول البعض: وماذا عن الظروف الإقتصادية والإجتماعية؟
وأنا لا أملك أن أقلل من أثر هذه العوامل لا سيما وأنني قد أصدرت خمسة كتب تدور كلها حول محور الإيمان بالدور الخطير للظروف الإقتصادية والإجتماعية في إيجاد مناخ عام يسوده الإتزان أو الخلل. وهنا فإنني لا أعني "الفقر" بالمعنى البسيط والمباشر وإنما أعني "الشعور بعدم العدالة وإستفحال الشعور بالخلل".. تلك قضية أخرى لا تتعارض مع القول بأن تنشيط المناخ الثقافي وإثراء الحياة الثقافية وإتاحة الفرصة للشباب للتعرف على ثمار العقول والمذاهب الإنسانية على مدى مسيرة الحضارة البشرية، هو أمر بالغ الأهمية وعنصر فعال في عملية خلق مجتمع مدني مزدهر، ولا يساورني شك أن "عبقرية مصر" قادرة على إنجاز تلك المهمة سوياً مع مهمة الخروج بسفينة الإقتصاد المصري من "بحر الظلمات" ذي الموج العالي والأنواء إلى بحر هادئ السطح وما تحت السطح!!
كانت هذه الكلمات خلاصة ما دار في حوار بيني وبين عدد من الشباب، ولا أجد كلمات أفضل مما قاله شاب في تعليقه على قولي بأن العوامل الإقتصادية والإجتماعية (على أهميتها) ليست هي "العنصر الوحيد" الفعال والقادر على حماية مجتمع من السقوط في ظلمات الفكر المخاصم للعصر ولموجات وثمار مسيرة الحضارة الإنسانية. قال هذا الشاب المستنير: لوأن "الوفرة الإقتصادية" وإرتفاع مستوى دخول المواطنين كانت هي "المسألة الحاسمة" في هذا الشأن لما إنتشر كل هذا الظلام الفكري وروح التقهقر والجمود والنصية المقيتة في عدد من الدول (القريبة منّا) تجلس على أكثر من نصف إحتياطيات العالم من البترول ويبلغ فيها متوسط دخل الفرد مثيله في عدد من الدول الأوروبية.. ملاحظة عبقرية من شاب واعد جديرة بالمراجعة والنظر والتأمل ممن يظنون أنه بتحسين الظروف المعيشية "فقط" نكون بمأمن من أفكار الظلام.
ولا شك أن هذا الموضوع بالغ الأهمية- من وجهة النظر الإستراتيجية- هو أمر وثيق الصلة بالعملية التي تجري عل قدم وساق، وهي عملية المراجعة الشاملة للبرامج التعليمية والأهداف والغايات التي نتوخاها من المؤسسة التعليمية في مصر (البلد الذي سبق كل بلدان الشرق الأوسط بأكثر من قرن كامل من الزمان على درب التعليم والثقافة ناهيك عن السبق الأكبر على درب التمدن).
فالتعليم (بشكله الحالي) لا يعدو أن يكون "عملية ضخ مستمرة" و"حشومعقد" للمعلومات في رؤوس التلاميذ مع عملية تغذية غريبة لمؤهلات مثل "التذكر" و"الحفظ" و"الإسترجاع" وهي مؤهلات لا يمكنها أن تصنع أية نهضة كما أنها لا تستطيع أن تخرج أبناء وبنات للوطن محصنين ضد أفكار القرون الوسطى (كأفكار التكفير والإرهاب والتطرف والسلفية التي تسقط في بئر تقديس الأسلاف والنصية المقيتة). إن الدور الأعظم والرسالة الكبرى للمؤسسة التعليمية هي ترغيب أبناء وبنات هذا الوطن في التعرف على ثمار الحضارة الإنسانية سواء على مستوى العلوم الإجتماعية أو الإبداع الفكري والأدبي والتشكيلي والتعبيري أو على مستوى العلوم التطبيقية - مجرد ترغيب حقيقي وعميق وأصيل مع إشعال جذوة حب المعرفة وتقديس الإبداع والإيمان العميق بأن مسيرة الحضارة والفكر والعلم هي مسيرة إنسانية وليست شرقية أو غربية، وغرس قيم الإيمان العميق بالتسامح وحقوق الآخرين في الخلاف والإختلاف وحقوق الإنسان وكراهية الإستبداد والإعجاب بالعظمة والعظماء. ورسالة كهذه تحتاج لمئات قليلة من الصفحات وليس لعشرات الكتب وآلاف الأوراق: عملية يمكن تسميتها بنقل التعليم عندنا من "ظاهرة كمية" إلى "ظاهرة كيفية" تواكبها عملية غرس وتأصيل لمجموعة أساسية من القيم الإنسانية والحضارية، مع الإيمان بأن تلك القيم هي التي تخلق مواطناً عصرياً متحضراً ومتسامحاً وخلاقاً وفعالاً ومنتجاً ومنتمياً، وعلى نفس الدرجة من الأهمية فإنه يكون مواطناً محصناً ضد أفكار الظلام ومن نصفهم بالمتطرفين دينياً وماهم إلا نتاج بائس ومؤسف ومظلم وفاسد لمناخ عام إقتصادي وإجتماعي وثقافي يسمح لفكر لا تقبله الضفادع لأن يجد بعض الآذان المصغية.
* * *

(5)
إشتركت مجموعةٌ من العواملِ لجعلِ "ثقافِة الحوارِ" في واقعِنا هزيلة وبحاجةٍ ماسةٍ للتغير. وقد ساهمت في إفتقارِنا لثقافِة حوارٍ عصريٍة وثريٍة ومتأصلٍة عواملٌ مثل ضآلة الهامش الديمقراطي الذي عشناه خلال عقودٍ عديدةٍ من بدايةِ عصرِ نهضةِ مصرَ المعاصرة على يدِ مُحمدٍ على منذ قرنين من الزمان إلى جانبِ تأثرنا (بشكلٍ نسبي) ببعدٍ ثقافي من مكوناتنا يجعل للسلطة الأبوية (بالمعنى الواسع) مكانةً كبيرةً تعمل على إنكماش المساحِة المتروكِة للحوارِ الحرِ وبمحاذاةِ ذلك كانت هناك أسبابٌ أخرى مثل إنتشار ثقافةٍ دينيةٍ لا تمثل أكثر الجوانبِ حريةً بين تياراتِ الفكرِ الديني بل ويوجد إجماعٌ على أن مدارسَ الفكرِ القائمة على "النقل" في هذه الناحية كانت لها الغلبة على مدارسِ الفكرِ القائمِة على "العقل" ...كذلك فإن برامج ومناهج التعليم إتسما الى حدٍ بعيد بإفتقارٍ شديدٍ لترويج الحرية وتشجيع الإبداع وثقافة الديالوج إذ عوضاً عن ذلك ذاعت نظمُ تعليمٍ ترسخ التلقين وإختبارات الذاكرة وتكون العلاقةُ فيها بين المدرسِ والتلميذِ أو بين الأستاذِ والطالبِ هي علاقة منولوج وليس علاقة ديالوج. ويمكن أيضاً أن يضيف المتأملُ في هذه المسألة سبباً آخرَ وهو تضاؤل ثقافة التعددية وذيوع نموذج "الأوحد" في شتى جوانب الحياة. وقد تضافرت هذه الأسباب وغيرها في تقلصِ الآفاقِ الرحبةِ للحوارِ وأنتجت في نفسِ الوقتِ أَنماطاً من الجدل ينبغي علينا أن نُبرز أنها تنتمي للمقاتلِة والمبارزِة والمحاربِة والتشهيرِ والسبِ والتجريحِ أكثر من إنتماءها لفكرةِ ومفهومِ الحوار. ونظراً لإن لدينا غير قليل من الشخصانية (نقيض الموضوعية) فقد أصبح ذلك بمثابة إلقاءِ الزيتِ على النار: فسرعان ما ينقلب الحوارُ إلى مبارزةٍ وتراشقٍ بالتهمِ وفتح ملفات لا علاقة لها بصلبِ الحوارِ.

ومن غير الصواب أن يعتقد المرءُ أن هذه الظاهرة تكونت خلال العقود الثلاثة أو الأربعة أو الخمسة الأخيرة، فكل ما حدث أنها تفاقمت لأسبابٍ عديدةٍ تتعلق كلُها بالإتساع الكمي للطبقة الوسطى الذي واكبه إنخفاضٌ نوعي لكل مستوياتها. فالذين تغريهم المطالعةُ على قراءة الخلافات الفكرية والأدبية في العقود الأولى من هذا القرن يعرفون أنه إلى جانب عددٍ غيرِ كبيرٍ من الحواراتِ العقلانيةِ المتسمِة بهدوءِ النبرةِ والتعويلِ على مواجهِة الحجِة بالحجِة (على سبيل المثال الحوار المعروف بين طه حسين والعقاد عن الثقافتين اللاتينية والسكسونية) فقد ذاعت نماذج من الحوار المشابه للبراكين حيث يتحول الجدلُ إلي مبارزةٍ بحجارةٍ من الكلامِ والتهمِ وسيوفِ التجريحِ والتشهيرِ حتى لوكنا بصدد قضايا فكر أكاديمية بحتة.

ورغم ميلي للإيمان دوماً بإن كلَ الظواهرِ السلبية قابلة للمعالجة إلاَّ أنني أظنُ أن الأجيالَ التي تجاوزت سن الطفولِة في واقعِنا يصعب تغيير ثقافتها الحواريةِ إذ أن الأَمر هنا عميقُ الجذور وربما يمكن الحد من عيوب هذه الظاهرة لدى تلك الأجيال بتبني جهة ما لمشروعٍ ثقافي يقلل من نموذج الحوارِ المريض لدينا لاسيما في وسائل الإعلام وأعني مشروعاً لضرب القدوةِ من قِبل الصفوة الفكرية قد يكون ذا تأثير نسبي في إتجاه الحدِ من نماذج التحاور القبلية والشائعة لدينا. أما الأملُ الكبير فمكانه مؤسسات وبرامج التعليم فهي القادرة على تقديم أجيالٍ جديدةٍ غُرست في عقولِها وضمائِرها فكرة أن التعددية ليست فقط من طبيعة الحياة وإنما هي من مزايا الحياة ومن مصادر ثراءها وأن التعددية تفرض على الجميع إحترام الإختلاف وأن التعددية وإحترام الإختلاف ينجبا قدراً غير قليل من الموضوعية (وإن كانت الموضوعيةُ المطلقُ مستحيلةً) وأن كل ذلك يثمر عقولاً تؤمن بالحوار العقلاني وثقافة الديالوج وما يعينيه ذلك من إحتمال دائم قائم أن يكون كلٌ منا غير محق بدرجةٍ أو بأخرى وفي نفس الوقت أن يكون الآخرُ محقاً بدرجة أو بأخرى.

ولا يمكن فصل "التعليم" و"ثقافة الحوار" عن جرعةِ الإيمانِ بالإنسانيِة التي تغرسها برامج التعليم وأعني أن من أهم مهام أي برامج تعليمية تهدف لخلق كادر بشري عصري ناجح هو غرس جرعة كبيرة في عقول وضمائر التلاميذ والطلاب تؤَصل أننا جزءٌ من الإنسانيةِ بقدر كوننا مصريين أو عرب أو مسلمين أو مسيحيين علماً بإن ذلك (الإنتماء للإنسانية ككل) ليس خصماً من الإنتماءات الأخرى.

ولدي أسباب وأدلة وقرائن عديدة على أن تأصيل الإنتماء للإنسانية ككلٍ هو أمرٌ غائبٌ أو شبه غائب عن معظم برامجنا التعليمية التي تنضح بالمحليةِ والإقليميِة ورغم ذلك فإنها غير ناجحة في تأصيل إهتمامات التلاميذ والطلاب بالمعرفة العميقة بأهم مرحلة من مراحل تاريخنا وهي مرحلة مصر القديمة فمعظم التلاميذ والطلاب (وربما معظم المدرسين والأساتذة) لا يستطيعون أن يجيبوا عن سؤال بالغ البساطة مثل: لأية أسرة ينتمي الملك المصري الشهير أمنحتب الثالث؟ وهو سؤال يجيب عنه معظم أطفال المدارس الإعدادية والابتدائية في دولة مثل فرنسا.

ومن أهم محاور موضوع تأصيل ثقافِة حوارٍ عصريةٍ وإيجابيةٍ وبناءةٍ محورُ القدوةِ: فمن المستحيل توفر فرصة تأصيل ثقافةِ حوارٍ متحضرٍ في مُناخٍ عامٍ كان فيه سياسيٌّ بارزٌ يتحدث عن رئيسِ دولةٍ مجاورة بإسم أمه !! فحدث واحد كهذا كفيل بزلزلة الأرض تحت أقدام كل الذين يحاولون تأصيل ثقافةِ الحوارِ العصرية والمتحضرة في مجتمعاتهم... ولا يُقصد بالقدوة رأس الهرم المجتمعي فقط وإنما عدد كبير من مجموعة الطبقات القيادية التالية لمواقع القمة ويشمل قادة الفكر والرأي ورموز المجتمع إذ أن ممارسة بعض هؤلاء لحوارِ التقاتلِ والمبارزةِ والتشهيرِ والتجريحِ كفيلٌ بإحداث شروخٍ تصعب معالجتُها في بنية الرأي العام.

ولا شك أن شيوع قيم (قبول الآخر) و(إحترام الإختلاف) و(التسامح الديني) هي من أهم العوامل المساعدة على تأصيل مُناخٍ ثقافيٍّ عامٍ يسمح بتدعيم وإستشراء ثقافة الحوار (الديالوج) العصرية والمتحضرة ...والعكس صحيح: فالثقافةُ الدينية التي تسمح بالتكفير والمناخ الثقافي العام الذي يرى الإختلاف وكأنه يعني (التميّز) في جانب و(الدونية) في جانبٍ آخرٍ هي من عناصر إنهيار فرص ثقافة الحوار البناء.

بل ان نظرةَ عددٍ كبيرٍ من المفكرين للحوار على أنه إستمرار (بدون أدوات العنف) للإقتتال هو من معالم ثقافة الحوار القبلي وفي نفس الوقت من موانع ذيوع ثقافة الحوار العصرية المتحضرة :فالتحاور على أعلى المستويات ليس إستمراراً للعنف وإنما بديل للعنف – والفارق الفلسفي بين المفهومين بالغ الوضوح.

ومن البديهي أن يكون حجر الأساس في ثقافة الحوار العصرية والبناءة والمتحضرة التي ننشدها أننا طالما آمنا جميعاً بان أي فكر لدينا أو لدى الآخرين هو "محاولة بشرية" يعتريها نقص كبير أو صغير ،وأن كل رأي يحتمل أن يكون صحيحاً بدرجة ما...أوخاطئاً بدرجة ما، فان النتيجة الحتمية لذلك أن نزرع في عقول وضمائر أبناء وبنات هذا الوطن أن الصواب المطلق غير متوفر لأحد… وأن احتمال الخطأ وارد...وان الخطأ لا يعني "العار" أو "الفضيحة" وإنما يعني فقط "الخطأ". وان (رأي كل منا) هو (جسم خارجي) عنَّا، تكون من عناصر مختلفة مثل الخلفية والتعليم والثقافة والخبرة وما اتيح من معارف وبالتالي، فان أي إلصاق لآرائنا بكبريائنا أو كرامتنا هو أمر بالغ الخطأ. وينبغي أن يؤسس على كل ذلك أن من "الجاهلية الفكرية" أن يتضمن قاموس الحوار ألفاظاً مثل الإتهام بالخيانة وخلافه من قاموس الحوار القبلي القائم على تجريح المتحاور ومعه أكثر من قيامه على تفنيد الأفكار محل التحاور.

* * *

(6)
كتبتُ خلال السنوات العشر الماضية كتباً ومقالاتٍ عديدة عن عيوبِ العقلِ العربي – وكلها عيوب ثقافية. وأعني أنها عيوبٌ مكتسبةٌ من ثلاثة مصادر أساسية هي: مناخ عام إستبدادي ونظام تعليمي متأخر لا يتابع نظم التعليم العصرية ونظام إعلامي أنتجه المناخ العام الإستبدادي ولخدمة أهدافه. ومن أبرز عيوب العقل العربي المعاصر ما يلي:

- قلة مساحة السماحة الفكرية.
- ضآلة الإحتمال لتعدد الأفكار.
- ضآلة الإحتمال للآخر.
- ضآلة الإحتمال للنقدِ وندرة ممارسة النقد الذاتي.
- إنطلاق المواقف من أرضيةٍ قبليةٍ أو دينيةٍ عوضاً عن إنطلاقها من أفكارٍ مختلفة.
- شعور دفين بعدم المساواة مع الآخرين (في النتائج والثمار) يظهر في شكلِ شعورٍ حادٍ ومبالغ فيه بالكرامة، وهي "كرامة كلمات" أكثر منها "كرامة إنجازات".
- المغالاة في مدح الذات وإعطاء التراث الماضوي أكبر من حجمه الذي كانه في الواقع.
- شيوع ثقافة كلامية (أوثقافة كلام كبير) تعوض عن النقص المهول في النتائج العملية، وتصل هذه الثقافة لصيرورة الأقوال وكأنها أفعال.
- ضآلة الموضوعية وإستفحال الشخصانية.
- الحنين المرضي للماضي والهجرة له.
- عدم شيوع ثقافة الوسطية Compromise بل وعدم إحترام الـ Compromise والشعور بأنه يعني شكلاً من أشكالِ الهزيمةِ والخسرانِ.
- ضآلة الإحترام للمرأة.
- شيوع القوالب الفكرية واللفظية النمطية (Stereotype).
- شيوع درجة مبالغ فيها من الإعتقاد بأن وراء كل شيء مؤامرة – وأن العرب دوماً ضحايا مؤامرات الغير.
- عدم وضوح لون وماهية الهوية الوطنية (عرب... أم مسلمون... أم آسيويون.. أم أفارقة.. أم بحر أبيض متوسط؟).
- شيوع علاقة مع الحكام تقوم على المبالغة في التقديس في الظاهر مع ميل جارف لتمجيد الأشخاص.
- شيوع ذهنية محلية بشكل مفرط تعرف القليل جداً عن العالم وتياراته وموازين القوى الحقيقية، ناهيك عن عدم معرفة واسعة بعلوم وثقافة الآخرين.
- ضآلة الشعور بقيمة الإنسانية... فالروابط عند معظمهم إما قبلية أو عائلية أو عرقية أو قومية... ولكنها لا تضم "الإنسانية" كأكبر وأبرز القواسم المشتركة.
- شيوع ذهنية التعصب الناجمة عن عدة عناصر أهمها "قبلية الذهنية العربية" بدرجات متفاوتة.
- كذلك، فإن العقل العربي نظراً لعدم ممارسته جرعات عالية من "الحرية" و"المشاركة" فإنه قليل الإكتراث بالحرية ونظمها.

ويمكن لأي خبير في شئون الشرق الأوسط أن يضيف لهذه العيوب العشرين أشياءً أخرى.

وهذه العيوب كلها عيوب مكتسبة، وهو ما يعني أنها قابلة (كلها) للتغيير. كما أنها توجد بنسب مختلفة في مجتمعات أخرى. وهي عيوب - كما ذكرت - تنبع من مناخ إستبداد عام ونظام تعليمي ومؤسسات إعلام خارج العصر ومسخرة لتحقيق أهداف الإستبداد.




وستبقى هذه العيوب وتتفاقم آثارها ما لم تحدث تغييرات جذرية في النظم السياسية (بما يهيئ مساحة أكبر من الحرية ويعوِّد الناس على المشاركة في صنع الواقع والمستقبل) مع تغييرات كاملة لفلسفة التعليم وبرامجه ومناهجه وطرقه... وأخيراً، ما لم يخرج الإعلامُ من سطوةِ الحكوماتِ ويتحرر سياسياً وإقتصادياً بما يكفل له أن يتحرر فكرياً وثقافياً وإعلامياً.

* * *

(7)
لا ريب أن عدةَ دولٍ من دولِ العالمِ الثالث تملك كوادراً بشريةً مثقفةً بشكلٍ ممتازٍ وثري؛ ولكن المشكلة تكمنُ في أن السوادَ الأعظم من هؤلاء من الذين احترفوا الثقافة أي جعلوها مهنتهم. فهم إلى جانبِ كونهم مثقفين فإنهم يعملون أيضاً بالثقافة. أما خارج دائرةِ هذا الكادر البشري المثقف وأعني دائرة المثقفين، فإن وجودَ كوادرٍ بشريةٍ مثقفةٍ في هذه الدول يكاد يكون أمراً نادراً. وتعني هذه الملاحظة، أن دول العالم الثالث لديها "أهل فكر" من بين أفراد دائرة المثقفين، ولديها أيضاً "أهل فعل" خارج دائـرة المثقفين، والسواد الأعظم من هؤلاء لم تدخل الثقافةُ الثريةُ في تكوينهم. وهو ما يعني أنه باستثناء "أهل دائرة الثقافة" فإن أهلَ الفعلِ في هذه المجتمعاتِ في عشراتِ الميادين والمجالاتِ العملية والعلمية والصناعية والاقتصادية والخدمية لم تكن الثقافةُ من بين مكوناتهم الأساسية .
وقد دلتني تجربةُ التعامل الوثيق مع الحضارة الغربية للتعرف على الصورةِ المعاكسةِ والموجودةِ في البلدان الأكثر تقدماً في أو روبا الغربية وأمريكا الشمالية وبعض بلدان شرق آسيا. ففي هذه البلدان يرى الإنسانُ ويلمس وجودَ المكوّن الثقافي خارج دائرة المثقفين الضيقة، بل ويجد ثراءً ثقافياً مذهلاً عند قياداتِ معظم الميادين والمجالات التي ذكرتها (وأعني المجالات العملية والعلمية والصناعية والاقتصادية والخدمية). فالعلمُ الواسعُ بالتاريخِ والآدابِ وعشراتِ المجالاتِ الثقافيةِ والفنية وأيضاً عشرات المجالات التي تنضوي تحت مسمى العلوم الاجتماعية – هذا العلم الواسع متوفرٌ ليس فقط لأهلِ دائرةِ المثقفين الضيقة بطبيعتها (لاشتمالها على الصفوة من الناحية العقلية) وإنما هو أمرٌ متوفرٌ وبثراءٍ وغزارةٍ عند العناصرِ البشريةِ القياديةِ في سائر المجالات الأخرى التي ذكرتها .
فما أكثر كبارِ الرؤساءِ التنفيذيينِ في مؤسساتٍ اقتصاديةٍ وصناعيةٍ كبرى الذين كانوا في نفس الوقت من القمم الشاهقة في مجالاتٍ عديدةٍ من مجالاتِ الفكر والفن الذين كان لي حظ التعامل معهم عن قرب. ولا تزال ذكرى أحد هؤلاء ماثلة في مخيلتي، إذ كان رئيساً لواحدة من اكبر شركات البترول العالمية وكان في نفس الوقت أحدَ أكثر الناسِ في العالم معرفةً بتاريخ تركيا بوجهٍ عام وبتاريخها البيزنطي بوجهٍ خاص. وما أروع الكتاب الذي صدر له عن الآثار البيزنطية في تركيا. وتزال ذكرى آخر غيره ماثلة في ذهني، وهو الذي كان من علماء الجيولوجيا في شركة متعددة الجنسيات وفي نفس الوقت أكثر معرفةً بفنون الأوبرا والموسيقي السيمفونية من بعض أساتذة هذه المجالات الجامعيين الذين وهبوا حياتهم لهذا المجال. وإذا كان لابد من ضرب مثال ثالث (لمئات الحالات التي خبرتها بنفسي) فاذكر صديقاً هولندياً كان يعمل في وزارة الخارجية الهولندية ومسئول عن العلاقات الاقتصادية الهولندية بالعالم الخارجي، ومع ذلك فهو يعرف عن الشعر العربي بوجهٍ عام وشعر أبى العلاء المعري بوجهٍ خاص ما لا يخطر علي بال أحد في واقعنا .. ولا زلت اذكر إهتماته بكتابٍ عن قلاع وأماكن حلب في شعر المعري !!
ولا أبالغ إذ أقول أن الإنسان لا يلتقي برجلٍ كبيرٍ في أي موقعٍ اقتصادي أو صناعي في المؤسساتِ العالمية الكبرى الإَّ ووجد عنده من العمقِِ والإتساع الثقافي ما لا مثيل له في واقعِ معظم دول العالم الثالث التي ترنو للالتحاق بركبِ التقدمِ والتمدنِ، ويظن بعضُ أبناءها (خطأً) أن ذلك سيحدث عن طريق الإصلاح الاقتصادي والإصلاح السياسي فحسب.
ولطالما أذهلني الفارق بين الجانبين: الجانب الذي يظن أن الثقافةَ مهنةٌ للبعضِ (ويسمى هذا البعض بالمثقفين) بينما لا تعد الثقافة مكوناً أساسياً للآخرين خارج هذه الدائرة الضيقة، والجانب الذي يتسم القياديون في كل مجالاتِ الحياة فيه بالتكوين الثقافي الخصب والثري والعريض. ولطالما ربطت بين هذه الظاهرة وبين العديدِ من الظواهر الأخرى:
- فمن جهةٍ ربطت بين هذه الظاهرة ودرجة نموالحياة الديموقراطية …
- ومن جهةٍ ثانية ربطت بين هذه الظاهرة ودرجة التقدم المحرز في العلوم التطبيقية
- ومن جهةٍ ثالثة ربطت بين هذه الظاهرة والسلام الاجتماعي .
- ومن جهةٍ رابعة ربطت بين هذه الظاهرة ومدى قدرة كل مجتمع على التواصل مع العالم خارج حدوده – وأعني بالتواصـل هنا كل أشـكال التواصل (سـياسياً واقتصادياً وعلمياً وفكرياً وإبداعياً ... الخ) .
وإذا كانت كلُ مسألةٍ من هذه المسائل الهامة تستحق بعضَ الإيضاح، فإنني أَفعلُ ذلك بإيجاز، على أن أعود إليه مستقبلاً بشكلٍ أكثر إسهاباً :
- فمن جهةٍ، فإن أي طموح لتوسيع الهامش الديموقراطي في دولِ العالم الثالث التي تعرف بعض هذا الهامش سوف يبقى مستحيلاً ما لم تخرج الثقافةُ من دائرةِ المثقفين الضيقة وتنتشر في سائر دوائر المجتمع بوجهٍ عام ولدى العناصر القيادية في كلِ مجالٍ من مجالاتِ الحياة بوجهٍ خاص. وسيكون ذلك الانتشار مستحيلاً ما لم تحدث ثورةٌ في المؤسسةِ التعليميةِ تبذر في نفوسِ وعقولِ وضمائرِ أبناءِ وبناتِ هذه الأمة حبَ وتقديرَ وتقديسَ الثقافةِ والمعرفةِ وإكبارِ الأعلامِ أصحاب القامات السامقة في كل مجالات الفكر والفن والإبداع. فما لم يحدث ذلك بجهدٍ جهيد من المؤسسة التعليمية وبمساعدة واعية قوية ومخلصة من المؤسسة الإعلامية، فإن الثقافة لن ترقى للمقامِ الذي تستحقه بين أولويات المجتمع وطرائق حكمه على أبناءه بوجهٍ عام وعلى العاملين في الحياةِ العامةِ بوجهٍ خاص. وحدوث ذلك هو العنصر الأول والأكبر القادر على تعميق وتوسيع الهامش الديموقراطي. فالديموقراطية باختـصارٍ شديدٍ عملية اختيار بين بدائل، وهو اختيار لا معنى له في غيبة الوعي والمعرفة والثقافة العامة القوية والمنتشرة .
- ومن جهةٍ ثانية، فإن معظم دول العالم الثالث الطامحة لمكانة أفضل تحت الشمس ستبقى في مجالات العلوم التطبيقيةِ والاجتماعية والإنسانية وسائر مجالات الإبداع عالةً على العالم المتقدم (مع وجود استثناءات قليلة تثبت القاعدة ولا تنفيها) ما لم يحدث توسيع شديد في دوائر انتشار الثقافة، فالمناخ الثقافي العام الخصب والثري هو المناخ الوحيد الذي يسمح بتفتق المواهب والقدرات في مجالات العلوم التطبيقية والاجتماعية والإنسانيات. وكل متتبع لتاريخ الحضاراتِ يعي بوضوحٍ أن "المناخ الثقافي والفكري العام" كان دائماً هو المطبخ الذي أفرز الطفرات في سائر المجالات المذكورة (من علم تطبيقي إلى علوم اجتماعية إلى إنسانيات).
- ومن جهةٍ ثالثة، فإن السلامَ الاجتماعي وهو أهم ما تنشده دولُ العالمِ الثالثِ الطامحة للتقدم والاستقرار والازدهار لا يمكن تصور حدوثه الإَّ في ظل مناخٍ ثقافي عام خصب وثري. بل ان انعدام هذا المناخ يكون هو المفرخة المثلى لأفكارِ وتوجهاتِ المخاصمين للعصرِ والمهاجرين للماضي (لا عن اقتناع بل عن عجزٍ عن التعاملِ مع العصرِ بأدواته). ولا أزال أكرر ما ذكرته عشرات المرات في محاضرات عديدة من أنه من المستحيل وجود شخص تكوّن ثقافياً بشكلٍ جيدٍ ورحبٍ ونال من ثقافاتِ المدنياتِ المختلفة أنصـبةً معقولة ثم يكون أصولياً أو متعصـباً أو مخاصماً لمسيرة التمدن الإنساني بأيّ شـكلٍ من الأشكال.
- ومن جهةٍ رابعة وأخيرة، فإن العالمَ الثالث يقفُ في عصبيةٍ بالغةٍ وتوترٍ شديدٍ أمام ظواهر جديدة مثل العولمة وانفتاح الحدود بين الدول مادياً ومعنوياً بشكلٍ غير مسبوق وخضوع الجميع لقواعد لعبة جديدة تقول أن التعامل مع الآخرين هو أمرٌ حتمي لا يجوز الهروب منه، ويقف العالمُ الثالث أمام كل ذلك وهو في حالةٍ عصبيةٍ واضحةٍ وتوترٍ شديدٍ دون أن يدرك أن الصعوبةَ الوحيدة التي يواجهها هي عدم القدرة علي التواصل مع العالم خارج حـدوده (وأعني كل أشـكال التواصل) بسبب فقـر المناخ الثـقافـي العام، إذ أن مناخاً ثقافياً عاماً داخلياً قوياً وثرياً قادرٌ علي إحداثِ هذا التواصل (الذي لا مهرب منه) وقادرٌ أيضاً علي الحفاظِ علي مكوناتٍ ثقافيةٍ خاصةٍ (خصوصيات ثقافية) لا يمكن حمايتها بالتقوقع والانغلاق علي الذات وإنما يمكن حمايتها (كما حدث في اليابان) بإثراءِ المناخ الثقافي العام الداخلي بما يسمح بالأمرين في آن واحـد : التواصل الحتمي مع الآخرين وحماية الخصوصيات الثقافية .
وخلاصة القول، أن العملَ الدؤوب والمخلص والمنطلق من رؤيةٍ استراتيجيةٍ واضحة بهدف إثراء المناخ الثقافي العام والعمل على جعل الثقافة أحد أهم عناصر الشخصية الوطنية بوجهٍ عامٍ واحد أهم عناصر الشخصيات العامة في المجتمع بوجهٍ خاصٍ هو جسرُ الخلاصِ الوحيدِ من هزيمةٍ حضاريةٍ مؤكدة إذا بقت دولُ العالم الثالث مصرةً على أن الثقافة هي مهنةُ البعضِ كما أن العمل في الضرائب والجمارك والشـرطة هي مهن البعض الآخر وليـس هم الجميع بدون اسـتثناء .

* * *

(8)
غلطتان (أوفريتان من إفتراء) كبريان يرددهما كثيرون في مصرَ وخارجها: يرددهما بسطاء وعلماء، مصريون وغرباء، ساذجون وخبراء. أما الغلطة (أوالفرية الأولى) ففحواها أن مصر والمصريين لا ينتجون إلاِّ الحكم المركزي الذي يختزل الأمة المصرية في عددٍ قليل من الرجال...وأن مصرَ (عبر تاريخها الطويل) ما فتأت تحوّل كل الصيغ إلى هذه الصيغة المصرية التي تبلغ فيها "المركزية" حدها الأعلى، وصورتها شبه المطلقة. أما الغلطة (أوالفرية) الثانية فهي أن المصريين (في نسبة عالية منهم) بسطاء التعليم والمعرفة وبعيدون عن الحد الأدنى من العلم والثقافة الذين بدونهم لا يصلحون للديموقراطية.

أَما دحض الغلطة (أوالفرية) الأولى فميسور للغاية: فمن جهة أولى، فإننا نعلم القليل جداً عن تفاصيل الحكم والحياة السياسية في مصرَ قبل نهاية ما نعرفه بمصر القديمة (بشكل تقريبي: من 3000 قبل الميلاد وحتى 300 قبل الميلاد). وأعني أننا ليس لدينا محصول معرفي علمي عن آليات الحكم خلال تلك القرون، وحتى لوكان ما يتردد في التراث عن "مركزية الفرعون الهائلة" صحيحاً، فإن الصلة بين ذلك العهد والزمن الحالي يصعب تصورها. اما خلال القرون من 300 قبل الميلاد وحتى منتصف القرن العشرين الميلادي، فقد كان حكامُنا "غير مصريين" وبالتالي، فإذا كنا قد عشنا في ظل مركزية مطلقة، فهي ليست من صنعنا وإنما من صنع "حكام غرباء". أما أبان سني الحياة النيابية الحديثة (من 1924 إلى 1952) فرغم صعوبة الزعم بوجود ديموقراطية واسعة (خلال تلك الحقبة) إِلاَّ أنه من الصعب أيضاً إنكار وجود نضال مصري وطني عظيم "ضد المركزية". وقد شاركت الأغلبية الوفدية في هذا النضال كما شاركت أحزاب الأقلية (والمثال الأكبر هو موقف حزب الأحرار الدستوريين مما حاول كل من الملك فؤاد وإسماعيل باشا صدقي توطيده سياسياً في السنوات الثلاث الأولي من ثلاثينيات القرن العشرين). وإذا كانت هناك أخطاء كثيرة شابت تجربتنا الليبرالية خلال هذه السنوات الثلاثين فإن ميزتها الكبرى كانت هي "النضال المصري الوطني" في إتجاة معاكس "للمركزية السلطوية المطلقة". أما بعد 1952 فرغم وجود ضفيرة من الإنجازات والنقائص، فإن أحداً لا يستطيع أن ينكر ان الإتجاه العام كان في جانب تأصيل "المركزية" وإضعاف "اللامركزية". ولعل ما حدث لمنصبي "العمدة" و"شيخ البلد" يُجسد كل هذه الظاهرة: فبينما كان المنصبان المذكوران يجسدان (في الماضي) اللامركزية حيث كانا بمثابة "حكومة محلية" و"جهاز أمن محلي" (وكلاهما من معالم اللامركزية) فإن القضاء على هذا النظام وإستبداله بالعمدة وشيخ البلد الذين تعينهما الحكومة المركزية قد قضى على أبرز وجوه اللامركزية المصرية.

وهكذا يتضح أن الإدعاء بأن المصريين عبر تاريخهم لم ينتجوا إِلاَّ (المركزية المفرطة) هو زعم لا أساس له .فهذه المركزية خلال 22 قرناً كانت (بفرض توفرها) من صنع حكام غير مصريين، أما إبان سني تجربة الديموقراطية المبسترة (من 1924 إلى 1952) فقد حاولت الحركة الوطنية المصرية العمل تقزيم المركزية وما بعد 1952 كان عرضاً طبيعياً لنظام حكم لم ينكر أنه كان يقوم على الحزب الواحد وهو ما يسوّغ (عند البعض) تأصيل المركزية وتقزيم اللامركزية.

أن مصر تنتج بلا شك "مركزية شديدة" على مستوى الحكم الفوقي (قمة السلطة) ولكن هذا لا يعنى ترجمة ذلك إلى مركزية مطلقة مماثلة على كافة المستويات، وإلا ما كنا عرفنا ما يشبه "الحكم المحلي" عندما كان "العمدة" و"شيخ البلد" يمارسان الأدوار التي كانوا يمارسونها في واقعنا لعهدٍ طويلٍ وعندما كانوا يأتون بغير التعيين من الحكومة.

أما الغلطة (أوالفرية) الثانية، وهي ان المصريين غير صالحين (بسبب مستواهم التعليمي والمعرفي) للديموقراطية فهي (خطأ آخر كبير). فالتاريخ يؤكد أن الديموقراطية إستتبت في بريطانيا في مطلع القرن التاسع عشر في ظل نسبة أمية عالية للغاية. ورغم إرتفاع مستوى المواطن الأمريكي العادي عن مثيله لدينا، فانه (في الواقع) لا يصلح للبت في معظم الأمور التي تحتاج لموازنة بين الأضداد ثم الإختيار...ناهيك عن كون معرفته بالعالم (خارج الولايات المتحدة) تقرب من العدم. ان الديموقراطية في كل حالاتها المعاصرة تقوم على إختيار من يمارسون الحياة السياسية نيابة عن "العامة". ويمكن للديموقراطية أن (تصيب) كما يمكن أن (تخطأ) (والمثال الأكبر: هو أن أدولف هتلر وصل للسلطة في المانيا بأدوات ديموقراطية سليمة). إذن جوهر الديموقراطية ليس (العلم الغزير للشعوب) وإنما (آلية التغيير وتداول السلطة). ويعني هذا الكلام أن الديموقراطية ليست (كمالاً مطلقاً) فلا يوجد أي "كمال مطلق" في أي عمل بشري. وإنما هي (حالة أفضل من سواها). والمحك الذي يجعل الديموقراطية افضل من سواها هو أنها تؤدي لعدم ظهور أكبر عيب في الطبيعة البشرية وهو "إستمرار بشر في الحكم بدون حدٍ زمني": فمجرد توفر ظاهرة "تداول السلطة" يحد من عيوبنا البشرية التي تصل لحد بعيد عندما يظن بشرُ انهم دائمون (ما دامت حياتهم) فوق مقاعد السلطة.

وهكذا يتضح أننا نقبل افتراءات في حقنا نكررها على كافة المستويات ويكررها متعلمون وخلافهم ويكررها مصريون وأجانب رغم أنها إفتراءات لا أساس لها ولا تخدم إِلاَّ الذين يريدون حرماننا من أعظم إنجاز للبشرية وهو "الديموقراطية" التي حوّلت مفهوم الحكام تحولاً هائلاً في صالح المواطنين.

* * *


(9)
يشاهد الإنسانُ عندما يسير في شوارعِ مدنٍ مثل باريس وروما ولندن ومدريد (وغيرهم) مئات التماثيل في الميادين والشوارع لرموزِ هذه الشعوبِ في سائرِ المجالاتِ السياسيةِ والفكريةِ والأدبيةِ والفنيةِ والإقتصاديةِ. وكان أحدُ أكبر كتّاب القرن التاسع عشر وهو توماس كارليل يقول أن إهتمامَ أَية أُمةٍ برموزها يخلقُ مُناخاً عاماً يتسم بالسماتِ التالية: يكون فيه الناشئةُ من جهةٍ أمام نماذج يحتذوها فتتولد في نفوسهم أشكالُ الطموحِ الإيجابي .. كذلك يعتاد المواطنُ على توقيرِ رموزِ وطنِه وإحترامهم وإجلالهم وتوقيرهم على خلافِ الشائع في مجتمعاتٍ أُخرى عندما لا يسمع المواطنُ إلاِّ الإنتقادات والإتهامات لرموزِ الوطن. وكان كاتبُ مصرَ الكبير "عباس العقاد" يقول أن الشعبَ الذي لا يعتاد على توقيرِ رموزِ الأُمة يصعب أن يكون له حظ من النجاحِ أو التقدمِ: إذ تسود فيه قيمٌ هدّامةٌ في مقابلِ القيمِ البناءةِ العظيمةِ التي تنبثقُ من إجلالِ وتوقيرِ رموزِ الوطن.
وأحد أهم أدوات إبراز رموز الوطن وإشاعة روح التوقير والإجلال لهم تتأتى بإقامةِ التماثيل لرموزِ الوطن وجعلها قائمة في العديدِ من المواقع.
وعندما يسير الإنسانُ في شوارع وميادين القاهرة والإسكندرية ومعظم المدن المصرية يجدها شبه خالية من التماثيل التي كان يمكن أن تقف شاهدةً على عظمةِ الوطن مُمثلاً في رموزِه.
وأعتقد أن وزارةَ الثقافة المصرية يمكنها أن تتصدى لمشروعِ إقامةِ نحوخمسين تمثالاً لرموزٍ مصرية ثم تنتج أكثرَ من نسخةٍ من كل تمثال بحيث نضمن ما يلي : وجود التماثيل كلها في القاهرة وكذلك وجود التماثيل كلها في الإسكندرية ثم وجود أعدادٍ منها في سائرِ عواصم المحافظات.
وأعلمُ يقيناً أن مشروعاً كهذا لا يمكن أن يتم بدون أن تتبناه القيادة السياسية حيث أن البيروقراطية المصرية تفتقدُ من جهة القدرة على المبادرة، وتحسبُ من جهةٍ أخرى حسابات تتعلق بتوقعاتها عما قد يُرضي وما قد لا يُرضي القيادة السياسية – رغم أن القيادة السياسية الحالية قد ضربت المثل بعدمِ تعرضها لأي رمزٍ من رموز الوطن بالتجريح أو الإساءة ولم تدخل في حروبٍ كلامية مع أي رمزٍ من رموز هذا الوطن/ الأمة .

لذلك فإنني أعتقد أنه سيكون من أعظمِ مشروعاتِ العهدِ الثقافيةِ (وذات الإنعكاسات العظيمة على المجتمع والشباب) تكليف وزارة الثقافة بعمل قرابة خمسين تمثالاً للشخصيات التي سأقترحُها فيما يلي دون النظر لأَية إعتبارات مذهبية إذ أن كلَ واحدٍ أو واحدة من هؤلاء الخمسين هو رمز من رموز هذا الوطن بصرف النظر عن إتفاق أو إختلاف البعض معه .

وتشمل القائمة التي أقترحُها : السيد عمر مكرم/ محمد كُريم/ محمد علي/ الخديوي إسماعيل/ أحمد عرابي/ مصطفى كامل/ محمد فريد/ سعد زغلول/ مصطفى النحاس/ محمد نجيب/ جمال عبد الناصر/ أنور السادات/ عبد الله النديم/ قاسم أمين/ محمد عبده/ أحمد لطفي السيد/ أحمد شوقي/ حافظ إبراهيم/ صفية زغلول/ هدى شعراوي/ طه حسين/ عباس العقاد/ سلامة موسى/ سيد درويش/ أحمد أمين/ توفيق الحكيم/ زكي مبارك/ بيرم التونسي/ يحيى حقي/ أم كلثوم/ محمد عبد الوهاب/ فريد الأطرش/ نجيب محفوظ/ يوسف وهبي/ عبد الرحمن الرافعي/ يوسف إدريس/ عبد الحليم حافظ/ لويس عوض/ الفريق عبد المنعم رياض/ المشير أحمد إسماعيل .
وأعتقدُ أن التاريخ سيقفُ بإحترامٍ مُضاعف للحقبة التي تبنت ونفذت هذا المشروع الذي لا أشك في عظيمِ فائدته على المجتمعِ ككلٍ وعلى الشبابِ بوجهٍ خاصٍ.


إن خلو مياديننا العامة من تماثيل رموز هذا الوطن / الأمة وشغله أحياناً بنوافير مياه لا علاقة لها بالذوق والفن الرفيعين تضني قلب كل محب هذا الوطن / الأمة (وأنا لا أعني هنا "الوطن والأمة" وإنما أعني "الوطن/ الأمة" فأنا لا أعرف أمة أنتمي إليها قبل أي شئ آخر إلاَّ "الأمة المصرية" وكل شئ آخر يأتي في مرتبة تالية).

* * *


(10)
في 15 يناير 1872 ولد أحمد لطفي السيد الذي درج كبار التنويريين وأعظم المثقفين المصريين (ومن بينهم رجال كبار مثل طه حسين والعقاد) على تسميته بأستاذ الجيل وقد تخرج من كلية الحقوق مع مصطفى كامل وإسماعيل صدقي وإسماعيل الحكيم سنة 1894. أمضى بعد فترة عمل قصيرة كوكيل نيابة ثم سافر إلى أو روبا وأقام في جنيف عدة سنوات درس خلالها الفلسفة والآداب دراسة حرة بجامعة جنيف. وستظهر كتاباته في السنوات التالية أنه كوّن نفسه ثقافياً خلال تلك الفترة تكويناً ثرياً للغاية وعلى أساس من تقديس الأصول الإغريقية/الرومانية للفكر والقانون بلا حد (وقد إقتفى طه حسين أثره في ذلك) وكان لا يؤمن بأي معنى لكلمة الأمة إلا (الأمة المصرية). فقد كتب ذات يوم في الجريدة يقول: (أن أول معنى للقومية المصرية هو تحديد القومية الوطنية (نريد الوطن المصري) والإحتفاظ بها والغيرة عليها غيرة التركي على وطنه والإنجليزي على قوميته لا أن نجعل أنفسنا وبلادنا على المشاع وسط ما يسمى بالجامعة الإسلامية). لقد صدرت "الجريدة" التي أسسها أحمد لطفي السيد يوم 9 مارس 1907 وإستمرت في الصدور سنوات وكان آخر عدد لها يوم 20 سبتمبر 1914.
في أول أعداد الجريدة يقول لطفي السيد ما يود كل مصري ينشد تقدم مصر أن يكتبه اليوم ويوقعه بإسمه.. (ما الجريدة إلا صحيفة مصرية، شعارها الإعتدال الصريح ومراميها إرشاد الأمة المصرية إلى أسباب الرقي الصحيح والحض على الأخذ بها وإخلاص النصح للحكومة والأمة بتبيين ما هو خير وأولى. تنقد أعمال الأفراد وأعمال الحكومة بحرية تامة أساسها حسن الظن من غير تعرض للموظفين والأفراد في أشخاصهم وأعمالهم التي لا مساس لها بجسم الكل الذي لا ينقسم وهو الأمة).
ومن الأمور التي سيجد القارئ أن من المتعة مطالعتها ما كتبه لطفي السيد سنة 1907 رداً على التقرير الذي كتبه اللورد كرومر إثر إستقالته تحدث فيه بشكل سلبي للغاية عن طبيعة المصريين وأخلاقهم وأفكارهم… وقد جاء رد لطفي السيد أعلى من مستواه الفكري (بمراحل) من تقرير اللورد كرومر (وفي ظني أنني أخسف الأرض بلطفي السيد عندما أقارن عقله بعقل اللورد كرومر-فهذا الأخير موظف في الغالب لا يقدر على مطالعة كتابات أرسطو التي ترجمها لطفي السيد إلى العربية). كذلك فإنها متعة عقلية رائعة أن يطالع الإنسان ما كتبه لطفي السيد منذ أقل قليلاً من مائة سنة عن نفس تهمة التعصب الديني عن المصريين.
وبعد تسعة شهور من صدور "الجريدة" ألف لطفي السيد حزب الأمة (في 21 ديسمبر 1907). وفي سنة 1910 وضع حزب الأمة مشروعاً للدستور. ويمكن القول أن حزب الأمة ضم الكثير ممن صاروا بعد ذلك زعماء أكبر أحزاب الأغلبية (الوفد) والكثير ممن صاروا زعماء أكبر أحزاب المعارضة (الأحرار الدستوريين). وفي ظني أن قاسم أمين كان في عقله وتفكيره وآرائه الأقرب من بين نجوم هذه الفترة لعقل وفكر وآراء لطفي السيد.
ومن الطريف (وأمامي الآن عشرات المطبوعات والمجلدات التي تتصل بأحمد لطفي السيد) أن أقتبس ما كتبه عن فكرة القومية العربية: (في نحوسنة 1911 ظهرت لأول مرة بوادر ما يسمونه البان آرابيزم) ولطفي السيد هنا ليس لديه كلمة عربية عوضاً عن Pan Arabism. وكتعليقه يومئذ (في 1911) (أن المصري هو الذي لا يعرف له وطناً أخر غير مصر).
وليتأمل القارئ معي عظمة لطفي السيد وهو يقول: (في أو ائل سنة 1914 طلب إلى سعيد باشا وسعد زغلول باشا أن أطلب مقابلة الخديو لأنه يرغب في لقائي… فقلت لهما: "إذا كان الخديو يريد أن يتفضل بلقائي فليدعوني هو إلى ذلك"). وقد حدث أن طلب الخديومن لطفي السيد أن يقابله. ويقول لطفي السيد أن الخديو قال له في نهاية اللقاء (قد عرفت الطريق… فتعال عندي كل يوم سبت).. فرد لطفي السيد قائلاً (يا مولاي ما شأن الكاتب والإتصال بالسلطات).. فقال الخديو (إذن أنت لا تريد أن تأتي عندي) فال لطفي السيد (أجيء يا مولاي كلما دُعيت).
وفي العشرينيات يترجم لطفي السيد (كتاب الأخلاق) ثم (كتاب السياسة) لأرسطو إيماناً منه أن البشرية لم تعرف رجلاً رفع من قدر العقل كما فعل أرسطو (وإن كنت أضيف أن إبن رشد قد فعل ذات الشيء - وإن كان السبق وإن كانت الريادة لأرسطو بلا شك).
شارك لطفي السيد في ثورة 1919… ثم إنسحب من الوفد إذ كان (عقلياً وثقافياً) أقرب للأحرار الدستوريين. وعندما إنتهت المرحلة الأولى من حياة الجامعة (الجامعة الأهلية). وأصبحت تحت إشراف الحكومة منذ سنة 1925 بإسم "الجامعة المصرية" (حتى تغيّر إسمها سنة 1936 لجامعة فؤاد الأول) أصبح لطفي السيد أول رئيس للجامعة المصرية. وقد تولى لطفي السيد مناصب وزارية عديدة خلال السنوات العشرين السابقة على يوليو1952-ولكن ذلك شيء لا أهمية له بالنسبة لرجل مثل لطفي السيد كان عملاقاً مثل طه حسين ينظر إليه كأستاذ له ولجيله.
كانت للطفي السيد آراء جلبت عليه هجوماً شديداً مثل إيمانه بأن التعليم أهم من الإستقلال. وعدم تحمسه لفكرة (الأمة الإسلامية) لتعارضها مع فهمه الوحيد للأمة بمعنى (الأمة المصرية)..
وعندما أُسس مجمع اللغة العربية كان أول رئيس له حتى وفاته سنة 1963 (عن واحد وتسعين سنة). ولكنه لم يؤمن أبداً بوجود شيء إسمه القومية العربية (البان آرابيزم-حسب كلمته).
وإذا كان من المستحيل تقديم صورة وافية لحياة أستاذ الجيل "أحمد لطفي السيد" في عمود كهذا… وإذا كانت هذه هي مهمة آخرين (أي المؤرخين المحترفين)… إلا أنها مهمة مفكر مثلي درس حياة وأفكار وكتابات وترجمات لطفي السيد أن يدعوالمؤرخين ليرووا للأجيال الشابة اليوم في مصر كيف هوجم رجل هو من أصحاب أعظم العقول في تاريخنا الحديث بسبب آراء على المؤرخين أن يعرضوها لقراء اليوم وسيكتشف هؤلاء بأنفسهم أنه كان الأصوب رأياً والأرشد حكماً… ولكنه كان مثل كل الذين كوَّنوا محصولهم المعرفي بثراء كبير من السهل تقليب العامة عليهم… ويكفي أن يعرض على القراء مؤرخ منصف مثل الدكتور يونان لبيب قصة سقوط أحمد لطفي السيد في إنتخابات أول برلمان مصري (1924) بسبب أن منافسه (نصف متعلم) كان يقرأ على مسامع الجمهور صفحات من كتاب السياسة لأرسطو (ترجمة لطفي السيد) ليثبت لهم أن خصمه (لطفي السيد) رجل غير سوي العقل (!!!).
وآه لوأنصف أصحاب العقول (الحناجر؟!) في لحظات عديدة من تاريخنا لرجال غير أسوياء العقل (بحسب القصة الأخيرة)… آه لوأنهم سمعوا وفهموا وعطلوا "حناجرهم" قليلاً وأتاحوا الفرصة لأفكار رجال غير أسوياء العقل مثل أحمد لطفي السيد لتوجيه السفينة… أغلب الظن أننا كنا سنبلغ شاطئ الأمان ولا نكون (منذ عقود) كسفينة خشبية صغيرة ذات قلع تعصف بها الرياح والأنواء.
* * *

(11)
في مستهلِ القرنِ العشرين تأسس في مصرَ حزبان سياسيان يُجسد كلٌ منهما توجهاً مختلفاً في الفكر والعمل السياسيين. ففي سنة 1905 تأسس حزبُ الأمة كنتيجةٍ لجهود أحمد لطفي السيد، كما تأسس في سنة 1907 الحزبُ الوطني كتتويجٍ لجهود مصطفى كامل. وكان لحزب الأمة صحيفة معروفة تعبر عن فكره وجوهر عمله السياسي وهى "الجريدة" كما كان للحزب الوطني صحيفة معروفة تعبر عن فكره وجوهر عمله السياسي وهى "اللواء". ويمكن في عجالةٍ وصف الفكرِ السياسي لحزبِ الأمة بأنه كان فكراً اصلاحياً يقوم على التحديثِ والتطوير التدريجي لأحوال الشعب المصري مع بعدٍ كبيٍر عن "المنهج الثوري" وبُعدٍ مماثلٍ عن الخطابةِ الرنانةِ والشعاراتِ الكبيرة والدعاوى النضالية الصدامية وبعدٍ آخرٍ مماثلٍ عن "مغازلة الجماهير". أما الحزبُ الوطني فكانَ على خلافِ حزبِ الأمةِ يتسمُ بطابعٍ ثوريّ وتقوده قيادةٌ تعملُ أساساً بالحماسةِ والخطبِ الرنانةِ والشعاراتِ الكبيرةِ و"مغازلةِ الجماهيرِ" .

وبطبيعةِ الأمورِ في مجتمعٍ حديثِ العهدِ بالتعليم وذي حصةٍ واسعةٍ من الأمية، كانت "شعبيةُ الحزبِ الوطني" أكبرُ بكثيٍر مِن "شعبيةِ حزبِ الأمة" .

ويمكن الآن (بعد مرور قرابة قرن كامل من الزمان) أن نقول بأن تيار " الحماسة" و"مغازلة الجماهير" هو الذي قُيّضَ لهُ أن يستمرَ "تحت مسمياتٍ مختلفةٍ" طيلة سني القرنِ العشرين. أما تيارُ "الإصلاحِ والتعقلِ والبعدِ عن الحماسةِ غيرِ المحسوبةِ" فقد استمر عدةَ سنواتٍ تحتَ اسم "حزب الأحرارِ الدستوريين" ثم بقيامِ حركةِ الجيشِ في يوليو1952 وُضعت النهاية لهذا التيارِ. كذلكَ يمكنُ القول أن الحزبَ الوطني لم يستمر فقط تحتَ هذا المسمى، وانما استمرت توجهاتُه وشعاراتُه وروحُه تحتَ أسماءٍ أُخرى مثل "مصرَ الفتاة" و"الحزب الاشتراكي" كما أنه في مراحلٍ أخرى اشترك مع الضباط الأحرار في قيادةِ الحياةِ العامةِ في مصرَ كما أنه في مرحلةٍ تالية اشترك مع تيارِ الإسلام السياسي في العمل السياسي والإعلامي .

أما "تيارُ حزبِ الأمةِ" فأنه –كما أسلفت- قد بلغ نهايته مع نجاحِ الضباطِ الأحرارِ في الاستيلاءِ على السلطةِ في مصرَ منذ 48 سنة. وعندما سمحت الحياةُ السياسيةُ في مصرَ بالعودةِ (النسبيةِ) للتعدديةِ السياسيةِ، فانَ تياراتٍ عديدةٍ من القياداتِ القديمةِ ظهرت على السطحِ بينما لم يكن من بينها التيارُ الذي وُجد ذات يومٍ تحت اسم "حزب الأمة" كما وُجد في سنوات لاحقة تحتَ اسم "حزب الأحرار الدستوريين". ويرجع السبب في اعتقادي لحقيقة أن بُعداً أساسياً من أبعادِ الحركةِ السياسيةِ للحزبِ الوطني وهو (الإرهاب الفكري لخصومه) كان قد أصبحَ بُعداً أساسياً في الحياةِ العامةِ السياسيةِ في مصرَ بعد تدعيمٍ متواصلٍ من الحزبِ الوطني ومصر الفتاة والحزب الاشتراكي وتيار الإسلام السياسي وحركةِ الضباطِ الأحرار. فكل هؤلاء دعَموا فكرة الانفصال بين (تيار الإصلاح المتدرج والمتعقل) و(الوطنية) بمعنى انهُ أصبحَ من شِبه المُسلمات أنَ الوطنيةَ تعنى "الحماسةُ والتوجُه الصِدامى والخطبُ الرنانةُ والشعاراتُ الكبيرةُ" وأنَ الحديثَ بلغةٍ تُشبِهُ حديثَ حزبِ الأمة وكتابات أحمد لطفي السيد في مستهلِ هذا القرن هي من "أعراض عدم الوطنية" ومن ملامح "عدم الكرامة" .

والحقيقة، أننا عندما نتأمل اليوم فكرَ وكتاباتِ حزبِ الأمة بوجهٍ عام وفكرَ وكتاباتِ أحمد لطفي السيد بوجهٍ خاصٍ لا نملك إلا التَحسُر على أنَ هذا التيار لم يُقَيّضَ له النمو في الواقعِ المِصري، ولا نملكُ إلا الشعورَ بالمرارةِ لأنهُ لوكانت الظروف قد سمحت لهذا التيار بالنمووقيادةِ الحياةِ العامةِ في مصر لكُنَا اليوم في وضعٍ أفضل على كلِ المستويات. كذلك فإننا عندما نتأملُ اليومَ حصادَ التيارِ الآخر (تيار الحماسة) فإننا لا نجدُ (بعد استبعاد الكلام الكبير والصيغ الرنانة) إلا أفدح الخسائر .

ونتساءل : لماذا عادت كلُ القوى السياسية لمسرحِ الأحداثِ في مصرَ مع السماحِ بالتعدديةِ باستثناءِ تيارٍ واحدٍ لم يعد ولا يوجد حتى هذه اللحظة من يمثله إلا أفرادٌ قليلون يعملونَ ويكتبونَ ويحاضرونَ بجهودٍ فرديةٍ غيَر منظمة وسط ضجيجٍ مهولٍ تُحدِثهُ دقاتُ طبولِ التيارِ الآخر والذي لم يعط الواقعَ المِصري(باستثناءِ دقاتِ الطبولِ) غيرَ قائمةٍ طويلةٍ منَ الإخفاقِ والفشلِ. كذلكَ فإننا نتساءل : ما هي الوسيلة التي بوسعها تجميع أنصار هذا التيار (المماثل لتيار حزب الأمة في مستهل القرن العشــرين) في كيانٍ حيويٍ يعــملُ على تفـعيلِ أفكارِ "الإصلاح" و"التطور التدريجي المتواصل" و"التحديث" والتعامل مع كل المعضلات تعاملاً عقلانياً لا يقوم على أرضية "الحماس" و"الانفعال" والمبالغة (الهستيرية) في اعتبارات الكرامة وإنما يقوم على تحقيقِ المصالِح برويةٍ والتواصلِ مع العالم واستئصالِ بذورِ "ثقافة الكلام الكبير" من عقول الكثيرينَ من أبناءِ وبناتِ هذا الوطن وتأسيس ِ"علاقةٍ سلميةٍ" مع "مسيرةِ العلم الحديث" و"ركب التمدن المعاصر" والتخلي عن بعض عناصر تفكير البعض منَا والمستمدة من "الإطارِ القبلي" قبل أي شئ آخر ... ما هي الوسيلة لتجميع رواد هذا التيار في كيانٍ شرعيٍّ منظمٍ يدعوا للعقلانيةِ والتوسط والصلح مع الذات والتاريخ والآخر واللحاقِ بركبِ الحداثةِ والعلمِ والتقدمِ ؟؟؟ هذا هو السؤال الذي يبحث عن إجابةٍ هامةٍ وضروريةٍ وملحةٍ.

* * *

(12)
كنتُ أُطالع مؤخراً مقالاً لأحدِ الكتابِ المعروفين عندما أ قفتني كلماتُه عن سفير مصرَ بواحدةٍ من الدولِ الكبرى، إذ بعد أن كال له المديح (وأغلب الظن عن حقٍ) روى عن لسانِ شخصيةٍ مرموقة قوله في حقِ نفسِ السفير (لوكان الأمر بيدي لأبقيت على هذا الرجل سفيراً لمصرَ في …… دون إعتبارٍ للقواعدِ التي تطبقها وزارةُ الخارجية، لأنه خسارة أن يترك كلَ هذه العلاقاتِ ويأتي بعده من يبني من جديد)… وإذا كان كاتبُ هذه السطور خلطة من "رجل الإدارة" و"رجل الثقافة" فإن هذه العبارة (والتي كثيراً جداً ما كررها آخرون في حق آخرين) هي أكثرُ عبارةٍ تستنفر تفكير الرجلين: رجل الإدارة ورجل الثقافة ؛ لا لأنها خطأ فربما تكون صحيحة وسليمة من زاوية الواقع الآني، ولكن لأنها تستدعي موضوعاً من أهم وأخطر المواضيع المتعلقة بالعقلِ المصري وظروفِ وملابساتِ تكوينه التاريخية والثقافية وتجربته مع الأيام والرجال. إن هذه العبارة (والتي نسمعها من كثيرين عن كثيرين من المتميزين في مواقعهم) تكشف بوضوحٍ تامٍ عن إيماننا المتأصل عبر التاريخ بدورِ الفردِ أكثر من إيماننا بفاعلية النظام (System) الذي يكون الفردُ مجردَ أداةٍ من أدواته؛ مع بقاء الغلبة والأهمية والفاعلية للنظام وليس للأفراد المتميزين في النظام.

وكإنسان مصري تكوِّن خلال ربع القرن الأول من حياته في مُناخٍ مصريٍّ صرف فإنني لم أفطن إلاَّ بعد سنواتٍ للفارق الشاسع في هذا المجال بيننا وبين مجتمعات أُخرى لعل أهمها المجتمعات الأوربية الشمالية حيث يوجد النقيض: الإهتمام الشديد بتكوين الفرد تكويناً ثرياً ومتميزاً مع بقاء الغلبة والإهتمام الأكبر والفاعلية الأعظم للنظام (The System) مما يجعل الإنسانَ في هذه المجتمعات يرى تداعيات وإنعكاسات ونتائج العبارة التي إقتطفتها من مقالِ أحدِ كبارِ الكتاب... (دون أن يكون هدفي أَن أُناقش كاتبَ المقال في صحةِ أو عدمِ صحةِ ما كتبه، فالأمر يقتصر على أن ما كتبه قد جذبني للكتابة عن روح الملاحظة وليس عن الملاحظة في حدِ ذاتِها).

ففي مجتمعنا الذي يربط بين الإنجاز والكفاءة وتحقيق النتائج من جهة وبين (صدفة وجود شخص ممتاز في موقع معين) من جهةٍ أُخرى يكون من العسير على معظم الناس أن يدركوا النتائج الوخيمة لهذا الواقع: فإنتظار الصدفة أمر لا يخضع لأية قوانين معروفة وعقلانية... والإيمان بأن الشخص الممتاز يجب أن يبقى في موقعه لإن التغيير سيأتي بمن يبدأ من جديد هو تسليم بالمشكلة أكثر من أن يكون حلاً لها ... وصيغتنا في هذا الأمر هي التفسير الواضح لإنقطاع تواصل البناء (والتوجهات والجهود) في حياتنا ...وصيغتنا في هذا الشأن تعمل ضد الحراك الاجتماعي الذي هو أساس تقدم الطبقة الوسطى والمجتمعات ... وصيغتنا في هذا الشأن تحمل في طياتها جذور مشكلات كبرى إذ أننا لا نقبل فقط أن نتحمل الثمن المرتفع للتعامل مع قوانين الصدفةُ وإنما نقبل في نفس الوقت النتائج التي قد تكون "رائعة" وقد تكون "مروعة" حسبما تأتي به الصدفة ... وصيغتنا في هذا الشأن تتنافى مع حركة علوم الإدارة الحديثة والتي مع إيمانها بالقدرات الخاصة والمواهب فإنها تؤمن بشكلٍ أكثر وأوسع وأعمق بالنظم (وليس بالأشخاص).

أما أول نتائج هذا الربط بين الإنجاز و"صدفة وجود شخص ممتاز في موقع معين" فهو أننا نقبل أن نترك أعنةَ الحياةِ والمستقبل لقوانين الصدفة والتي لا تخضع لقواعدٍ معروفة أو حتى عقلانية. وهكذا، نكون أبعد ما يمكن عن أولئك الذين يساهمون في صنع وصياغة المستقبل وكأنهم تلاميذ الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر الذي كان لا يؤمن بأن هناك شيئاً إسمه المستقبل وأَن المستقبل هو ما نصنعه الآن (سلباً أو إيجاباً أو تقاعساً) في مطبخ الزمن الآني. فالمستقبل يبدأ من لحظتنا الراهنة أو بالتحديد مما نقوم به "الآن" لصياغة "معالم الزمن الآتي". وعليه، فإننا نكون أبعد ما يمكن عن التخطيط الذي يحاول أن يرسم ملامحَ الغدِ وتفاصيله، فكيف نفعل ذلك ونحن نترك لقوانين الصدفة أن تأتي لنا ببعض المتميزين – أحياناً- في بعض المواقع. إن هذا القانون هو النقيض الكامل لفكرتي "النظام" (System ) و"التخطيط" (Planning).
كذلك فإن الولعَ بأن يبقى الأشخاصُ المتميزون في مواقعهم لأن عدم بقائهم سيأتي بمن يبدأ من "الصفر" هو سببُ واحدٍ من أكبرِ عيوبنا وهو خواء حياتنا (بدرجة كبيرة وليس بشكل مطلق) من التواصل الموضوعي في جهود وخطوات البناء والتنمية – فالحقيقة أن التقدمَ لا يتحقق إلاَّ إذا كنا نملك آليات التواصل والاستمرار مع تبدل الأسماء والوجوه. بل ان إيماننا بضرورة بقاء المتميزين في مواقعهم حتى لا يبدأ آخرون من الصفر هو أعترافُُ مؤلمُُ بواقع صعوبة التواصل بين أجيالٍ من الأفراد كما أن هذه السمة من سمات تفكيرنا هي مرجع خلو (أو شبه خلو) حياتنا ممن يشغلون مواقعاً عامة بارزة ويمدحون أسلافهم. وذلك نقيض الحال في معظم المؤسسات السياسية والإقتصادية والثقافية والتعليمية والإعلامية في المجتمعات ذات النصيب الوافر من التقدم. كذلك فإن القولَ بأن الخيرَ كل الخير في بقاءِ كل متميّز في موقعه هو مدخل لعالم يخلومن الحراك الإجتماعي والذي هو من أسس التفاعل الإيجابي وتقدم المجتمعات ومن لزوميات بناءِ طبقةٍ وسطى واسعة وقوية وصلبة تقود المجتمع. كذلك، فإن الإيمانَ بالأشخاصِ وليس بالنظام يجعلنا عرضةً لأمرٍ في غاية الخطورة : فبينما تقود "ثقافة النظام" لاستئصال أو إستبعاد العناصر الهدامة التي قد تصل لمواقعٍ متميزة فإن "ثقافة الأشخاص" قد تأتي بالمتميزين كما أنها قد تأتي بالذين تأتي كبارُ المشكلات والأخطار والمضار مع مجيئهم ولا تكون هناك آليات أو فر لإستبعادهم في الوقت المناسب فالوقت هنا عنصر أساسي للفاعلية.

ويُضاف لكل ذلك أن صيغتنا في الإفتتان بثقافةِ الأشخاص لا بثقافة النظام تحمل في طياتها تنافراً وتناقضاً كاملين مع معظم معطيات علوم الإدارة الحديثة التي تحاول أن تأخذ من الأشخاص أعظم مزاياهم مع بقاء الغلبة لأُطر النظام وآلياته وتقنياته: فالنظام في هذه الثقافات هو أساس التقدم والنجاح وليس بعض الأفراد (وإن عظمت مواهبهم) في بعض المواقع.

نحن إذن أمام ثقافتين متباينتين الى حدٍ بعيد: "ثقافة الأشخاص" والتي يسهل التعرف على ملامحها في واقعنا وتاريخنا منذ عشرات القرون ... و"ثقافة النظم" (Culture of Systems) وهي الثقافة التي نمت وتعاظمت أُسسُها ومعالمُها في دول الحضارة الغربية ثم إنتقلت الى العديد من المجتمعات الأخرى التي لا تنتمي للحضارة الغربية مثل المجتمع الياباني والعديد من مجتمعات جنوب شرق آسيا بل وعدد من مجتمعات أمريكا الوسطى وأمريكا اللاتينية. ومن غير المفيد الحديث عن "الأفضل" و"الأسوأ" والإنطلاق من زوايا إتهامية، فالذي حدث لدينا وأنتج "ثقافة الأشخاص" ضفيرة من الظروف التاريخية والثقافية ما كان لها أن تنتج غير ما أنتجت. والهدف من هذا الحديث كله أن نتسأل : هل يمكن لمجتمعات "ثقافة الأشخاص" أن تتحول تدريجياً لمجتمعات نظام أو نظم؟ والإجـابـة : نـعـم …بل : قطعاً نعم… فقد حدث ذلك في أكثر من حالة… وكانت آليات حدوث ذلك آليات تعمل على إحداث تحول على المدى القصير وتمثلت في كلمة واحدة هي "القدوة" التي حاولت (ونجحت) في تحقيق قدرٍ غيرِ قليلٍ من فرض ثقافة النظام، وأَما الإنجاز الأكبر فمرهونُُ بآليةٍ أخرى هي نظام التعليم الذي يضع نصب عينيه أنه وحده القادر على إنجاز التحول الأكبر في هذا المجال عندما تُصمم برامج التعليم وهي تهدف لخفض الأبعاد الشخصانية في التفكير وتعظيم الأبعاد الموضوعية التي هي أساس أي نظام أو أيِّ نظم.

وعندما يحدث ذلك فإن بقاء بعض المتميزين في مواقعهم لا يتحول إلى "شبه معركة حربية" يمارسون من خلالها معركة :أن يكونوا أولا يكونوا"، ولا يكون من أكبر مشاغل الكثير من المسئولين القضاء على من يصلحون للحلول محلهم وتبوأ مواقعهم؛ ولا تكون العلاقة بين (الخلف) و(السلف) على ما هي عليه في واقعنا : مترعة بالبغض والمشاحنة وعامرة بالنقد الذي يصل الى عرض مستمر للمثالب (الخلف يعرض مثالب السلف والسلف يتندر بمثالب الخلف) بل ونصل الى "مُناخ ثقافي عام" يبحث فيه كل مسئول عمن يصلح للحلول – ذات يوم - محله …فتدور عجلةُ الحراكِ الإجتماعي ويحدث ما يسميه البعضُ بدوران النخب وهي أمور تكون في حالة كمون أستاتيكي كلي في ظل "ثقافة الأشخاص" ...حيث تضمر فكرة التغيير وتصبح عند البعض مرادفاً للتدمير!

* * *

(13)
في صباح يوم من الأيام أستقبل رئيس دولة غير عادية بالشرق الأوسط صديق لي في لقاء استمر لأقل قليلاً من ساعتين .. وخلال الحوار سأل رئيس الدولة (وهو رجل محنك كان من غلاة المتشددين وبعد وفاة ابنه الوحيد ومعرفته بالرئيس المصري الراحل العظيم "أنور السادات" وإعجابه البالغ به وبحكمته وثاقب نظره تحول إلى النقيض) .. أقول خلال الحوار سأل رئيس الدولة صديقي قائلاً: قد تكون أحد المصريين القلائل الذين رأسوا ولا يزالون يرأسون أعداداً كبيرة من الأجانب على أعلى درجات العلم ولامعرفة والتكوين، فهم صفوة خريجي كبريات الجامعات العالمية، فكيف تلخص الفرق بين مرءوسيك الأجانب ومرءوسيك المصريين؟ وكان رد صديقي أن قال له:" لقد أثبتت لي تجربة رئاستي لمئات الأجانب (الصفوة) خلال السنوات الست الماضية أن مصر عامرة بنماذج أفضل من معظم الأجانب الذين عملوا معي ومن الذين عملت معهم خلال السنوات العشر التي سبقت شغلي لمنصبي الحالي، وأن نصيب الجنسيات المختلفة من الذكاء شبه متماثل، وإن كان أذكياء مجتمعنا أحدّ ذكاء من نظرائهم الغربيين، وذلك لما واجهه هؤلاء الأذكياء (عندنا) من صعوبات في حياتهم شحذت هممهم وقدحت قرائحهم وجعلت "حد" ذكائهم "قاطعاً" كسيف بتار! أما التعليم، فصدقني أن الفارق ليس بالإتساع إلى يعتقده البعض. وأما الثقافة العامة، فإن "متوسط" ثقافة الغربيين أعلى بكثير من "متوسط" ثقافة زملائي الوطنيين .. ومرجع ذلك للمناخ العام وليس لتميز أفراد جانب وتخلف أفراد الجانب الآخر".

قاطعن الرجل المحنك الذي أصبح رئيساً لبلده من فترة غير طويلة صديقي متسائلاً: وبم تعلل تقدم جانب على الآخر بشكل واضح وكبير؟ فقال صديقي: بمناخ العمل والقيم التي تثبت في بيئة العمل، وهذه هي مسئولية المديرين والرؤساء في كل وحدة من وحدات العمل والإنتاج بل وفي كل إدارة وقسم وشركة وهيئة ومؤسسة. إن قيم النجاح هي "الإنضباط" و"الشعور بالمسئولية" و"الولاء الشخصي" و"الإتقان" و"توخي الكمال في الآداء" و"النظرة البعيدة للأمام" و"التسلح بالمعلومات الواسعة" من طرف متخذي القرارات.. و"الثقافة الإنسانية الرحبة" .. و"توخي الصالح العام" و"الموضوعية" ..و"العدل" .. كل هذه القيم هي التي تصلح (أوأن غيابها "يفسد") أية شركة أو مؤسسة أو إدارة.

إلاِّ أنه من المهم للغاية إبراز أن "قيم الإدارة" الناجحة والفعالة والخلاقة قد تتوفر – بشكل إستثنائي – لبعض "القادة الموهوبين" في أي مجتمع، غير أن إنتشار وتكرار هذا "النموذج" الهام والضروري لا يمكن أن يتأتى في مجتمع غير تنافسي، ولا يمكن إنتشار "الروح التنافسية" الخلاقة والمبدعة والتي تدفع بالمجتمعات قدماً على طريق التقدم والإزدهار في ظل نظام إقتصادي لا يلعب فيه القطاع الخاص الدور الأكبر والأبرز والأهم.

قال: إذن أنت بالتبعية كلية على عاتق "المدير"؟

فرد صديقي قائلاً: نعم .. بل وأبالغ أحياناً وأقول إن نسبة إصابة أي مدير بأي عيب من العيوب تنتقل إلى التنظيم الذي يديره وبنفس النسبة تماماً!

قال الرجل الحنك الحكيم: إذن أنت كنت تكرر نفس الفكرة في حديثك أمس بالتليفزيون الـ…… عندما قلت إن "مصر" هي "عقل الشرق الأوسط" وأن هذا العقل عندما هام حباً بالغرب قبل قرن من الزمان، فإن الشرق صار عامراً بنفس الرغبة والإتجاه .. وعندما إتجهت مصر إتجاهاً قومياً معيناً وإتجاهاً محدداً .. اتبعتها معظم دول الشرق .. وعندما بدل الراحل العظيم أنور السادات "النوتة الموسيقية" .. استنكرت الأغلبية في البداية .. ولكنهم الآن يعزفون على أساس من نفس النوتة!..

قال صديقي (وهو يعرف أنه سيغضبه): هذا بالضبط ما عنيته .. وبقيته أن مصر وحدها (مرة أخرى: وحدها) هي مفتاح منطقة مزدهرة ومستقرة وتمثل من حضارات الماضي والحاضر أجمل ما فيها!

* * *

الفصل الثاني



الصدمة ..!
ماذا تريدون: أن أصدمكم بالواقع أم أخدعكم بالوهم؟!


(1)
فى أول سبتمبر 1939 إندلعت الحربُ العالمية الثانية (والتى يمكن وصفها بأنها كانت أكبرَ حربٍ فى تاريخِ الإنسانية). إندلعت الحربُ بين جانبين، الأول هو "المحور" والذى كان يضم ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية واليابان الديكتاتورية وهى ثلاث دول لم تكن تؤمن بالديموقراطية حسب تعريفاتها في باقي الدول الغربية (بريطانيا ,فرنسا ,دول أسكندناڤيا ,الولايات المتحدة). وعلى الجانب الآخر كان فريق "الحلفاء". ويمكن القول بأن فريقَ الحلفاءِ كان شديدَ عدمِ التجانس : فبينما ضم دولاً ديموقراطية (بالتعريف الغربى) هى الولايات المتحدة وبريطانيا وآخرين، فقد ضم أيضاً الإتحاد السوفيتى والذى كان نظاما ديكتاتورياً بكل معانى الكلمة، وبإعتراف النظام ذاته الذى كان يصف نفَسه بأنه "ديكتاتورية بروليتارية"... وقد إنتهت الحربُ العالمية الثانية بتدميرِ أعضاءِ المحور الثلاثة الكبار: إيطاليا ثم ألمانيا ثم اليابان التى سقطت كآخر أعضاء معسكر المحور بضربتين ذريتين على مدينتى هيروشيما ونجازاكى فى شهر أغسطس 1945.

ولكن نهاية الحرب العالمية الثانية كانت بداية صراع آخر من الحجم الكبير وهو الصراع الذى سمى بالحرب الباردة. فلما كان الإتحاد السوفيتى قد إلتحق أثناء الحرب العالمية الثانية بمعسكر الحلفاء، فقد كان من الصعب أن يدير باقي الحلفاء – عند نهاية الحرب - ظهورهم لشؤيكهم الشيوعي في الحرب ويبدأون حرباً تقليدية ضد الإتحاد السوڤيتى الذى - وإن كان مناقضا لها فى كل شىء سياسياً وإقتصادياً – إلا أنه كان حليفها (بالغ الأهمية) ابان سنى الحرب العالمية الثانية.

ما أن إنتهت الحربُ العالمية الثانية حتى أصبح "حلفاء الامس" هم "فرقاء اليوم" : فالولايات المتحدة ومعها بريطانيا وما سمى بعد ذلك بدول أو روبا الغربية وجدوا أنفسهم فى مواجهة مع حليف الأمس (الإتحاد السوفيتى) الذى خرج من الحرب العالمية الثانية أقوى وأوسع وأكثر نفوذاً .

ويهمنى هنا أن أركز على وصف صورة العالم عند نهاية الحرب العالمية الثانية إذ أن هذه الصورة هى "منبع" المزاجين والمسارين والخيارين التاريخيين الذين يتناولهما هذا الفصل. كان الإتحاد السوفيتى قبل إندلاع الحرب العالمية الثانية سنة 1939 منحصراًً داخل حدوده وإن كان على صلة أبوية (بطريركية) بالحركات الشيوعية فى العالم من خلال التنظيم الذى كان السوفيت قد أَنشأوه لغرض مناصرة الحركات الشيوعية فى العالم وهو التنظيم الذى كان يسمى "الكومنترن". ولكن عملية الهزيمة العسكرية لدولتين بالذات هما ألمانيا واليابان قد خلقت مسرح عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية. فى أو روبا أخذ الجيش الألمانى فى التراجع غرباً بعدما كان على أبواب ستالينجراد. ويمكن القول ببعض التبسيط أنه فى مواجهه تحرك (تقهقر) الجيش الألمانى من الشرق إلى الغرب كان الجيش السوفيتى يتقدم: أولاً داخل حدود الإتحاد السوفيتى .. ثم فى دول أخرى هى التى عرفت بعد ذلك بدول حلف وارسو (الكوميكون) أو دول أو روبا الشرقية أو دول ما وراء الستار الحديدى. بمعنى أن كل الاراضى التى دفع فوقها الجيش السوفيتى الجيش الالمانى للخلف صارت مناطق نفوذ جديدة للإتحاد السوفيتى وما يمثله من أقطار ونظم سياسية وإقتصادية. ومن جراء إنسحاب الألمان للغرب، تكونت أو روبا الشرقية التى صارت دولها كوكباً تدور فى فلك الإتحاد السوفيتى. وقد تكررت ذات العملية فى آسيا : فبينما أخذ الجيش اليابانى فى التراجع والتقهقر والإنسحاب من أراضِ شاسعة خارج حدود اليابان، أخذت الأحزاب الشيوعية فى كل تلك المناطق فى إستلام الفراغ الناتج عن إنسحاب الجيش اليابانى.

ورغم أن ذلك حدث فى أكثر من دولة (كوريا ... فيتنام ... لاوس ... كمبوديا ... منغوليا) إلا أن أكبر مثال (وأهم مثال) كان ما فعله ماوتسى تونج فى الصين : إذ أخذ (ومن وراءه فلول أَتباعه الشيوعيين) يتقدمون ليحلّوا محل القوات اليابانية المنسحبة ويكتسوحون أمامهم البديل الصينى غير الشيوعى بقيادة (تشينج كاي-شيك) الذى إنسحب من كل أرض الصين وتمركز فى جزيرة فيرموزا والتى كانت فى إعتبار العالم الغربى لسنوات هى الصين الرسمية وليس العملاق الكبير بسكانه الذين بلغوا نحومليار نسمة .

وهكذا، بينما خرج ما يسمى بالعالم الحر من الحرب العالية الثانية منتصراً على أعداءه، فإن مكاسب الإتحاد السوفيتى كانت أكبرَ وأهمَ بكثيرٍ من مكاسبِ حلفائه فى الحرب العالمية الثانية.

إنتهت الحربُ العالمية الثانية لتبدأ الحرب الباردة والتى إستمرت إلى إعلان تفكيك الإتحاد السوفيتى فى سنة 1991. خلال تلك السنوات (من 1945 الى 1991) كان العاملُ الحاكم فى السياسة الدولية هو الصراع بين قطبى الحرب الباردة. ورغم أن الحرب الباردة يمكن أن ينظر إليها من عشرات الزوايا إلا أن هذا المقال ينظر لها من زاوية واحدة من زواياها هى المسألة الكورية. وسبب تركيز هذا المقال على "الحالة الكورية" أنها فى إعتقادى تلخص معظم حقائق ومعالم وتداعيات حقبة الحرب الباردة.

اللاعبون الرئيسيون ابان الحرب الباردة من المعسكر الذى كان يعرف بالمعسكر الشرقى معظمهم تبدلت – اليوم - بوصلتهم (أصطرلابهم) سياسياً وإقتصادياً وإجتماعياً : فالإتحاد السوفيتى وكل دول أو روبا الشرقية (بإستثناء روسيا البيضاء) وكل الدول الإشتراكية فى آسيا (بإستثناء كوريا الشمالية) وسائر دول العالم الثالث الإشتراكية (بإستثناء كوبا) قد بدلت ركائز حياتها السياسية والإقتصادية. ولكن لا روسيا البيضاء ولا كوبا تشخص وتجسد وتمثل حقبة الحرب الباردة كما تفعل (ولا تزال تفعل) الكوريتان.


فشعب الكوريتين – فى الأساس – واحد .. وكوريا (قبل الإنقسام المدفوع بأيديولوجيات حقبة الحرب الباردة) كانت دولةً واحدةً ... وشعب الكوريتين عرقياً شعبٌ واحدٌ .. ويتكلم (للآن) ذات اللغة. العلامة الكبرى الفارقة بين الكوريتين تنبع من خيارين ومسارين ومصيرين تاريخيين ... ومن حق القاريء (ومن واجب حملة الأقلام) أن يضعوا أمام عيون القراء الآن وبعد ستة وخمسين سنة من نهاية الحرب الكورية التي أدت إلى وجود كوريتين : كوريا جنوبية تسير وتعمل وتحيا وفق المنظومة الغربية (سياسياً وإقتصادياً) ... وكوريا شمالية دارت في فلك الكتلة الشرقية وبالتحديد صين ماوتسي تونج الشيوعية. والآن فإن أمام البشرية أن ترى وتتأمل وتفحص نتائج كل مسار من المسارين وكل خيار من الخيارين : خيار كوريا الجنوبية وخيار كوريا الشمالية ... وفي ظني أن هذين الخيارين هما أقوى ما يمثل حقبة الحرب الباردة كما أن نتائج المسارين – بنفس القدر – يمثلان ثمرة وحصيلة وعاقبة ونتيجة كل خيار من الخيارين التاريخيين الكبيرين اللذين مثلت كل كوريا من الكوريتين أحدهما.

عندما إنقسمت شبه الجزيرة الكورية إلى دولتين هما كوريا الجنوبية وكوريا الشمالية منذ أكثر قليلاً من نصف قرن كان عدد سكان كل دولة من الكوريتين مماثلاً لكـوريـا الأخـرى ... ولكن اليوم وبسبب الظروف الحياتية والصحية المتردية في كوريا الشمالية وبسبب إرتفاع معدل وفيات الأطفال في كوريا الشمالية فإن تعداد كوريا الجنوبية يقترب من الخمسين مليون نسمة بينما يقترب عدد سكان كوريا الشمالية من نصف هذا الرقم. ويقتضي ذكر ذلك أن نورد أنه في مقابل كل ستة أطفال يموتون من بين كل ألف مولود في كوريا الجنوبية فإن الرقم في كوريا الشمالية يصل إلى أربعةِ أضعافِ ذلك أي أن أربعة وعشرين طفلاً من كل ألف مولود في كوريا الشمالية يموتون. ومن المناسب أن أضع أمام ناظري القاريء مجموعة من الأرقام المقارنة ذات دلالاتٍ بالغة الوضوح : بينما يبلغ عدد الخطوط التليفونية في كوريا الجنوبية أربعة وعشرين مليون خط فإن بكوريا الشمالية أقل قليلاً من مليون خط تليفوني ... بينما يبلغ إستهلاك الكهرباء السنوي في كوريا الجنوبية ثلاثمائة وعشرين مليار كيلووات/ساعة فإن الرقم المقابل في كوريا الشمالية هو واحد وعشرين مليار كيلووات/ساعة (أي أن الكهرباء المستعملة في كوريا الجنوبية تبلغ خمسة عشر ضعف الكهرباء المستعملة في كوريا الشمالية) ... بينما تستهلك كوريا الجنوبية ستمائة وخمسين ألف برميل بترول يومياً فإن كوريا الشمالية تستهلك خمسة وعشرين ألف برميل بترول يومياً فقط أي أن كوريا الجنوبية تستعمل كمية من البترول تمثل ألفين وخمسمائة في المائة (أكثر من خمسة وعشرين ضعفاً) من البترول المستعمل في كوريا الشمالية ... ومن الجدير بالذكر هنا أن هناك علاقة رياضية مؤكدة بين كمية البترول المستعملة في أي مجتمع ودرجة التنمية الإقتصادية في هذا المجتمع وأكبر دليل على ذلك الصين التي عندما يكونُ معدل نموها الإقتصادي هو تسعة في المائة فإن معدل زيادة الطلب على البترول بها تكونُ أيضاً تسعة بالمائة ... وبينما يبلغ حجم الناتج المحلي الكلي لكوريا الجنوبية ألف ومائتين (1200) مليار دولار فإن حجم الناتج المحلي في كوريا الشمالية لا يتجاوز الأربعين (40) مليار دولار أي أن حجم الناتج المحلي لكوريا الجنوبية يعادل ثلاثين ضعف الناتج المحلي لكوريا الشمالية... أما متوسط دخل الفرد في كوريا الجنوبية فقد بلغ أربعة وعشرين ألف دولار (سنوياً) بينما لم يتجاوز متوسط دخل الفرد في كوريا الشمالية ألف وثمانمائة دولار سنوياً ... وربما يكونُ من المفيد (وربما من المضحك) أن يعرف القاريء أنهُ في مقابل إرتفاع متوسط طول الذكور في كوريا الجنوبية إلى مائة وأربعة وسبعين سنتيمتراً فإن متوسط طول الذكور في كوريا الشمالية ظل عند مستوى مائة وثمانية وخمسيـن سنتيمتـر ... كما أنه في مقابل إقتراب متوسط العمر في كوريا الجنوبية من ثمانين سنة فإن متوسط العمر في كوريا الشمالية هو أقل بعشر سنوات .

وظني أن القاريء سيوافق على أن هذه الأرقام المقارنة ذات دلالة بالغة الوضوح وبغير حاجة لشرح : فقد إختار فريق الفقر والتخلف والمعاناة ... وإختار الفريق الآخر التقدم والرفاهية والصحة والإنتاج ... وبالنسبة لهواء الكرامة : فإن فريقاً إختار أن يتلقى المعونات والمساعدات وفريقاً إختار النماء والثراء وتقديم المساعدات !!

* * *

(2)
في إجتماعٍ مما يسمى بالإنجليزية (إجتماع مائدة مستديرة) بقسم دراسات الشرق الأوسط بواحدةٍ من كبرياتِ الجامعاتِ الأمريكية المعروفة بإنطلاقِ أسماءٍ كبيرة منها كان الحوارُ حول صراع الحضارات. وكان الحاضرون عشرة وكانوا منقسمين إلى فريقين. فريق يتبنى الطرحُ القائل بوجودِ صراعٍ محتدم بين الحضاراتِ بما يشبه طرح السيد/ صمويل هانتنجتون الشهير، وفريق لا يؤمن بوجودِ صراعِ حضاراتٍ. كان الفريقُ الأول أغلبيةً كاسحةً أمام أقليةٍ من إثنين كنتُ أحدَهما. وقد سار الحوارُ في مجملِه (فيما هو ظاهر) لصالحِ المجموعةِ التي يؤمن أفرادُها بوجودِ صراعِ حضاراتٍ اليوم فـي العالم. إلا أن الأمرَ تبدل كليةً عندما قامت الأقليةُ بطرحِ السؤال التالي: "كانت اليابان في حالةِ صراعٍ لا يُنكَر مع العالم الحر حتى أغسطس 1945. وإعتباراً من ذلك التاريخ وحتى اليوم فإنه لا توجد أي ملامح صراع أو صدام حضاري بين اليابان والعالم الحر وإنما تنافس إقتصادي وصناعي وتجاري وعلمي عارم وفق قواعد اللعبة في العالم الحر". ثم أردفتُ قائلاً: أفلا يكفي هذا المثال لإثباتِ أمرين:-

• أنه لوكان الذي بين اليابان والعالم الحر هو صدام حضارات لما حدث ذلك التغيير الكلي خلال فترةٍ زمنيةٍ قصيرةٍ بالمنظورِ التاريخي.

• أن العلامةَ الفارقة في هذا المثال تتعلق بأن اليابان عندما كانت أو توقراطية فقد كانت في صدام مع العالم الديموقراطي. وعندما أصبحت اليابان ديموقراطية إنعدم هذا الصدام وإستُبدِل بالتنافس وفق قواعد اللعبة في العالم الحر.

أنهيتُ وزميلي في معسكرِ الأقليةِ الحوار بقولنا: "إن الحضاراتِ لا تتصادم ولكن الأوتوقراطيات والديموقراطيات هي التي تتصادم". إن الحربَ العالمية الثانية كانت حرباً بين الأوتوقراطيات والديموقراطيات. والحربُ الباردة كانت حرباً بين الأوتوقراطيات والديموقراطيات. ولا علاقة لذلك بصدام الحضارات، فليس هناك شيء إسمه صدام الحضارات.

وأذكرُ أنني في هذا اللقاء تحدثتُ عن أمرٍ آخر متصل بالموضوع العام. قلت يومها أن هناك رعباً هائلاً في عقولِ وقلوبِ أعدادٍ كبيرةٍ من أبناء المجتمعات العربية من إحتمال فقدان الهوية الثقافية الذاتية. وأن اليابان (مرة أخرى) هي التي يمكن أن نتعلم منها أن هذا الخوف لا علاقة له بالعالم الخارجي وإنما بالعالم الداخلي لهؤلاء الخائفين. فالعقلُ العربي المعاصر يحتاج لوقفةٍ مع النفس والتفكير العميق في المسائل التالية:-

• أن خصوصياتنا الثقافية فيها ما هو إيجابي وفيها ما هو سلبي.

• أن خصوصياتنا الثقافية ليست إستاتيكية وإنما ديناميكية بمعنى أن الخصوصيات الثقافية للمصريين في سنة 2000 تختلف في عددٍ من الجوانب (وليس كل الجوانب) عن الخصوصيات الثقافية للمصريين في سنة 1900 وعن الخصوصيات الثقافية للمصريين في سنة 1800 وعن الخصوصيات الثقافية للمصريين في سنة 1700. وبالتالي فإن التوسع في إستعمال مصطلح (ثوابتنا) هو أمرٌ غير علمي وغير دقيق ومعظمه من نسيج الوهم أو التمني.

• أن الخصوصيات الثقافية لا تمحى بالتعامل الواسع مع الآخرين، والدليل على ذلك اليابان. بل وأزعم أن الخصوصيات الثقافية للمنعزلين أو للمنغلقين معرضة للضياع بسببِ عدم التلقيح أكثر من الآخرين.

• أن العقل العربي عندما يفكرُ في موضوع التعاملات الواسعة مع الآخر وبالتحديد الإنخراط في مسيرة التقدم الإنسانية العالمية ويبدأُ في الصراخ "خصوصياتنا الثقافية في خطرٍ شديد" فإنه لا يميز بين أمرين: بين الإنخراط في اللعبة حسب قواعد العالم المتقدم وبين الإندماج الكلي الذي يمحوالهوية والخصوصيات الثقافية. إن الطرف الذي يلعب اللعبة العالمية الجديدة وفق قواعدها الكلية (والتي طورتها الديموقراطيات الغربية) يقومُ بالإندماج في اللعبة دون الإنصهار في الأطراف الأخرى. ويشبه ذلك أن يلعب البرازيليون كرة القدم بأسلوبهم الخاص ولكن وفق قواعد لعبة كرة القدم الدولية.

إن الجهلَ والغرور غير المؤسسين على واقعٍ حقيقي هما ما يجعلَ أي إنسان في عالمنا العربي يؤمن بإمكانية تطوير قواعدٍ للعبةِ العامة غير القواعد التي طورتها الديموقراطيات الغربية. والجهلُ أيضاً هو الذي يجعل البعض يعتقد أن التسليم بقواعد اللعبة هو إهانة أو هزيمة أو إنبطاح وفق التعبير السقيم لمفكرين ليسوا بمفكرين وإنما من شعراء الجاهلية حيث الكلام الكبير هو المعبود الحقيقي والإنجاز الوحيد. إن اليابان (مرة أخرى) لم تنشغل بتغيير قواعد اللعبة، ولكنها إنشغلت بالتفوق والتميز من خلالِ قواعد اللعبة التي وضعها المنتصرون عليها في صيف 1945.

إن الحالة الحالية للإنتليجنسيا العربية تثيرُ حزناً وأسفاً هائلين عند من يريد لهذه المنطقة حظاً وافراً من التقدم. فالإنتليجنسيا العربية في معظمها مشغولة بإدانة قواعد اللعبة التي طورتها الديموقراطيات الغربية والحديثِ عن إمكانيةِ وضع قواعد أخرى للعبة. وهو موقف لا يشترك معهم فيه أحد حتى في الدول التي كانت مؤهلة لعداءٍ أكبر للحضارة الغربية مثل اليابان ونجوم التفوق الأسيوي مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان وهونج كونج وبدرجةٍ أقل ماليزيا وأندونيسيا. وإن كنتُ أعتقد أن ماليزيا سوف تلحق بالنموذج الياباني بعد تخلصها من قائدٍ على درجةٍ كبيرة جداً من الكفاءة الإدارية ولكنه في المقام الأول ديكتاتور يسجن معارضيه ويلفق لهم التهم المشينة وينضم لفريق كان يدافع عن صدام حسين.

* * *

(3)
مررتُ (مثل معظم أبناء جيلي) بحقبةٍ يساريةٍ وبحقبةٍ أخرى كمال أتاتوركية (كرمزٍ للإيمان بأن الخلاص لن يكون في مجتمعاتنا إلاِّ على يدِ مستبدٍ عادلٍ) .. ولكن كما قال ونستون تشرشل، فإن هذه الأفكار يكون الإنسان (بلا قلب) إن لم يؤمن بها في مُستهل شبابه .. ويكون (بلا عقل) إن ظل مؤمناً بها طويلاً!! ولكنني منذ أكثر من ربع قرن وأنا أؤمن إيماناً راسخاً أن "العقل الإنساني" في مسيرةِ تطوره وإرتقاءه عبر القرون لم ينتجُ منتجاً أكثر رقياً وسمواً وفائدة وإنسانية من (الديموقراطية). هذا منتج لا أقول أنه يفوق منتجات العلم والطب والهندسة والأدوية والجيولوجيا والفضاء وتكنولوجيا المعلومات ونُظم الإدارة والتسويق الحديثة فحسب – بل أقول أنه هو "أب كل تلك الإنجازات". مع إيماني أن إختزال الديموقراطية في عملية الإقتراع هى مهزلة فكرية، فالديموقراطية دستور مُناسب ومؤسسات ومناخ عام وآليات وتربية ثم إقتراع – أي إختيار، وكُل إختيار بغير تلك المكونات الأُخرى إما أن يأتي بأدولف هتلر (كما حدث في ألمانيا سنة 1933) أو بعصابة مُسلحة تظل بعد الإنتخابات "حكومة وميليشيا" في آن واحد (كما في حالة حماس التي يتكلم الناس عن مجيئها للسلطة بشكل قانوني ويتناسون أنها لم تقلع بعد ذلك عن الإستمرار في كونها ميليشيا مُسلحة). عندما أقرأ أن بريطانيا (في مواجهة الغول النازي) قد ذهبت إلى إبنها الفذ ونستون تشرشل في سنة 1940 تطلب منه أن يقودها في تلك المرحلة السوداء. فيقودها إلى ثلاثة إنتصارات: الأول: تجسد في حقيقة أن بريطانيا كانت هي الدولة الأوروبية الرئيسية الوحيدة التي لم يتمكن هتلر من احتلالها أو احتلال أجزاء منها. والثاني: أنه أدخل الولايات المتحدة الأمريكية (إلى جانب) في الحرب – ولولا ذلك لإحتلت جيوش هتلر سطح الأرض كله خارج أمريكا الشمالية. والثالث: أنه أتى لبلاده بالنتيجة المرجوة أي النصر ودمار محور النازية والفاشية واليابان المتوحشة. كان ذلك في سنة 1945. وهي نفس السنة التي أسقطه البريطانيون في الإنتخابات العامة، ففقد منصب رئيس الوزراء وخلفه كليمينت أتلي. كلما قرأتُ تفاصيل ذلك، إهتزت روحي وعقلي فرحاً بأهم إنجاز للبشرية: "الديموقراطية". ثم أتذكر أن في بعض بلدان العالم الثالث لا ينتصر الحاكم إلاِّ على خصوم من خشب – ومع ذلك يصبح "فيلد مارشال" ويُبجل ويُمجد ويبقى (كنصفِ إله) على سدةِ الحكم حتى يزوره ملكُ الموت.

* * *

(4)
عندما نخر سوسُ الفشلِ في بنيانِ الهيكل الإشتراكي الذي كان يعرف بالكتلة الشرقية بزعامةِ ما كان يسمى بالإتحاد السوفيتي وهوى الهيكلُ مرةً واحدةً مخلفاً الدنيا من بعد ذلك غير الدنيا قبل " السقوط الكبير" ؛ وجد الناسُ أنفسَهم في عالمٍ جديدٍ. وفي هذا العالم الجديد لم تعد هناك قوتان عظميان ولم يعد هناك منهجان في كل شـئ كما كان الأمرُ من قبل. ومن رحم هذا الواقع الجديد (واقع إنتهاء الحرب الباردة بسببِ موتِ أحد اللاعبين بالسكتةِ المخيةِ المفاجئةِ) بدأنا نسمع عباراتٍ مثل (النظام العالمي الجديد) و(العولمة) إلى جانب مصطلحات أخرى مثل الجات (وإن كان المصطلح في حد ذاته قديماً إلا أن الواقعَ الجديد بعثه بعثاً جديداً).

وخلاصةُ القول، أن قادةَ العالم الجديد الذين وجدوا أنفسَهم بلا منافسٍ بدأوا محاولة تنظيم العالم وفق قواعدٍ يرونها سليمةً. ومن هذه القواعد، فتح الأسواق إلى أبعد الحدود أمام السلع والمنتجات والخدمات من أي مكانٍ لأي مكانٍ دون " الحمائية القديمة " التي عاشت في ظلها الدنيا سنواتٍ طويلة. ومع الرغبةِ في الوصول بالمنافسةِ الإقتصادية إلى أبعدِ الحدود وإزالةِ الحواجز بدأ الحديثُ عن (العولمةِ الثقافيةِ). فكما أن " التعاملات " ستكون بلا حواجزٍ من الناحية الإقتصادية، فإن الثقافاتِ ستتعامل مع بعضها البعض أيضاً بشكلٍ مفتوحٍ لم يسبق له مثيل (أوهكذا يظن البعضُ) .

وعلى الفور وجد من يرى في ذلك كل الخطر على وجودِ مجتمعاته الإقتصادية، وهو خطر حقيقي لا يمكن إنكاره ولكن (للأسف) لا يمكن أيضاً إلغاؤه وإنما يمكن التعامل معه إما بكفاءةٍ وهو ما يؤدي للنجاحِ أو التعامل معه بكسلٍ (مع الإكتفاء بالشكوى والعويل) وهو ما يؤدي لعواقبٍ وخيمةٍ للغاية. وليس الجانب الإقتصادي من هذا الوضع العالمي الجديد هو ما يهمنا في هذا المجال، فما أكثر ما كتبنا عنه في غير هذا الموضع. وإنما يهمنا البعد أو الجانب الثقافي لهذا الوضع الذي بدأ يسود أو ينتشر في العالم بأسرهِ منذ بداية عقد التسعينات وهو ما واكب سقوط ونهاية الكتلة الشرقية (الإشتراكية). ففي واقعنا المصري كثيرون يسيطر عليهم خوف مهول من أثر التعاملات الواسعة مع العالم الخارجي على خصوصياتنا الثقافية والتي في مجملها تتكون " هويتنا ". وهذا ما أريد أن أسلط الضوء على جوانبه:

* معالم ومصادر خصوصياتنا الثقافية :
من الأمور التي كان ينبغي أن تكون واضحةً وضوح الشمس في كبد السماء في يوم صافي أننا عربٌ (إلي درجةٍ بعيدةٍ ولكن ليس بشكلٍ مطلق) وأننا من أبناءِ شرق البحر المتوسط (لدرجةٍ بعيدةٍ ولكن ليس بشكلٍ مطلق) وأننا جزءٌ من الحضارةِ الإسلاميةِ (لدرجةٍ بعيدةٍ ولكن ليس بشكلٍ مطلق) وأننا إلي جانبِ ذلك قد دخل في تكويننا بشكل لا ينكر (بعدٌ مصري قديم) و(بعدٌ قبطي) … وأن نتاج كل ذلك أن " البعـد العربي " بعـدٌ أصيـل من أبعاد هويتنا، فأدبنا كله عربي. ولكن الأمر لا يصل إلي أن نكون (عرب فقط) … ولا أدل على ذلك من البون الشاسع بين (المصري) و(القطري) على سبيل المثال. وبالمثل، فإننا تأثرنا بشدة بموقعنا الجغرافي في شرق البحر المتوسط، دون أن يؤدي ذلك لأن نكون صورة كربونية من الآخرين الذين يعيشون أيضاً في شرق البحر المتوسط. أما تأثرنا بالحضارةِ الإسلامية فمن العبثِ إنكاره، ولكن من العبثِ أيضاً القول بأننا – من حيث الهويةِ – مجردُ "مسلمين" ولا شئ آخر. فإن المكون الإسلامي – على أهميته ووضوحه – مجرد بعد أساسي من أبعادٍ أخرى. فالمصـريُ ليس صــورةً من الإيـراني والبــاكستاني لمجرد الإشتراك في البعد الإسلامي. ولا شك أن المكوناتِ الأساسية للشخصيةِ المصريةِ قد تأثرت بمصرَ القديمة (إذ أنه من غير العلمي والمنطقي إنكار أثر ثلاثين قرناً من التاريخ المصري القديم) كما أن هذه المكونات قد تأثرت بالحقبةِ المسيحية، إذ أنه من المستحيل إنكار أثر ستة أو سبعة قرون من " مصرَ المسيحية " وهكذا، فإن هويتنا هي " هويةٌ مصريةٌ " تدخل الأبعادُ العربية والبحر متوسطية والإسلامية والمصرية القديمة والمسيحية في صناعةِ وصياغةِ مادتها الأساسية بما يعني الإتفاق (إلي حدٍ ما) مع المشتركين في تلك الأبعاد دون أن نصل لحد (الذوبان) في تيارٍ واحدٍ من هذه التيارات. وليس في ذلك أيُ عيبٍ أو خطأٍ لأن ذلك هو محصولُ وثمرةُ التاريخ والجغرافيا وهو محصول حتمي وثمرة من غير المنطق إنكارها .

* الخصوصيات الثقافية أقوى من أن تذروها رياح التعامل مع الآخرين:
وإذا كان ذلك كذلك، فإن " هويتنا " ليست نتاج عوامل مؤقتة أو عابرة أو سطحية، وإنما هي نتاج جذور طويلة وبعيدة وضاربة في الزمان والمكان. وبالتالي، فإن من يتصوّر أن تلك الهوية أو بتعبير آخر " الخصوصية " أو " الخصوصيات الثقافية " يمكن أن تزال أو تمحى أو تطمس بفعلِ مستجداتٍ هي من طبائعِ الزمن والتجديد يكون واهماً للغاية. فإن الفهمَ الصائب لبنيةِ وتكوينِ " الهوية المصرية " يجعل المرء يدرك قدرَ " التركيب " وكثافة الطبقات المكونة لهذه الهوية ومدى إتصال كل ذلك بالزمان (المسيرة التاريخية) والمكان (حقائق الجغرافيا). وهوما يجعل القول بإمكانية أن تقوم المعاملات الحديثة المفتوحة مع العالم الخارجي بكنسِ معالمِ خصوصياتنا الثقافية المكونة لهويتنا يبدو كمزاحٍ سخيفٍ لا أساس له من العلم والمنطق. وبإختصارٍ، فإن كل مصري يحمل من " الطبقات " المكونة لهويته آلاف الرقائق التي تنتسب لكلِ الأبعادِ المذكورة : العربية والبحر أوسطية والإسلامية والمصرية القديمة والمسيحية، وأن إختلافَ درجاتِ وجودِ كل نوع من هذه الرقائق لا ينفي قدر " التركيبية " في الهويةِ المصريةِ.

* الخصوصيات الثقافية ذات طبيعة ديناميكية أي غير إستاتيكية :
ورغم ما ذكرت، فإن الإعتقادَ بثباتِ أو إستاتيكية الخصوصيات الثقافية هو أمرٌ على أعلى درجاتِ الخطأ والإختلاف مع طبيعة مكوناتِ ورقائقِِ الخصوصية الثقافية. فرغم قولي بأن هذه المكونات والرقائق ذات جذورٍ بعيدةٍ في الزمان (التاريخ) والمكان (الجغرافيا) فإن خصوصيتنا الثقافية كانت ولا تزال في عمليةِ تغييرٍ بطيئةٍ مستمرةٍ يحدثها واقعُ أن الزمان (ومحتواه) يتغيران، ولكنها عمليةٌ بطيئةٌ وتستغرق أزمنةً طويلةً. ومعنى هذا الكلام أننا وإن كانت لنا (خصوصيات ثقافية) هي أساس هويتنا إلا أن الواقعَ يؤكد أن شكلَ وطبيعة وملامح هذه الخصوصيات اليوم في مستهل القرن الحادي والعشرين تختلف عنها في مستهل القرن التاسع عشر، وهي وتلك يختلفان عن شكل وطبيعة وملامح خصوصياتنا الثقافية في مستهل القرن السادس عشر … وهكذا دواليك .

ورغم معرفتي أن الجو الثقافي العام في مصر قد أصبح أسيرَ (البعـدِ الواحدِ) في أمـورٍ عدةٍ، إلا أنني أجاسر وأقول أن خصوصياتنا الثقافية تعرف في آن واحد طبيعتين ... طبيعة الثبات أو ما يشبه الثبات … وطبيعة التغيّر الكمي البطئ الذي يؤدي إلى طريق التراكم لتغيّر كيفي بطئ أيضاً. فهناك ثبات (أو شبه ثبات) مع تغيير (أو شبه تغيير) في آنٍ واحدٍ.

* الخصوصيات الثقافية بعضها إيجابي وبعضها سلبي :
كذلك من غير العلمي أو المنطقي أن نعتقد أن خصوصياتنا الثقافية كلها إيجابية. فهناك العديد من مفردات خصوصياتنا الثقافية " إيجابي " وهناك العديد من مفردات خصوصياتنا الثقافية " سلبي ". وإذا كانت الأمثال الشعبية مرآة (من مرايا عديدة) للخصوصيات الثقافية والهوية، فإن مراجعة مئات الأمثال الشعبية يؤكد وجود معالم إيجابية وإلى جوارها معالمٌ سلبية وهذا أمر منطقي في ظلِ التجربةِ المصريةِ التاريخيةِ وما إعتراها من مراحلٍ كان من الحتمي أن تنتج السلبي إلى جوار الإيجابي .

* درس التجارب الآسيوية والخصوصيات الثقافية :
تمتلئ عقول وصدور الكثيرين من أبناء هذا الوطن برعبٍ من آثارِ التعاملِ الواسع مع العالم الخارجي والذي يرون أنه أصبح كالطوفان الذي يصعب إيقافه، فهو من طبائع ومعالم وثمار المرحلة التاريخية الحالية. وجوهرُ هذا الرعب هو الخوف من ضياع الخصوصيات الثقافية لنا وبالتالي ضياع الهوية أمام خصوصيات ثقافية أخرى وافدة من العالم الأكثر تقدماً وقوة وثراء. ورغم يقيني بأن خصوصياتنا الثقافية هي أمور أعمقُ من أن تكنسها التعاملاتُ مع الخارج وأن جذورها عميقةٌ وضاربةٌ في تربةِ الزمانِ والمكانِ وأن " تعقدَ التركيبةِ " التي من مجملها تتكون خصوصياتُنا الثقافية يجعل القول بإمكانيةِ ضياعِ خصوصياتنا الثقافية "مزحة سخيفة" كما قلت آنفاً، فإنني أود أن أدعو هؤلاء "المرعوبين" لدراسة أحوال اليابان وعددٍ من دول شرق آسيا التي تعاملت على أوسعِ نطاقٍ مع الحضارةِ الغربية بشقيها الأوروبي والأمريكي وأخذت العديد من أنماطِ العملِ الصناعي والخدمي والتجاري من هذه الحضارةِ الغربيةِ ودخلت في تبادلاتٍ هائلةٍ معها، ومع ذلك فإن الخصوصيات الثقافية الآسيوية بقت محتفظة بذاتها بل وتم توظيف عددٍ كبيرٍ من هذه الخصوصيات الإيجابية لتصبح أداةَ تميّزٍ وتفوقٍ في تلك المعاملات والمبادلات الواسعة بين الآسيويين والأوروبيين والأمريكيين. بل إن تجربتي الواسعة في التعامل مع جنوب شرق آسيا تجعلني أجزم بأن أثرَ هذا التعامل الواسع مع الآخرين لا يعدو أن يكون مجرد واحدٍ على ألفٍ من الخصوصيات الثقافية لتلك البلدان (رقيقة واحدة وافدة إلى جوار ألف رقيقة من الرقائق الأصلية). وأذكر أنني في رحلة بالقطارِ ذات يومٍ من طوكيو إلى إحدى المدن اليابانية القديمة بدات أشعر بعد دقائق أنني أدخل بلداً مختلفاً، فالآثارُ المعدودة والمحدودة للتعاملات اليابانية الواسعة مع العالم الغربي أخذت تتلاشى وفي المقابل أخذت تبرز بوضوحٍ معالمُ المكان الأصلية والتي تنطق كلها بثباتِ الخصوصياتِ الثقافيةِ اليابانية أمام المؤثرات الخارجية، وإن كان ذلك لا ينفي أن هناك في المؤثرات الخارجية ما هو إيجابي وأفضل ومن الحكمة تبنيه.

* هل بوسع الموجة الأمريكية محوخصوصياتنا الثقافية ؟ :
وإذا كان " رعبُ " الخائفين على خصوصياتنا الثقافية من الزوالِ والإنكسارِ أمام الخصوصيات الثقافية الوافدة يتمحوّر خوفه أساساً من " أمركة " هويتنا، فإن الواجبَ يحتم أن نقف أمام هذه الجزئية ملياً ونتساءل : هل حقاً أن بوسع " الثقافة الأمريكية " أن تستأصل خصوصياتنا الثقافية وتحل محلها ؟ سؤال قد يخيف البعض، أما أولئك الذين يعرفون أمريكا وتاريخها وخصوصياتها الثقافية فلا يملكون إلا السخرية من هذا الإحتمال الوهمي. فإذا كانت ثقافةُ بريطانيا العتيدة لم تمح خصوصيات الهند الثقافية رغم وجود بريطانيا قابعة على صدر الهند أربعة قرون، مع ما لبريطانيا من ثراءٍ في الخصوصياتِ الثقافيةِ، فهل تستطيع أمريكا التي لا تملك جزءاً على ألفِ جزءٍ من المحصول الثقافي البـريطاني أن تمحو خصـوصيات الغير الثقافية وتحل محلها الخصوصيات الثقافية الأمريكية ؟! وهل يمكن أن يكون التخوف من ثقافة الهامبرجر والكوكاكولا والبيتزا تخوفاً جاداً يستند إلى أسبابٍ قويةٍ ؟ أم انه أيضاً مزاحٌ سخيفٌ ؟! إن أمريكا (وإسرائيل أيضاً في هذا الشأن) دول تحتاج إلى قرونٍ قبل أن تكون لها هي نفسها خصوصيات ثقافية قوية يمكن لها أن تؤثر في الخصوصياتِ الثقافيةِ للآخرين.

* هل بوسع الثقافة العبرانية إبتلاع خصوصياتنا الثقافية ؟ :
وإذا كان من المستحيل في نظرنا ان تبتلع أمريكا الآخرين ثقافياً (لأنها لا تملك مؤهلات هذا الإبتلاع ولأن الأمرَ أكثرُ تركيباً وتعقيداً من هذا التصور الساذج والبسيط والذي يتجاهل حقائق " تركيبية "الخصوصية الثقافية المصرية) فإن نفسَ الأمرِ يُقال عن المرعوبين من إبتلاع الثقافة العبرية (أوالعبرانية) لخصوصياتنا الثقافية. فالخصوصياتُ الثقافية المصرية نتيجة تواصل تاريخي وجغرافي لخمسين قرناً من الزمان. أما الخصوصياتُ الثقافية العبرية فهي من جهة محدودة الحجم للغاية (بحكم ضآلة أعداد اليهود في العالم) كما أنها تعرضت لإنقطاعات وتوقفات زمنية لا يمكن إنكار أثرها، ويكفي ما حدث للغة العبرية من ذبول وضمور ثم بعثٍ جديدٍ لا يمكن ان يكون بوسعه إخفاء أثر مراحل الذبول الطويلة. وإن المرء العارف بحقائق الأمور ليتساءل عن حجم (الأدب) و(الشعر) و(الفن) اليهودي والذي يظن البعض أنه قادر على إبتلاع خصوصياتنا الثقافية. إننا هنا بصــدد "تل صغير" أمام "جبل هائل عملاق". وأغلب الظن أن أكثر ما يخشاه العبريون على أنفسهم هو أن يؤدي حدوثُ سلامٍ في المنطقةِ لإكتساحِ الثقافاتِ الأخرى المحيطة بهم لخصوصياتهم الثقافية التي لا يقل نصفها عن خصوصيات متعلقة بثقافةِ الجيتو… فإذا زال الجيتو زالت معه نصفُ الخصوصيات الثقافية العبرانية.

* العواقب الوخيمة للتقوقع علي الذات علي الخصوصيات الثقافية :
من سخرياتِ الأمورِ أن يعتقد الذين يظنون أنهم حراسُ هويتنا وخصوصياتنا الثقافية أن الحدَ من الإنفتاحِ على العالمِ الخارجي والحدِ من دخولِ لعبةِ الأممِ الجديدةِ المسماةِ بالعولمة هي أمور من شأنها المحافظة على خصوصياتنا الثقافية (أي هويتنا) وحمايتها من الإندثار وإعادة التشكل وفــق معطياتِ الخصوصياتِ الثقافيةِ للآخرين بوجهٍ عام ولأمريكا بوجهٍ خاص. ولا أعتقد أن هناك خطأ فكري أفدح من ذلك. فالذين سيحاولون أن يفعلوا ذلك هم أول المرشحين لفقدانِ خصوصياتهم الثقافية، إذ أن العزلةَ الكلية أو الجزئية التي يتوهمون أنها ممكنةٌ ستقود لوهنٍ إقتصادي كاملِ الأبعادِ وهو ما سيقود لمشكلاتٍ ومعضلاتٍ إجتماعيةٍ ستكون هي السبب الأساسي لتعاظم الخصوصيات الثقافية السلبية وإندثار الخصوصيات الثقافية الإيجابية. وبنفس القدر فإنني أؤمن إيماناً قوياً أن التعامل الحر والمفتوح مع الآخرين وعلى أوسع مدى هو القمين بتزويد الخصوصيات الثقافية لنا بعناصر جديدة لتعظيم الإيجابي منها وتنقيح السلبي .

كل هذا ولم نقل شيئاً بعد عن الإستحالة المادية المطلقة لتحقيق العزلة الكلية أو النسبية التي يتصور البعضُ أنها ممكنة. فعالمية العلم وثورة الإتصالات والتقدم المذهل في وسائل الإعلام المخترقة لكل الحدود وجيوش القواعد الجديدة التي ستمنع " الحمائية الإقتصادية " كل ذلك من شأنه أن يجعل (الحلم بالعزلة الكلية أو النسبية) حلماً مستحيلَ التحقيق .


* مصادر هذا " الفزع " من ضياع الخصوصية الثقافية :
" الإنسان عدوما يجهل " مقولة صحيحة وصائبة إلى أبعد الحدود، وتنطبق هنا على الذين تمتلئ عقولُهم وقلوبُهم بالفزع الأسطوري من إندثار هويتنا وضياع خصوصياتنا الثقافية إذا ما إنخرطنا في تعاملاتٍ واسعةٍ مع العالم الخارجي (تعاملات إقتصادية وتجارية وثقافية). فلو كان " المذعورون " من عواقب التعامل الواسع مع العالم الخارجي والذين يعيشون أسرى فكرة ان (الغز والثقافي) يتربص بنا الدوائر وأن ثقافة الذئب تقف على أبوابنا لتنهش لحم هويتنا وثقافتنا وخصوصياتنا الثقافية، لوكان هؤلاء الذين يغلب عليهم الذعرُ والفزعُ من مغبةِ ذلك الإنفتاح الثقافي على العالم على درايةٍ واسعةٍ بمفرداتِ كل خلفيةٍ من خلفياتنا الثقافية وعلى علمٍ واسعٍ بثقافاتِ الآخرين لما تكون لديهم شعورٌ بالدونية يجعلهم يتوهمون أنهم عرضةٌ لضياع الهوية ونسف الآخرين لمفرداتِ خصوصياتهم الثقافية. إن الجهلَ يولد الشعور بالدونية (وقد يكون مظهر ذلك شعور زائف بالتميّز يُعبر عنه ليل نهار بمدحِ الذات) والشعور بالدونية يخلق تلك المخاوف الوهمية والهلوسات بأن الذئب (الآخر) يقف على حدودِنا بنيةٍ مبيتةٍ لطمس هويتنا ونسف خصوصياتنا الثقافية وإحلال خصوصيات ثقافية أخرى محلها عن طريق إطعامنا الهامبرجر وجعلنا نشرب الكوكاكولا … ولا أظن بأن هناك شعوراً بالدونية ممزوجاً بالسطحية وتبسيط الأمور مثل ذلك المجسد في هذه الحالة من الهلع والجزع والفزع بلا أساس وبشكل يهين ذاتنا الحضارية والثقافية إذ تكون نتيجة تصوراتهم الوهمية أن هذه الذات الحضارية والثقافية ضحلة ومهترئة وضعيفة لدرجةِ أنها قابلة للسحق والضياع عند أول تعاملاتٍ واسعةٍ مع الآخرين، وأنه لا سبيل للمحافظة عليها وصيانتها إلا بإقامةِ السدودِ والحدودِ بيننا وبين الثقافاتِ الأخرى لأننا معرضون للضياع عند فتحِ أولِ نافذة !! ولا شك أنها حالةٌ تختلط فيها الهلوسةُ بالجهل بالشعور بالدونية بشكل ينبغي أن نلفظه وبقوةٍ .

* * *

(5)
في واقعِنا السياسي اليوم في مصرَ وجهتا نظرٍ متباينتان بشكلٍ كليٍّ حول سرعة الإصلاح المنشود. أما وجهة النظر الأولى فترى أنه لابد من ألاَّ تؤثر سرعةُ الإصلاح على حالة إستقرار المجتمع. وأما وجهة النظر الأخرى فتدعو لسرعةٍ كبيرةٍ في الإصلاح. وإذا إنتقلنا من العموميات إلى الخصوصيات لقلنا أن وجهة النظر الأولى هي إتجاه الحكومة في مصرَ وأن وجهة النظر الثانية هي إتجاه المعارضة بدوافعٍ مختلفةٍ ولغاياتٍ متباينة.

وفي إعتقادي أن الصواب يقع في نقطةٍ وسط بين الاتجاهين. فمن جهةٍ أولى فليس كل ما يبدو إستقراراً هو كله إستقرارٌ، إذ ينبغي التمييز بين الإستقرار والركود. وإذا كان الإستقرار مطلوباً بلا شك من أجل التنمية والسلام الإجتماعي فإن الركود (والذي يبدو بالنسبةِ للبعض وكأنه إستقرارٌ) يحملُ في عناصره وطبيعته ما هو بالغ التهديد للسلام الإجتماعي وللتنمية.

ومن جهةٍ أخرى فإن عدداً من الذين ينادون بسرعةٍ أكبر للإصلاح هم في الحقيقة يطلبون حالةً تؤدي (من وجهة نظرهم) لوصولهم للحكم. وهو أمرٌ مشروعٌ من الناحية النظرية ولكنه من الناحية العملية قد يمر من خلال سيناريوالفوضى ذي التكلفة الباهظة على مستوى السلام الإجتماعي والتنمية وغير ذلك من الأمور بالغة الأهمية. وقد يعيب وجهة النظر شديدة التمسك بالإستقرار وبالتالي ببطء سرعة الإصلاح عدم وجودِ خطةٍ معلنةٍ محددةٍ للإصلاح وبرنامجه وجدوله الزمني، وهو ما يجعل كثيرين يعتقدون أن مفهوم الإستقرار هنا لا يبعد كثيراً عن مفهوم الركود وبقاء الأمور على ما هي عليه.

إن أكثر ما يسبب حيرة المراقب للأوضاع العامة في مصرَ، أن الجانبين (الحكومة وفصائل المعارضة) لا تقدمُ برامج للمستقبل يتجاوز الشعارات العامة ويتضمن أهدافاً معينة في أزمنةٍ محددة. وفي إعتقادي أن بقاء الأمور (من جانب الحكومة ومن جانب المعارضة) على مستوى "الكلام الكبير" والشعارات والأهداف العامة هو مما لا يحث على وجود مشاركة عامة وواسعة. فالإنسان الطبيعي يشاركُ في الحياة العامة عندما يكون الإختيار بين برامج محددة وليس بين شعاراتٍ فضفاضة. وفي هذا المجال، فإن الذين يسمون أنفسهم بالإسلاميين هم أكثر الأطراف إستغراقاً في العموميات والشعارات وبعداً عن الأهداف المحددة وفق برامج زمنية محددة. ويرجعُ ذلك في إعتقادي لإستحالةِ توفر برامج محددة لديهم في قضايا المجتمع المعاصر. كما أن بقاء الأمور على مستوى الكلام الكبير والشعارات الكلية يضمن لهم قدراً أكبر من الشعبية والجماهيرية عما أنهم قدموا برنامجاً تفصيلياً لقضايا المجتمع وسبلِ وبرامجِ التعامل معها. كما أنهم سيضطرون لأن يصبحوا في كثيرٍ من المسائل علمانيين رغم إرادتهم - لأن حلول معظم المشاكل الحياتية لا تنبع إلاِّ من العلم والإدارة وليس من الشعارات الكبيرة والأهداف الفضفاضة.

إن أنجح ما تستطيع الحكومة في مصرَ في المرحلةِ القادمةِ إنجازه هو أن تقود حركة الحوار السياسي والجدل العام من أفق الكليات والشعارات والأهداف الفضفاضة إلى مستوى البرامج المحددة والمحجمة (Quantified) والتي تتبع جدولاً زمنياً واضحاً. وبين رجال الحكومة اليوم عدد ممن مارسوا العمل المؤسسي قبل إنتقالهم للعمل الحكومي الذي هو في حاجةٍ ماسةٍ لكي يستعير من المؤسسات الإقتصادية مفاهيم الرؤية Vision والمهمة Mission والأهداف Objectives وخطة العمل Business Plan وكذلك طرائق المحاسبة على ما تم وما لم يتم وفق مسطرة محددة Bench Mark.

وإذا أقدمت الحكومة على ذلك في خلال السنوات الست التالية، فإنها سوف تفرض على الواقع في سنة 2011 إنتخابات وإختيارات تؤسس على المفاضلة بين برامج محددة وليس بين شعارات وأهداف فضفاضة.

وكاتب هذه السطور لا يخفي أنه لا يرى في الأخوان المسلمين أي ملامح قادرة على تحقيق التقدم والإزدهار، ولكنني أُريد أن يرى المجتمع ذلك من خلال إرغامهم على الحوار التفصيلي للمشكلات والحلول – فيقيني أنهم "حركة" وليسوا "حزباً" .. وأنهم لا يمكن أن يحوزوا "الكفاءة" – فالكفاءة لا توجد اليوم على ظهر الأرض إلاِّ من ثنائية "العلم والإدارة" – وهما غير متوفرين لأية جماعة أيدلوجية – فالعلم والإدارة من نواقض الأيدلوجية سواءً كانت دينية أو ماركسية أو قومية – فعهد كل ذلك قد ولى مع حقائق العالم المعاصر والتي لم تنبثق من "فكرة" أو "إقتراح" وإنما من واقع أملته تطورات السياسة والعلم والإدارة والإقتصاد.

* * *

(6)
أكتب – منذ سنوات – (بالعربية وبالإنجليزية) لدعوة العقول المعنية بالتقدم والإصلاح (في مصرَ) لإدراك الحقيقة البسيطة الواضحة والمتمثلة في أن (الإنتخابات)هي الجزء المتمم للمنظومة الديمقراطية ولكنها ليست (كل الديمقراطية). وقد تناولتُ (في مقالات عدة) هذه الظاهرة من جوانب مختلفة. وجوهر هذه الكتابات أن الديمقراطية ليست مقصد الناس في حد ذاتها وإنما هي أفضل الآليات التي توصل إليها العقل الإنساني لتوفير حياة سياسية أسلم من سائر الصيغ الأخرى.

كذلك كتبتُ (أكثر من مرة) عن إمكانية أن تؤدي الإنتخابات إلي وصول أعداء اليمقراطية للحكم في بعض الحالات (وأشهرها حالة وصول هتلر للحكم في ألمانيا في أو ائل ثلاثينيات القرن العشرين عن طريق الإنتخابات ثم قيامه بعد ذلك بتدمير الديمقراطية في ألمانيا ثم الفتك بالبشرية في أكبر حرب في تاريخها).

وما أريدُ أن أضيفه اليوم، هو أن مراكز دراسات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة وأوروبا منشغلة اليوم إنشغالاً عميقاً بسؤال بالغ الأهمية هو: هل يُحتمل أن يؤدي تطبيق الديموقراطية في بيئات غير ديموقراطية لوصولِ تياراتٍ سياسيـةٍ متطـرفةٍ للـحكم .. أم لا ؟ …وهل يقتضي الإيمان بالديموقراطية التسليم بذلك أي بوصولِ تلك التيارات المتطرفة للحكم؟ والحقيقة أن السؤالَ (رغم ذيوعه) يعكس هزالاً شديداً في فهم الكثيرين للديموقراطية. فالديموقراطية تعني حدوث ثلاث عمليات أساسية – أما العمليةُ الأولى فهي مجيء الحكام للسلطةِ بطريقةٍ ديموقراطية…وأما العملية الثانية فجوهرها أن يمارس الحكام الحكم وهم من جهة في حالة إلتزام كامل بالقواعد الدستورية والقانونية وأن يكونوا من جهةٍ ثانيةٍ قابلين للمحاسبة (Accountable) …وأما العملية الثالثة فهي أن يتركوا السلطة بطريقةٍ ديموقراطيةٍ. وهذه العمليات الثلاث التي من توفرها وإكتمالها وعملها تتوفر الحياةُ الديموقراطية لا ترتبط فقط بصندوق الإنتخابات ولكنها ترتبط أساساً بوجودِ منظمات المجتمع المدني من جهةٍ وتوفر آليات الحياة والممارسة الديموقراطية من جهةٍ ثانية. وهكذا فإن صندوق الإنتخابات ليس إلاَّ جزء صغير من عمليةٍ أكبر هي توفر المناخ الديموقراطي والذي يوجد بوجود العمليات الثلاث التي أشرت إليها وبتوفر آليات ومنظمات وتنظيمات المجتمع المدني من جهةٍ ومؤسسات العمل الديموقراطي من جهةٍ أخرى. وأعتقد أن المؤمنين حقيقةً بالديموقراطية يفهمون الصورة بتلك الكيفية: فيبذلون الجهود من أجل خلق وتفعيل مؤسسات وآليات العمل السياسي الديموقراطي ومؤسسات ومنظمات المجتمع المدني والقاسم المشترك بينهما هو (المشاركة المؤسسية) وهو ما سوف يؤدي لتوفر الآليات الثلاثة الكبرى للديموقراطية وهي مجيء الحكام بطريقة ديموقراطية، وممارسة الحكام للحكم بطريقة ديموقراطية، وترك الحكام للحكم بطريقةٍ ديموقراطية. وفي المقابل فإن الذين ينظرون للديموقراطية كأداةٍ ستمكنهم من الوصول للحكم ثم بعثرة وإفناء مكونات ومؤسسات ومنظمات وفعاليات الديموقراطية فإنهم يركزون على صندوق الإنتخابات لاسيما وأنهم يعلمون أنه في ظل مناخِ عدمِ النجاحِ بوجهةٍ عام في إدارة مجتمعاتهم وفي ظل شيوع الإحباط والتذمر من أوجه الخلل العديدة والضيق العارم بمزايا محتكري السلطة والألم الشديد من شيوعِ الفسادِ فإن صندوق الإنتخابات قد يأتي في الأرجح بهم لأنهم أصحاب شعارات مناوئة لكل معطياتِ الواقع السلبية – وإذ كان من المؤكد أنهم من جهةٍ لا يملكون عناصر الكفاءة القادرة على تحقيق النجاح المنشود كما أنهم من جهة أخرى سوف يدمرون مكونات المناخ الديموقراطي ويكونون هنا مثل عازف يجلس وسط جوقة موسيقية ويقوم بعد توليه قيادة الجوقة يتمزيق النوتة الموسيقية – فإنه بوسعنا أن نوافق على أنه من السذاجة تركيز الإهتمام بمسألة صندوق الإنتخابات بمعزل عن العناصر الأخرى الأكثر أهمية والتي ذكرتها آنفاً.

إن حالة المجتمعات الشائعة في العالم الثالث والتي تعاني من مشكلات سياسية وإقتصادية وإجتماعية وثقافية وتعليمية وإعلامية طاحنة بسبب غياب الديموقراطية ووجود عددٍ كبير من أصحاب الكفاءات خارج الملعب وانتشار قيم الشخصانية والولاء الشخصي والنفاق لا تستلزم التركيز على صندوق الإنتخابات ونتائجه ولكنها تستلزم التركيز على وضع سياسيات وبناء منظمات وآليات الحياة الديموقراطية وتفعيل دور المجتمع المدني على أن يسير في موازاة ذلك عملٌ دؤوب للإصلاح السياسي والإصلاح الإقتصادي وإصلاح التعليم ونقل وتطوير المؤسسات الإعلامية من النمط الجوبلزي (نسبة لجوبلز وزير إعلام هتلر) إلى النمط الحديث للمؤسسات الإعلامية – إن كل هذا وهو ما أسميه "الإصلاح المخطط له" Engineered Reform هو أهم عملية سياسية يقوم بها نظام يتوخى عدم إتجاة الأمور إلى الفوضى أو سقوطها في يد تيارات متطرفة لن يأت على يدها إلاَّ الخراب والظلام والتخلف والتأخر – وهذه العملية التي تسمى بالإنجليزية Engineered Reform مضمونة النجاح وربما خلال عقد واحد إذا مورس عمل دؤوب متسم بالكفاءة في المجالات التي أشرت إليها وأعود فأوجزها مرة أخرى :
- وضع السياسات وخلق آليات ومنظمات العمل السياسي الديموقراطي بشكل مؤسسي.
- خلق الإطار الأمثل لنمومؤسسات المجتمع المدني التي هي حائط الدفاع الأول والكبر والأهم في مواجهة أي تيار فاشي أو يزعم ملكيته للحقيقة المطلقة.
- مواصلة جهود الإصلاح الإقتصادي من خلال إيمان واضح بحتمية تغيير دور الدولة من الدور البطريركي الواسع إلى الدور الصغير ولكن بقوة شديدة في مجال وضع السياسات وضمان إلتزام الكافة بها.
- إصلاح مؤسسات التعليم التي بلغت في معظم دول العالم وضعاً مزرياً وأصبحت تفرز خريجين وخريجات لا يصلحون للتعامل مع معظم تحديات الحياة المعاصرة (مؤسسة التعليم لدينا مثلاً أسوأ من السوء ولا يدافع عنها إِلاَّ الذين ساهموا في وصولها لتلك الحالة المزرية والتي يجسدها "خريج" أو "خريجة" لا علاقة لها بالعصر ومعرفته وأدواته وروحه).
- إصلاح المؤسسات الإعلامية وتحويل رسالتها من الهدف الجوبلزي المنتشر في العالم الثالث (خدمة الحكومات) إلى الهدف المعاصر ( خدمة المتلقي).

مرة أخري – إن صندوق الإنتخابات ليس إلاَّ حلقة من حلقات عديدة للحياة الديموقراطية.وبدون الحلقات الأخرى قد يكون صندوق الإنتخابات البوابة الرحبة لعقود من الجحيم والظلامية والتأخر والبطش.

ولابد هنا أن أكرر أن العالم لم يعرف إلاَّ نموذجين للنهضة والتقدم والرقى سياسياً وإقتصادياً وإجتماعياً وثقافياً وتعليمياً وإعلامياً – أما النموذج الأول، فهو النموذج الأوروبي الغربي والذي أسميه (الطهو البطيء) إذ تمت عملية النهضة والرقي خلال أكثر من ثلاثة قرون. وأما النموذج الثاني فهو النموذج الآسيوي (اليابان، ماليزيا، كوريا الجنوبيـة، سنـغـافـورة ...وغيرها) والذي أسميه (الطهو السريع) والذي تمت عملية النهضة والرقي فيه خلال عقود قليلة – وفي هذا النموذج لا توجد دولة واحدة لم تمر بطور مكثف من - الإصلاح المهندس Engineered Reform – لأن بديل ذلك هو الفوضى أو الطغيان.

ويقتضي هنا الحديث (الذي أحسبه هاماً للغاية) أن أؤكد على أن لكل ظاهرة جوانبها الإيجابية وجوانبها السلبية. ومن الجوانب الإيجابية لنجاح "حماس" (أسمها الأصلي: الأخوان المسلمون فرع غزة) في الإنتخابات البرلمانية الفلسطينية منذ أيام أنها ستعطينا الردود عن أسئلةٍ عديدة بالغة الأهمية:
- السؤال الأول: في المجتمعات الديمقراطية، فإن مجيء حزب للسلطة بناءً على نجاحه في الإنتخابات يصاحبه (حتماً) إحترام الحزب الحاكم الجديد للاتفاقيات التي إعتمدها البرلمان (ممثل الشعب) قبل وصوله للحكم. وهذا ما فعله البرلمان المصري بعد إعتماده لإتفاقيات كامب ديفيد وأيضاً ما فعله الكنيست في إسرائيل، فرغم أن البرلمان الإسرائيلي الذي جاء معه شارون للسلطة في أوائل سنة 2001 لم يكن أعضاؤه موافقين على إتفاقيات أو سلو وما بُنى عليها، إلاِّ أنه أحترم ما أعتمده في السابق ممثلو الشعب. وسيكون من المفيدِ للجميع أن نرى سلوك حماس في هذه الجزئية: فهل تفعل كما يفعل الديمقراطيون في العالم عند وصولهم للحكم أم تتجاهل ما وافق عليه في الماضي ممثلو الشعب الفلسطيني؟
- السؤال الثاني: كما أجرى يحيي باشا إبراهيم (كرئيسٍ للوزراء) أول إنتخابات برلمانية في مصر وسقط فيها وأدت لتأليف سعد زغلول لأول حكومةٍ برلمانيةٍ في تاريخ مصر الحديثة (يناير 1924)، فإن كلاً من محمود عباس (أبي مازن) وأحمد قريع أجريا في الأراضي الفلسطينية حديثاً إنتخاباتٍ سقط فيها حزبهم. وهو أمر يستحقون بسببه عظيم الإحترام. فهل تجري في يوم من الأيام حماس إنتخابات تسقط هي فيها؟
- السؤال الثالث: ستكون حماس أمام معضلة كبيرة هي أن بيدها مقاليد وزارة الداخلية وبيدٍ أخرى العمليات الموجهة لإسرائيل. فمن سيكونُ مسئولاً عن "محاسبية" كل وظيفة من هاتين الوظيفتين؟
- السؤال الرابع: وصل هتلر للحكم في ألمانيا عن طريق انتخابات ديمقراطية. وبعد أقل قليلاً من ثلاث سنوات من وصوله للحكم، قضى قضاءً مبرماً على الحياة الحزبية في ألمانيا – فهل تفعل حماس نفس الشيء أم تحذو حذوالحزب الإسلامي في تركيا؟
كانت تلك أربعة أسئلة – وهناك أسئلة عديدة أخرى. وسيكونُ الواقع هو الذي سيجيب عن هذه الأسئلة لنا.
* * *

(7)
المراقب للحياة العامة في البلدان العريقة في الديموقراطية وللحياة العامة في مصر لا يسعه إلا أن يلاحظ أن مصر بلد لا يستقيل فيه أحد من الناس، لا سيما من شاغلي الوظائف الكبرى كرؤساء الوزراء ورؤساء اللجان المختلفة بالمجالس العليا ورؤساء الهيئات والمؤسسات العامة ورؤساء المرافق العامة والشركات فما معنى هذه الظاهرة؟ وما هو سببها؟

لعل أروع تحليل وتأصيل لظاهرة عدم إستقالة الكبراء في مصر هو ما كتبه عباس العقاد، في كتابه عن "سعد زغلول" والتي أصدرها في سنة (1936) وذلك خلال حديثه عن إستقالة سعد زغلول من الوزارة (كوزير للحقانية) في وزارة محمد سعيد باشا في سنة 1912 والتي كانت بمثابة حادث عجيب في نظر المصريين الذين لم يعتد أحد منهم أن يرى الكبراء والوزراء يستقيلون.

يقول العقاد وهو يتحدث عن الأوضاع في مصر سنة 1912: "في البلاد الدستورية يخرج الوزير من ديوان الحكم ويعود إليه مرات في مدى حياته السياسية. وقد يخرج منه ويعود إليه أكثر من مرة واحدة في السنة الواحدة تبعاً لإختلاف الآراء العامة وإختلاف مواقف الأحزاب بين الصداقة والخصومة والتألب والتفرق في المناوشات البرلمانية، وقد يكون نفوذه وهو معارض أكبر من نفوذه وهو في ديوانه، مقيد بقيود الوظيفة، مطالب برعاية المراسم الوزارية. فإذا إعتزل المنصب فترة من الزمن لم يزل مرجواً مخشياً محسوباً له حسابه، ولم ييأس منه أصدقاؤه أو يستخف أعداؤه بشأنه لأنه يظل حيث كان قادراً على عمل متأهباً لعودة قريبة إلى الحكم، مرجحاً لهذا الجانب أو لذاك في مواقف الأمة ومواقف النواب".

"أما الوزير في مصر قبل خمس وعشرين سنة فقد كان بين حالتين ليس بينهما حالة وسطى فهو إما (وزير) أو (لا شيء) فإذا خرج من الحكم فلا رجاء فيه ولا ضرر منه، ولا أمل في عودته إلى الحكومة أو مشاركته في الحياة السياسية، لأنه كان يرتقي الوزارة بعد أن يتقلب في الوظائف الحكومية من أصغرها إلى أكبرها".

"ويستغرق في خلال ذلك ما يستغرق من وقت لا يقل عن أربعين أو ثلاثين سنة فمن معاون مأمور إلى وكيل مديرية إلى مدير من الدرجة الثالثة فالثانية فالأولى، إلى وكيل وزارة أو وزير يبلغ من العمر الخامسة والخمسين أو الستين لا يطلب منه عمل ولا يعتمد عليه في سياسة عامة...."

"يقضي الوزير ما يشاء له الحظ في منصبه ثم يخرج منه إلى داره وهو شيخ قد جاوز الستين وخطا إلى السبعين، فماذا يصنع في الأيام المعدودات الباقيات له من الحياة؟… إنه لوكان شاباً لما إستطاع أن يعمل شيئاً لأنه لم يخلق ليكون من أصحاب الأعمال؛ فإذا كان في تلك الشيخوخة الفانية فهو من باب أولى لا يقوى على عمل ولا يفكر فيه، ولا يبقى منه ما يرجوه راج أو يخافه خائف. إن هو إلا خارج من سجل الأحياء في الحقيقة لا من سجل الحياة الوزارية وحسب، فهما لفظان مترادفان".

"من هنا نستطيع أن نعلم أن المجازفة بالإستقالة أمر ليس بالهين في عرف الوزراء المصريين".

هذا ما كتبه "عباس العقاد" منذ سبعين سنة وهو يتحدث عن الوزراء والكبراء في مصر وأسباب عجزهم عن الإستقالة من مناصبهم أياً كانت الأمور التي تلحق بهم، فهل لا يصدق تشخيص العقاد هذا اليوم على جل شاغلي الوظائف العليا وشخصيات الحياة العامة في مصر-وهي حياة وظيفية حكومية في الأغلب الأعم؟؟..

فنظراً لعدم وجود حياة سياسية وحزبية مستقرة منذ أجيال من جهة أولى، ونظراً لإرتباط أرزاق ومزايا ومنافع شاغلي الوظائف العامة العليا ببقائهم وإستمرارهم في تلك الوظائف؛ فإن الإقدام على الإستقالة عند إستحالة تمسك رجل الحياة العامة أو الوظائف العليا الكبير بموقفه أو مبدئه أو عند تعرضه لما يخدش الكرامة والإباء.. سوف يبقى بعيداً كل البعد عن التحقق مع وجود إستثناءات نادرة بين الحين والآخر.

والذي يساعد المصري اليوم في المناصب الكبرى على التمسك بها رغم وجود العديد من الأسباب التي تدعوه لتركها في حالات كثيرة، أن الصبر على الضيم كان ولا يزال معلماً رئيسياً من معالم الشخصية المصرية، وكما قال العقاد في نفس المؤلف عن سعد زغلول فإن المثل الشعبي "أصبر على جار السوء، فإما أن يرحل وإما أن تحل به داهية" هو حقيقة من حقائق السلوك الحياتي لمعظم المصريين بسبب ضيق الرزق ووجوده دائماً في يد الحكام على خلاف المجتمعات الديموقراطية الغربية والتي لا ترتبط أرزاق ومصالح الناس فيها بالحكام وإلا طارت مقاعد الحكم من تحتهم.

ومن الأمور الثابتة، أنه كلما نمت الديموقراطية وإستقرت إعتاد الناس أن يروا الوزراء وغيرهم من شاغلي المناصب العامة الكبرى يستقيلون من مناصبهم، إذا خولفت آراؤهم مخالفة لا يكون بوسعهم بعدها الإستمرار في الحكم أو إذا تصادموا مع رئاساتهم أو إذا وجه إليهم نقد يأبون البقاء بعده في مناصبهم أو إذا مست كرامتهم.

والمراقب للحياة السياسية في مصر لا يسعه أن ينكر المناخ السياسي في مصر بعد تشكيل أولوزارة شعبية في تاريخ مصر الحديث (وزارة سعد زغلول في أوائل سنة 1924) وإن كانت قد شابها دوماً ما يجعلها إما ديموقراطية ناقصة (في حالات الوزارات الوفدية) أو أدنى للعدم (في حالات وزارات المستقلين وأحزاب الأقلية من توابع القصر وسلطات الإحتلال كالأحرار الدستوريين وحزب الشعب وحزب الإتحاد والسعديين وحزب الكتلة الوفدية).. قد أتاح لسجلات التاريخ أن تحتفظ لنا بمجموعة من الإستقالات الشهيرة التي كانت أعظمها إستقالة وزارة سعد زغلول في شهر نوفمبر 1924 بعد مقتل السردار البريطاني لي ستاك ومطالب بريطانيا والتي رفضها سعد زغلول في كتاب مشهور له يومذاك.

ويعتقد كاتب هذه السطور أن بوسع المؤرخين المتخصصين في تاريخ مصر المعاصرة أن يتحفوا القراء بفصول أعمق وأشمل عن أشهر الإستقالات في تاريخ مصر الحديث. وقد سمعت بعض تفاصيل ذلك منه عندما سعدت بزمالة الدكتور عبد العظيم رمضان منذ أكثر من ثلاثين سنة في جامعة قسنطينة بالجزائر، حيث كان أستاذاً لكرسي التاريخ الحديث بها وكان كاتب هذه السطور مدرساً مساعداً بكلية الحقوق بنفس الجامعة، وكذلك عندما سعدت بزمالة الكبير الدكتور يونان لبيب رزق صاحب أشمل دراسة موسوعية عن تاريخ الوزارات في مصر في جامعة فاس بالمغرب منذ أكثر من ربع قرن حيث كان المؤرخ المرموق أستاذاً لكرسي التاريخ الحديث بها وكان كاتب هذه السطور مدرساً مساعداً بنفس الجامعة.

* * *

(8)
عندما يتأمل أي مفكر سياسي واقع الحياة السياسية أو بالأحرى الحزبية في مصر قبل سنة 1952 واليوم بعد نحو ربع قرن من العودة للتعددية الحزبية لا يملك إِلاَّ أن يلاحظ أن السواد الأعظم من التيارات السياسية (الحزبية) التي كانت موجودة قبل 1952 قد عادت لمسرح الواقع السياسي بإستثناء تيار واحد فقط. فالوفد عاد وكانت عودته قد تلونت بمتغيرات الواقع والزمن…والإتحاد الإشتراكي غير فقط من ثوبه وأسمه وظل كما هو تجمعاً واسعاً كما كان من قبل تحت أسم الحزب الوطني الديمقراطي… وأصحاب طرح الإسلام السياسي (وهو مشروع سياسي بحت وليس دينياً على الإطلاق) كانوا نشطاء قبل 1952 ولاسيما خلال السنوات العشر السابقة لحركة يوليو1952، وهم الآن نشطاء وأكثر إستغلالاً لتردي المستويات الإقتصادية والإجتماعية والثقافية. أما الفاشيون (وعلى رأسهم أتباع حزب مصر الفتاة والحزب الإشتراكي والحزب الوطني) فهم أيضاً اليوم على الساحة، ويكفي أن نطالع عدداً من الصحف المسماة غير القومية لنعرف أن تياراً فاشياً لا يمكن إنكار وجوده هو الآن لاعب رئيسي على مسرح الأحداث (ومن المذهل أن مقالات بعض الكتاب الفاشيين المعاصرين تكاد تكون صورة طبق الأصل من مقالات أحمد حسين ممثل حزب مصر الفتاة التي كان ينشرها في الثلاثينيات (والتي كان يصاحبها قيام رجال من أتباع هذا التيار مثل فتحي رضوان وأستاذ الفلسفة عبد الرحمن بدوي بتأليف كتب عن هتلر وموسيلليني). كذلك فإن الناصريين (وإن لم يكن يجد لهم تواجد قبل 1952) لا يزالون نشطاء على مسرح الواقع السياسي المصري وأداء مذهل في تجاهله للشعور بالذنب بسبب أخطاء فادحة مثل التسبب في حرب 5 يونية 1967 وما أدى إليه من تغيير مروع في علاقات القوة بين العرب وإسرائيل ناهيك عن أخطاء أخرى مثل تحويل المؤسسة التعليمية المصرية إلى واحدة من أسوأ مؤسسات التعليم في العالم. وهكذا يتضح جلياً أن معظم التيارات والأحزاب التي كانت موجودة في مصر قبل 1952 يوجد اليوم ممثلون لها وإن تفاوتت أوزانهم ومقدرتهم على التأثير.
إلاَّ أن المؤكد أن تياراً واحداً لم يعد لخشبة مسرح الحياة السياسية في مصر وهو التيار الليبرالي. فالليبراليون اليوم في مصر هم من جهة قلة ومن جهة أخرى بلا تنظيم ومن جهة ثالثة فإنهم متجاهلون بالكلية من كافة الأطراف رغم أنهم الوحيدون الذين يمكن تصنيفهم بأنهم خارج كهف الحفريات بمعنى أنهم الوحيدون القادرون على فهم حقائق العصر والحديث بلغة هذا العصر وإستعمال لغة خطاب وتواصل مع الدنيا يناسب المرحلة الراهنة، بينما كل الآخرين هم في كهف الماضي يتصايحون ويتشنجون ويهتفون بمفردات لم يعد على وجه الكرة الأرضية من يشترك معهم فيها.
والسؤال الهام الآن هو: لماذا عادت كل التيارات لمسرح الحياة السياسية اليوم في مصر بإستثناء التيار الليبرالي الحقيقي؟
وهناك في الحقيقة عدة أسباب وراء هذه الظاهرة السلبية:
فمن جهة أولى، فقد شاعت في مصر خلال السنوات الخمسين الأخيرة ثقافة الموظفين العموميين أي ثقافة غير المستقلين - وهذه الثقافة بطبيعتها تنجب أي تيار إِلاَّ التيار الليبرالي. لقد نجحت حركة يوليو1952 في توسعة الطبقة الوسطى المصرية (عددياً) ولكنها من حيث الكيف أو النوع حولتها لطبقة من الموظفين العموميين أو أشباه الموظفين العموميين، وهؤلاء لا يصلحون أبداً لأن يكونوا ليبراليون.
ومن جهة ثانية، فإن النظام التعليمي المهترئ والقائم على إختبارات الذاكرة والحفظ والتلقين عوضاً عن إكتشاف وتشجيع روح الإبداع وكذلك إتسام المُناخ الثقافي والتعليمي والإعلامي العام بالإغراق في المحلية كل ذلك جعل من الصعب للغاية وجود أعداد كبيرة من الليبراليين.
ومن جهة ثالثة، فإن إنتشار ثقافة دينية رجعية (وصفة الرجعية هنا تتجه للثقافة الدينية وليس للدين) كان عاملاً مساهماً وبقوة في الحد من أعداد الليبراليين في واقعنا: فالليبرالية تحتاج لقدر من التفتح والتسامح والهواء الطلق الذين لا يتوفرون في ظل أي ثقافة دينية رجعية.
ومن جهة رابعة، فإن الليبراليين الحقيقيين كثيراً ما يعبرون عن أراء مختلفة مع أراء القطيع - وهو أمر لا يُقبل على الإطلاق في المجتمعات التي تغلب عليها ثقافة الشعارات الكبيرة وما يسمى بإنجليزية Stereotype .
ومن جهة خامسة، فإن المجتمعات ذات الهامش الديمقراطي الضئيل غالباً ما تسود فيها قيم ونظم وثقافة أصحاب القامات القصيرة - وهؤلاء هم أشد الناس حرصاً على إبعاد الليبراليون من فوق خشبة مسرح الحياة العامة لإن وجود نوابغ الليبراليين يشكل حرجاً لا يطاق بالنسبة لأصحاب القامات المعنوية القصيرة إذ تظهرهم المقارنة وهم عراة من القدارت والكفاءة والثقافة والخبرة والرؤية بمعانيها العصرية.
من أجل كل ذلك فقد عادت لمسرح الحياة السياسية والحزبية والعامة في مصر كل التيارات بإستثناء التيار الوحيد القادر على دفع مصر إلى الأمام في كل المجالات وجعلها تتبوأ المكانة اللائقة بها وكذلك أن تحظى بدرجة السلام الإجتماعي الداخلي والإزدهار الإقتصادي والهدوء الإجتماعي الذين بدونهم يصعب على مصر أن تكون لها بين الأمم المكانة اللائقة بأمة هي صاحبة فجر الضمير وفجر التاريخ وفجر الحضارة وفجر المدنية .

* * *

(9)
قد شهدت المنطقةُ العربية مواقفاً عديدة في الآونة الأخيرة تدل على التدهور البالغ في الحياة السياسية بوجهٍ عام وإنقراض الهامش الديموقراطي الهزيل الذي كان البعضُ يظن أنه موجودٌ حتى جاءت أحداثٌ أخيرة ونزعت ورقة التوت كليةً لتُظهر عورةَ النظم الشمولية في العالم العربي والتي أصبحت مضحكةَ العالم ومثارَ سخريته الشديدة. ولعل أسوأ ما حدث في هذا المجال هو التصريح الذي أدلى به وزيرُ خارجية أمريكا السابق هنري كيسنجر عقب وفاة الرئيس الأسد حين قال أن أية جرعاتٍ إصلاحيةٍ كبيرة في المجال السياسي والديموقراطي في هذا الجزء من العالم ستكون ضارةً وخطيرةً وهدّامة. وكان بذلك يكرر المقولة التي أصبحت شائعةً في العالم الغربي بأن شعوبَ هذه المنطقة (أي نحن) هي شعوبٌ إما لا تريد الديموقراطية وإما أنها لا تستحقها أو أخيراً أنها غيرُ مؤهلةٍ لها. وكلها إهانات بالغة لشعوب المنطقة ناهيك عن كونها مقولات خاطئة يريد بها قائلوها تكريس أوضاع معينة تسمح للقوى المؤثرة على القرار السياسي في الولايات المتحدة وأعني بالتحديد المؤسسات الإقتصادية لكي تستمر في تعاملاتها مع من يسهل التعامل معهم بالمقارنة بحكامٍ ديموقراطيين بشكلٍ حق يراعون في المقام الأول والأخير المصالح الكبرى لشعوبهم .

إن تصريحَ كيسنجر هذا ليس فقط خاطئاً ومغرضاً ولكنه أيضاً بالغُ الخطورة إذ أنه يعتبر حجر الأساس في تكريس واقعٍ سوف يقود حتماً للفوضى والإنهيار وبروز قوى سياسية قرون أو سطية تدعوأن بيدها الحل وهي لا تملك إلا أن تجيء بالظلام المطبق وتقضي تماماً على الديموقراطية والحريات العامة وحقوق الإنسان وإحتمالات الحداثة والعصرنة واللحاق بركب التمدن الإنساني بشتى جوانبه. إن شعوبَ المنطقة مثلهم مثل البشر في كل أنحاء المعمورة يستحقون الحرية والديموقراطية بكل ما قد يحدث في مراحلهما الأولى من أخطاءٍ ويستحقون أن ينعموا بأفضل ما أبدعته مسيرةُ الحضاراتِ الإنسانيةِ وأعني الديموقراطية والحكومات الخادمة لشعوبها والتي لا هم لها إلا تحسين شروط الحياة دون أن تمن بذلك على شعوبها ودون أن يكون من حقها أن تُقَدس ليل نهار .

ومن المؤسف له للغاية أن الغربيين اللذين يكررون أن شعوبَنا إما غير مؤهلة للديموقراطية وإما أنها غير راغبةٍ فيها قد تعلمت ذلك من بعض أبناء المنطقة اللذين يعلمون أن إقناع الغرب بذلك مربحٌ لهم إلى أبعد الحدود .

ويجب علينا في مصرَ أن نوقظ إدراك أبناء مصرَ أننا كنا أول شعوب المنطقة سعياً لحياة سياسية ودستورية وعملاً من أجل الديموقراطية والحريات العامة وأن ذلك يُملي علينا ليس فقط أن نحترم الهامش الديموقراطي المتاح اليوم في مصرَ (وهو الأرحب في كل البلاد العربية) وإنما أن نعمل جاهدين على مواصلة توسعة التجربة الديموقراطية وأن تكون غايتنا أن نصل في المستقبل القريب لما حققه اللذين سبقونا على درب الديموقراطية وألاَّ نقارن أنفسنا قط بمن هم أقل منا في هذا الشأن لأننا كنا الشعب الذي هتف أبناؤه منذ مائة سنة (الدستور يا أفندينا) عندما كان الآخرون لا ترد كلمة الديموقراطية أو الدستور ضمن مفردات حياتهم التي كانت لا تزال ترتع في ظروف القرون الوسطى .

* * *

(10)
في يومٍ من أيامِ شهر مايو1967 عدتُ للمنزل بينما كان جمالُ عبد الناصر يتحدث. سأله صحفيٌّ عما سوف يكون رد فعله لو أن الأسطولَ الأمريكي السادس والذي كان متواجداً عندئذ بالبحر المتوسط تدخل لصالح إسرائيل في المعاركِ التي كانت يومئذٍ مرتقبة. كان ردُ جمال عبد الناصر إنه لن يكون أمامنا إلاِّ إغراق الأسطول السادس. تذكرتُ ذلك كثيراً خلال العقود الأربعة الأخيرة. تذكرت ذلك عندما أطلق صدام حسين على معركته مع القوات الأمريكية (والدولية) في سنة 1991 تسمية "أم المعارك". وهكذا أصبحت معاركُ روميل ومنتجومري في صحراء مصرَ الغربية وكذلك معارك ستالينجراد ونورماندي في أربعينيات القرن الماضي (أطفال المعارك) إلى جوار (أم المعارك). تذكرت ذلك أيضاً عندما قال صدام حسين في مطلع سنة 2003 أن القواتِ الأمريكيةِ سوف "تنتحر" على أبوابِ بغداد. ثم تذكرته بشكلٍ مكثفٍ للغايةِ والقواتُ الأمريكية تخرج صدام حسين من حفرةٍ في الأرض. وفي الماضي القريب ذكرنا حسن نصر الله وبشار الأسد بتلك الفحولات الكلامية. سمعت حسن نصر الله وهو يقول أن الإسرائلين (وهمٌ) .. وأن القتال معهم يشبه لعبة الأتاري … كان حسن نصر الله يقول ذلك في نفسِ الوقتِ الذي كانت إسرائيل تُعيد إليه فيه جثث ثلاثة من مقاتليه.

وخلال السنواتِ العشرِ الماضية تأملت طويلاً وكتبت كثيراً عن أربعِ ظواهر: ظاهرة ثقافة الكلام الكبير في واقعِنا، وظاهرة مدح الذات التي لا يمارسها أحدٌ كالناطقين بالعربية، وظاهرة الانفصال بين الأقوال والأفعال، وظاهرة النظر إلى الأقوال وكأنها أفعال. ولهذه العلل (بالغة الضرر) جذور قديمة وحديثة. أما أبرزُ الجذورِ القديمة، فهو حقيقة إنه بينما عرفت الحضاراتُ القديمة أشكالاً شتى للإبداعِ كالموسيقى والملاحمِ والنحت والفلسفة، فإن العربَ قد أبدعوا في مجالٍ واحدٍ فقط هو الشعر (فن الكلام).وكل إنجازات العرب خارج دائرةِ الشعرِ جاءت بعد دخولِ شعوبٍ غير عربية في الإسلامِ. والشعرُ العربي القديم عامرٌ بثقافةِ الكلامِ الكبيرِ والمغالاة في مدح الذات والافتخار بأشياء بعضها (وربما جلها) لم يحدث قط، ناهيك عن نظرةٍ دونيةٍ للآخر (نشربُ الماءَ صفواً - ويشربوا الماءَ طيناً). وفي العصورِ الحديثةِ فإن غيابَ الإنجازاتِ الحقيقية من جراء سوء وفقر الطرق التي تدار بها مجتمعاتنا قد أضافت أسباباً أخرى جعلت هذه الظواهر تتفاقم وتستفحل. إن مساهماتنا في الطبِ والصيدلةِ والفضاءِ والهندسةِ والإلكترونيات والصناعةِ وتكنولوجيا المعلومات وغيرها لا تعلوفوق الصفر. ومع ذلك فإننا لم نهذب من تلك الفروع الشاذة في شجرةِ عقلنا: ثقافة الكلام الكبير… المغالاة في مدح الذات… الفصام بين القول والفعل… عدم إدراك الفارق بين الفعل (فَعَلَ) والفعل (قالَ).

ونظراً لأن شعوباً بهذه السبيكة هي أفضل ما يمكن تصوره لأي حاكمٍ مستبدٍ، فإن برامج التعليم ووسائل الإعلام المملوكة والخادمة لنظم الحكم المستبدة لم تساهم مرة واحدة في التصدي لتلك الأمراض، بل أدلت بدلوها وضاعفت من حجم الورم والداء وباعدت بيننا وبين البرء والشفاء.

ونظراً لأن مشاكلنا الذهنية متداخلة، فقد تفاعلت تلك العيوبُ التي أشرت إليها آنفاً مع عيوب أخرى مثل إرجاع كل المصائب والكوارث لطرفٍ آخرٍ متآمرٍ علينا… كذلك قادتنا تلك العيوب لنظرةٍ للعالمِ لا علاقة لها بالواقع. فالعالمُ ليس (ملائكة) كما يحلم بعضنا أن يكون. والعالم ليس (ذئاباً) كما يكرر البعض في واقعنا مع كل شهيق وزفير. كل دولة في العالم تخدم "مصالحها الحقيقية" إلا الظاهرة العربية… فالعرب يبحثون عن مجد لفظي وإنجازات قولية ونصر عرمرم من كبريات الكلام.

إن بدايةَ الوقوفِ على دربِ الصوابِ والإصلاحِ يقتدي تفعيل "العقل النقدي"، وهو غدة خامدة وخاملة في جسدِ معظمِ الكيان العربي. وتفعيلُ العقل العربي مستحيلٌ في ظلِ ذهنيةٍ كانت ولا تزال تعشق كبريات الكلام مثل أننا قد نضطر لإغراق الأسطول الأمريكي السادس أو أن معركة الجيش العراقي مع الجيش الأمريكي سنة 1991 ستكون أم المعارك. أو أن القوات الأمريكية ستنتحر (2003) على أبواب بغداد أو مثل وصف السيد حسن نصر الله لقتاله مع الإسرائيليين بأنه يشبه ممارسة لعبة الأتاري. إن حكامنا وأنظمتنا السياسية وبرامجنا التعليمية ووسائلنا الإعلامية وكبيرنا وصغيرنا غارق حتى الأذنين في وحل تلك النواقص العقلية والعيوب الفكرية.

في كتابه الرائع (العواصف) يقول جبران خليل جبران (1920):

(بالاختصار فالشرقيون يعيشون في مسارح الماضي الغابر ويميلون إلى الأمور السلبية المسلية المفكهة ويكرهون المبادئ والتعاليم الإيجابية المجردّة التي تلسعهم وتنّبههم من رقادهم العميق المغمور بالأحلام الهادئة. إنما الشرق مريض قد تناوبه العلل وتداولته الأوبئة حتى تعوّد السقم وألف وأصبح ينظر إلى أو صابه وأوجاعه كصفات طبيعية بل كخلال حسنة ترافق الأرواح النبيلة والأجساد الصحيحة فمن كان خالياً منها عُد ناقصاً محروماً من المواهب والكمالات العلوية.

وأطباء الشرق كثيرون يلازمون مضجعه ويتآمرون في شأنه ولكنهم لا يداوونه بغير المخدّرات الوقتّية التي تطيل زمن العلّة ولا تبرئها. أنا أبكي على الشرقيين لأن الضحك على الأمراض جهل كبير. أنا أنوح على تلك البلاد المحبوبة لأن الغناء أمام المصيبة غباوة عمياء).

ولكن من أَين تكون نقطةُ البدايةِ؟ .. أمن "التعليم" أم من "الإعلام" أم "من أين"؟ .. لا يساورني شك أن نقطةَ البدايةِ في هذا الشأنِ هي "توفر الإرادة السياسية للتغيير". وهذه الإرادة إما أن تتوفر لدى "الحاكم" .. أو لدى "قادة الفكر ومنظمات المجتمع المدني" أو لديهما معاً. وما لم تتوفر إرادة التغيير هذه، فإننا سنبقى مخدرين بحشيشة ذهنية وثقافة الكلام الكبير وأفيونة مدح الذات وقات الشبق الداهم للفخر (بما هو غير موجود على الإطلاق).

إننا سنكون في إنتظار "العنقاء" إذا تصورنا أن حكاّم المجتمعات العربية سيأخذون جميعاً (أو معظمهم) مبادرة البداية في إفاقة العقل العربي من خدر الكلام الكبير والمجد اللفظي والفحولات اللغوية .. قد يحدث هذا في بلد أو بلدين، ولكن التغيير لن يحدث ما لم تهب ريحُ حركةٍ ثقافيةٍ من قادة الفكر وحملة الأقلام والإعلاميين تقول للناس الحقيقة رغم مرارتها – هل هذا محتمل؟ .. الله وحده يعلم.

* * *

(11)
نحن أمة (أعني الأمة المصرية) تُعاني من عددٍ غير قليلٍ من المشاكل. ولا ترجع هذه المشاكلُ لعيوبٍ عرقيةٍ فينا (فالقول بذلك يخالف كل ما هو مستقر في العلومِ الحديثةِ) وإنما لأسبابٍ عديدةٍ بعضها سياسي وبعضها إقتصادي وبعضها ثقافي والبقية إجتماعية وتعليمية وإعلامية. ولسنا المثال الوحيد لأمةٍ تُعاني من مشاكلٍ كهذه؟ فالعالمُ يشهد عدداً من الأممِ التي تُعاني أضعاف ما يشهده من الأممِ التي أحدثت إنجازاتٍ كبيرةٍ تجعلها في أوضاعٍ ممتازةٍ (وأن لم تخل من العيوب - فكل ما هو "إنساني" مشوب بالنقصِ والعيوبِ بدرجةٍ ما: صغرت تلك الدرجةُ أم كبرت).ولكن الذي يجعلنا نختلف بعض الشيء عن أُممٍ أُخرى تواجه مشاكلاً كبرى كما نواجه نحن هو ما يلي:

أولاً : أن عدداً كبيراً منّا يميل لإرجاعِ تلك المشاكلِ لأسبابٍ خارجيةٍ، لأن ذلك من جهةٍ أسهلُ ومن جهةٍ أخرى لا يحمل الإنسان على نقِد نفسِه بشدةٍ، ناهيك عن أن إرجاعَ المشاكلِ لأسبابٍ داخليةٍ يُملي القيام بعملٍ (أو بأعمالٍ) أما إرجاع المشاكل لأسبابٍ خارجيةٍ فأنه يسهّل الركون للراحة (الراحة المادية وراحة الضمير معاً!). وقد أُتيح لي أن أعرف عن قربٍ مجتمعاتٍ عديدةٍ في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية بل وفي أوروبا (مثل "روسيا" بالتحديد) وأكاد أُجزم (أنا الذي لا يحب الجزم إطلاقاً) بأن معظمَ هذه الأمم لا تماثلنا في الميلِ الشديدِ لإرجاعِ مشاكلها لأسبابٍ خارجيةٍ بل وتميل للعكس وهو ما يأخذها لعملياتِ نقدٍ ذاتيةٍ لا أظن أن معظَمنا يطيقها.

ثانياً : أن عدداً كبيراً منا (بما في ذلك الصفوة الفكرية والصفوة الإدارية) تميل إما للشكوى أو لتشخيص العلل - ونحن في ذلك من الأفذاذِ!...بينما يندر من يتجه عقلُه وتفكيرُه إلى ما وراء (الشكوى) و(تشخيص العلل) لوصف ثم تطبيقِ "روشتات العلاج".

وهناك في الحقيقةِ صلة قوية بين إرجاعِ المشاكلِ لأسبابٍ خارجيةٍ والإكتفاء بالشكوى وتشخيص العلل... كما أن هناك صلةً قويةً بين إرجاعِ المشاكلِ لأسبابٍ داخليةٍ والإنكبابِ على وضعِ وتنفيذِ "روشتات العلاج". فالحزمةُ الأولى من المواقفِ (إرجاع المشاكل لأسبابٍ خارجيةٍ...والشكوى...والإسراف في تشخيصِ العلل) هي "حزمة سلبية" في جوهرِها ومادتها الخام المصنوعة منها. أما الحزمةُ الثانية من المواقفِ (إرجاع المشـاكل لأسبـاب داخـليـة ...وعدم الإنشغال بالشكوى...والمرور بسرعةٍ على مرحلةِ التشخيص... وممارسة أشكالٍ عدةٍ من النقدِ القاسي للذات...ثم وصف أساليب العلاج وتطبيقها) فإنها "حزمةٌ إيجابيةٌ" في جوهرِها ومادتها الخام المصنوعة منها. ولننتقل بعد ذلك التأصيل الفلسفي اللازم لعددٍ من الأمثلةِ التي تزيد ما ذكرته آنفاً وضوحاً.

فنحن جميعاً نعلم أن العالمَ المتقدم يعتبر نوع التعليم الذي تقدمه مؤسساتنا التعليمية بشتى مستوياتها "تعليماً خارج العصر"، ومنذ سنواتٍ وعدد كبير من الشهادات المصرية أضحت غير معترف بها في الخارج، ناهيك عن أن مؤسساتِ العمل العالمية قد كررت مراراً أن مُتلقي التعليم في مصرَ خلال السنوات الثلاثين الأخيرة بالتحديد لا يصلح (في أغلب الحـالات - وبإستثناءاتٍ قليلةٍ) لمعظمِ مواقعِ العملِ في سائرِ الوحداتِ الإقتصاديةِ الإنتاجيةِ والخدميةِ وكذلك في مجالاتِ التعليمِ قبل الجامعي والجامعي وفي مجالاتِ البحث العلمي وأَنه في الأغلبِ إنسانٌ عاش في ظلِ منظومةٍ تعليميةٍ تقوم على إختباراتِ الذاكرةِ والتلقين وحشد المعلومات في الرؤوس ولكنها خالية من الحريةِ الفكريةِ والإبداعِ والقدرةِ على البحثِ الحر والقدرةِ على العمل الجماعي (روح الفريق) ناهيك عن فقرٍ مذهلٍ في القدرةِ على التعبيرِ عن الآراء شفاهة أو كتابة بالإضافة إلى مستوياتٍ بالغة التدني في التعامل بلغاتٍ أجنبيةٍ. نحن جميعاً نعلم ذلك...وهناك الكثير جداً الذي يُقال ويُكتب ولكن كله إما تحت عنوان (الشكوى) أو تحت عنوان (تشخيص المشكلة)...أما العملُ الفعّالُ على التغيير فإما ضئيل للغايةِ وإما متعثر أمام سطوةِ البيروقراطية المصرية وإما متسم ببطء يشبه السكون...ولدينا "شيوخ تربية" بالعشراتِ والمئاتِ يعيشون تحت لافتة "الشكوى" أو تحت لافتة "التشخيص". وكرجلِ إدارةٍ فإنني أعلم أن ذلك نتيجةٌ طبيعيةٌ لأننا أعطينا مهمةَ التغييرِ والتطويرِ في هذه المنطقةِ الحيويةِ (للغايةِ) لمن هم إما شركاء في صنعِ المشكلةِ الحالية التي نعاني منها وإما لمن هم على غيرِ صلةٍ بسياساتِ التعليمِ العصريةِ القائمِة على الإبداع وغرسِ قيمِ التقدمِ والإتقان والعمل الجماعي والإستعمال الواسع لأدواتِ التكنولوجيا الحديثة في الإتصالاتِ والمعلوماتِ وغيرها.

وإذا تركنا مأساةَ التعليمِ جانباً وأمعنا النظر في منطقة أخرى مثل إفتقارنا الشديد للقياداتِ الإداريةِ التي بدونها لا يصنع نجاحاً ولا تطويراً ولا نهضة، فإننا نجد أنفسنا أمام نفس الوضع: فالكل يشكو مكرراً (إنها مشكلة إدارة في المقام الأول والأخير)...والبعض ينتقل من "الشكوى" لبعضِ أشكالِ التشخيص...ثم نبقى على ما نحن عليه: أمة أدت منظومتُها الإدارية/ البيروقراطية وأدت منظومتُها التعليمية وأدى إنقطاعُها عن الإتصالِ بعلومِ الإدارةِ الحديثةِ نظرياً وعملياً إلى حالةٍ من أسوأ حالاتِ الإدارةِ في العالم: فنحن ببساطة أمة لديها جيش من "الرؤساء في العمل" في شتى المواقع "ولكن السواد الأعظم من هؤلاء "رؤساء" وليسوا "مديرين" أو "قادة تنفيذيين" بحسب المفاهيمِ الحديثةِ للقيادةِ الإداريةِ والتي ليست مطابقةً بالضرورةِ لكون إنسان رئيساً في العملِ. والسببُ أننا لا نتوقف عن الشكوى من وجود "مشكلة إدارة" في مصرَ ولا نتوقف عن تشخيصِ الداءِ...ولكننا نُبقي المنظومة الإدارية بأكملِها على حالِها: التدريب ...إكتشاف المواهب القيادية... الترقية... إختيارت القيادات...عدم تأبيد القيادات...تبقى منظومتنا في هذه المنطقة بلا أي تغييرٍ - ثم يتعجب البعضُ منا: لماذا ندرك أن المشكلةَ هي "مشكلة إدارة" ثم لا يعقب ذلك علاج ؟ ببساطةٍ : لأن العلاجَ يحتاج لجسارةٍ كبيرةٍ في تغييرِ ما أصبح من الثوابتِ في دنيا لم تعد فيها ثوابتٌ كثيرةٌ.

وينطبق ما سلف على عشراتِ المواضيعِ والمجالات، إذْ نبقى بعيدين عن "الحلولِ الجذريةِ" بسبب إستغراقِنا إما في "الشكوى" أو في "التشخيص" ...في وقتٍ أصبحت كبرياتُ برامج التدريب في مجال الإدارة العليا تقوم على فكرةِ "إدارة التغيير" (Management of Change) : فهذا هو الجسر الوحيد ما بين جانب الشكوى والتشخيص وجانب العلاج...بمعنى أنه من المستحيلِ أن تؤدي الشكوى وأن يؤدي تشخيص المشاكل لأي علاجٍ... وبنفسِ القدرِ، فإن عدمَ تغييرِ الأُطرِ التي في ظلها تكونت المشاكل (بما في ذلك عدد من النظم المستقرة والقوانين) سيكون دائماً مسبباً لإستحالة التطوير: فحلُ معظم المشاكل في ظل بقاء أُطر نشوءِها ونموها هو ضربٌ من المستحيل - ومن الخطأ للغايةِ هنا أن نظن أن الإحتفاظَ بالأُطرِ الشائعةِ مجلبٌ للإستقرار، إذ أنه في الحقيقةِ مجلبٌ لإستمرارِ المشاكلِ وتفاقمها - فكلُ "إطارٍ" كان سبباً لمشكلةٍ من مشاكلِ حياتنا يجب أن "يزال" ويستبدل بإطارٍ آخرٍ مختلف تماماً لنكون على دربِ التطوير.

ولا يكتمل الحديثُ في هذا الموضوع دون التطرق لإرادةِ التغييرِ: إذ يبقى المجتمع دائراً في مداراتِ الشكوى وتشخيصِ العللِ ولا يخرج لمداراتِ التطويرِ كلما كانت إرادةُ التغييرِ صغيرةً أو كانت هناك رغبة في تجنبِ مواجهاتٍ لا يمكن إحداث التغيير بدونها مع مسلماتٍ وأوضاعٍ وأشخاصٍ لا يمكن إكتمال إرادةِ التغييرِ بدون إستقرارِ اليقيين أنهم وإن كانوا من مفرداتِ الماضي إِلاَّ أنهم حتماً ليسوا من مفرداتِ المستقبل الجيد بل قد يكونوا من عوائقِ وموانعِ مجيئه بالصورةِ الإيجابيةِ المنشودةِ.

إن أحزاب المعارضة في مصرَ تتحدث (بلا كلل) عن حتمية "تداول السلطة" وهو مطلب لا فائدة منه: فكل عيوب حياتنا العامة مجسدة في أحزاب المعارضة بل وأحياناً بدرجة أشد - والمسألة الأهم هي أن "صنّاع المشاكل" (أياً كانت هذه المشاكل) هم أقل الناس قدرة على معالجتها وأن الأمر لا يحتاج في حياتنا لتداول سلطة أو حتى الحديث عن أجيال أصغر سناً وإنما الحديث عن ثلاثة أمور بالغة الأهمية:
- أن حل المشاكل عن طريق صناعها أمر مستحيل.

- أن حل المشاكل دون تغيير جذري في أُطر تكوينها هو أيضاً أمر مستحيل.

- أن "السن" في حد ذاته ليس عنصراً في معادلة التطوير، فنحن لسنا بحاجة لأشخاص أصغر سناً بقدر ما نحن بحاجة لأفكار أكثر شباباً وحداثة (وعصرنة) وقد يجتمع الأمران : شباب العمر وشباب الفكر وقد يفترقا.

* * *

(12)
شغلني موضوعُ "التقدم" بشكلين مختلفين خلال ربع القرنِ الماضي - فمرة شغلني عندما تمثلت أمام عيني الترجمةُ النهائية للتقدمِ في إحدى المؤسسات العالمية التي أَعطيتُها من حياتي عشرين سنة والتي تحقق (عن طريقِ نخبةٍ من أفضلَ العناصرِ البشريةِ) ثمرةً نهائيةً تفوق مجملَ الدخلِ القومي لكل البلادِ العربية معاً .. فقد كنت أرى (ولعقدين من الزمان) الثمرةَ النهائية للتقدمِ الإنساني في شكلِ منظومةِ عملٍ بالغةِ الرقي وتقوم في المقامِ الأول على تفعيلِ إمكاناتِ النخبةِ الممتازة من البشرِ العاملين فيها والذين كانوا ينتمون لجنسياتِ نحو مائة دولة. ومرة أخرى شغلني موضوعُ التقدم من الناحيةِ الفكريةِ عندما عكفت على دراسةِ عوامِله وقيمه وآلياتِه. وخلال السنوات الثلاث الأخيرة إستلبني هذا الموضوع تماماً؛ وعندما أفردت له كتاباً لم أتناول فيه غير موضوع التقدم ("قيم التقدم" دار المعارف بمصر، 2001) كنت أعلمُ أنني لم ألمس إِلاِّ جانباً من جوانبِ هذا الموضوعِ بالغ الأهمية في واقعِنا.

ففي هذا الكتاب أَصلّت ما يلي :
أولاً: أن التقدمَ نتيجةُ "مجموعةٍ قيميةٍ" وليس نتيجة "ثروة ماديةٍ" أو "ثروة طبيعيةٍ" .

ثانياً: أن مجموعةَ القيم التي تصنع التقدم هي مجموعةُ قيمٍ إنسانيةٍ وليست أو روبية أو أمريكية. والدليلُ الأكبر على ذلك أن نفسَ القيمِ عندما شاعت في أكثر من مجتمعٍ في شرق آسيا فإنها أحدثت نفس التقدم (بل وبأشكالٍ أذهلت الغربيين).

ثالثاً: أن مجموعةَ القيم التي تصنع التقدم لا تنفي أو تزيل الخصوصياتِ الثقافية لأي مجتمعٍ والدليلُ الأكبر أيضاً على ذلك أن نفسَ هذه القيم عندما شاعت في أكثرِ من مجتمعٍ في شرق آسيا فإنها لم تؤد إلى زوالِ الخصوصياتِ الثقافيةِ لهذه المجتمعات.

رابعاً: أن معنى أن قيمَ التقدمِ "إنسانيةٌ" في المقامِ الأولِ أنها من آثارِ ومنتجاتِ المحصولِ التراكمي للحضاراتِ المختلفةِ وليست منتجاً لحضارةٍ بعينها ؛ وإن كانت الحضارةُ الغربية قد شهدت (وسمحت) بالطورِ الأحدث (والأكبر) لتطويرِ وشيوعِ هذه القيم .

خامساً: أن "قيمَ التقدم" هي في الغالبِ الأعم (على سبيلِ المثالِ لا الحصر) ما يلي:
• قيمة الوقت.
• ثقافة النظم (لا ثقافة الأشخاص).
• الإتقان.
• العقل النقدي (وما ينتج عنه من قبول النقد وممارسة النقد الذاتي).
• الإيمان بالتعدديةِ كمظهرٍ أساسي للحياة والمعرفة والأفكار والنظم.
• قيم التقدم الإداري أو قيم العمل الحديث (مثل عمل الفريق والإهتمام بإدارة الموارد البشرية والتفويض والإهتمام بعلوم التسويق ورقي آليات الإدارة الحديثة).

ولكن كل ذلك يقتضي توفرُ مناخٍ ثقافيٍّ وفكريٍّ وتعليميٍّ وإعلاميٍّ عامٍ يسمح بشيوعِ وتأصيلِ "قيمِ التقدم" – وأهم أسس هذا المناخ العام هي توفر جوثقافي عام لا يناهض التغيير. فإذا كانت كلُ حالاتِ التقدم الكبيرة في عالمِنا خلال الخمسين سنة الأخيرة هي نماذج لإصلاحٍ (ونجاحٍ) إداري قبل أن تكون نماذج لإصلاحٍ (ونجاحٍ) إقتصادي، فإن الإصلاحَ الإداري - شأنه شأن كل علومِ الإدارةِ الحديثةِ - يلزمه وجود مناخٍ عامٍ يقبل "التغيير" - إذ أن التفاعلَ والتعاملَ الخلاّق مع "التغيير" هو "قلبُ النجاحِ الإداري" في كل حالاتِ الطفرة. لذا، فإنه لا توجد برامج إدارة عليا بكبريات جامعات العالم إلاِّ وتجعل من "إدارة التغيير" (Managing The Change) جوهراً للنجاحِ الإداري.

إن جوهرَ الرسالةِ الأساسية التي أحاولُ بثها قد تكون غيرَ واضحةٍ في أذهانِ عددٍ كبيرٍ من الناسِ في واقعِنا (ولا عيب في ذلك) وإن كانت من بديهياتِ علومِ الإدارةِ الحديثة. فكلُ برامج التدريبِ والدراساتِ للإدارة العليا في العالمِ المتقدمِ تقوم على أرضيةٍ واضحةٍ من المفاهيمِ التاليةِ :

• إن ثقافةَ "بقاء الحال على ما هي عليه" هي ثقافةٌ مفهومة تاريخياً وسوسيولوجياً لاسيما في المجتمعاتِ القديمةِ ولكنها هي الثقافة التي يجب نقدها وإظهار عيوبها لكل من يرغب في التقدمِ والنجاحِ .

• إن ثقافةَ قبولِ التغييرِ والتعاملِ الإيجابي والبناءِ معه هي الخلفيةُ الأساسية للتقدمِ والنجاحِ.
• إن علومَ الإدارةِ الحديثةِ تنظر للتغييرِ والتعاملِ معه من وجهةِ نظرٍ واقعية تحاول قدر الإمكان أن تكون خالية من المذهبية (الإيديولوجية) .

• أن تقنياتِ الإدارةِ الحديثةِ والتي قادت الغرب وشرق آسيا للتقدمِ جوهرها هو "التعامل الإيجابي المستمر مع التغيير".

وفي إعتقادي أن أكبرَ عدو لثقافةِ التغييرِ هو الإنطلاق من موقفٍ أيديولوجي - فتقنياتُ الإدارة الحديثة تقوم ببساطةٍ على آليات ثبت نجاحها عملياً وواقعياً ولم يتم إختيارها بسبب دوافع مذهبية (أيديولوجية). بل أن الأيدلوجيا نفسها تخضع لهذا القانون، بمعنى أننا بينما نجد الأيدلوجيين يبحثون المذاهب المختلفة إنطلاقاً من نقط فكرية (نظرية) فإن القادةَ الإداريين ينظرون إليها من منظورٍ تجريبي/واقعي. وكمثالٍ فقد يستغرق الحوارُ الفكري أذهان الأيديولوجيين حول أطروحاتٍ مثل الإقتصاد الموجه وإقتصاد السوق .. بينما ينظر القادةُ الإداريين في المجتمعاتِ المتقدمةِ من زاويةٍ مختلفةٍ: فهم يبدأون من أن الإقتصاد الموجه قد تُرجِمَ في النهايةِ في تجاربٍ مثل كوبا وكوريا الشمالية وإن إقتصاد السوق تُرجِمَ في تجاربٍ مثل اليابان وماليزيا - وأن هذا المنظور يجب أن يكون منطلق التقييم الأساسي (والحقيقة أن الجمعَ بين الإعتبارين معاً هو الأكثرُ صواباً) .

وأعود إلى أنه إذ كان جوهرُ التقدمِ هو "الإدارة الناجحة" .. وإنه إذا كانت "الإدارةُ الناجحة" تستلزم شيوع "قيم التقدم" كشرطٍ للنجاح، فإن المُناخَ العام القابل للعقلِ النقدي والمتعايش بشكلٍ إيجابي مع ثقافةِ التغييرِ هو ركنٌ أساسي لظاهرةِ التقدم.

وقد يبدوهذا الحديث للبعضِ حديثاً عاماً ومجرداً ونظرياً، والحقيقةُ أنه عكس ذلك تماماً : فكيف يمكن أن يحدث التقدمُ في موضوعٍ مثل إصلاح التعليم (وهو ما ينشده كثيرون في واقعنا) بينما يلي ذلك رفضٌ واسعٌ للتغييراتِ الأساسيةِ في فلسفتنا وبرامجنا التعليمية مع رغبةٍ عارمةٍ في بقاءِ الحال على ما هي عليه؟؟ وكيف يحدث الإصلاحُ السياسي في ظلِ رغبةٍ عارمةٍ في عدم الإقتراب (بالتغيير) لعددٍ من أُسسٍ حياتنا السياسية؟؟ وكيف يحدث الإصلاحُ الإقتصادي دون المساس بالتغيير لأُسسٍ عديدةٍ في حياتنا الإقتصادية تجعل مُناخَ الإستثمارِ عندنا غير مقبول من وجهة النظر الإقتصادية العالمية؟؟ إننا ببساطةٍ ننشد التغيير إلى الأفضل في نفسِ الوقتِ الذي نتمسك فيه بمعظمِ آليات حياتنا في حالةٍ صارخةٍ من حالاتِ التناقضِ، إذا يبقى التغييرُ للأفضل مستحيلاً دون تغيير العديدِ من مفرداتِ الصورةِ.

ولا يساورني شك أن "ثقافةَ الثباتِ" أو "ثقافةَ معادةِ التغييرِ" إما أن تنبع من " خوفٍ" منبعه "عدم الرؤية" بمعنى عدم معرفة إلى أين يأخذنا التغييرُ - وإما تنبع من مصالحٍ شخصيةٍ يخشى أصحابُها أن يؤدي التغييرُ لضياعِها. ورغم هذا فإنني أقبل (من منظورِ علومِ الإدارةِ الحديثةِ) أن يقول قائلٌ: أن التغييرَ حتميٌّ... وإن هذه هي "رؤيتنا لمفرداتِ التغييرِ" إِلاِّ أن "التدرجَ في التغيير" هو أمرٌ حتميٌّ للسلامِ المجتمعيِ أو الإجتماعي ...وهي وجهةُ نظرٍ قد أختلف معها (في الدرجة) إِلاَّ أنني لا أنكر حكمتها... بشرط أَلاِّ تكون مبرراً للثبات الذي من شأنه أن يأتي بمخاطرٍ لعل أهمها تفاقم حجمِ المشكلاتِ.

وستكون الصورةُ أكثرَ وضوحاً إذا ذكرت أمثلةً أولها ما يلي: أن كلَ الأرقامِ الإقتصاديةِ تؤكد أننا إذا لم نحقق تنمية إقتصادية مستديمة بمعدل سنوي ما بين 8 و10% ولمدةِ عقدٍ كاملٍ من الزمان، فإنه لن يكون بوسعنا تحقيق الطفرةِ الإقتصاديةِ اللازمةِ للإستقرارِ الإجتماعي والسياسي (وإن كنت أدرك أن الطفرةَ الإقتصاديةِ بدون تعليم عصري وبدون تنمية المشاركة في الحياة السياسية لا تضمن الإستقرار الإجتماعي والسياسي). وإذا كانت كلُ الأرقامِ الإقتصاديةِ تؤكد أن تحقيقنا لنمو إقتصادي مستديم بمعدل 8-10% سنوياً هو أمر مستحيل بمواردنا الذاتية (الدولة ومدخرات المواطنين)...فإننا نكون أمام حقيقة لا تنكر مؤداها أننا لكي نحقق النموالإقتصادي المنشود وبالمعدلاتِ المستهدفةِ فلا بد من توافت إستثمارات عالمية (مباشرة أو غير مباشرة) بشكل محدد. وهو ما يجعلنا أمام السؤال الكبير التالي: إذا كنا ندرك حتمية وجود إستثمارات عالمية لحدوث التنمية المنشودة، وإذا كنا نعلم ذلك وإذا كان ذلك لا يحدث بالدرجة المستهدفة فإن السؤالَ يبقي:لماذا؟…والجواب : لأننا نعلن تبني الهدف (جذب إستثمارات عالمية كبيرة لواقعنا الإقتصادي) دون أن تواكب ذلك "إرادة التغيير" في مجال الموانع التي تجعل الإستثمارات العالمية لا تتوافد إلينا. نحن مرة أخرى في حالةِ تلبسٍ بالإقتناعِ بأمرٍ وعدم العمل على توفيرِ مُعطياتِ حدوثِه، لأن "ثقافةَ بقاءِ الحال على ما هي عليه" طاغيةٌ في واقعنا. وما لم يكن ذلك كذلك، لأعلنا بوضوح أن الإستثمارات العالمية لا تأتي إلينا بالقدرِ المستهدف لدينا لأن لدينا قائمةً من العوائق هي "كذا وكذا" وأننا بصددِ العملِ على إستئصالِ تلك العوائق. أما أن نميل إلى أن الإستثماراتِ الدوليةِ لا تأتي لأن هناك مؤامرة لإبعادها عنا (!!) أو لأن القائمين على تلك الإستثماراتِ الدوليةِ لا يفهمون بالقدرِ الكافي كم أن بيئتنا الإقتصادية رائعة ومغرية (!!) فإننا نكون كالمريض الذي يعرف "حقيقة الداء" ولكنه يظل متمسكاً بالشفاء دون تعاطي الدواء.

وهناك مثال آخر واضح في واقعنا، فبينما يكرر كثيرون أن لدينا مشكلة إدارةٍ عويصةٍ (هي في إعتقادي سبب فشل القطاع العام وبعد ذلك ترنح القطاع الخاص وأيضاً سوء أداء الإداراتِ الحكوميةِ والخدميةِ)... بينما يكاد يردد الجميعُ "لدينا مشكلة إدارة مستعصية" ...فإننا لا نترجم هذه الرؤية إلى مفرداتٍ عمليةٍ كأن نقول أننا نعاني من عجزٍ إداريٍّ مهولٍ لإن نظمَ التعليمِ لا تنتج المواطن الذي يمكن أن يتحول إلى مديرٍ عصريٍّ فعالٍ ...كما يمكن أن يقول البعضُ أن نظامَ العملِ لدينا وبالتحديد نظم الترقية وإختيار القيادات بالأقدميةِ وعدم توفرٍ برامج تكوين المديرِ العصري الفعال هي لبُ المشكلةِ .. كما يمكن أن يقول آخرون أن غلبةَ الإعتبارات الشخصيةِ على الإعتبارات الموضوعيةِ هي أساس المشكلة .. أو يقول غيرُهم أن عدمَ إحتكاكِنا بآلياتِ ونظمِ وتقنياتِ الإدارة الحديثةِ في المجتمعاتِ الأكثر تقدماً هي منبتُ العلةِ. إننا مرة أُخرى نقدمُ حالةً من حالاتِ التناقضِ الصارخِ بين الإقدامِ والإحجامِ : فنحن نقدم على حلِ المشكلةِ عندما نقول أن لدينا مشكلة إدارة مستعصية...ونحجم عن العلاج عندما نبقي مفرداتِ الواقع الذي أدى لوجود هذه المشكلةِ على ما هي عليه دون عملياتٍ جراحيةٍ لازمةٍ لمنابتِ العللِ أو العلةِ.

وأُنهي الأمثلة (رغم كثرتها) بمثالٍ ثالثٍ: فنحن جميعاً نعلم الحقيقتين الكبيرتين التاليين...أما الحقيقةُ الأولى فهي أن إتقان اللغةِ الإنجليزية قراءةً وحديثاً وكتابةً هي من أهم مستلزماتِ اللحاقِ بالعصرِ، إذ أنه من المستحيلِ التواصل مع العلومِ والثقافاتِ والمعارفِ الحديثة دون إتقانٍ كبيرٍ للغةِ الإنجليزيةِ، وهذا هو ما أَحدث التغيير الكبير في واقعِ مجتمعاتٍ مثل فرنسا والمانيا واليابان كانت حتى سبعينيات القرن الماضي تقاوم الإستعمال الواسع للغة الإنجليزية بسبب نعراتٍ قوميةٍ ثم أصبحت الآن على النقيض تماماً بسبب ضروريات الحياة...والحقيقةُ الثانية أن مدارسنا المصرية الحكومية كانت في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي تخرج تلاميذاً وطلاباً مصريين يتقنون إلى جانب اللغة العربية اللغة الإنجليزية وأحياناً اللغة الفرنسية أيضاً.نحن نُدرك جميعاً هاتين الحقيقتين ونكرر ليل نهار الحديث عن إصلاح التعليم، ومع ذلك فإن الأجيال الجديدة من خريجي المدارس غير الأجنبية لدينا لا يتقنون بأي شكلٍ معقولٍ ومقبولٍ اللغة الإنجليزية كما أن خريجي المدارس الأجنبية لا يتقنون اللغة العربية. نحن هنا للمرة ِ الثالثةِ أمام هذا التناقض الصارخ بين الإجماعِ على الهدفِ (تطوير التعليم) والإخفاق الكلي في تحسينِ منطقةٍ سهلةٍ من مناطق إصلاح التعليم لا لسبب إِلاِّ لأننا نظن أن التطويرَ جائزٌ بدون تغييرٍ جذريٍّ في معطياتِ المعادلةِ التي أنتجت المشكلة. ومعطياتُ المشكلةِ بإختصارٍ أن مدرسين اللغة الإنجليزية أنفسهم لا يتقنون هذه اللغة، وعليه فإن النتيجةَ (السلبية) مؤكدةٌ. في حوارٍ منذ فترة قريبة مع أحدِ المحافظين الحاليين (وهو محافظ مشهود له بالنجاح الإداري في عملهِ) ذكر لي أنه طلب من مساعديه التاريخ العلمي لمدرسي اللغة الإنجليزية بمحافظته .. ولما وصلت له البياناتُ المطلوبة إكتشف أن ثمانين في المائة من مدرسي اللغة الإنجليزية في محافظته لم يقوموا بأية دراسةٍ منهجيةٍ في اللغةِ الإنجليزية فهم من الحاصلين على شهاداتٍ في مجالاتٍ أخرى مثل التاريخ والعلوم الإجتماعية والجغرافيا وليس في اللغةِ الإنجليزيةِ. لقد بدأ هذا المحافظُ رحلةَ العلاجِ ولكنها رحلةٌ يجب أن تكونَ عامةً كما يجب أن تكون مشمولةً بالقدرةِ على التغيير في مواجهةِ ثقافةِ عدمِ التغييرِ. إن ما إكتشفه هذا المحافظُ ليس إبتكاراً علمياً ولا يحتاج لكثيرٍ من المؤهلات لأكتشافه... إنه يحتاج فقط لتوفر إدارة التغيير.

إنا أعلم قدرَ الألمِ الذي تحدثه هذه الدرجةُ من الصراحةِ في وصفِ بعض مشكلاتنا – ولكن عذري أنني أؤمن بالحكمةِ البالغةِ التي عبر عنها جبران خليل جبران منذ أكثر من ثمانين سنة في كتابه "العواصف" (الذي صدر سنة 1920)...يقول جبران: (وأطباء الشرق كثيرون يلازمون مضجعه ولكنهم لا يداوونه بغير المخدرات الوقتية التي تطيل زمن العلة ولا تبرئها).

* * *

(13)
المحور الرئيسي لكتاباتي منذ سنوات هو "التقدمُ". فعندما أُفرد فصولاً عديدةً في كتبي ومقالاتي لمسائلٍ مثل تطويرِ التعليمِ أو إستعمالِ تقنياتِ الإدارةِ الحديثةِ في شتى المجالاتِ لتحسين الظروف الحياتية، وعندما أُصدرُ كتباً تتعلق بعيوبِ تفكيرِنا المعاصرِ ... فإن كلَ ذلك (عندي) يصب في نهرٍ واحدٍ هو نهر تكوينِ عناصرِ التقدم أو إزالِة معوقاتِ التقدم. ومن أهمِ جوانبِ قضيةِ صنع التقدمِ (وضع المرأة في المجتمع) ونوعية الثقافة (العقلية أو الذهنية) التي ينظر بها المجتمعُ للمرأةِ ويتعامل معها. ويقيني أن هذا البعدَ هو أحدُ أهمِ أَبعادِ عمليةِ الحكمِ على مدى تقدمِ أي مجتمعٍ (أوتأخره). ورغم إيماني العميق بأن المرأةَ هي (على الأقل) مساويةٌ للرجلِ في كلِ شئٍ وفي كافِة مناحي الحياة، إِلاَّ أن حماسي لهذا الموضوع ينبعُ من إيماني بأن أَخطرَ ما في الذهنيةِ أو الثقافِة الذكوريِة التي تضع المرأة في مواضعٍ أدنى من الرجلِ هو تلك (الذهنية) ذاتها - فرغم أن الثقافة التي لا تساوي مساواة كاملة بين الرجلِ والمرأةِ هي ثقافةٌ ماضويةٌ متخلفةٌ عن العصر وثقافتِه وعلومِه، ورغم أنها "ثقافةٌ ظالمةٌ" وبالتالي "غير إنسانية" ؛ وهو ما يستحق أكثر بكثيرٍ من مجردِ الإدانةِ، إلاَّ أن الدمارَ والضرر الكبيرين يأتيان من "الذهنيةِ" التي بسببها تسود تلك الثقافةُ الذكورية الرجعية - وبسبب شيوعِ وسيادةِ تلك الذهنية يستحيل (أكرر مرة أخرى: يستحيل) إنجاز التقدم الكلي المنشود للمجتمع.

ولا شك عندي أن العمودَ الفقري لذهنيةِ وضعِ المرأة في موضع أو مواضع أدنى من مواضع الرجل هو (نقص الثقة بالذات). فالرجلُ الذي لا يُعاني من مشكلِة نقصِ ثقةٍ بذاته وعقلِه وفكرِه وكيانه لا يحتاج لثقافةٍ عامةٍ تضع له المرأةَ في مواضعٍ أدنى منه. وقد علمتني خبرةُ التعاملِ مع آلافِ الشبابِ أن أصحابَ النصيبِ المتواضعِ من القدراتِ بوجهٍ عام أشدُ تمادياً في التمسكِ بالثقافِة الذكوريةِ التي تضع المرأةَ في مواضعٍ أدنى من الرجلِ - والأمرُ مفهوم : فمن أخفق على المستوى العام لا يبقى له (في الأغلبِ) إِلاَّ أن يتفوق (ويسود) بشكلٍ مصطنعٍ (وهزلي) في دائرته الخاصة الصغرى.

ومن العجيبِ أن الأجيالَ التي كانت في سنِ الشبابِ في الخمسينيات والستينيات (مثلي) تُعتَبر أكثرَ تقدماً في هذه المسألِة من الأجيالِ التاليةِ. وربما يُفسر ذلك ذيوع فهمٍ رجعيٍّ للعديدِ من المواضيعِ الدينيِة وكذلك خروج المرأة للعلمِ والعملِ مما أثبت (عملياً) أن تفوقَ الرجلِ على مستوي الذكاءِ والقدراتِ والكيانِ هو مجردُ "أسطورةٍ وهميةٍ" وهو ما حض الكثيرين من الشبابِ على أن يعوّضوا ذلك بإنتصارٍ وهميٍّ يستمدون مرجعيته من ذهنيةِ الثقافِة الذكوريِة التي تجعلهم "الأفضل" لمجرد كونهم ذكوراً (وما أسهل العثور على نصٍ يسوغ تلك الأفضلية المنافية للعلم والفكر والثقافة والإنسانية والتحضر).

وقد جعلتني المراقبةُ المدققةُ لسنواتٍ طويلةٍ أصلُ ليقينٍ واضحٍ - كما أسلفت - بوجودِ علاقةٍ عكسيةٍ بين "تناقص ثقِة الرجلِ في نفسهِ" و"استعدادِه لقبولِ أن المرأَةَ مساويةٌ للرجلِ في كل المجالاتِ" (وأكررُ أن المرأةَ مساويةٌ للرجلِ "على الأقل" - فقيمةُ المرأةِ في مجالاتٍ أُخرىٍ غير التي تتساوى فيها مع الرجل أعلى بكثيرٍ من قيمِة الرجل وأعني أنها مساويةٌ للرجلِ كإنسانٍ وأعلى منه قدراً كأمٍ هي مدرسة الإنسانية الأولى).

ومن السطحيةِ (بل ومن العبث) أن يستند بعضُ دعاةِ ذهنيةِ ثقافةِ التميّزِ الذكوري لنصوصٍ دينية. فمن جهةٍ فإن هناك نصوصاً أُخرى تؤكد الإنسانية الكاملة للمرأة وعدم أفضلية جنس على آخر، كما أن العبرةَ دائماً ليست بالنصوص وإنما بنوعيةِ العقولِ التي تتعامل مع النصوص. ويقيني أن المرجعَ الحقيقي لما يظنه البعضُ سنداً دينياً لتميّز الرجلِ على المرأةِ هو مرجعٌ يتعلق بالتاريخ الإنساني بوجه عام في مراحل خلوه من التمدن والإنسانية وكذلك بالتاريخ البدوي/القبلي بوجه خاص ولا يتعلق بالدينِ - ولا أدل على ذلك من أن لا أحد من أصحابِ ذهنيةِ التميّز الذكوري يهتم بإبراز خصائص الحياةِ الزوجية الأولى لنبي الإسلام - فقد كانت فوق كونها مثالاُ واضحاً على الإنسانيةِ الكاملةِ المتساويةِ لكل طرفٍ، مثالاً على أشياء أُخرى لا يحب المتطرفُ بطبعه أن يراها مثل كون العصمة في يد الزوجة ومثل عدم زواج الزوج عليها وغير ذلك من الأمور التي لا تخفى على أحدٍ وإن مال أصحابُ ذهنية التفوق الذكوري (الوهمي) لعدم إظهارها أو ضرب الصفح عنها وكأنها لم تكن.

إن أول إنسانٍ في الكونِ حصل على جائزةِ نوبل في العلوم لأكثر من مرة كان "إمرأة" (مدام كوري) : ولو لم يوجد أمر آخر غير هذا (وهناك ألف أمرٍ آخر) لكان ذلك كافياً لإسكات أي إنسانٍ يردد تلك الآراء الرجعية عن تميّز "النوع الذكوري" عن "النوع الأنثوي" - ولعل معظم الذين يؤمنون بهذا التميّز (الوهمي) يوافقونني على أنهم سيكونون في موقفٍ بالغِ الحرجِ عندما يقارنون بتلك السيدة الفذة التي تفوقهم (عبقريةً وذكاءً وعلماً ونجاحاً) بآلاف السنوات الضوئية. وإذا قال قائلُ أَن مدام كوري محض إستثناء، قلنا له أن الرجال قيدوا النساء عدةَ قرونٍ ثم جاءوا يقولون أنهن لا يربحون في السباق. وقد دلتني قيادتي لمؤسسة عالمية عملاقة تضم الآلاف من الجنسين على عدم وجود أي دليل على أي تفوقٍ ذكوري في أي مجالٍ من مجالاتِ العلمِ والعملِ والإدارةِ والقيادةِ - بل أن ما رأيته من أشكالِ التفوقِ الأنثوي كان أبرز بكثيرٍ (بسبب التحدي والرغبة في إثباتِ الذات).

منذ أعوام قليلة شهدنا تعيينَ أول امرأةٍ كقاضيةٍ بالمحكمةِ الدستوريةِ العليا لدينا، وهى خطوة حضارية عظيمة ؛ ولكنها تحتاج لأن تُستكمل، فتعيين عددٍ من النساءِ في كلِ وظائف القضاء (من بداية السلم الوظيفي) هو الضمانة الوحيدة لإنتهاء تلك الفضيحة الحضارية: فعن طريق ذلك سيكون لدينا بعد عشرين سنة جهازٌ قضائي نصفه من النساء - وهو الوضع الطبيعي، بل وهو الوضع الذي يجب أن يحتذى في كلِ وكافةِ المجالاتِ. فالمجتمعَ الذي يقصر المواقع الهامة على الرجال مجتمعٌ يعطل نصف طاقاته من الذكاءِ والتفكيرِ والعملِ والعلمِ والعطاءِ والإنتاجِ: فإذا لم يكن بعد ذلك مجتمعاً متقدماً فليس من حق أحد أن يتعجب: فكيف يعدوالإنسان بقدمٍ واحدةٍ.

والأمرُ يحتاج من الأجهزةِ المعنية بوضع المرأة في المجتمع (بالإضافة لما بذلوه ومازالوا يبذلونه من جهودٍ عظيمةٍ) لخطةٍ متكاملةٍ للقضاءِ على الثقافةِ الذكوريِةِ الرجعيِةِ في مجتمعنا : في الأسرةِ وفي التعليمِ وفي المؤسساتِ الدينيةِ وفي الثقافةِ والإعلامِ - وأن يكون محورُ الحملةِ أن المصدَر الوحيدِ لإيمان رجلٍ بتميّزه النوعي على النساء (لمجرد كونه رجلاً) هو مخزون هائل من نقصِ الثقِة بالنفسِ – فالأحرارُ يحبون التعامل مع الأحرارِ والعكس دائماً صحيح. وأضيف أنني أجزم بأنني ما سمعت رجلاً في واقعنا يروّج لأفضلية الرجال على النساء وعدم قدرة النساء على تبوأ كافة المواقع والمناصب إلاِّ .. وكان واضحاً لي خلوه الظاهر (هو نفسه) من التميّز.

إن نظرةَ أي مجتمعٍ غير متحضرةٍ للمرأة دائماً ما تتفنن في البحثِ عن مرجعياتٍ وأسانيدٍ لتأيد نظرتها، رغم أنها (أي هذه النظرة غير المتحضرة) ليست ظاهرة دينية أو قانونية وإنما هي ظاهرة ثقافية بحت. ومعنى ذلك أنه في ظل إرتقاء المناخ التعليمي والثقافي بشكل عصري لأي مجتمع فإن نظرة أفراده للمرأة ترتقى على الفور بحيث تتجاوز السؤال الرجعي بطبيعته: هل المرأة مساوية للرجل أم لا ؟ ويكفي للتدليل على أن القضية ثقافيةٌ في جوهرِها ومادتها ومظهرِها أمثلة قليلة ولكنها واضحة الدلالة: فرغم وجود نص قرآني واضح ينهي الرجال عن إبقاء زوجاتهم لمجرد الإضرار بهن وهن راغبات في عدم بقاء الزوجية (ولاتمسكوهن لتعضلوهن) فقد ظل النظامُ القانوني لدينا لسنواتٍ طويلةٍ يسمح بنظامِ بيتِ الطاعةِ والذي هو تجسيد لإمساكِ رجلٍ لامرأةٍ في بيته ليعضلها (أي ليسبب لها الأذى المادي أو المعنوي) - نحن هنا أمام حالةٍ صارخةٍ تؤكد وتترجم ثقافة بالغة التخلف والرجعية وتعارض أكثر من سند كان من الممكن الإستناد إليه لوأن الذهنية التي تتعامل مع الأمر كانت ذهنية مستنيرة - وفي يقيني أن نظامَ بيتِ الطاعِة كان عاراً قانونياً وإجتماعياً وثقافياً يجلب من الخزي ما لا مثيل له على سمعة عقولنا وثقافتنا. وفي سنواتٍ لاحقةٍ عندما تحمست الدولةُ لقانون الخلع (وهو حق إنساني لا يتصور أن يعارضه منصف) أصيب آلافُ الرجال في مجتمعِنا بغصةٍ شديدةٍ : فكيف يجردهم القانونُ من أداةٍ من أدواتِ البطش الغاشم كانت بيدهم، ولوأنهم كانت لديهم جرعة معقولة من الثقةِ بالنفس لما أزعجهم على الإطلاق هذا التطوير التشريعي الذي جاء بمثابةِ خطوة بالغِة الأهمية للأمام. بل أن الإنسان ليتعجب : كيف تستقيم أفكار مثل الرجولة والشهامة والمروءة والكرامة مع موقف رجل يرغب في أن يساعده القانون على أن تبقى في الحياة معه امرأة لا تريده - إن الصفحاتِ العديدة المليئة بالتراث العربي المتعلق بالرجولة والشهامة والفروسية والكبرياء والمروءة تداس بالأقدام عندما يُبقي رجلٌ واحد امرأة في حياة زوجية لا ترغب فيها. ولا أدل أيضاً على كون المسألة حالة عفونة ثقافية من أن آلاف الشباب بل وآلاف الفتيات يرفضون أن تكون العصمة في يد الزوجة في الوقتِ الذي كانت فيه العصمة في يد الزوجة الأولى للنبي ولا يستطيع أحدٌ أن يقول أن ذلك كانت له أية دلالات سلبية في حق الزوج الكريم.

ولا يفوتني أن أذكر أن متابعتي الطويلة لتراجيديا ثقافة التميّز الذكوري (الرجعية بل والجاهلية) في بعض المجتمعات هي مرضٌ لم يصب الرجالَ فقط (وإن كانوا هم مصدره والمستفيدين منه في دوائرهم الخاصة) إذ أن المرضَ قد أصاب الكثيرَ من النساء والفتيات لدينا، فأضحين أمهاتٍ ينشئن أبنائهن وبناتهن على تلك الذهنية التي لا أجد كلمات مهذبة لوصفها سوى أنها ذهنية رجعية وغير مناسبة للتقدمِ والعصرِ والعلمِ والمدنيةِ. إن تحرير المرأة من ربقة الثقافة الذكورية الرجعية (والتي هي شكل من أشكال الرق وهزيمة الرجولة والمروءة) تبقى أمراً مستحيلاً ما لم تصبح المرأة نفسها في طليعة الساعين لتغيير هذه الثقافة الدونية بثقافة عصرية تكون فيها المرأة على قدم المساواة تماماً وكليةً في سائر المجالات وشتى المواضيع بل ويسود إقتناعٌ (هو جزء لا يتجزأ من تكويني العقلي) بأن المرأة أكثر بكثير من نصف المجتمع : فهي كما ذكرت نصف المجتمع عددياً، وأكثر من ذلك بكثير كأم للرجال والنساء معاً - وما أعمق حزني أن تكون تلك قضية مثارة في زمنٍ ينشغل المتقدمون بالعلم والتقدم والحريات العامة وحقوق الإنسان، بينما نسأل نحن سؤال يحمل أطناناً من الخزي : (هل المرأة مساوية للرجل؟) ..

يقول الشاعرُ الفرنسي "أراجون" (أن الإنسانية لو واصلت الإعتذار لمدة خمسين ألف سنة للنساءِ على ما إقترفَه الرجالُ في حقهن - لما كان ذلك كافياً) … وهو قولٌ صحيح إلى أبعدِ حدٍ. وأضيفُ إليه أنني بعد رحلةٍ عارمةٍ مع المعرفة لا أجد شيئاً أسوأ في سجل البشرية من أمرين: الحروب (وما يلحق بموضوعِها من إنفاقٍ أحمقٍ على التسلح) ثم موقف أعـدادٍ كبيرةٍ من الرجالِ من المرأةِ - وهو موقف مشين ومهين للبشريةِ جمعاءِ. لقد ذكرت في مقال لي نشر بهذه الصفحة عن "المرأة والتقدم" أن من المستحيلاتِ إحداثِ التقدمِ في أي مجتمعٍ لا يساوي بين المرأة والرجل - وأن المشكلة تكمن في أن "الذهنية" التي لا تستطيع أن تستوعب ذلك لن تستطيع أن تستوعب متطلبات التقدم. وأن الرجلَ الذي يتحدث عن تميّز الرجال عن النساء هو صاحب "إرث مهول" من ضعفِ الثقةِ بالذات. وأن الذين يعتقدون أنهم يؤسسون آراءهم الرافضة للمساواة المطلقة بين المرأة والرجل على أساسِ ما يسمونه "رأي الدين" هم في الحقيقة أناس جعلوا ثقافة العصور الوسطى وقيم المجتمع القبلية ومفاهيم الجماعات الرحل (البدو) مرجعية سموها (خطأً) "برأي الدين" … والحقيقةُ أنها آراؤهم هم بما يمثلونه من ضعفٍ واضحٍ في الثقةِ بالذاتِ وسقوطٍ كلي في ثقافةٍ هي ضفيرة من "البداوةِ" و"القبليةِ" و"القرون الأوسطية". لقد لامتني كاتبةٌ أقدرها كثيراً لأنني أتحدثٌ عن المرأةِ كركنٍ لازمٍ للتقدم ولا أتحدث عن مساواتها بالرجل من منطلق أن ذلك "حقها الإنساني" - والحقيقة أنني أؤمن بالزاويتين: فالتقدمُ لا يحدث في مجتمعٍ لا تشيع فيه ذهنيةُ المساواة بين المرأة والرجل … كذلك فإن هذه المساواة المطلقة إنما هي "حق إنساني أصيل للنساء" لا يجادل فيه من تكوَّن عقلياً وثقافياً بشكل علمي وعصري ومتمدن
.
لقد كان "قانون الخلع" إنجازاً حضارياً عظيماً - إلا أن إعترافنا بهذا الإنجاز وتقديرنا العميق له لا يتناقض مع حتمية الدعوة لإيجاد ضماناتٍ قانونيةٍ دستوريةٍ تجعل "من المستحيل" على دعاةِ الظلام والرجعية أن يتمكنوا من إلغاء هذا القانون … بل وأطالب بخطوة أخرى للأمام: وهي النص في كل وثائق الزواج على حق المرأة في طلب التطليق لمجردِ التضرر (مادياً كان أم معنوياً) … كما أُطالب بنشرِ ثقافةٍ تدعوللوصول بوثيقةِ عقدِ الزواج لما قام عليه زواج النبي من خديجة بنت خويلد – والتي كانت بيدها أن تلغي عقد الزواج وقتما تشاء كما كان الإتفاقُ على عدم التزوج بأخرى عليها منصوصاً عليه .

كذلك، كان تعيين سيدة كقاضيةٍ بالمحكمةِ الدستوريةِ العليا (كما ذكرت في موضوع سابق من هذا المقال) إنجازاً حضارياً عظيماً آخر – ولكن مرة أخرى فإن إعترافنا بعظيم قيمة هذا الإنجاز وتقديرنا له لا يتناقض مع دعوتنا لإستكمالِ هذه الخطوة الحضارية بإلتزام وزارة العدل بتعيين نسبة لا تقل عن 25% من وكيلي النائب العام من النساء - فهذه هي الوسيلة المثلى لوجود المرأة في كافةِ المواقعِ القضائيةِ وليس كنتيجةٍ لقرارٍ فوقي بتعيين قاضية بالمحكمة الدستورية العليا .

كذلك من الواجب واللازم اليوم إيجاد برنامج محدد لتعيين عددٍ كبيرٍ من النساءِ في مواقع المحافظين ونواب المحافظين ورؤساء الجامعات وعمداء الكليات ورؤساء المدن وسائر المناصب العامة (من أعلى السلم الإداري ومن بدايته أيضاً). فبدون ذلك، ستكون هناك فرصاً لذهنية الرجعية والثقافة الذكورية القرون أوسطية لمحوالخطوات والإنجازات الحضارية التي تمت. إن "الأمرَ الواقع" هو الذي سيحول دون حدوث نكسة حضارية قد تتمثل في إلغاء قانون الخلع والإعتراض على وجود النساء في مناصب ومواقع معينة .

إن الذين يتحدثون تحت مظلة ما يسمونه "رأي الدين" هم الذين ساندوا الملك فؤاد في عشرينيات القرن الماضي في سعيه لمنصب الخلافة … ثم أرادوا أن يكون تتويج الملك فاروق في سنة 1937 في الأزهر وليس تحت قبة البرلمان … وهم الذين قالوا في الستينات أن الإسلام هو الإشتراكية … ثم قالوا نقيض ذلك بعد سنوات قليلة … وهم الذين قالوا في مرحلةٍ أن الحربَ مع إسرائيل واجب ديني - ثم قالوا في السبعينات أن الصلح معها هو "رأي الدين" (إن جنحوا للسلم فاجنح لها) … وهم الذين قالوا لعقود عديدة أن إذلال المرأة والإتيان بها قسراً لبيت الطاعة هو "حكم الدين" .. ثم عدلوا عن ذلك. لهؤلاء نقول: أننا نعلم عن الفقه الإسلامي مثل ما تعلمون .. وأول ما نعلمه أن تعريف الفقه الإسلامي هو (إستنباط الأحكام العملية من أدلتها الشرعية) … والإستنباط "عمل بشري" وهذا هو ما عبَّر عنه الإمام أبوحنيفة عندما وصف "دنيا علم أصول الفقه" بقولته الرائعة: (علمنا هو رأي - فمن جاءنا بأفضل منه قبلناه). وأبوحنيفة (لمن لا يعلم) لم يقبل من الأحاديث إلا عشرات في مقابل قبول أحمد بن حنبل لعشرات الآلاف. كما أن الرجل المعروف بالإمام الأعظم (أبي حنيفة) هو الذي يقوم مذهبه على إمكانية رفض تأسيس الأحكام على الأحاديث التي تعتبر من "أخبار الآحاد". والخلاصة، أن مطالعتنا لآلاف المراجع في علم أصول الفقه جعلتنا نرى بوضوح أننا أمام عمل بشري أنجزه عمالقة أفذاذ … ثم جاء الشّراحُ (وهم أصحاب محصول معرفي ومكن عقلية أقل) فأضفوا قداسة (لا محل لها) على عملٍ بشريٍّ .

إن هذا الوقت هو الأنسب لكسر حلقة الجمود في موقفنا العام من المرأة - فلنتقدم ونحدث كل الخطوات التي تجعل من المستحيل أن يتمكن أحد في المستقبل من إحداث نكسة حضارية في هذا المجال .

ولنكن على يقين أن هناك علاقة مؤكدة بين التكوين الثقافي للإنسان وما يعتقده في هذا الموضوع بالغ الأهمية - وهو ما سيقودنا لإكتشاف حقيقة جوهر ومنبت الرأي الذي يتجه للمحافظة على وضع المرأة على ما كان عليه في معظم تاريخنا: وأعني أن إستعمال "الدين" ما هو إلاِّ "غطاء سياسي" لوجهات نظر تنبع من الثقافة التي كونتها مصادر أربعة هي: ثقافة البداوة وثقافة القرون الوسطى والثقافة الذكورية المتأصلة في ثقافة القبيلة الصحراوية وإنعدام (أوضعف الصلة) بالمعرفة الإنسانية الواسعة. فما الذي نتوقعه من "رجل" نهل من تلك المنابع وإستكملها بعزلته الثقافية عن إبداعات الإنسانية العظيمة والتي يندر توفرها لمن لا تكون له أدوات طيعة من لغات دول عصر النهضة؟ .. كما أن إنعدام الموضوعية في ذلك الأمر "مطلق": فنحن هنا أمام "رجعية" تزاوجت مع "البدائية" وتلونت "بالقبيلة" - ثم كستها بعد ذلك رقيقة من العزلة عن "منابع الإبداع الإنساني العالمية" ثم اكتملت المأساة بكون صاحب الشأن يدافع عن ذاته (والتي هي ضعيفة لدرجة مذهلة).

* * *

(14)
كنتُ أُتابعُ حواراً تلفزيونياً على القناةِ المصريةِ الأولى بين ثلاثِ شخصيات هي: السيدة القاضية المصرية الأولى التي عُينت مؤخراً كمستشارةٍ بالمحكمةِ الدستوريةِ العليا في سابقةٍ هي عند كاتبِ هذه السطور بمثابةِ إنجازٍ حضاريٍّ وثقافيٍّ عملاقٍ. أما الشخص الثاني فكان مستشار بمحكمةِ النقض تدل كلماتُه على غزير علمِه واستنارتِه وثالثاً وأخيراً: مذيعة معروفة. وعندما أسهب مستشارُ النقض المستنير في عرضِ المدارس الفقهية التي تؤيد واحدةُ منها كون المرأة قاضية وترفض مدرسة ثانية تولي المرأة القضاء بينما تقف المدرسة الثالثة موقفاً وسطاً إذ توافق على تولي المرأة القضاء في حدود معينة. أثناء إنصاتي للحوار القيم فوجئت بسؤالٍ من المذيعةَ موجه لمستشار النقض يقول: وما هو الصحيح في هذه التوجهات الثلاثة ؟(!!) ومرجع الإستغراب عندي أن المذيعةَ أو ضحت بسؤالِها "لب مشكلة كبرى من مشاكلنا الثقافية". فالسيدةُ المذيعة لا تعلم (ولا عيب في ذلك) مثل الملايين في واقعنا أن الآراء الفقهية جميعَها "أعمالٌ بشريةٌ" وإنها ليست إلاَّ "محاولة للفهم". ولا أدل على ذلك من قول أبي حنيفة (كما ذكرت سابقاً) عن كل علم أصول الفقه (علمُنا هذا رأي – فمن جاءنا بأفضل منه قبلناه). وقول مالك (ما منا إلاَّ ويخطئ ويرد عليه) وأكثر من كل ذلك التعريف المستقر لعلم أصول الفقه وهو (علم إستنباط الأحكام العملية من أدلتها الشرعية)…وهو ما ينفي عن أي رأي فقهي أنه (الرأي المطابق للصواب) فالاستنباطُ "عملٌ بشري" ؛ وكل "عمل بشري" قد يكون "صحيحاً أو "غير صحيح" أو "صحيح في جوانب منه وغير صحيح في جوانب أخرى".

وكما قال مستشارُ النقض المستنير في ذلك الحوار التلفزيوني (لو أن الأمر غير محل خلاف لما وجدت بخصوصه آراءٌ فقهية متعددة ومختلفة). ومعنى ذلك : أن وجودَ آراءٍ فقهيةٍ مختلفة حول جواز أو عدم جواز كون المرأة "قاضية" هو دليل على "إمكانية الإختلاف" و"جواز تبني رأي فقهي دون آخر" : ويبقى السؤال: إذا كان أمامنا أن نختار من بين آراءٍ فقهيةٍ متعددة – فلماذا نختار الأكثر تشدداً ولا نختار الأكثر مرونة؟! والجواب: أن الناسَ بدايةً لا يعلمون انهم "مخيرون في هذه المسائل" ويرجع ذلك لوجودِ ثقافةٍ متزمتةٍ بين عدد من رجال الدين (أوالدعاة) …ومن جهة أُخرى فإن الناس لا يعلمون أنهم أياً ما كان إختيارهم فإنهم لا يمكن أن يكونوا "عصاة". وكما ينطبق هذا القول على مسألة كون المرأة قاضية، فإنه ينطبق على مسائلٍ أُخرى عديدة مثل إعطاء المرأة الحق في طلب التطليق (فحتى لوكانت أقليةٌ فقط من الفقهاءِ تسيغه – فمعنى ذلك أننا أمام اختيارات ومن حقنا أن نختار ما جنحت إليه الأقليةُ لأن إختيار ما جنحت إليه الأغلبية فقط ينفي فكرة الإختيار فلسفياً(!!). كذلك ينطبق نفس المنطق على مسألة "فوائد البنوك" – فطالما أن هناك أكثر من رأي، فإن ذلك يعني أن لنا حق الإختيار – وبالتالي فإننا لا نكون "عصاة" إذ إخترنا إتجاهاً فقهياً دون آخر.

وفي إعتقادي أن عقليةَ التزمتِ والإنغلاقِ والتعصب والبحثِ عن مناطقٍ جديدةٍ للتحريم قد تلقت خلال السنوات الأخيرة ثلاث ضربات قوية: أولها قانون الخلع والثانية قرار إعتبار يوم السابع من يناير عيداً رسمياً لكل المصريين والثالثة قرار تعيين إمرأة قاضية - ويبقى أن نستثمر تلك الإنجازات العقلية والحضارية والثقافية لتدعيم مدرسة العقل في واقعنا في مواجهةِ طوفان مدرسة النقل – فهذا هو السبيل الوحيد لحدوثِ تطويرٍ حقيقي في "حالتنا الثقافية".

إن الميلَ لكلِ الأراء الفقهية الأكثر تحرراً (حتى لوكانت "آراء عدد قليل من الفقهاء" – بل حتى لوكانت مستحدثة) والعمل على تقليص مساحاتِ التعصبِ في تفكيرنا هما أهم ما هو مطلوب من القائمين على الثقافة العامة والثقافة الدينية وبرامج التعليم والإعلام في واقعنا، إذ أَن التطوير الذي سيأتي من رحمِ ذلك هو "النجاة الحقيقة" من تطويرٍ يأتي بفعلِ "قوى ضغط خارجية" ستكون غالباً مخطئة في حساباتها أو مراميها أو أدواتها.

ولا شك عندي أن وجودَ مؤسسةِ الأزهر حالياً تحت قيادة يشهد لها جلُ العقلاء بالوسطيةِ والحكمةِ والاعتدالِ والسماحةِ هو فرصةٌ هائلةٌ لمناصرةِ "مدرسة العقل والتطوير" في مواجهة "مدرسة النقل والجمود"- كذلك ينبغي ألاَّ نكتفي بتعيينٍ رمزي لأمرأةٍ واحدةٍ كقاضيةٍ - وإنما ينبغي أن يتحول ذلك إلى أمرٍ واقعٍ متكرر عشرات المرات: فهذا هو الأساس الوحيد لبناء لا يُنقض.

كذلك ينبغي مراجعة برامج التعليم بهدفِ وضعِ أُسسٍ راسخةٍ لإيمانٍ عامٍ وشائعٍ بأن المرأةَ ليست فقط نصف المجتمع بل أكثر من ذلك بكثير (فهي نصف المجتمع كامرأة وأكثر من ذلك بكثيرٍ كأمٍ) وأن أي آراء تدعولغير ذلك هي أراء ضارة بمستقبل هذا الوطن – فالوطنُ الذي يستأمن المرأة على "كل أبناءه وبناته" لا يجب عليه أن يتردد في إستئمان المرأة على منصبٍ أو موقعٍ (وان سمى لأعلى ذري المناصب). وكما قالت القاضيةُ الفاضلة التي أُختيرت كأولِ مستشارةٍ مصريةٍ بالمحكمِة الدستورية العليا (كيف نقبل أن تقوم المرأة بتدريس القانون للرجل بكلياتِ الحقوق ثم لا نسلم بحقها في "كرسي القضاء"؟)…

وفي إِعتقادي: أن الإنسانَ السوي يعتبر أن مناقشةَ موضوعِ جوازِ أو عدم جواز وصول المرأة لأي موقع هو "إهانة فكرية"، فينبغي أن نتجاوز مجرد السؤَال بمعنى أن يكون يقيننا أن أهل التعصب وضيق الأفق فقط هم الذين يطرحون هذا السؤَال: أما أنصار العقل والتقدم والإستنارة والإنصاف فإنهم يحرجهم مجرد التصدي للسؤال الذي ما كان ينبغي أن يُطرح اليوم في واقعنا… ولكن العزاءَ أن ثلاثة إنجازات كبرى قد جاءت (في الإتجاه الصحيح) لتدفعنا لتجاوز مجرد طرح أي سؤال حول جواز أو عدم جواز بلوغ المرأة أي موقعٍ أو أية مكانةٍ.

إن التحمسَ الشديد لقضايا المرأة والذي يهدف لإزالة كل الموروث الذكوري الذي ظلم المرأة ظلماً بيناً عبر قرون المسيرة الإنسانية هو أحد أركان التقدم المنشود مثله مثل الإيمان بالديموقراطية والعلم وعالمية المعرفة وهي أركان لا يفيد التحمس لبعضها فقط – فالتقدم مستحيل بدون التحمس لها "كلها وعلى قدم المساواة".

* * *

(15)
قال لي أحد الشباب: إذا كانت مساهمتنا في التكنولوجيا المتقدمة وفي العلوم الطبية والكيميائية والفيزيائية والبيولوجية والهندسية "صفر"... وإذا كان دورنا في العلوم الزراعية الحديثة وفي دنيا الكمبيوتر منحصراً في أن نشتري ما ينتجه الآخرون: فكيف تكون رؤيتنا السياسية بخصوص ما يحدث في العالم "رؤية سليمة وعلمية"؟ …والحق أقول: أن السؤال لم يداهمني …وكانت إجابتي: إذا كنت تريد أن تقول أنهم في أغلب الأمور على صواب وأننا في أغلب الأمور على خطأ- فأنت على صواب. وهذا ما يجعلني لا أمل تكرار أن قضيتنا الكبرى هي (بناء داخل قوي)… وهي مهمة قابلة للتحقيق. فعن طريق ذلك يمكننا تنقية رؤيتنا السياسية للعالم وما يحدث من حولنا. ولن تكون النتيجة أن نتبنى وجهاتِ نظرِ الآخرين كليةً، وإنما ستكون النتيجةُ أننا سنعدّل الكثير في رؤيتنا السياسية للدنيا وما يحدث فيها كما سنكون أكثر قدرة على تصويب بعض الأخطاء في رؤية العالم الخارجي لنا، وسنكون مؤهلين للتعامل مع العالم من خلال منهج الحوار لا المصادمة… وأعتقد أن سوء الظن بيننا وبين العالم يزداد إتساعاً: فها هي اليابان والصين والهند وروسيا تزداد تباعداً في طريقة رؤيتها للعالم ولأحداثه عن طريقتنا…وهو أمر لا يهتم معظمُنا بالتفكير فيه ومحاولة استقراء أسبابه ودلالاته … ثم أَضفت قائلاً: لا نحن...ولا الغرب "ملائكة" ...ولا نحن ولا هم "شياطين"...وإنما هناك أخطاء فادحة في نظرةِ كلِ جانبٍ للآخر وهناك ما لا حد له من سوء الظن والمسلمات غير الممحصة وخلط الأمورٍ وغير قليل من ميلٍ للتعصب...ثم أضفت قائلاً :آمل أَلاَّ تظن أن التقدمَ المذهل للغرب يجعله بريئاً كليةً من هذا… ورغم أن عندي ألف دليل على عدمِ براءةِ الغرب، فإنني أكتفي بمثالٍ واحدٍ: فالغربُ المشغول كليةً اليوم بحربٍ ضروسٍ ضد ثمرةٍ من ثمارِ الغلو السلفي لتيار من أشد تيارات الفكر الإسلامي تشدداً ...هذا الغرب هو الذي إحتضن هذه الثمرةَ ودربها وسلحّها كذراعٍ له لتحقيق هدفٍ معينٍ منذ أكثر من عشرين سنة – وهذا الغرب هو الذي ظن أن (ماردَ الأصولية الإسلامية) هو الوحيد القادر على كبح جماح (مارد الشيوعية) آنذاك...وقد مات (ماردُ الشيوعية) بفعلِ عواملِ تآكلٍ ذاتيةٍ في بنيته وبقى الماردُ الآخر. ولا شك أن هذا الفكرَ الذي آمن بهذا الإستعمال للمارد الأصولي كان خلطةً من "عدم المعرفة" و"ضعف الحس التاريخي" والإنتهازية. ولكن هذا لا ينفي أن "الجرثومة" خرجت من جانبنا نحن .

وعندما سألني محدثي: وما هي نقطة البداية؟ …قلت: أن تبذل جهوداً عديدةً للتحاور والفهم يكون إنطلاقها (من الجانبين) من نقطةِ إيمانٍ بأن هناك أخطاء وأن (نفي جانبٍ للآخر) هو (بوابةٌ للحروب) وليس للتعاونِ والعيشِ المشترك في منظومةٍ تتفاعل فيها الثقافاتُ وتتلاقح الحضاراتُ وتنتقل عدوى (قيم التقدم) إلى معظم المجتمعات.

ومن جانبنا، فإن الإفراطَ المرضي في الإعتقاد بأن العالمَ الغربي مشغولٌ بالتآمر علينا ويخشى من نهضتنا(!!) هو مسألة لن يكون من الممكن إحراز أي تقدمٍ ما لم نعمل على تجاوزها .. كذلك فإن كراهية العالم لنا لكوننا مسلمين أو عرب هو "إفتراض وهمي آخر" وعلينا أن نبحث لماذا يرانا العالمُ المتقدم بهذه الكيفية وسنجد أنه من المستحيل أن يولي العالم لنا أهمية ونحن لا نولي أهمية لأنفسنا أي يستحيل أن يحترم العالم حقوقنا التي لا تحترم من جانبنا نحن داخل مجتمعاتنا…كذلك فإن علينا أن نعترف بأننا كنا كثيراً "محامين فاشلين" لقضايا كان من الممكن ربحها...وأن الكثيرين منا لا يملكون أدوات التفكيرِ والتعبيرِ العصرية وأن لدينا الكثير من المبالغِة في (ظلم العالم لنا) إذ أن ظلمَ بعضنا لنا أفدح بكثير من ظلمِ الغيرِ لنا. وفي المقابل، فإن على البعض في الغرب أن يراجع أسس رؤيته لنا وما يعتريها من رواسبٍ عديدةٍ من القرونِ الوسطى وما يترسخ فيها من التعميم المنافي للعلمِ والتفكيرِ الموضوعي وغير قليلٍ من التعصب.

وإذا كنا نحن أيضاً صادقين في الرغبةِ في قطع الطريق على التصادم غير المبرر وسوء الفهم وسوء الظن وإحتفاظ بصورة عن الآخرين نصفها على الأقل من الوهم والتعصب والخوف وعدم المعرفة فإننا يجب أن نقوم بدراسة العقل الأنجلوسكسوني/ الأمريكي بحيدةٍ وموضوعيةٍ كما نقبل في نفسِ الوقتِ دراسة العقل العربي بنفس الحيدةِ والموضوعيةِ.

إنني أعرف أن العقلَ الأنجلوسكسوني له مزايا وعيوب تحتاج لدراسةٍ مفصلةٍ: فكما أن العقل الأنجلوسكسوني من أكثر العقول قدرةً على الإنجاز العملي فإنه في نفس الوقت عقلٌ محكومٌ بالمصلحة والنفعية كما أنه محكوم بتحقيق المصالح الآنية حتى لوكان تحقيقها سيأتي في المدى البعيد بمشكلات كبرى...وليس بمستغرب أن العقلَ الأنجلوسكسوني في طوره الأمريكي لم ينجب فلاسفة يعول عليهم إِلاَّ وليام جيمس وجون ديوي. ولألخص خبرة عشرين سنة في التعامل مع العقل الأنجلوسكسوني في بوتقةٍ من أرقى دوائره العلمية والإدارية فإنني أكتفي بأن أقول أنني أمضيت عشر سنوات لا أفهم العقل الغربي عندما يقول Fair enough وترجمتها الحرفية (عادل بشكل كافي) : فعقلي الذي ساهمت فلسفة كانط في تكوينه لا يعرف كيف تفهم هذه العبارة : فإما أن الأمر عادل ...أوغير عادل. كذلك كنت أقف طويلاً أمام التعبير الأمريكي الشائع NO Free Lunch وأرى جانباً آخر من العقل الأنجلوسكسوني/ الأمريكي وهو يعبر عن نفسه بشكلٍ مضادٍ لعقول أخرى. وهناك العديد الذي يمكن قوله عن العقل الأنجلوسكسوني/الأمريكي الذي يجلس اليوم على مقعد قيادة العالم ولكن مجاله الندوات الأكاديمية الرصينة. والعقل العربي بحاجةٍ أشد لمراجعةِ نفسه فهو الآن متهم بضيق الصدر بالنقد وعدم القدرة على ممارسة النقد الذاتي وضيق هامشه الموضوعي وسعة هامشه الشخصاني وميله الجارف لتقديس الكلام الكبير بل وأحياناً عديدة إعتقاده بأن الأقوال أفعال ناهيك عن إيمانه بأن الآخرين ذئاب منشغلون ليل نهار بالعدوان عليه (رغم أن العرب الذين قتلوا على يد العرب خلال القرن الماضي أضعاف العرب الذين قتلوا على يد غير العرب) كذلك فإن العقلَ العربي مغرمٌ بمدحِ الذات ويهتم بالماضي أضعاف إهتمامه بالحاضر والمستقبل.
* * *
(16)
بقدر ما أثار فوزُ العالم المصري الفذ أحمد زويل بجائزة نوبل من فرحٍ غامرٍ في كل ربوع مصر بقدر ما أثار من تساؤلاتٍ عن البحث العلمي والتقدم التكنولوجي في مصرَ. ورغم أن الكثيرَ قد قيل في هذا المجال، إلا أن الظروفَ قد سمحت لي بأن أستمع إلى وجهتي نظرٍ في يومٍ واحدٍ في هذا الشأن أعتقد أنهما يلخصان كل الآراء التي يمكن أن تقال في هذا المجال، كما أنني (مع كل التقدير والاحترام لأصحاب هاتين النظريتين) أعتقد أن أحدهما "خطأ مطلق" والثاني "صواب بحت". أما الرأي الأول فيقولُ أصحابُه أن كل ما ينقصنا لكي نكون في المقدمة –عالمياً- في مجالات البحث العلمي والتطبيقات التكنولوجية التالية على مرحلة البحث وبهدف إقامة همزة الوصل بين (عالم الأبحاث) و(عالم التطبيقات) يكمن في أمرٍ واحد هو "الإمكانيات". أما وجهة النظر الأخرى فقد قال صاحبُها أن المشكلة لدينا تكمن في مناخ (أوبيئة) البحث العلمي وافتقارها لروح عمل الفريق وغياب الإطار المؤسسي الذي يخدم ويدعم أدوار الباحثين .

وفي اعتقادي، ومن خلال تجربة طويلة في عالم الإدارة، فإن التحجج بنقص الإمكانيات هو أمر يندفع البعض إليه بسبب الشعور العاطفي (لمفهوم وإن كان غير صحيح) بأن ذلك السبب ينفي عنَّا مسئولية وضعنا الحالي في مجال البحث العلمي والتطبيقات التكنولوجية .

ورغم أن هناك عشرات الأمثلة التي تستقى من الواقع تؤكد أن هناك بلدان أقل منا في متوسط دخـل الفرد وذات مشاكل اقتصادية عارمة إلاَّ أنها سبقتنا في مجال البحث العلمي وتطبيقاته التكنولوجية، إلاَّ أنني سأكتفي بمثال واحد هو "الهند" وما أحرزته من تقدمٍ علميٍّ رائع في مجالين محددين هما البحوث الذرية (وهو التقدم الذي قاد الهند لكي تصبح إحدى القوى النووية في العالم) ثم في مجال الحاسبات الآلية وبالتحديد تصنيع مبرمجات الكمبيوتر وهو الذي أصبحت الهند ثالث أكبر دولة مصـدرة فيه وينتظر أن تصبح الدولة الثانية في العالم (وراء الولايات المتحدة) في نهاية السنة الحالية .
نحن هنا أمام دولة تعاني من تدني مستوى دخل الفرد ومن جبالٍ من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية ومن نقصٍ هائلٍ في الإمكانيات المالية، ومع ذلك فإنها تحقق نجاحاً لا ينكر في مجالين محددين يقوما على تقدم البحث العلمي وهما مجال الذرة ومجال مبرمجات الكمبيوتر.

ولا شك أن هذا المثال وحده (وإن كانت هناك أمثلة أخرى مشابهة عديدة) ينسف حجة القائلين بأن كل ما ينقصنا لكي تكون لدينا قاعدة بحث علمي متقدم وفعَّال هي الإمكانيات .

والحقيقة أن القول بأن نقص الإمكانيات هو السبب في تخلفنا عن إيجاد قاعدة بحث علمي متقدم ليس فقط "خطأ" في التحليل وإنما انسياق مع "ثقافة التبرير" وعدم الرغبة في ممارسة القدر اللازم من النقد الذاتي. فالحقيقة أن ما ينقصنا هو وجود نظم عمل عصرية في مجالات البحث العلمي في ظل نظم إدارة حديثة توفر ما يلزم من عناصر النجاح وفي مقدمتها احتضان أصحاب القدرات العالية وتنمية روح العمل في فريق واستئصال شأفة محاربة الموهوبين وتفريغ دنيا البحوث العلمية من قيم الوظيفة العمومية التي سادت فيها خلال العقود الأخيرة .

نحن إذن بصدد "مشكلة إدارة" قبل أن نكون بصدد "مشكلة إمكانيات". وسوف يكون من اللازم أن نحلل "عناصر المشكلة الإدارية" التي قادتنا لما نحن عليه الآن من تأخرٍ في مجالات البحث العلمي، وأن تكون لدينا شجاعة الاعتراف بأنه بدون تشخيص العلل وتغيير المناخ العام السائد في مجالات البحث العلمي، فإنه سيكون من المستحيل تجاوز الأوضاع الحالية. ولا بد هنا أن نعهد لعيونٍ خارجيةٍ (وإن كانت مصرية) بعملية تشخيص العلل ووصف سبل العلاج، إذ أن المنغمسين في واقع بيئة البحث العلمي المحلي سيكون من العسير عليهم وصف المشاكل وطرح الحلول لما يمكن أن يجلبه ذلك لهم من حرج لكونهم مرؤوسين (إدارياً) لمن سيكون النقد موجهاً لهم بشكلٍ أو بآخرٍ. ولا يعني ذلك أن علماء الداخل غير قادرين على وصف المشكلة وأسبابها وسبل علاجها، وإنما أعني فقط أن الحرج بالنسبة للعلماء المصريين بالخارج سيكون أقل – وهو أمر لا يمكن تجاهله .

* * *

(17)
"فكرةُ الغربِ عنا" أيّ عن العربِ والمسلمين فكرةٌ تقوم على أَساسِ أننا في غالبيتنا نتسم بمعادةِ الإنسانيةِ والحضارةِ وندعو لحياةٍ تقوم على أُسسٍ مختلفةٍ عن باقي الناس كما تقوم على أننا نتسم بالميلِ الشديدِ للعنفِ والقسوةِ وتبرير إستعمالهما مع الآخرين والميل للإعتقاد بأن "محاربةَ الآخرين" هي من أساسيات تكويننا العقلي. أما نحن فإن معظمنا (أن لم نكن جميعاً أو ما يقرب من كلنا) نؤمن أن هذا "ظلمٌ بيّنٌ" و"افتراءٌ" وأن فكرة الغربِ هذه "عناّ" مختلقةٌ أما بدافعِ "الكراهيةِ لنا" أو "الخوف منّا" أو بدافعٍ من "إحتقارِ الغربِ لنا".

ورغم أنني أعرفُ يقيناً أنني أدخل عش الدبابير بصياغتي لوجةٍ نظري في هذا الشأن، إِلاَّ أنني أجدُ أن هذه هي مهمة كلِ مفكرٍ يعتقد أن رسالته هي المساهمة (وان كانت صغيرة ومتواضعة) في إحداثِ تغييرٍ إيجابي في الواقع. وعليه، فإنني أَبدأُ بالمجاهرة بأن تجربتي الفكرية والعملية في التعامل مع الجانبين (نحن والغرب) تجعلني مطمئناً للإعتقاد بأن الفريقين على خطأ كبيرٍ في تصورهما. فالعرب والمسلمون أغلبيتهم (مثل معظم البشر في العالم) لا يتسمون بميلٍ يفوق ميل الآخرين للعنفِ والقسوةِ ولا يسعوّن لمحاربةِ الآخرين حتى يسيروا على ملتهم ونهجهم ...إِلاَّ أن الواقعَ يؤكد أن هناك تياراً في واقعنا تنطبق عليه كل هذه الصفات وهو التيار الذي يصرّ على تحويل الدين الإسلامي العظيم إلى "سياسة صرف".

فبعضُ هؤلاء هم الذين تنطبق بعض أو كل الصفات المذكورة عليهم. وهكذا، يبد والفريقان على خطأ بيّن: فالغربُ يسحب صفاتٍ سلبيةٍ تتوفر في القليل جداً من العرب والمسلمين ويجري تعميماً غير علمي وغير صادق وغير دقيق على "كل العرب والمسلمين". والغرب في ذلك يرتكب "غلطةً مزدوجةً" : فهو يسقط في تعميمٍ مغلوطٍ...وهو من جهة أخرى يعلن إعترافاً ضمنياً إما بغيرِ قليلٍ من "الجهل" أو "بالتوجه السياسي المغرض" والذي يريد أن يوَّظف الثقافة والمعرفة بالتاريخ والحضارات والثقافات توظيفاً سياسياً محضاً (وهذا هو بالتحديد ما قام به غربيون كثيرون مثل صمويل هنتنجتون وغيره).

كذلك فإننا نرتكب من جهتنا غلطةً لا تقل في فداحتها عن غلطةِ الغربِ عندما نتصدى لمقولة الغرب عنّا في هذا الشأن بتبنينا لوجهةِ نظرٍ تقول أن الغربَ يختلق كل تلك السمات والصفات والنعوت : فالحق أن الغرب لا يختلقها اذ أنها موجودة بيننا ومن السهل التدليل على ذلك – ولكن الغربَ يخطئُ خطأً بالغاً عندما يصف معظمنا بما لا يوجد إِلاَّ في أقل القليل منّا (وهذا القليل توجد في كل المجتمعات نسب مئوية منه: فرغم كراهيتي للتعصب في شتى صوره وأشكاله، فإنني أعتقد أن الجناحَ المتطرف بين اليهود يتسم بدرجة من التطرف لا مثيل لها في العالم وأن بين مسيحي الولايات المتحدة من يحمل من التطرف في مواجهة "الآخرين" ما يثبت أن التطرف من القواسم المشتركة بين كل الجماعات الإنسانية – ولكن العبرة بمدى تعامل المجتمعات مع هذا "الطفح" المتواجد بنسبٍ مختلفةٍ في كل المجتمعات).

ويكفي لإثبات إستعداد البعض في الحضارة الغربية للتطرف إصرار أجهزة الإعلام الغربية على ترجمة كلمة (الله) إلى ALLAH وليس God - رغم أن الكتاب المقدس للمسيحيين واليهود يستعمل كلمة (الله) (راجع مطلع المزمور 16 على سبيل المثال)...وذلك لتثبيت أن المسلمين يعبدون إلهاً خاصاً بهم وليس (الله) المشترك بين الديانات الإبراهيمية الثلاث.

والخلاصة: أن "السياسة" هي التي تحرك أعداداً كبيرة من الغربيين تجاه الثبات على أحكامِ الغربِ التعميمية في حق العرب والمسلمين ...ووراء السياسة تقف المصالحُ (لاسيما في العقل الأنجلوسكسوني الذي يضمر فيه دور "المبادئ" ويتعاظم فيه دور "المصالح"). وعلى الجانب الآخر: فإننا نقف كثيراً موقف التقصير البالغ في حق أنفسنا ونمارس الدور الذي أتقناه خلال تاريخنا الحديث وهو أن نكون أسوأ المحامين عن أمورنا: ويتجلى ذلك عندما تتبنى "الأغلبية" في جانبنا مفردات خطاب "الأقلية" وتتعامل مع "الآخرين" من منطلقات فكر الخوارج والذي تتسم به أجنحةٌ عديدةٌ من أجنحة الإسلام السياسي : فنتحدث عن "الجهاد" بمعنى "مقاتلة الآخرين" وكأنه ركن الأساس في ديننا (والأمر ليس كذلك – وأُحيل القراء إلى كتاباتٍ بالغِة العمقِ في هذا الصدد للمفكر المصري المستشار محمد سعيد العشماوي) ونتحدث عن الآخرين (وبالتحديد المسيحيين واليهود) مستعملين صفة "الكفار" رغم أن الإسلام لا ينظر للمسيحي أو اليهودي ككافر ...إلى آخر تلك السقطات التي يهوى إليها البعضُ منا بدافعِ الإنفعالِ والعاطفةِ والغضبِ من ظلم الغرب لنا وميل بعض الغربيين للكيل بأكثر من مكيال وإزدواجية المعايير...وهو ما لا يجب أن نسقط فيه لأن "العقل" كلمة عربية مستقاة من "إلجام الجموح" وهو ما يأخذنا إليه الإنفعال والعاطفة والغضب.

ومن جهة أُخرى، فإن الغربَ ليس بدرجةِ السوء التي نظن. فالغرب مشغول بمصالحه وليس بالتآمرِ علينا كما يظن الكثيرون منّا. والغرب لا يعطينا (سر السلاح) و(سر الدواء) كما ذكر كاتبٌ كبيرٌ منذ أيام، ولكننا عندما نقول ذلك فإننا نرتكب مجموعة من الأخطاء في نفس اللحظة : فالغربُ حصل على سر السلاح وسر الدواء بالعمل والجهد وليس بالحصول عليه من آخرين ...والغرب لا ينتظر منه عاقل أن يمنح (سر السلاح وسر الدواء) للآخرين في تصرف ملائكي يخالف طبيعة البشر...ونحن أنفسنا لوكان لدينا (سر السلاح وسر الدواء) والآخرون محرومون منهما فلا يوجد دليل واحد أننا كنا سنتصرف بملائكية ونمنح الآخرين (سر السلاح وسر الدواء).

وأخيراً، فإن عدم حيازتنا لسر السلاح وسر الدواء هو أمر ينبغي أن نلوم أنفسنا لا الآخرين علي كونه حقيقة قائمة تشهد بالتقاعس لا بالبراءة. وإذا بذل مفكرٌ جهوداً مضنية ليثبت أن الغرب لم يتدخل بالكيفية التي رأيناها في أفغانستان إِلاَّ لمصلحته لقلنا له أنك ما كنت بحاجةٍ لبذل الجهد لتثبت وجود الشمس في كبد السماء ونحن جميعاً نراها فوق رؤوسنا.

ولا أجدُ ما أختم به هذا المقال أفضل من حديثٍ عابرٍ لشخصٍ غير مهتم بالسياسة سمعته منذ أيام يقول: ( في كل مرة نُهزم فيها في لعبة كرة القدم فإننا نوجه اللوم إما للحكم المتآمر ضدنا أو للجمهور المعادي لنا أو للطقس أو لظروف الرحلة إلى المباراة...ولكننا لا نسمع في أيةِ مرةٍ لوماً لللاعبين أو لإتحاد الكرة! ) ... قال المتحدث هذا وهو يظن أنه لا يتكلم في السياسة ...وما أَفدح خطأه !

* * *

(18)
منذ سنوات كان أَحد أبرز الشخصيات المصرية يسعى للوصول لمنصب دولي رفيع للغاية. وكان هذا الشخص (صاحب المحصول الأكاديمي النادر) على يقين من موقف الحكومة الفرنسية والذي مؤداه التأييد القوي لترشيحه لهذا المنصب. كذلك كان على درجة عالية من التأكد من مناصرة بلدان أخرى ذات وزنٍ كبيرٍ له مثل روسيا وألمانيا والصين والعديد من دول العالم الثالث. ولكنه كان بالغَ القلق تجاه موقفين هامين هما الموقف البريطاني والأمريكي (أي الموقف الأنجلوسكسوني). ونظراً لأن صديق حميم لي كان يشغل وقتها موقعاً بارزاً في مؤسسة اقتصادية كانت عندئذ من أكبر المؤسسات الأوروبية والبريطانية، نظراً لذلك، فقد تفضل الأستاذ بدعوة صديقي للحوار معه حول الموقفين البريطاني والأمريكي وللحديث تفصيلاً عن إمكانيات تأثير المؤسسات الاقتصادية العملاقة على آليات صنع القرار في بريطانيا والولايات المتحدة. وأدت هذه الدعوة للحوار إلى العديد من الاتصالات التي كانت تحاول المساهمة المتواضعة في إنجاح جهود شخصية مصرية مرموقة للوصول لموقع دولي رفيع.

وقد لمس صديقي خلال تلك اللقاءات وما صاحبها من تعمقه في دراسة السيرة الذاتية لصاحبها أن هذه الشخصية الفريدة لها جوانب قوة عديدة وبعض جوانب الضعف. فقد لمس ثراء تكوينه العلمي وثقافي.. ولمس أيضاً أن تكوينه جاء ثمرةً لتيارين ثقافيين هما التيار اللاتيني والتيار العربي/المصري. ولكنه لمس في المقابل أنه يعامل الحضارة الغربية ككلٍ ثقافيٍّ واحدٍ .. وهو ما كانت تجربة صديقي الثقافية والعملية قد قادته لعكسه تماماً. فالأستاذ الذي كانت الثقافة اللاتينية هي المكوّن الأساسي في بناءه الفكري لم تبدر منه خلال العديد من اللقاءات ما يدل على وضوح حقيقة كبيرة أمامه وهي أن العقل الأنجلوسكسوني يختلف اختلافاً كلياً عن العقل اللاتيني. وأن فهم كل منهما للأمور ينبع من نقاط مختلفة ويتجه إلى غايات مختلفة. أما صديقي وقد دفعه وقوفه على تلك الملاحظة إلى توجيه رأي متواضع ينصحه بعدم بذل أي جهود من أجل تغيير الموقف البريطاني .. لأن ذلك ببساطة لن يحدث. فالموقف البريطاني لا يُؤسس على أرضية كتلك التي يُؤسس عليها الرأي الفرنسي. ومن الناحية الواقعية، كان الرأي البريطاني قد أُسس بالفعل، وحسب معرفة صديقي وتعاملاته الطويلة مع العقل البريطاني، فإنه من شبه المستحيلات أن يغيّر العقل البريطاني اختياراته التي كونها بالفعل في "مطبخ المصالح". وفي نفس الوقت ذكر صديقي أن العقل الأمريكي وإن كان رافداً من روافد العقل الانجلوسكسوني إلاَّ إنه أقل "انجلوسكسونية" من العقل البريطاني، كما أن الواقع يساعده لأن الإدارة الأمريكية لم تعلن بعد موقفها وهو ما يسمح بقدرٍ معقولٍ من حريةِ الحركةِ. وأذكر أن صديقي كرر للأستاذ الذي يدور هذا الحديثُ حوله أنه من الضروري تذكر تاريخ وجذور الانجلوسكسون للتيقن من أنهم مختلفون كثيراً عن أحفاد اليونانيين والرومان.

وفي يومٍ من أيام شهر ديسمبر 1991 تقلد الأستاذ المنصب الدولي الرفيع وشعر ملايين المصريين بفخرٍ واعتزازٍ شديدين.

ولم يكد العام الأول من ولاية الأستاذ يمر حتى بدأنا نقرأ مقالات في الصحف والمجلات السياسية الأمريكية نقداً للأستاذ ولأسلوبه في العمل. ومع مرور الوقت، تأكد صديقي أن "المدرسة الانجلوسكسونية" سائرةٌ في طريق الصدام مع الأستاذ. وكانت المقالاتُ التي تُنشر وما يردده دبلوماسيو بريطانيا والولايات المتحدة يؤكد له أن الصدام قادمٌ لا محالة - فقد كانت سنوات تعامله الوثيق (أي صديقي) مع العقل الانجلوسكسوني قد كشفت له الطرق التي يبدأ بها الخلاف والتعبيرات التي تعبر عنه وتمهد للصدام في شكلٍ تصاعديٍ يندر أَلاَّ يكمل رحلته للنهاية. وعندما اقتربت ولايةُ الأستاذ من عامها الأخير - كانت الأمورُ واضحةً أمام عينيّ بشكلٍ لا يعتريه أي غموض : فالمطبخ السياسي الأمريكي (والبريطاني) لن يسمح إلاَّ بإنهاء باتر لولاية الأستاذ- وكان صديقي على يقينٍ أن احتمالات "إصلاح ذات البين" معدومةٌ تماماً - لأن العقل الانجلوسكسوني لا يفهم معنى "إصلاح ذات البين" ولكنه يفهم معنى "المصالح" و"القوة". وجاءت أحداث سنة 1996 لتثبت أن الجانبين "الأستاذ" و"الانجلوسكسون" الذين يحكمون العالم المعاصر ينتميان لمناهج تكوين عقلي مختلفة اختلاف الليل عن النهار. وأن الرفضَ الانجلوسكسوني لم يكن منبعُه أن الأستاذ عربيٌ أو مصريٌ أو إفريقيٌ وإنما كان منبعه الأول والأخير أن الأستاذ يفكر بشكلٍ لا يفهمه العقل الانجلوسكسوني. كذلك غاب عن البعض أن المحصول التعليمي الرائع للأستاذ هي أمور لن تشفع له عند العقل الذي يرى في ذلك مجرد أَدوات لتدعيم المصالح والقوة. وعندما انتهى صديقي من مطالعة الكتاب الذي وضعه الأستاذ الجليل في نيف وأربعمائة صفحة عن سنواته الخمس في ذلك الموقع الرفيع - إنتابه شعورٌ قويٌ بالأسى وهو يتابع في كل صفحةٍ دليلاً جديداً على أن الصدامَ كان حتمياً وأنه لم يكن له من سبب إلاَّ تصوره الأول والذي فحواه أن صدام الأستاذ ورأس القوة العظمى الوحيدة في عالم اليوم كان أمراً لا يمكن تجنبه .

ورغم إعجاب صديقي بالأستاذ وثقافته الرحبة، فإن ذلك لم يمنعه من أن يقول أن تجربته الخاصة مع العقل الانجلوسكسوني قد دلته بوضوحٍ تامٍ أن التعامل مع القوى الأنجلوسكسونية لا يمكن أن يخرج عن واحدةٍ من الحالاتِ أو الأنماطِ الثلاثِ التالية :
 الصدام معها؛ وينته هذا النمط عادة بنهايات تشبه ما حدث للاتحاد السوفيتي وصدام حسين ورئيس الدولة الأمريكية الوسطى الذي ألقت القوات الأمريكية القبض عليه وهو في عاصمةِ دولته وكذلك الرئيس اليوغوسلافي ميلوسوفيتش.
 أن يعرض إنسانٌ أو دولة خدماتها وهي مستسلمة بالكامل لإرادة القوى الانجلوسكسونية - وهنا فإن السيد الانجلوسكسوني لا يقبل إلاَّ إعطاء الفتات لمن عرض "دور الخادم".
 أن يخلق الطرفُ غير الانجلوسكسوني لدى الطرفِ الانجلوسكسوني احتياجاً كبيراً للطرف الأول ثم يجيد (بمهارة وببعد كامل عن اعتبارات الصداقة والود والعاطفة) تسويق دوره والذي يكون محققاً لمصالحه هو بقدر لا يقل أهمية عن توافقه مع مصالح (أو بعض مصالح) الطرف الانجلوسكسوني .
وهدفي من هذه الكلمات أن أُسلط الضوء - في هذه المرحلة الخاصة من مراحل تطورنا – على الأنماط الثلاثة المتاحة للتعامل مع القوة الانجلوسكسونية (والتي تحكم عالم اليوم) وعواقب كل نمطٍ منها وأَن أُحذر من مغبة النمط الثاني بنفس القدر الذي أُحذر به من مغبة وسوء عاقبة النمط الأول.

* * *

(19)
إنشغل أمريكيون كثيرون بمحاولة الإجابة عن سؤَال هام: "لماذا يكره كثيرون الولايات المتحدة الأمريكية"؟ .. وعقب إحدى محاضراتي في مطلع العام الماضي بالعاصمة الأمريكية سألني أستاذ أمريكي بإحدى جامعات الشمال الشرقي وكأنه قد فجر السؤًال ومحق معقوليته: "وفي نفس الوقت، فإنهم لا يفتأون يسعون للهجرة إلى الولايات المتحدة!!". قالها بثقة تشيع بين الأغنياء الجدد (إينما كانوا) .. ولكني فأجأته بالرد التالي: "إنك أجبت عن السؤًال بأفضل إجابة وأنت لا تشعر!". ثم أسهبت في الشرح .. وكان فحوى ما قلته أننا لووضعنا هاتين الحقيقتين إلى جوار بعضهما البعض: "كثيرون يكرهون الولايات المتحدة .. ومعظمهم يحلم بالهجرة إليها" لكان بوسعنا أن نضع يدنا على الحقيقة التي نبحث عنها. إن الملايين من البشر يحلمون بالهجرة للولايات المتحدة الأمريكية لأنها مجتمع ممتاز، فيه قيم طيبة، وفيه يمكن تحقق آمال الطموحين بشكل أفضل من أي مكان آخر .. وفيها ديمقراطية .. وحكام يخضعون مثل كل الناس لقواعد القانون .. وليس هناك من يعلو فوق القانون حتى لو كان رئيس أمريكا ريتشارد نيكسون الذي أسقطه صحافي شاب منذ ثلاثين سنة. ولكن الولايات المتحدة في علاقاتها الدولية وسياساتها وممارستها الخارجية تقبل للبشر (خارجها) ما لا تقبله لأحد داخلها. تقبل أن يحكم مارشالات جمهوريات الموز في أمريكا الجنوبية شعوبهم في ظل ديكتاتوريات كاملة وفساد مطلق. وتقبل أن تحكم العالم الثالث نظم هي سبيكة من الجهل والبطش والإستبداد والفاسد وإسترخاص البشر. وتقبل أن يكون شريكها في محاربة السوفيت (إبان علوهم) من لا يتفق معها في أي قيم من قيم مجتمعها .. وتقبل أن يحكم معظم شعوب الشرق الأوسط وأفريقيا رجال لا نصيب لهم من العلم والخبرة والفكر والحنكة والثقافة .. وقبل ذلك كله: لا نصيب لهم من الخلق.

إن الهوة الشاسعة بين المبادئ التي يحب الناس الهجرة للولايات المتحدة الأمريكية وبين الأسباب التي تدعوهم لكراهيتها خارج حدودها هي ما يجب على مراكز البحوث المعنية بمستقبل القوى العظمى الأولى أن يدرسوها ويرصدوا أسباب وجودها وطرائق علاجها.

وأخيراً، فإن الصراخ العربي المعهود لن ينفع هنا أيضاً (كما لم ينفع في أي مكان أو مناسبة أخرى). وإنما الذي سينفع هو الحوار الخالي من الأحكام المسبقة أو الغايات المنوية سلفاً والذي يقوم طرفاه (العربي والأمريكي - مثلاً) ببحث هذه الظاهرة بشكل موضوعي وعلمي ليس له من هدف إلاِّ الفهم (فهم الظاهرة وأسبابها) وتشخيص الدواء (لكي يبدأ البشر في النظر للقوة العظمى الكبرى نظرة فيها قدر غير قليل من الإحترام – إذ أن القوة لا تجلب الإحترام وإنما تجلبه المصداقية).

* * *

(20)
أُطلقت تسميةَ الإرهابِ على عدةِ ظواهرٍ خلال نصف القرنِ الأخير. فمثلاً أَطلق البريطانيون وصفَ الإرهابِ على عملياتِ الجيشِ الجُمهوري الأيرلندي كما أُطلق نفس الوصف على العديدِ من الحركاتِ مثل الحركةِ التي تَستهدف إستقلالَ إقليم الباسك بين أسبانيا وفرنسا كما أُطلق نفس الوصف على عملياتِ مُنظماتِ الألوية الحمراء (إيطاليا) وبادرماينهوف (ألمانيا) وحركات مماثلة في اليابان وأمريكا اللاتينية. أما اليوم , فعندما يُستعمل مصطلح الإرهاب فإن أول ما يتبادر للأذهانِ (خارج المُجتمعات العربية والإسلامية) أَن عرباً أو مُسلمين قاموا بعملٍ عنيفٍ. وقد تصاعد خلال السنواتِ الست الأخيرة الربطُ ما بين المسلمين والعمليات الإرهابية، وهو الربط الذي أدى إلى ظهورِ ظاهرةِ الخوفِ الهوسي من الإسلام (الإسلاموفوبيا). والذي لا شك فيه أن مُسلمين أو عرب يكونون عادةً منخرطين في العملياتِ التي يَصفها العالمُ اليوم بالإرهابِ. وبغض النظر عن أكبر مدرستين في تفسير ذلك وهما مدرسة تدين المسلمين بشكلٍ مُطلقٍ ومدرسةٍ (إسلامية) تبرر ذلك بما تعرض ويتعرض له المسلمون، فإنني أودُ في هذا المقالِ أن أتناول منابعَ أو مصادرَ أو أعمدةَ تلك الظاهرة بشكلٍ قد يكون مُختلفاً عن مُعظم التناولاتِ السابقة لهذا الأمر الذي أصبح بمثابةِ الشُغل الشاغل لمئاتِ الباحثين والدارسين في العالم.

رغم تسليمي بإختلافِ ظاهرة الإرهاب التي ينخرط فيها عربٌ ومُسلمون عن غيرهِا من ظواهرِ الإرهابِ فيما يتعلق بالحجمِ، أي كَون الظاهرة في حالتِها الإسلامية أكبر حجماً وأكثر إتساعاً من أي ظاهرةٍ أُخرى وُصفت بالإرهابية (مثل الظاهرة الأيرلندية)، إلا أنني أرى أن الإختلافَ يتعلق بحجمِ وعددِ الأتباعِ في المقامِ الأول. وأعني أنه بينما يُعتَبَر عدد الدعاة قليلاً ومُشابهاً للدُعاةِ في أنساقٍ ثقافيةٍ ودينيةٍ أُخرى فإن أعدادَ الذين ينجذبون لأفكارِ الدُعاةِ في الحالةِ الإسلاميةِ أكبرُ بكثيرٍ جداً .

وفي إعتقادي أن الذين يتعاملون سياسياً وأمنياً وكذلك الذين يَدرسون ما يُسمى بالإرهاب الإسلامي يبدأون من نقطةٍ تتجاوز هذه التفرقة بالغة الأهمية بين "الدُعاةِ" و"الأتباعِ". بينما يميل كاتبُ هذه السطور للإعتقادِ بأن هذه التفرقةَ هي كلمةُ السرِ التي تفتح أبوابَ الحلولِ والتعامل الناجع مع تلك الظاهرةِ التي يرى البعضُ خارج المجتمعات الإسلامية أنها تمثل التحدي الأكبر للبشريةِ وللإنسانيةِ وللمدنيةِ في القرنِ الحادي والعشرين.

فالدُعاةُ الذين يكتبون كُتباً ويَلقون محاضراتٍ ويحاولون التأثير في الناسِ بشكلٍ إيجابي أو سَلبي لا يَستطيعون جذب أتباع بأعدادٍ كبيرة إلا إذا كانت الحالةُ الذهنية والنفسية والظروف السياسية والإقتصادية والإجتماعية تجعل الأتباعَ في حالةِ إستعدادٍ لتلقي الدعوة. في كل الأديان والطوائف والمِلَل دُعاةٌ يحاولون الترويج لأفكارٍ بالغة التشدد وأحياناً بالغة العدوانية. ولكن حجمَ وأعدادَ الأتباعِ يتفاوتون. وعلى سبيل الِمثال، فإن هناك من القادةِ الدينيين اليَهود والمَسيحيين من يدعون لأفكار بالغة التضاد مع الإنسانية والتسامح وقبول الآخر (بل ولقتل بعض الآخرين). ولكن يبقى أن أعدادَ هؤلاء لا تشكل ظاهرةً تعكس إتساع وكثرة أعداد أتباع بعض الأفكار والدعوَات الإسلامية المُتشددة. وتتجه نظمٌ سياسيةٌ عديدةٌ (وللأسف، تُؤيدها قِطاعاتٌ من المُثقفين) للتعاملِ الأمني مع أعضاءِ الدائرتين : دائرة الدُعاة ودائرة الأتباع ؛ ومن هنا تبدأ ثم تتوسع ثم تتفاقم الكارثةُ.

ففي إعتقادي أَن الدُعاةَ قد يُشكلون بعض الخطورة، ولكنها خطورةٌ نسبيةٌ أو مَحدودةٌ لا توصل المُجتمعات إلى ما وصلت إليه عدةُ مُجتمعاتٍ إسلامية مُعاصرة، وأَزعُم أن التعاملَ الأمني مع مُعظم الدُعاةِ لا يؤدي لأية نتائجٍ إيجابية. فقتلُ مُفكرٍ مثل سيد قطب على المشنقة سنة 1966 لم يَنتجُ عنه أي إنحسارٍ لأفكارهِ التي تعُد (في إعتقادي) بعد إندماجها مع التيار الوهابي بمثابةِ المصدرِ الفكري الأول لمعظمِ تياراتِ الإسلامِ السياسي العنيفةِ والرَاديكاليةِ. إن الطريقةَ الوحيدة للتعاملِ مع الدُعاةِ هي صحوةٌ فكريةٌ وثقافيةٌ تنخرط فيها النُخبُ المثقفة بمعنى أن يُقارع الفكرَ بالفكرِ والرأي بالرأي والكتابةَ بالكتابةِ. وهنا، فإن فئةَ المثقفين الرسميين تكونُ غيرَ ذاتِ قدرةٍ على التأثيرِ بشكلٍ إيجابي لكون أفرادها "موظفين" أكثر من كونهم "مفكرين أو مثقفين". ناهيك عن دلالات عدم المصداقية بالنسبةِ لمعظمهم .

وفي كل الأحوال , فإنني لا أظن أبداً أن الدُعاةَ هم حجر الأساس لظاهرةِ العُنفِ السياسي الموصوم بالإرهابِ الإسلامي.

إن الداءَ كله يكمن في "الأتباع". وبداية الحلول تكمن في الإجابة عن السؤالِ التالي : ما الذي يجذب الشباب (بوجهٍ خاصٍ) في مُجتمعاتٍ إسلاميةٍ عديدةٍ للسيرِ وراء هؤلاء الدُعاة الذين صاغوا أفكاراً راديكالية تسوّغَ العُنف والإبتعاد عن مَسيرةِ المدنيةِ الإنسانيةِ. وفي إعتقادي أن مُجملَ الأسباب التي تُغري الشباب في المُجتمعات الإسلامية بإتباع الدعوات الراديكالية يمكن أن تنضوي تحت كلمةٍ واحدةٍ كبيرةٍ هى "الغضب". وهو في إعتقادي غضب متعدد المصادر، كما أنه في إعتقادي غضبٌ علينا أن نفهمهُ لا أن نَستهجنهُ، ولا يهم إن أدى "الفهم" للتعاطف , فالتعاطف (عند العُقلاء أصحاب الرؤية الإنسانية والتاريخية) لا يعني "المُسايرة" أو "التبرير" أو "القبول" وإنما يعني إدراك أننا أمام مرض ومريض , وكلاهُما يحتاج لعلاجٍ أي لطبيبٍ ولدواءٍ وليس لتدابيرٍ أمنيةٍ أو عنفٍ وقسرٍ وتعذيبٍ.

ومصادر هذا الغضب عديدة لكن أهمها مايلي :

أولاً : الشُعور المَدعوم بمفردات الواقع بضيق آفاق الحياة وهو يشمل يأس المُتعلمين وغير المُتعلمين من العثورِ على عملٍ لائقٍ يسمح بحياةٍ إنسانيةٍ معقولةٍ .
ثانياً : التفاوت المُذهِل بين الذين "لديهم" والذين "ليس لديهم". وأعتقد أن الغضبَ لا ينبع من التفاوت، وإنما من هول مساحاتِ ومسافاتِ التفاوت .
ثالثاً : عدم وضوح أسباب وشرعية ثراء الأثرياء وقوة الأقوياء وشُهرة المشاهير. لقد كان الناسُ يعلمون أن محمد طلعت حرب رجلٌ ثريٌّ، ولكنهم لم يكن ظنهم يتجه لكون ثروته قد تكونت بسُبلٍ مُريبةٍ .
رابعاً : إختفاء العدالة في مُعظم مجالات الوظائف والعمل وأحياناً الأعمال التُجارية، حيث تكون لقوةِ العضلاتِ السياسيةِ الداعمةِ للبعضِ (وغير المتوفرة للأكثرية) قوة "بُساط الريح" .
خامساً : ندرة الشخصيات القدوة في مُعظم المجالات .
سادساً : قُرب المسافة بين "سُلطان المال" وسُلطانين آخرين هما "السلطة التنفيذية" و"الإعلام".
سابعاً : ما يشيع عن حالات الفساد دون إمكانية التأكُد من حقيقتها أو دون رؤية أية عواقبٍ لتلك "القصص" التي تلوكها الألسنُ.

إن دراسةَ هذه الأعمدةِ السبعة التي يرتكز عليها هيكلُ الغضبِ الذي يفُرّخ العُنف والرفض والعدوانية والإرهاب هى مسألةٌ سياسيةٌ وثقافيةٌ وإستراتيچيةٌ. أما إختزالُ الأمرِ في (التفسير الأمني) ثم (التعامل معه بالوسائلِ الأمنية) فهو ظُلمٌ للمُجتمعِ ولكلِ أطرافِ المسألةِ بما في ذلك هيئات الأمن ذاتها التي يُطلَب منها التعامل الأمني مع ظواهر مُتعددة الجذور السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية .

* * *

(21)
رغم أن "ولينجتون" هو القائد العسكري البريطاني الذي هزم "نابليون بونابرت" في معركة ووترلوسنة 1815، إلاِّ إنه إستمد شهرته من شهرة "نابليون" ذاته بل ومن النسبة إليه فقط. وعندما يزور الزائرون متحف ولينجتون في بريطانيا، يجدون تمثال نابليون واقفاً ليذكر الناس بأن عظمة "ولينجتون" مستمدة (في المقام الأول) من ذلك الإنسان الذي لا يضاهيه إلاِّ الأسكندر الأكبر في حجم الشهرة ومدى إمتدادها على مساحات الزمان (في كل زمان) والمكان (في أي مكان).

ومن الكلمات الخالدة ما قالها ولينجتون نفسه عن نابليون، عندما قال "إن جيشاً بدون نابليون هو جيش تنقصه خمس فرق". ولا يملك الإنسان (المدرك لأبعاد تلك المقولة ومعناها التاريخي) إلاِّ أن يقف روحه إحتراماً لتلك "الجزئية" التي عناها وقصدها "ولينجتون" إلاِّ وهي الإرادة الفذة لرجل واحد وأثرها وحدها في تسيير وتوجيه وقيادة الأحداث ومجريات الأمور.

إن ما أراد ولينجتون في الحقيقة أن يقوله (للتاريخ والناس في كل زمان ومكان) إن "إرادة إنسان واحد" قد تكون أعظم من آلاف "الإرادات الخاملة" لآلاف الناس الذين يكونون "آلافاً" بمنطق "الأعداد" ولكنهم "أصفاراً" بمنطق "القيمة"، "الفاعلية"، "الآثر" و"الناتج".

وعندما يتأمل إنسان من المهتمين بالعظمة والعظماء تلك المجموعة من محبي وعشاق "العقاد" (أعظم عقل ثقافي في تاريخ مصر منذ أقدم العصور وللآن)، فإنه لا يلبث أن يدرك أن "محبي العقاد" وإن كانوا عظيمي التقدير لثقافته الموسوعية (نادرة المثال) ولعمق وإتساع معارفه وجبروت منطقه وغزارة إنتاجه، إلاّ أن محور تقديرهم للعقاد هو إعجابهم بدور "إرادته" في تشكيل حياته وتوجيهها في المسار الذي أخذته، وهو الأسواني البسيط الذي لم ينل إلاِّ الشهادة الإبتدائية، ورغم ذلك فإن أعظم مثقفي جيله لا يتجاوز قامات علمه وهامات معارفهم (رغم عظمة تلك القامات والهامات) "مقام صغير" أمام مقام كبير.
والخلاصة أن "الإرادة الإنسانية" وأعني "إرادة الإنسان الفرد" لا "إرادة المجتمع" هي أعظم "قوة خلاقة" يمكن عن طريقها إنجاز ما يبدومستحيلاً من الآمال والأهداف والغايات. والخلاصة أيضاً: أن المجتمعات التي نجحت وتقدمت وإزدهرت وبزغت شموس تألقها هي المجتمعات التي وفرت مناخاً يسمح للإرادات الإنسانية الفذة بالظهور وممارسة الأدوار التي هي وحدها القادرة على بلوغها .. أما المجتمعات التي أصابتها جرثومة الأفكار "الجماعية" والتي أثبت التاريخ المعاصر قدرتها الفائقة على قتل "الإرادات الإنسانية الفذة" فإنها إما أن تفيق من سكرتها وتلحق بقطار النجاح الوحيد (ومجتمع الإزدهار الذي تقوده إرادات الأفراد والأفذاذ) وإما أن تجد نفسها (خلال فترة زمنية قصيرة) وقد أكتمل من حولها ظلام الإخفاق بكل صوره وأشكاله وألوانه.

* * *

(22)
منذ نحوعشرين سنة نُشر لي مقال بعنوان "فن العمل الذي فقدناه" ولم يكن يدر بخلدي وقتئذ أني سأعود بإلحاح لنفس الموضوع بعد عقدين من الزمن. ولكن كل الدلائل والإشارات والعلامات من حولنا تقف شاهدة على كوننا لا نعمل بالكيفية والنوعية التي يجب أن تكون كحد أدنى لأمة تعاني من مشاكل جسيمة وتتوخى الخروج منها وتتطلع لغدٍ أكثر إزدهاراً وإستقراراً وإشراقاً.

إن الإحصائيات الدولية تكرر رقماً حول ألف دولار كمتوسط لدخول الفرد السنوي لدينا وهو رقم بالغ التواضع لا سيما إذا ما قورن بمثله في دولة مثل كوريا الجنوبية أو سنغافورة بل إنه يقف على مسافة قريبة من نظيره اليمني والصيني. والأسوأ من ذلك أن أكثر من نصف هذا الرقم يعود إلى مصادر لا علاقة لها بالعمل مثل الدخل المستمد من أنشطة صناعة البترول والسياحة وقناة السويس.

ولمزيد من تجسيد الصورة فإن متوسط دخل الفرد في دولة صغيرة مثل هولندا هو اليوم عشرون ألف دولار في السنة .. ولمزيد من تجسيد الصورة فإن تعداد هولندا (14 مليون مواطن) يقف إلى جواره تعداد آخر من الحيوانات (14 مليون بقرة و21 مليون خنزير) ومن المثير للسخرية أن دخل الأبقار والخنازير في هولندا (من السماد الذي تنتجه) عندما يوزع على السكان فإن نصيب الواحد منها (كدخل سنوي) يكون ألف دولار أمريكي في السنة (!!!) ولمزيد من التجسيد، فإن دخل هولندا من الزهور فقط يعادل دخل مصر من البترول وقناة السويس.

ولكن المؤكد أن دعوة الناس إلى العمل عن طريق التصريحات والنداءات لا يمكن أن تكون مجدية. فمن جهة فإن جزءاً كبيراً من المشكلة يعود إلى أساليب الإدارة الذائعة والشائعة في المجتمع، إذْ أن أهم مهام المديرين هي خلق بيئة عمل تحفز العاملين على العمل والإنتاج وتفجر أفضل ما في الناس من قدرات على الخلق والإبداع والإنتاج، ومعنى هذا الكلام أن "قوام المشكلة" قوام إداري في شق كبير منه. ولا شك أن مساهمة القطاع العام في هذه المشكلة كبيرة إذ أن كل الإحصائيات تؤكد أن إنتاجية الفرد الواحد في دوائر القطاع الخاص أعلى بكثير من إنتاجية الفرد في دوائر القطاع العام والتي كثيراُ ما تكون سلبية.

ولا شك أيضاً أن للحياة الإجتماعية دوراً وأثراً فعالاً في إنخفاض أو إرتفاع إنتاجية المواطنين، وخلاصة القول هنا أن حياتنا الإجتماعية تتناقض تناقضاً صارخاً مع قيم ونظم العمل والإنتاج – فأين هو المجتمع المنتج الذي يتفشى فيه السهر كما يتفشى في مجتمعنا بل ويستفحل الداء عندنا لدى الطبقات الثرية الجديدة التي تواصل ضرب أسوأ الأمثلة الرديئة التي يضربها ذلك النمط من الحياة الإجتماعية الذي لا يمكن أن يكون إلاِّ نمط الكسالى غير المنتجين وغير الأكفاء.

كذلك فإن للمؤسسة التعليمية دوراً كبيراً منتظراً في ترسيخ قيم العمل في نفوس أبناء أي مجتمع وتلقينهم قيم العمل والإنتاج كقيم تميز ما بين المواطن الجيد والمواطن الذي يعيش عالة على المجتمع. ومن الضروري أن تزخر البرامج التعليمية بترغيب الأطفال في حب وإحترام العمل وحتمية أن يكون نظام الحياة في المجتمع في خدمة العمل كعامل من العوامل التي تخض على أن يولي المواطن العمل أقصى درجات إهتمامه وجهده وولائه.

إن نظرة فاحصة لأحوال مجتمعنا تؤكد أنه من المستحيل بلوغ الأهداف المرجوة مع بقاء الأحوال على ما هي عليه في هذا المجال، فما لم تتبدل أساليب العمل الإداري وما لم نعد إلى أساليب الحياة الإجتماعية التي كانت سائدة في مصر قبل عقدين أو ثلاثة عقود وما لم يعد وضع البرامج التعليمية للأطفال على أسس ترسخ في أعماقهم قيم العمل، فإن كل حديث عن التنمية والإزدهار والتقدم يبقى ضرباً من ضروب الأحلام والخيال. ومن المهم للغاية في هذا المقام أن ندرك أن المناشدات والنداءات والمطالبات التي تعلوبها بعض الأصوات مطالبة العمال بمزيد من العمل والمنتجين بمزيد من الإنتاج، هي أمور غير مجدية إذ أنه لا تنهض أمة بنداءات وإنما بخطط محكمة في أساليب الإدارة وفي برامج التعليم وفي الإعلام وأيضاً على مستوى السرة: فكيف نأمل أن نتحول إلى أمة منتجة والأسرة من جهة والعديد من وسائل الإعلام من جهة أخرى لا تحض على أسلوب حياة يقوم على الإنتظام والإستيقاظ المبكر والعمل الجاد وعدم الإنخراط في حياة إجتماعية صاخبة تحول الليل إلى نهار؟ ففي ظل ذلك لا مجال لمزيد من العمل أو لمزيد من الإنتاج.

إنني في المرات القليلة التي أتيح لي فيها أن أشهد كيف تسهر الأسر بكل أفرادها أمام برامج التليفزيون أو كيف يسهر الأغنياء الجدد في حفلات عشاء تستمر إلى الساعات الأخيرة من الفجر كلما أمنت أننا لا نزال بعيدين عن "الروح العامة" لمجتمع عمل وإنتاج في المقام الأول.

* * *

(23)
لا أَكلُ من ترديدِ أن أو ضاَعنا العامة والاجتماعية هما نتيجةُُ مباشرةُُ لتردي أحوالنا الإقتصادية والتعليمية والثقافية وأن ذلكَ هو نتيجةُُ طبيعيةُُ للفقرِ الشديدِ في تكوين الكادر البشري المسؤول عن قيادةِ العملِ الإداري/ التنفيذي في آلافِ المواقع بكل الوزاراتِ والإداراتِ والوحداتِ الإقتصادية سواء منها ما يسمى الآن بوحداتِ قطاع الأعمال أو ما يندرج منها تحت مسمى المؤسساتِ الخاصة وكذلك كل الوحدات الخدمية. فالكادرُ البشري الذي يُناط به قيادة العمل الإداري/ التنفيذي في كل تلك المواقع شبه مفرغ من مؤهلاتِ القيادةِ الإداريةِ العصريةِ الناجحةِ والفعالةِ. إن لدينا في كل هذه المواقع "رؤساء عمل" وليس لدينا من يصح أن نسميهم بالقادة التنفيذيين فالمشكلة في صلبها وتشخيصها وفيما يتعلقُ بعلاجِها "مشكلة إدارية" للنخاع.

وإذا كان البعض يشعرُ أحياناً بصعوبة التفاؤل بسبب هول حجم المشكلة أو بالأحرى المشكلات، فإنني أَعتقدُ أن موقفَ التفاؤل أو موقف التشاؤم هنا موقفُُ عاطفي ولكنه ليس بموقفٍ علميّ. فحسب مفاهيم علوم الإدارة الحديثة فإن كلَ الأوضاع قابلة للتغيير إلى ما هو أسوأ كما أنها قابلة للتغيير إلى ما هو أفضل - ويتوقف الأمرُ على الكادر الإداري القيادي الذي يفرزه المجتمعُ، فإن كان من كوادر الموظفين العموميين بمفاهيم معظم العقود الأولى من القرن العشرين كنا على طريق استحالة الأمل وفي المقابل فإذا كان الكادرُ المذكور منتمياً لكوادر الإدارة الحديثة والتي تعمل بآلياتٍ وتقنياتٍ مختلفة فإن الأملَ يصبح كبيراً في التغير إلى الأفضل.

وبالتالي فإن أكبر التحديات التي تواجه أَية حكومةٍ في مصرَ هو التحدي الخاص بإختيار القيادات في كل المواقع بمختلف الوحدات وأيضاً بروح عمل هؤلاء. وليس من الصحيح أن يقول البعض : "ومن أين نأتي بهؤلاء؟ !!…

فإذا كان الواقع يؤكد أنه ليس لدينا مخزون كبير من القادة الفعاليين لمختلف المواقع (وذلك بسبب تدهور المستويات العامة خلال العقود الأخيرة) فإن الواقع أيضاً يثبت أن لدينا (في معظم المواقع) من هم أَفضل نسبياً لو تجاسرنا وواجهنا العديد من عيوبنا الذائعة مثل "الشخصانية" في الإختيارات.. ومفاهيم بالية مثل "الأقدمية" كمعيارٍ أَساسي للإختيار...وجنوح الرؤساء في العديد من مواقع العمل لإختيار من هو "أسلم" لهم عوضاً عن إختيار الأكثر كفاءة .. وكذلك طغيان قيم المصالح والمال والنفوذ في مواقع يجب أن تختفي فيها هذه القيم. لوتجاسرنا وواجهنا (بشجاعةٍ أدبية) جل هذه العيوب فإننا يمكن أن نوفر كوادر بشرية أفضل (نسبياً) في العديد من المواقع القيادية …ولا يعني أننا سنحصل على نتائج مثلى لأن معطيات وعناصر النتائج المثلى شبة منعدمة بسبب المناخ العام (القدوة…التعليم…الإعلام…الفساد بصورتيه : الأدبية والمادية)…ولكننا – لاشك- سنحصل على معدل تقدم أفضل- أما النتائج المثلى فيمكن فقط حدوثها (عبر عقد واحد من الزمان) لوتوفرت العناصر المثلى في الرقائق العليا للهرم المجتمعي – وهو أمر حدث بالفعل في العديد من البلدان ولكنه لم يحدث في منطقتنا بأسرها خلال كل العقود الأخيرة.

ويقودنا ما سلف إلى السؤال الهام وهو: ما العمل؟…والإجابة يجب ألاَ تكون من خزان الإقتراحات النظرية لكل عقل يتصدى للإجابة عن هذا السؤال وإنما ينبغي أن يكون الجوابُ من مراجعةِ محايٍدةٍ لما حدث في الواقع المعاش خلال العقود والقرون الماضية.

وإذا فعلنا ذلك فإننا سنجد أننا بصدد آليتين (أونظامين) لبلوغ المراد في هذا الشأن:

- أما الآلية الأولى فتتمثل في العمل الدؤوب على إحداث تغيرات كمية إيجابية في كلِ موقعٍ أو مكانٍ أو جهةٍ تساهم (إيجابياً أو سلبياً) في تكوين مستويات القيادات. ونحن هنا أمام معضلة كبيرة لأن ذلك يعني أن علينا أن نعمل عملاً دؤوباً ووفق رؤيةٍ واضحةٍ ومن أجل أهدافٍ محددةٍ في مجالاتٍ بالغةِ التشعب. فالتعليمُ جهة ذات صلة وثيقة بهذا الأمر إذ أن العديدَ من قيم التقدم وقيم العمل الحديثة تُغرس في الإنسان من خلالِ سنواتِ التعليم وبرامجه ومدرسيه وأساتذته...والإعلامُ بدوره جهة بالغة التأثير في هذا المجال...ونفس الشيء يقال علي المؤسسة الدينية أو المؤسسات الدينية فإن دورَها لا ينكر في هذا المجال...والحياة الثقافية هي أيضاً مساهم كبير فيما يعنينا في هذا المقام...والقدوة التي تقدمها القياداتُ التنفيذية العليا هي مساهم كبير للغاية بالشكلين الإيجابي والسلبي في هذا الشأن...وبرامج التدريب الإدارية هي كذلك لاعب رئيسي في ملعبِ هذا الموضوع. ورغم صعوبة هذه الآلية إلاَ أنه لا مفر من المحاولةِ عن طريقها لأنها الآليةُ المضمونة حيث يؤدي العملُ التراكمي الإيجابي لإحداث التغيرات المنشودة. ولكن من عيوب هذه الآلية أولاً: صعوبتها وثانياً: تشعبها وثالثاً: عدم قدرتها على الإنجاز السريع ورابعاً: إحتياجها لنقطةِ بدايةٍ تتمثل في مبادرةٍ من رقائق المجتمع العليا...إِلاِّ أنه لا مفر من العمل وفق معطيات هذه الآلية.

- وأما الآليةُ الثانية فتتمثل في حركةِ تغييرٍ واسعةٍ وكبيرةٍ في معظم الرقائق العليا للمواقع القيادية التنفيذية تغيراً يأتي بمن يفرضون قواعداً ونظماً في العمل والأداء تكفل النهضة المنشودة بسرعة أكبر جداً من سرعة إنجاز الآلية الأولى.

ومن الواضح أن الآلية الأولى هي التي عملت في العالم الأوربي الغربي بروافده في القارة الأمريكية الشمالية والتي يمكن أن تسمى بآلية المطبخ البطيء. كما أنه من الواضح أن الآلية الثانية هي التي إتُبعت في البلدان التي سميتُها في كتابٍ حديثٍ لي بدول الطفرة مثل العديد من الدول الآسيوية وبعض دول أمريكا اللاتينية. وبينما بلغت الآلية الأولى أهدافها عبر قرون فإن الآلية الثانية قد بلغت أهدافها في عقود قليلة كانت في أفضل النماذج (مثل ماليزيا وكوريا الجنوبية) في حدود عشر سنوات فقط...بينما كانت في بلدان أخرى (مثل سنغافورة وتايوان وتايلاند وكوستاريكا) قد استغرقت ما بين عشرين وخمسة وعشرين سنة.

ويمكن لدارسي نماذج التطور والتنمية المشار إليها أعلاه أن يقترح أن مجتمعاً مثل مصر ينبغي أن يجمع بين النظامين فيحاول أن يتبع في نفس الوقت الآلية الأولى بمحاذاة محاولة جادة أخرى لإتباع الآلية الثانية لإن ذلكَ أكثر ضماناً لعدم إستفحال عملية تدهور المستويات العامة في الواقع المصري والتي تشمل المستويات الإقتصادية والإجتماعية والإعلامية والتعليمية والإنتاجية والخدمية بل وفي مجالاتٍ أخرى كالمجالاتِ الرياضيةِ والثقافيةِ والفنيةِ وهو أمرٌ بالغ الخطورة ليس فقط على مصرَ وإنما على المنطقةِ بأسرها – فقد كنتُ ولا أزال أؤمنُ أن المتغيرات الكبرى في هذه المنطقة سلباً أو إيجاباً إرتبطت وسوف ترتبط بمصرَ: فعندما قدم محمدُ علي نموذجه للنهضة وهو النموذج الذي لم يشغله وجود أي تناقض بين معطيات الماضي ومعطيات الحاضر والمستقبل فإن المنطقة بأسرها حذت (أوحاولت) حذوه...وعندما إنكسر المشروع النهضوي المصري إنكسرت المشاريع النهضوية في المنطقة وعندما رفعت مصرُ أعلامَ الإشتراكية والقومية العربية رفعت المنطقة نفس الأعلام...وعندما غيرت مصرُ في أواخر السبيعينيات أسلوب تناولها للصراع العربي الإسرائيلي تمردت المنطقة بأسرها ثم إقتفت نفس الخطوات (وهذا أمر حدث أي واقعي منبت الصلة بصواب أو خطأ المنهج)...وحتى ما يسمى بالإسلام السياسي (وهو مشروع سياسي بحت لا علاقة له بالدين إِلاَّ إستعمال الدين لتحقيق أهداف سياسية) فإن معظم أدبيات هذا المشروع هي إما منتج مصري أو منتج تم تجديده على أيدي مصريين.


* * *

الفصل الثالث



التغيير: ممكن ... أم مستحيل؟؟


(1)
عندما كنتُ طالباً في المدرسة الثانويةِ طالعتُ عدداً من كتب الجاحظ والذي إفتنت به منذ تلك السن الصغيرة. قرأتُ في البداية (البيان والتبين) ثم (البخلاء) ثم (الحيوان) … ثم أبحرتُ في باقي مؤلفاتِ الجاحظِ الغزيرة. كانت مدارسُ مصرَ الثانوية (وقتئذ) تحتوي كلٌ منها على مكتبةٍ عامةٍ كبيرةٍ. وكانت مدرستي الثانوية تضم واحدة من أكبرِ تلك المكتباتِ. هناك سقطت عيناي (لأول مرة) على مجلداتٍ عتيقةٍ كُتبت عنوانيها على كعوبِها: الأمالي لأبي على القالي، الصناعتان، نهاية الأرب في فنون الأدب، الأغاني للأصفهاني، الأدب الكبير والأدب الصغير، حي بني يقظان، رسالة الغفران، الفصول والغايات، فصل المقال (لابن رشد)… مع فيض من دواوين الشعر وكتب التاريخ (التاريخ الكبير لابن كثير، تاريخ الطبري، وفيات الأعيان لإبن خلكان، صبح الأعشى في صناعة دواوين الإنشا، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، السلوك في آداب الملوك، بدائع الزهور ووقائع الدهور… إلخ. وكما ألقيتُ نفسي عندئذ (وخلال سنوات تالية) في أو دية هذه الكتب فقد كنت (على التوازي) أُطالع بشغفٍ كتاباتِ العقاد والمازني وشكري عن إفتقادِ كثيرٍ من الأدبِ العربي للوحدةِ الموضوعية/العضوية. وكنت أسألُ يومها أسئلةً لا تجد إجابة: لماذا لم يفتعل الجاحظُ السجع في عناوين معظم كتبه كآخرين كثيرين؟ وقد أجبتُ بنفسي (بعد عشر سنوات) عن ذلك السؤال بكلماتٍ قليلةٍ: لأن الحاحظ كان من أدباء المعتزلة – أي يقدم العقل ويوليه الأولوية الكبرى – ومن يفعل ذلك لا يسقط "صريع عشق السجع" … إذ أن السجعَ كثيراً (وليس دائماً) ما يكون بمثابة تفضيل جرس الكلمات عن معاني العبارات.

واذكر وأنا طالب في السنة الثانوية النهائية (1966) أن أُمي كانت تُلقي القبض علىَّ متلبساً بكتابة عناوين (هزلية) لكتب لم ولن توجد قط:
"إقعاد المعاندين على الأوتاد، لعباس العقاد"…، "الذل المهين … في طور سنين"…، "ذروة التعاسة … فيما حصل يوم الانتكاسة"…، أشمغة، بدون أدمغة.

كنت أفعلُ ذلك عبثاً ولكن أيضاً بتأثير ذهنية الولع بجرس الكلمات والتي كثيراً ما لا تبالي بالمعاني.

وبعد رحلةٍ طويلةٍ مع المعرفةِ، صرت شديدَ الميل للإيمان بأن اللغةِ أسرت العقل العربي (عند كثيرين) أسراً لا أعرفُ مثيلاً له اليوم. فالعقل العربي مفتونٌ بجرس أكثر من معاني الكلمات. وهو يرى في جرسِ اللغةِ والسجعِ "شكلاً من أَشكالِ الفروسية"… وأحياناً يبلغ به هذا المرض أقصى مداه: فلا يُفرق بين القولِ والعملِ. يتحدث عربيٌّ مفتون بهذا الدبلوماسي العربي الذي يجسد ثقافة الكلام الكبير فيقول: "إنظر لما فعله السيد "فلان" في بغداد … ياله من شخصية كاريزمية هائلة"…ويكون ردي "تقصد ما قاله في بغداد "وليس "ما فعله" ! هنا، يصبح العقلُ العربي عاجزاً عن رؤية الفارق بين (الأقوال) و(الأفعال). ولما كانت الأقوال سهلة، فقد أصبح في مُكنةِ البعض أن يكونوا من كبار الأبطال! وما هم إلا (بالعامية المصرية) من "فنجرية" (أي كرم) الفم واللسان.

اليوم، وبعد أربعين سنة من اللحظة التي أمسكت فيها لأول مرة بكتاب عنوانه مسجوع (نهاية الأرب في فنون الأدب) للنويهي، فإن هذا السجع يضحكني لسذاجته … ويؤلمني لدلالته.

أكتب هذا بعد أن مررت (بمكتبتي) بجوار مئات المجلدات العربية القديمة التي تحمل كعوبُها عناويناً مسجوعة بتكلف واضح. ووسطها وجدت مجلدات تضم كتباً للجاحظ (المعتزل العقلاني) لا يكاد يوجد بينها عنوانٌ مسجوع واحد .. مثل "رسالة الأضداد" أو "التربيع والتدوير" .. إلخ.

أن بذرةَ علاج ذلك، بيد الذين يُناط بهم وضع النصوص ليطالعها تلاميذنا عندما يبدأون رحلة التعامل مع النصوص. وإذا كان نابليون قد قال (بحق) أن "الحرب" أمرٌ أكبر بكثيرٍ من أن يترك للجنرالات، أن النصوصَ والمقرراتِ والبرامج التعليمية أمرٌ أكبر بكثيرٍ من أن نتركها للمدرسيين وكبار شخصيات وزارات التعليم… وإلا فسنبقى عقوداً أخرى ننفخ في غدد السجع ونقلص من غدد التفكير.

* * *


(2)
منذ فترة قريبة طالعت (بشغف لم اشعر بمثله منذ شهور) العمل الممتاز للدكتور رشاد الشامي والذي صدر في 368 صفحة بعنوان (موسوعة المصطلحات الدينية اليهودية) وهو عمل رائع يضاهي (في كونه عملاً أكاديمياً رصيناً) أي عمل عالمي من كبريات الأعمال في هذا المجال. إن هذا العمل الفذ يطابق كبريات الأعمال العالمية لأساتذة أكاديميين لا يتسلل الهوى لما يكتبون. وأعتقد أننا بحاجة لعشرات الأعمال من تلك النوعية العميقة والمكتوبة بمنهج علمي رصين. نحن بحاجة لذلك إذا كنا نريد أن نتعامل مع إسرائيل بشكل يناسب العصر ويرقى لمستوى التحدي. فإن جل ما يكتب في صحفنا وكتبنا عن هذا الأمر هو "سطحي" و"أرعن" و"مفعم بالعاطفة الهوجاء" و"لا جدوى منه" ومن أقوى آثاره خسراننا للتعاطف الدولي ناهيك عن كونه - ببساطة ووضوح - لا يُفيد إلا إسرائيل. إنني أدعوهواة القراءة الجادة في مصر لمطالعة كتاب الدكتور رشاد الشامي ولا أظن إلاَّ أنهم سيوافقونني بعد ذلك أننا في أمس الحاجة لمائة كتاب من هذه النوعية عن الحياة السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية في إسرائيل… عن أحزابها… وهيئاتها السياسية… وصحفها… وجامعاتها… وأدبها… وإنتشار أبناءها في كبريات جامعات العالم وابرز مراكز البحوث على وجه الأرض. نحن بحاجة لذلك أكثر من حاجتنا لإستمرارنا في التصايح بشكل جعلنا نخسر معظم العالم: نخسر إستماعه لنا ناهيك عن تعاطفه أو مساندته أو حتى إحترامه لهذا التصايح.

إنني أؤمن أننا (ثقافياً) مصابون بدائين وبيلين: إننا خارج الزمن… وإننا خارج حقائق العصر… ولا أظن أنه بوسع شيء أن يساعدنا على البرء من هذين السقمين مثل أعمال جادة ورصينة ككتاب (موسوعة المصطلحات الدينية اليهودية) للدكتور رشاد الشامي الذي طالعت كتابه مرتين في أسبوع واحد من فرط تقديري لكافة جوانب تميزه وثراءه.
إن أكبر دليل على صواب زعمي أننا في أمور عديدة بوجه عام وفيما يتعلق بالتحدي الإسرائيلي بوجه خاص "خارج الحقيقة" و"خارج الزمن" هو تماثل آراء كتّابٌ كبار وصحفيين بارزين مع آراء أنصاف المتعلمين وأصحاب الحظ الضعيف من المعرفة والثقافة. ومرجع ذلك لأكثر من سبب من بينها خلوحياتنا الفكرية من أعمال عديدة مثل "موسوعة المصطلحات الدينية اليهودية" ناهيك عن إتسام السواد الأعظم من أبناء وبنات مجتمعنا بعقول ومعرفة محلية في مجملها لأسباب منها فقر المحتوى التعليمي وخوفنا الأسطوري من الآخرين وخرافة غزوهم الثقافي لنا وعدم إمتلاك معظمنا لأدوات تحصيل المعرفة العصرية. التي عندما أستمع لتحليلات من يوصفون بالخبراء الإستراتيجيين أشعر بقلقٍٍ عميق على مستقبلنا: إنهم بسطاء التفكير… بسطاء المحصول المعرفي بشكل يثير الذهول. وعلى كلٍ: فإن ضبابية الصورة المعرفية في حياتنا غير مطلقة-وإلا ما كان لكتاب مثل (موسوعة المصطلحات الدينية اليهودية) للدكتور رشاد الشامي أن يصدر.

وتقتضي الأمانة الفكرية أن أسلط الضوء على حقيقة أن معظم حملة الأقلام في واقعنا توجد بينهم وبين تيارات العالم المعاصر جدران سميكة عالية سببها الأول هو عدم تمكنهم من اللغات الأجنبية… وهي كارثة: لقد كان جيل طه حسين والعقاد والمازني وشكري ومحمد حسنين هيكل وسلامة موسى ومحمد عوض محمد ومندور يجيد لغة أجنبية واحدة على الأقل إجادة تامة. أما اليوم، فإن أبرز الأسماء في عالم الكتابة تحتاج لمن يترجم لهم جل ما يطالعونه من أعمال بغير العربية-وهي كارثة ثقافية لأن معظم ما ينبغي قراءته عن العالم اليوم وتياراته غير متوفر بالعربية-ناهيك عن أن عدم إتقان لغة أجنبية يعني أشياءً أخرى لا تخفى عن فطنة أحد.

* * *

(3)
كانت مصرُ خلال القرنين التاسع عشر والعشرين مصدرَ إشعاعٍ للتأثيرِ الثقافي الأقوى والأكبر على كلِ الدولِ الناطقةِ باللغةِ العربيةِ. فعندما جاء محمدُ علي لحكم مصر (1805) وشرع في تقديمِ أول نموذج في البلادِ الناطقةِ بالعربية للتأثرِ بتقدمِ أو روبا في شتى المناحي وذلك من خلال تعاونٍ وثيقٍ بينه وبين مجموعة من الفرنسيين الاشتراكيين التعاونيين (من أتباع سان سيمون) وعندما توطد مشروعُه النهضوي من خلال البعثات التي بدأت بشكل منهجي منذ سنة 1826 وكانت ثمرتُها الكبرى هي النخبة المصرية التي حاولت أن تقدم المشروعَ النهضوي المصري - عندما حدث ذلك فإن أثرَه إنعكس على معظم الدول الناطقة باللغة العربية ولاسيما البلاد ذات الحضارات القديمة مثل العراق وسوريا الكبرى. وكما سمعت أستاذاً فرنسياً ذات يوم يقول في محاضرةٍ في باريس أنه عندما جعل محمد علي المصريين يلبسون ملابس أو روبا فإن ذلك الزي العصري ما لبث وأن إنتشر في كل البلادِ الناطقةِ بالعربية (والإشارةُ هنا إلى الإنتقال من الجلبابِ إلى السروالِ والقميص الأوروبي أمر رمزي أكثر من كونه تقريراً مباشراً). كان محمدُ علي مولعاً بالحضارة الأوروبية بوجهٍ عام وبفرنسا بوجهٍ خاص فعمل على خلق نخبة مولعة مثله بتلك الحضارة وهو ما إنعكس على معظم الدول الناطقة باللغة العربية. وفي زمن لاحق وكأثر من أثار تكوين هذه النخبة كان معظمُ الأدباء والمفكرين والشعراء والعلماء والفنانين في العالم الناطق بالعربية إما من مصر أو نزحوا إليها. وعندما رفعت مصرُ في الخمسينيات والستينيات ألوية الإشتراكية والقومية العربية فإن أثرَها كان هائلاً على كل مجتمعٍ ناطقٍ باللغةِ العربيةِ. وعندما أعلنت مصرُ رؤيتها في النصف الثاني من السبعينيات والقائمة على أن الحربَ مع إسرائيل ليست هي الهدف وإنما الهدف هو الوصول لتسويةٍ مرضيةٍ ومعقولةٍ هاجت الدولُ الناطقة بالعربية في البداية ولكنها كلها اليوم تحاول أن تفعل ما فعلته مصرُ في السبعينيات والثمانينيات (الوصول للهدف المنشود إما بالتفاوض أو بالقانون الدولي). وكل هذه التأثيرات سواء نالت إعجاب البعض أو لم تنله، فإنها نتيجةٌ طبيعيةٌ لوجودِ نخبةٍ مصريةٍ ذات تأثير. والسؤال الكبير اليوم:هل هناك نخبة قادرة على التأثير في مصر اليوم؟ …وما هي / ومن هي تلك النخبة : أتتكون من الصفوةِ الفكريةِ ذات التكوين العقلي الرفيع من المتعلمين المثقفين أم أنها تتكون من أصحابِ الأموالِ الذين لم ير المجتمعُ أي دليل على كونهم صفوة فكرية !… والسؤال بالغ الأهمية، لأنه يتعلق بالمجموعةِ التي تبث القيم – ويكون السؤال عندئذ : ما هي طبيعة تلك النخبة التي تبث القيم …وما هي تلك القيم التي تبثها في المجتمع المصري تلك النخبةُ؟

والسؤال الذي يعرضه هذا المقال "معضلةٌ كبيرةٌ": فالإنتلجنسيا المصرية تحول قطاعٌ كبيرٌ منها عبر السنوات إلى موظفين عموميين، كما أن القطاع الأكبر من أفردِاها لا يتحلى بالقدرة على الإستقلاليةِ التي بدونها لا تمارس النخبةُ المثقفة دورَها في المجتمع. يضاف إلى ذلك أن العديد من أبناء الأجيال الأصغر سناً من أعضاء النخبة المثقفة هم أصحاب تكوين ثقافي محلي لأبعدِ الحدودِ لإفتقارهم لأدوات التواصل مع التيارات الثقافية العالمية - فالسواد الأعظم منهم لا يتقن لغة أجنبية واحدة كما أن الظروف الإقتصادية التي تحيط بهم (بعد عملية تحويلهم إلى موظفين عمومين) تجعلهم نهباً لتياراتٍ فكرية إما إنها إندثرت من العالم (كمعظم التيارات التي كانت ذائعة في الستينيات ) أو نهباً ( لتياراتٍ فكريةٍ ماضوية في حالةِ مخاصمةٍ شديدةٍ مع العصرِ والحداثةِ) – وهم هنا ضحايا بكل ما تعنيه الكلمةُ من أبعادٍ ومعانٍ (كما أنهم ضحايا فقر ثقافي لا ينكر مرجعه خلوالحياة الثقافية من نماذج عديدة للمثقف الموسوعي: فأين هو اليوم المثقف الموسوعي الذي أحاط علماً بكلاسيكيات الإبداع اليونانية القديمة واللاتينية والعربية (وأعني كلاسيكيات الفكر والأدب العربي خلال القرون من التاسع إلى الثالث عشر الميلادي) وكلاسيكيات إبداع عصر النهضة وروائع الفلسفة الأوروبية الحديثة وإبداعات ما بعد عصر النهضة لاسيما في الآداب الفرنسية والإنجليزية والروسية والألمانية ثم ثقافات العصر الحالي والتي تضم مجالات عديدة جديدة في دنيا العلوم الإجتماعية؟ والجواب : ربما يكون هؤلاء أقل من مائة شخص في مصر اليوم).


أما الجانبُ الآخر من العملة، (وأعني الصفوة الإقتصادية)، فمعظم أفراد هذه المجموعة بدون تكوين ثقافي يعتد به، وهو ما يسوغ بالتالي وصفهم بأنهم غير صالحين لبث قيم بناءه كتلك التي كانت تبثها النخبةُ المصرية خلال الربع الأول من القرن العشرين…بل أن هذه المجموعة يبث عددٌ من أفرادها قيماً هدامة تساعد عدداً كبيراً من أفراد الإنتلجنسيا على الإيمان بأن الحل إما عن طريق سلة الأفكار التي كانت ذائعة في الستينيات والتي لم تحقق أي نجاح في أي زمان وفي أي مكان ؛ كما أنها تسوغ للتيار السلفي الماضوي أن يؤمن بأنه وحده صاحب "الحل الأمثل". ويجب هنا أن يُضاف أنه كان من الممكن وجود نخبة مؤثرة من رموز الحياة الاقتصادية لوكان المجتمع الإقتصادي الجديد قد نشأ بشكلٍ طبيعي وبقوةِ الحراك الإجتماعي التي تبرز الأفضل – وهو ما لم يحدث فقد قامت قطاعات من السلطة التنفيذية في مصر بصياغة مجتمع إقتصادي وفق تصوراتها لما ينبغي أن يكون عليه الحال/ وهي عملية أفضت لنشوء مجتمع إقتصادي يفتقد للكفاءِة والإبداعِ ويعمل أساساً وفق قواعدَ العلاقاتِ العامةِ (والعلاقات الحكومية بشكل أهم) كما أنه بعيدُ الصلَة عن الشفافية ووثيق الصلة بالفساد وعاجز بالكلية عن تحقيق الهدفين الكبيرين المنتظرين منه: الوفرة الإنتاجية (والدليل هو تلك الفجوة الرهيبة بين الواردات والصادرات) وخلق فرص عمل عديدة جديدة (والدليل وجود خمسة ملايين مصري في سن صغيرة نسبياً بلا عمل).

وليست هذه المعضلة مجرد معضلة فكرية أو موضوع لحوارٍ فلسفي وإنما معضلة حياتية بكل ما تعنيه الكلمة من معانٍ: فالنخبُ المصرية المعاصرة التي تنتج الإعلام والثقافة والمجموعة القيمية المحيطة بنا والتي تساعد كلها على أن نظل أكثر إبتعاداً عن مسيرةِ التقدم مما كنا عليه في مطلع القرن العشرين: فمنذ مائة سنة كان شبابُ المثقفين على شاكلة قاسم أمين وطه حسين ومحمد عوض محمد وسلامة موسى وعشرات غيرهم يعملون على تحقيق حلم لا يفقد الخصوصية الثقافية لكنه يكتسب آليات تقدم الغرب ؛ وهي آليات إنسانية قبل أن تكون أو روبية أو أمريكية.

وبإختصار فنحن أمام ثلاث مجموعات يظن أصحابُ كل منها أنهم النخبة الرائدة واضعة القيم في المجتمع:

 المثقفون الرسميون وهم في إعتقادي عاجزون عن القيام بالدور المنتظر للنخبة المؤثرة والرائدة والقائدة لما طرأ عليهم من تحول جذري من (الاستقلالية النسبية) إلى (التبعية شبة المطلقة) ؛ وكذلك بسبب هزالهم الثقافي والمعرفي بنسبة عالية للغاية ورفعهم لشعارات ثبت موتها في كل أرجاء العالم.

 النخبة التي تسمي نفسها بالتيار الإسلامي، وهي في الحقيقة تيار سياسي يدعوللهجرة للماضي ولا شك أنه غيرُ قادرٍ علي بث قيم العلم والتقدم وإنما قادر بشكل متكامل الأركان على سحب المجتمع بالكليةِ من مسيرةِ التمدنِ والتقدم مع قطع وشائج الصلة بالإنسانية.

 النخبة التي تسمي نفسها بالنخبة الاقتصادية : وهي في نماذج عديدة منها فاشلة إقتصادياً وإدارياً وخاوية من أي محتوى ثقافي ولن تبث إِلاَّ قيمَ الإنتهازية والوصولية والفساد وخلق شباب يكفرون بالكفاءة والعمل والجهاد ناهيك عما يحدثونه في المجتمع من حالاتِ تزيف وخسائر دامية.

ويضعنا التحليلُ السابق أمام صورة ضبابية إذ لا يبقى من الناحية النظرية إلا إحتمال من إثنين:

• الإحتمال الأول مجيء التغيير عن طريق النخب الثلاث المذكورة وعن غير طريق النظام السياسي الشرعي: وهو هنا سيكون بنسبة 99 في المائة تغيراً إلى الأسوأ ومفتاح لبوابات ضخمة تدخل منها جحافلُ الفوضى العارمة.

• أما الإحتمال الثاني فيتمثل في قيام النظام السياسي الشرعي بعملية تحويل منظمة (Engineered Reform Plan ) توفر العلاج المنشود وتقلص فرص سيناريوالفوضى. وهذا السيناريوهو ما حدث في أماكن عديدة من العالم (مثل كوريا الجنوبية) ووفر الهدفين العظيمين المنشودين وهما (الإزدهار الإقتصادي والتطور الديموقراطي).

وكلما طال زمن عدم حدوث التغيير المُهندَس له (The Engineered Change) كان حدوث ذلك أصعب وإحتمالات مجيء التغيير lن طرق أُخرى أكثر إحتمالية وهو ما يعني غلبة إحتمالية التأخر والفوضى .

* * *

(4)
من المؤكد أنه لم يكن يجول بخاطر مثقف معني بالفكر والشئون السياسية حتى أو ائل الثمانينات أن العالم – وقبل إنتهاء القرن الحالي – سيتحول إلى عالم بلا أيديولوجيات. فخلال العقود الثمانية الأولى من هذا القرن كان الفكر والواقع السياسيان في العالم محكومين بالإنقسام الكبير بين معسكر الإشتراكية ومعسكر الليبرالية. ورغم أن الساحة –ساحة الفكر والواقع السياسيين- قد شهدا خلال تلك السنوات عشرات المدارس والمذاهب الفكرية، إلاِّ أن الساحة كانت – في مجملها – منقسمة إلى تيارين أساسيين: تيار الإشتراكية وتيار الليبرالية. وفي هذا الوقت، كان معظم المعنيين بالفكر والشئون السياسية يتوقعون إستمرار هذا الوضع وهذا الحال لسنوات طوال، مع إستمرار كون الصراع العالمي – بين القوى المختلفة – محكوماً بجوهر وطبيعة هذا الإنقسام. ولكن سنوات العقد الماضي – سنوات الثمانينات – قد شهدت واحدة من أكبر المفاجآت في تاريخ الفكر والشئون السياسية على مستوى العالم: فبسبب الفشل الكبير لكل التجارب الإشتراكية إقتصادياً، وما نجم عن تطبيقات الإشتراكية العملية من تأخر إقتصادي ودرجة كبيرة من الفقر وتدهور البحوث العلمية وتفاقم مشكلات البيروقراطية والفساد، وبالإجمال إنهيار المؤسسات الصناعية والزراعية – في البلدان الإشتراكية – من الناحية الإقتصادية، فقد حدث ما وصف بحق الزلزال، حيث مادت الأرض تحت أقدام النظم الإشتراكية، وأخذت أعلام ورايات هذه النظم في السقوط واحدة وراء الأخرى. ومع الفشل الإقتصادي الكبير للنظم الإشتراكية، سقطت شعارات السياسية والإجتماعية .. ووصلت الأمور بالإتحاد السوفيتي – الآن – لحافة الإنهيار الكامل والتصدع الشامل.

وهكذا، فإن البشرية تدخل العقد الأخير من عقود هذا القرن، وأحد أكبر معالم الفكر والشئون السياسية في هذا القرن قد زالت وتهاوت: فالدنيا لم تعد محكومة بالصراع بين الإشتراكية والليبرالية، والدنيا لم تعد منقسمة إلى معسكر يقوده الإتحاد السوفيتي ومعسكر تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، وإنما أصبح العالم منقسماً إلى (ناجحين) و(فاشلين)؛ ويمكن أيضاً أن نقول: إن العالم أصبح منقسماً إلى قسم يسوده الرواج والنجاح والإزدهار الإقتصادي وما ينجم عن ذلك من إستقرار سياسي وإجتماعي، وقسم يسوده الكساد والفشل والإنحدار الإقتصادي وما ينجم عن ذلك من قلق سياسي وإلتهاب إجتماعي.

إن الحقيقة الكبرى التي علينا أن نعيها، أن الدنيا قد تحولت إلى دنيا بلا أيديولوجيات أي دنيا بلا مذهبية .. وأن الإنقسام القائم هو الإنقسام بين (أهل الصواب والعمل والإتقان) وبين (أهل الخطأ والكسل والسوء).

وعلينا أن نعي أن سلاح النظم الإشتراكية الأكبر وهو (الكلام) و(الشعارات) وبتعبير أدق (الديماجوجية) قد أصبح سلاحاً يثير الرثاء دون أن يكون بوسعه أن يحدث أي أثر آخر. ومع هذا التحول الكبير في العالم وفي طبيعة العلاقات بين (القوي) و(الكتل) و(الدول)، فإن علينا أيضاً أن نعلم أن الدنيا – بحكم هذا التحول الكبير في الأوضاع – قد أصبحت تنقسم إلى دنيا الذين يساهمون في صنع مستقبلهم ولا ينتظرون هذا المستقبل بالذات حتى يأتي، ودنيا (المتفرجين) من (السذج) و(الطيبين) الذين يقفون من الحياة والمستقبل بالذات موقف المتفرج ؛ فهم ينتظرونه ويشاهدونه دون أن يعملوا على صناعته وتشكيله. إن المستقبل سيكون من نصيب أولئك الذين يعملون – من الآن – على المساهمة في صنعه دون الرضا بموقف الإنتظار لما سيأتي به القطار.

وهكذا، فإننا في كل لحظة نجد أنفسنا ونجد بلدنا مصر في موقف تاريخي مصيري: فكل أحداث العالم من حولنا (وأهمها إنهيار قلاع الإشتراكية وزلزال الخليج) قد أو ضحت أن مصر – بحكم الحتمية الجيوبوليتيكية – هي دولة ذات وزن وقدر وأهمية تفوق كل دول المنطقة، وأنها مؤهلة – إن أرادت – لكي تلعب دوراً بالغ الأهمية والحيوية. ويحتم هذا قيامنا بإختيارات مصيرية كبيرة سيكون من الضار (بلا حدود) عدم الإسراع بها. إن علينا أن نلتحق بركب لناجحين إقتصادياً، وليست هناك حاجة لتكرار ما كتبناه مراراً في هذا الشأن: فإن الفشل يصنعه الفاشلون والنجاح يصنعه الناجحون ؛ وعلينا أن نكون شديدي الإيمان بأن إختياراتنا الإستراتيجية (سياسياً) خلال السنين الماضية (منذ الثاني من أغسطس 1990) كانت كلها إختيارات صائبة وعقلانية ومتحضرة وراجحة، وأن علينا أن نتسق معها في المستقبل القريب في كل إختياراتنا السياسية (الداخلية والخارجية) وكذلك في كل إختياراتنا الإقتصادية ؛ فمصر دولة غنية بكل المعايير، ولا يوجد سبب وراء مشاكلها الإقتصادية الحالية إلاِّ مجموعة الإختيارات الخاطئة التي حان وقت إسقاط ما تبقى منها ؛ ناهيك عن ضرورة التخلص من (صناع الفشل) والذين يتساقطون الآن في الداخل والخارج كتساقط الذباب الميت.

* * *

(5)
صدر الدستور المصري العريق في سنة 1923. وعقب ذلك أجرت الوزارة القائمة (وزارة "يحيى إبراهيم" التي جاءت للحكم يوم 15 مارس 1923) الإنتخابات البرلمانية. وقد سقط في هذه الإنتخابات كثيرون من بينهم رئيس الحكومة التي أجرت الإنتخابات. بل أن الرجل الذي سقط لم يكن فقط رئيس مجلس الوزراء بل كان أيضاً وزير الداخلية التي أشرفت على الإنتخابات. وبتاريخ 17 يناير 1924 قدم رئيس الوزراء ووزير الداخلية (يحيى إبراهيم) كتاب إستقالة وزارته للملك فؤاد-وفي نفس كتاب الإستقالة إشارة واضحة للإنتخابات التي أجراها (على مبدأ الحياد التام) "حسب كلماته". وكان الملك فؤاد غير مرتاح لنتائج الإنتخابات التي إكتسحها سعد زغلول وحزبه (الوفد). وظهرت معالم عدم الرضى الملكي (!) في تأخر الملك فؤاد عشرة أيام قبل أن يقبل إستقالة الوزارة (في 27 يناير 1924). لكن أقوى مظاهر عدم الرضى فقد تمثلت في الأمر الملكي الصادر يوم 28 يناير 1924 لسعد زغلول حيث تجاهل الملك فؤاد أنه يكلف سعد زغلول بتأليف الوزارة لأن سعد (وحزبه) فازا في الإنتخابات… بل وتجاهل الملك موضوع الإنتخابات كلية وأراد أن يظهر الأمر على أساس إتجاه إرادته المحضة لإختيار سعد زغلول لتأليف الحكومة. قال الملك (الذي تجاهل الإنتخابات ونتيجتها) (إقتضت إرادتنا توجيه مسند رياسة مجلس وزرائنا مع رتبة الرياسة الجليلة لعهدكم-وأصدرنا أمرنا هذا لدولتكم للأخذ في تأليف هيئة الوزارة) (!!). فهل يقبل سعد زغلول الذي أرهق الإنجليز أشد الإرهاق من نوفمبر 1918 وحتى عودته من المنفى في سبتمبر 1923-هل يقبل سعد هذا الموقف المتعالي (على الحقائق والدستور ونتائج الإنتخابات) من جهة الملك؟.. إن مطالعة "جواب حضرة صاحب الدولة سعد زغلول باشا" يوم 28 يناير على الأمر الملكي الصادر قبل ساعات من نفس اليوم، تدلنا أن سعداً لم يغفل ذلك التجاهل من طرف الملك. لقد بدأ سعد جوابه بأن ذكر الملك أنه إنما إختاره نزولاً على إرادة الأمة التي عبرت عنها نتائج الإنتخابات. قال سعد في مستهل جوابه: (إن الرعاية التي قابلت بها جلالتكم ثقة الأمة ونوابها بشخصي الضعيف توجب عليّ والبلاد داخلة في نظام نيابي يقضي بإحترام إرادتها وإرتكاز حكومتها على ثقة وكلائها ألاَّ أتنحى عن مسئولية الحكم التي طالما تهيبتها في ظروف أخرى). وعندما وقع حادث إغتيال السردار البريطاني (سير لي ستاك) وطلبت بريطانيا من حكومة سعد زغلول قبول طلبات وجدها سعد غير معقولة-لم يتردد سعد زغلول في أن يقدم للملك (يوم 23 نوفمبر 1924) إستقالته وإستقالة وزارته.
ما الذي يجعلني أكتب هذه الكلمات اليوم؟.. المناسبة: أنها حدثت في سنة 1924 أي منذ أكثر من ثمانين سنة… وكانت بالتالي (هذه السنة) هي بداية حياتنا النيابية الحقيقية وعلى أسس دستورية معاصرة على قدم المساواة مع الأسس الدستورية في أي بلد راق متقدم. ومع ذلك، فإن هناك آراء عدة في عملية تقييم تجربتنا النيابية التي بدأت عندما كانت كل دول المنطقة بعيدة كل البعد عن درجة التطور التي بلغتها مصر. فالبعض يرى أن سعد زغلول كان على صواب مطلق في كل ما إتخذه من خطوات وقرارات ومواقف… والبعض يرى أن سعد زغلول سار بسرعة أكبر مما كان ينبغي عليه أن يفعل مع إتهامه بغير قليل من الديماجوجية… ويقول هؤلاء: إن الذي جعل أتباعه ذات يوم يقولون أن الإحتلال على يد سعد خيرٌ من الإستقلال على يد عدلي… إنما سار بعد وصوله للحكم على نفس الوتيرة الديماجوجية والبعض يرى أن سعد كان على حق بشكل نسبي إلا أن "القصر" و"الإنجليز" و"أحزاب الأقلية" هم الذين يجب أن يلاموا على وضع تجربتنا النيابية / الليبرالية من البداية على درب لم يؤد لنموها وتطرها وإستتباب أمرها… والبعض يرى أن في مواجهة ديماجوجية الوفد فإن أحزاب المعارضة وبالذات الأحرار الدستوريين كانوا أقرب للحديث والتحرك بناء على حسابات القوى الحقيقية وليس الشعارات التي لا تستند على عناصر قوة حقيقية..
وأنا شخصياً راجعت (بشكل كبير) إعجابي العارم بالوفد وعدم تقديري لأعلام الأحرار الدستوريين… وعندما فعلت ذلك وجدت أن الجانبين كانا يتوخيا مصلحة مصر… ولكن المؤكد أن الوفد كان بحاجة لقدر من تعقل الأحرار الدستوريين وثراء عقولهم وتفكيرهم. كما أن الأحرار الدستوريين كان ينبغي أن يقدّروا عواقب إجهاض التجربة الليبرالية (وقد ساهموا بنسبة ما في ذلك)… ولعل "الأحرار الدستوريين" هم من أكثر الذين خسروا من عدم نموالتجربة النيابية الليبرالية بالشكل الطبيعي-إذ أن عاقبة ذلك جاءت بأشياء منها إختفاؤهم هم بالكلية من مسرح الحياة السياسية في مصر.
وفي النهاية - فإنني إنسان يُفضل إثارة الأسئلة ودعوة الآخرين (وفي هذه المسألة بالذات "المؤرخين") ليدلوا بدلوهم في الأمر ولا يحتكر هو الإجابة-عملاً بمقولة صديق عزيز عليه يكرر دائماً "أن الأسئلة مبصرة والأجوبة عمياء".
* * *

(6)
في الوقتِ الذي لا يوجد مجتمعٌ مسلمٌ واحدٌ في العالمِ لم يقم بتوريدِ "مجاهدين" (؟) لتنظيمِ القاعدةِ أو لتنظيماتِ القاعدةِ (إذ أن هناك أعضاءً في تنظيمِ القاعدةِ وما يشابها من كافةِ المجتمعاتِ المسلمةِ)؛ فإن مجتمعاً مسلماً واحداً لم يشارك في هذه الظاهرة. هذا المجتمع هو ثاني أكبر مجتمع للمسلمين على وجه الكرة الأرضية وأعني مجتمع مسلمي الهند. إن هذا المجتمعَ والذي يضم أكثر من مائة وخمسين مليون مسلم والذي هو ثاني أكبر تجمع للمسلمين بعد إندونيسيا، هو المجتمع المسلم الوحيد الذي لم يخرج بعض أبنائه خارج حدود الهند لتنفيذ أو المشاركة في أو التخطيط لعمليات عنف يسميها أصحابها جهادية ويسميها العالم إرهابية.

إن مجتمعَ مسلمي الهند ليس مجتمعاً ثرياً وإنما يشترك مع المجتمع المصري في ظروفه الحياتية والتي تجعل نسبةً كبيرةً من أبناءه أبعد ما يكونون عن الثراء والرفاهية.

ومع ذلك فإن هذا المجتمع المسلم (أكثر من 150 مليون نسمة) لم يفرّغ مَنْ خَطَطَ أو نَفَذَ أو شَارَكَ في أية عمليةٍ مثل عملية نيويورك (11 سبتمبر 2001) أو العمليات التي تلتها في مدريد ولندن وإسطنبول وطابا وشرم الشيخ وغيرها.

كذلك، فإن مجتمع مسلمي الهند (رغم كونه أقلية) فقد أفرز عالماً كبيراً أصبح اليوم يشغل منصب رئيس جمهورية الهند.

والأهم، هو مجتمع الهند المسلم هو المجتمع المسلم الوحيد الذي يعيش في ظلِ ديموقراطيةٍ وطنيةٍ حقيقيةٍ.

ما الذي يخرج به الإنسانُ من تأملِ تلك الحقائق وتفحصها؟

يخرج بنتيجةٍ واضحةٍ هي أن في داخلِ كل إنسانٍ على وجهِ الأرض "كائن سياسي". وأن حجم هذا الكائن يختلف من إنسانٍ لآخرٍ، لكنه لا يختفي أبداً. وأن هذا الكائن إذا وجدَ في محيطِه العام قنواتٍ واضحة وشرعية وفعالة يستطيع من خلالها ممارسة الأنشطة الطبيعية لأي كائن سياسي؛ فإنه من المستحيل أن يبحث عن أنشطةٍ سياسيةٍ تحت الأرض أو خفية أو سرية.

إن الهند ليست مجرد "دولة ديموقراطية" ولكنها أكبرُ ديموقراطية على وجه الأرض. وهذه الديموقراطية الكبيرة لم تنجح فقط في تحقيق حلم شعب عظيم في حياةٍ ديموقراطية سليمة؛ وإنما خطت به خطوات كبيرة في عوالم الاقتصاد والبحث العلمي والإنتاج والتسويق والتعليم العصري… كما أنها احتوت تنوعات المجتمع الهندي احتواءً فذاً… فإذا بأقليةِ السيخ (2% من مجمل الشعب الهندي) تفرز رئيس الوزراء الحالي (أي القائد التنفيذي الأول في الهند)

وإذا بالأقلية المسلمة تفرز رئيس الجمهورية الحالي …… وإذا بجامعات الهند (على خلاف جامعات كل دول العالم الثالث) هي وحدها المدرجة على المستوى العالمي العالي (بينما لم يرد اسم أقدم جامعة في العالم العربي وهي جامعة القاهرة ضمن أفضل 500 جامعة في العالم). والأهم من كل ما مضى، أن الهند أثبتت أن المسلمين (مثل كل البشر) إذا عاشوا في مُناخٍ عام يوفر لهم المشاركة الكاملة في صياغة الحياة السياسية؛ فإنهم لا يلجأون لأنشطة تحت الأرض ولا يقادون من كهوف جبال شمال باكستان ولا يغادرون الهند لتفجير طائرة أو قطار أو حافلة ركاب مدنيين أبرياء.

إن الهند تقدم تلك المعادلة المعجزة رغم الصعوبات الكبرى التي تواجه من يتصدى لإدارة شئون مجتمع عدد أفراده أكثر من مليار نسمة.

إن المشكلة الكبرى في قضية ما يسميه الغرب بالتطرف الإسلامي، هي أن الغرب أمضى وقتاً طويلاً يفحصُ تلك الظاهرة ويدرسها بالإشتراك مع صناعها (!!!) أي نظم الحكم في المجتمعات الإسلامية والتي أفرزت الظروف الحياتية وبالذات السياسة والفكرية التي دفعت بآلاف الشباب المسلم للإنتقال من جانب الإعتدال إلى جانب التطرف. ولم يفق الغرب من تلك الدوخة إلاِّ منذ وقتٍ قريب. ومنذ أفاق وهو يتخبط متسأئلاً: ما العمل؟ .. وفي حالة التخبط هذه تأتي إجاباتٌ شتى معظمها لا يشير بأصبع الإتهام لمصدر وصناع المناخ الذي أفرز هذا المرض وأولئك الذين أصبحت شرعيتهم الحالية مستمدة من عناصر من بينها البقاء لمحاربة المارد الذي هم من صناع حجمه الحالي وتغلغله في معظم المجتمعات المسلمة.

وإذا كانت بريطانيا زمن كونها القوى العظمى الأكبر في العالم تفهم الدنيا والمجتمعات والحضارات (ولم يثنها ذلك عن ترك معضلات بلا عدد وقنابل قابلة للانفجار في أكثر من مكان) فإن القوى العظمى الأكبر في العالم اليوم لا تكاد تعرف شيئاً عن (الآخرين) (بكل معاني الغيرية). وهو ما ينذر بأسوأ الاحتمالات إذا لم يقم نفرٌ منا بحوارات مع "عقل أمريكا" حتى لا تفاجئ البشرية في مجال التطرف هذا بمفاجأة في الوزن والحجم الأمريكي (!!!)…

* * *

(7)
لكل مفكرٍ سياسيٍّ قائمةً من الأولوياتِ الرئيسيةِ التي تخدم كتاباته إياها. والأولوية العليا عندي هي "بناء داخلٍ مصريٍّ قويٍّ" بمعنى بناء مجتمعٍ صحيٍّ توجد فيه طبقةٌ وسطى واسعة وذات إستقرار إقتصادي وتعليم عصري ومناخ ثقافي عام يواكب الزمن الآني مع معرفةٍ وإعتزازٍ بتاريخنا دون أن يتحول ذلك إلى حالةٍ مرضيةٍ من عشقِ الماضي. وحتى الذين تأتى أولوياتٌ أخرى غير ذلك على قائمة أولوياتهم سواءً كانت هذه الأولويات العليا قومية أو غير ذلك فإنني أقول لهم أنه لا فرصة لأيٍّ منهم لتحقيق وإنجاح أولوياته العليا إلاِّ عن طريق "داخلٍ مصريٍّ قويٍّ مستقرٍ ومزدهرٍ". فالذين يحلمون بمشروعٍ قوميٍّ عربيٍّ ناجح عليهم أيضاً أن يؤمنوا أن ذلك لا يتحقق إلاِّ بداخلٍ مصري قوي، وأصحاب الحلم بأن تلعب مصرُ دوراً إقليمياً أو عالمياً بارزاً عليهم أيضاً أن يعلموا أن ذلك مستحيلٌ بدون داخلٍ مصري قوي مستقر ومزدهر. إن كل الطموحاتِ المصريةِ بشتى أشكالِها وألوانِها وأياً كانت درجة الموافقة عليها أو المخالفة لها لا يمكن إلاِّ أن تمر ببوابةٍ حتميةٍ هي بناء داخل مصري قوي.

ورغم إعجابي بشخصية (محمد علي) الذي جرى العرف على أن يسميه الباحثون والدارسون والكتاب "مؤسس مصر الحديثة" فإن المؤكد أن إنشغال محمد علي في مرحلة ما بأشياءٍ خارج مشروعه الأول وهو بناء داخلٍ مصريٍّ قويٍّ قد أدى إلى نكسةٍ كبرى إستمرت حتى مراحلٍ بعيدة في التدهور. فلوأن (محمد علي) قصر جهوده على إستكمالِ مشروع بناء الداخل لأصبحت مصرُ مؤهلةً (بدون أنشطة خارجية قبل الأوان) أن تلعب الدورَ المحوري الذي تؤهله لها عواملُ الجغرافيا والتاريخ والثقافة. وبالعكس فإن الإصرار على لعب دور آخر غير بناء داخلٍ قويٍّ قد يؤدي إلى تآكل الجهودِ التي تُبذل في الداخل – وما أكثر ما تكرر ذلك في تاريخِ مصر الحديثة.

إن مشكلةَ المشاكلِ بالنسبة لمصرَ هي أن عواملاً عديدةً تغريها دائماً بلعب دورٍ خارج الحدود وليست المشكلة في أنها تقوم بلعب هذا الدور، ولكن المشكلة أنها تقوم به قبل إستكمال المهمة المقدسة الأولى وهي بناء داخلٍ قوي مستقر ومزدهر، وهذا التعجل هو ما يؤدي حتماً إلى نتيجتين وخيمتين : الأولى هي فشل جزء كبير من المهمات الخارجية .. وثانياً تأخر كبير في عمليات بناء الداخل .

وإيماني المطلق بأن أهم المهمات تتمثل في تركيز كل الجهود لبناء داخل قوي وعصري ومزدهر ومستقر وفي صلحٍ مع الماضي والحاضر في آنٍ واحدٍ : ولا سبيل لتحقيق ذلك إلا بحملةٍ تتضافر فيها الجهودُ من أجل بناء الداخل عن طريق غرس ونشر وإذاعة وإشاعة قيم التقدم على مستوى القدوة والمثل الأعلى للقيادات في كل موقع وبمحاذاة ذلك عن طريق مؤسسة تعليمية تكون رسالتُها الأولى هي زرع قيم التقدم في عقول وضمائر أبناء وبنات مصرَ كما أن هذه المهمة مستحيلة دون إحداث تغيير جذري في الخطاب الديني (إسلامي كان أو مسيحي) لأن الخطابَ الديني مع الإعلام سيبقيا من أهمِ عواملِ صياغةِ الرأي العام في مصرَ.

إن البعض لدينا يحلم بمصر المثالية في صورة مصر ما قبل 1952 .. والبعض يحلم بها في صورة مصر الناصرية .. والبعض يحلم بها في صورة مصر الساداتية .. والمفكر الذي يلجم عواطفه ولا يشغّل إلا عقلاً صافياً لا يملك إلا أن يقول أننا نريد مما قبل 1952 نوعية الطبقة الوسطى ولكن لا يمكن أن نريد من حقبة ما قبل 1952 ضآلة حجم الطبقة الوسطى وإتساع حجم الطبقات الدنيا (وما كانت تعيش فيه من بؤس مهين لنا جميعاً) .. ونريد من مصر الخمسينات والستينات "الحلم الكبير بتوسعة الطبقة الوسطى" على أن تكون طبقة وسطى تقف على دعاماتٍ إقتصاديةٍ وثقافيةٍ رصينةٍ .. ونريد من الحقبة الساداتية تغليب العقل والحوار في بعض الأمور (وأُكرر: في بعض الأمور) .. وأنا أكتب ذلك من منطلق إيمان ثابت بأن الإنشغال بإدانة الآخرين "مهمة سلبية للغاية"، فإننا نريد تأثيث صلح بين أصحاب الإتجاهات المختلفة ولا نرى وسيلة لتحقيقه إلا بمشروعٍ متكامل لنشر قيم التقدم، فهذا هو السبيل الوحيد لأن ننظر بموضوعيةٍ لفترة مثل حقبة محمد علي ونرى المزايا والعيوب دون مبالغة .. وكذلك ننظر للحقبات التالية وننظر للمزايا والعيوب دون المبالغة في المزايا ودون المبالغة في العيوب. وسوف لا يمكنَّا من ذلك إلا جوثقافيٌّ وتعليميٌّ عام ينجح في غرس قيم التقدم.

إن أكبرَ التحدياتِ التي تواجه مصر الآن تتعلق كلها بالطبقة الوسطى وما حدث وما يحدث لها على مستوى الإقتصاد والتعليم والثقافة حتى أن المفكر يكاد يجزم أنه لا يعرف كيف يُعرّف الطبقة الوسطى اليوم في مصرَ. إن تقدم أي مجتمعٍ من المجتمعات غير مرهونٍ بوجود طبقة عليا على درجةٍ عاليةٍ من الجودة وإنما بنوع وحجم وكيفية مستويات الطبقة الوسطى : وهذا موضوع يتوقف بالكامل على مدى توفر قيم التقدم في الطبقة الوسطى.

وبإختصار، فإن حل مشكلات مصر هو أمر لا يحققه إلا "مناخٌ عامٌ" مشّرب بقيم التقدم – وعندئذ فإن "دور مصر عبر الحدود" يصبح "حتمية لا يقدر أحدٌ على تجاوزها" لأن كل معطيات التاريخ والجغرافيا والثقافة تقول أن مصر هي الدولةُ العربيةُ والشرقُ أو سطية الوحيدة المؤهلة لدور (الدولة الأكبر) ولكنه دورٌ يحتاج – كما ذكرت – لداخلٍ أكثر تقدماً .

* * *

(8)
كثيراً ما أعود لأربعة مواد (طالعتها مرات عديدة) لمجرد إلقاء نظرة جديدة عليها معاً. وهذه المواد الأربعة هي: قصيدة أحمد شوقي عن أحمد لطفي السيد بمناسبة ترجمته لواحد من كتب "أرسطو"… ثم كتاب "السياسة" لأرسطو(ترجمة أحمد لطفي السيد) ثم الجزء الثالث من "حديث الأربعاء" لطه حسين (وفيه مقال عن الثلاثة: قصيدة شوقي… وكتاب أرسطو… وأحمد لطفي السيد).. وأخيراً كتاب (قصة حياتي) الذي صدر في فبراير 1962 بمناسبة بلوغ أستاذ الجيل التسعين (فهو من مواليد 15 يناير 1872).

ولعلي أفعل ذلك بدافعين ينتمي كل منهما للنوستالجيا" (الحنين للماضي).. الأول: شغفي الكبير بكل من أرسطووأحمد لطفي السيد وطه حسين.. والثاني: شغفي الكبير بتلك الحقبة (عشرينيات القرن العشرين) حيث كان حلم التنوير والتحديث هو الحلم الثقافي الأول لطليعة المصريين المثقفين، كما كان الشغف بعصر النهضة وحضارة اليونان من قبل ذلك من شواغل كبار المثقفين المصريين. فكلما ترجم أحمد لطفي السيد بعض كتابات أرسطو… فعل طه حسين نفس الشيء مع أرسطووعدد من كتاب المسرح الإغريقي العظيم. كذلك ترجم عبد العزيز فهمي مدونة جوستنيان (الرومانية) وهي أساس النظام القانوني الفرنسي الذي هو أعظم نظام قانوني رأته الدنيا.

ورغم أنني طالعت هذه "المواد" عشرات المرات، ففي كل زيارة جديدة لتلك "المتاحف العقلية الفاخرة" أعثر على كنزٍ جديدٍ يستحق التركيز عليه. ففي زيارة منذ أيام لتلك المتاحف كنت أُطالع مذكرات أحمد لطفي السيد عن فترة توليه وزارة المعارف (في يونية 1928)… وفي هذا الجزء من المذكرات المقتضبة طالعت هذه العبارة المذهلة في حكمتها وعمقها… يقول أحمد لطفي السيد: (وقد قال جوستاف لوبون: "أن الرومانيين في زمن إنحطاطهم كانوا أشد ذكاءً من أجدادهم الأشداء، ولكنهم فقدوا الخواص الأخلاقية كالصبر والعزيمة والثبات والإستعداد للتضحية بالنفس في سبيل الغاية والإحتفاظ بإحترام القانون") ويضيف "جوستاف لوبون" (نقلاً عن أحمد لطفي السيد): "تلك الخواص الأخلاقية كانت هي سر عظمة آبائهم الأولين".
وقد علمتني تجربتي في الحياة (وأقول: "تجربتي في الحياة" وليس مطالعة الكتب التي طالعتها) أن "التقدم" يحدث عندما تتوفر تلك الخواص الأخلاقية في المجتمع (وبالطبع في "قيادته")… وأن التخلف يشيع عند إختفاء وإنتفاء تلك الخواص الأخلاقية – حتى لوتوفر عدد كبير جداً من الأذكياء وعدد كبير جداً من كبار المتعلمين – فالنهضة لا تتحقق – فقط – بالذكاء والعلم، وإنما بتلك الخصائص التي وصفها "جوستاف لوبون" فأحسن وصفها.

إن إنشغال البعض منّا بإصلاح "الهياكل" و"النظم" و"الآليات" و"السياسات" هو إنشغال نبيل – فمعظم تلك الأشياء – في واقعنا – مهترئة وعامرة بعناصر "الركود والفشل" لا بعناصر "الحركة والنجاح". ولكن إصلاح ذلك (رغم أهميته) لن يكون كافياً لإنجاز الغايات والأهداف المنشودة. نحن بحاجة لفريق عمل واسع على رأس الحياة التنفيذية والتشريعية (بالعشرات والمئات) تتوفر في كل أفراده تلك الخواص الأخلاقية التي صاغها – بعبقرية – جوستاف لوبون وركّز على أهميتها أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد: (الصبر والعزيمة والثبات والإستعداد للتضحية بالنفس في سبيل الغاية والإحتفاظ بإحترام القانون) فهذه الخواص الأخلاقية (حسب كلمات جوستاف لوبون) "كانت هي سر عظمة آبائهم الأولين".

يقول علي بن أبي طالب (عليه السلام): "رب همة أَحيت أمة"… ويمكن للقارئ أن يزاوج بين كلمات علي بن أبي طالب البليغة والصائبة وبين كلمات "جوستاف لوبون" وسيجد أنهما يصبان في ذات النهر. فالهمة التي تحدث عنها علي بن أبي طالب هي الحركة الإجمالية التي ذكرها جوستاف لوبون.
* * *
(9)
رغم أن معظمَ مواضيعِ المعرفةِ (خارج العلوم التطبيقية) قد شغلتني منذ سنٍ مبكرةٍ إلاّ أن اهتمامي وانشغالي بتاريخ مصرَ منذ تولى أمرها باني نهضتها الحديثة "محمد على" وحتى سنة 1952 كان "إهتماماً مختلفاً" اذ كان مشوباً بانشغالٍ وجداني محاذاةِ الانشغالِ العقلي. وقد بدأ هذا الانشغالُ منذ سنِ العاشرة عندما عكفت على مطالعة عددٍ من المجلداتِ وجدتها ببيتنا تضم أعدادَ مجلةِ المصورِ التي صدرت خلال النصف الأول مكن الأربعينات. ولم يكن ذلك إلا بداية رحلة طالت لثلاثين سنة ... مررت خلالها بكل الصحف والمجلات المصرية التي صدرت منذ أو ائل هذا القرن وحتى 1952 ... إلى جوار القراءة الجادة التي بدأت بمطالعةِ كل ما كتبه المؤرخُ المعروف عبد الرحمن الرافعي ثم تفرعت لتشمل معظم الأعمال الأكاديمية عن هذه الفترة بما في ذلك عشرات الرسائل التي أعدت لنيل درجة الماجستير أو الدكتوراة في تاريخِ مصرَ ابان تلك الحقبة (1805/ 1952) ... مع إهتمامٍ مماثلٍ بما كتبه الأجانبُ عن تلك الفترة ولاسيما الأجانب الذين كان لهم دور في مجرياتِ الأمور مثل كتابات كرومر وأللينبي ومذكرات سير مايلز لامبسون ومعظم البرقيات الهامة التي كانت السفارةُ البريطانية في مصرَ ترسلها إلى الخارجية البريطانية في لندن والتي عكفت على مطالعةِ المئات منها بالمتحفِ البريطاني.

وعندما أسأل نفسي اليوم لماذا كان هذا الاهتمام العارم بكل التفاصيل الدقيقة لكلِ مجرياتِ الأمورِ وأحداث تلك السنوات (من 1805 / 1952) فانني أصل لإجابةٍ واضحةٍ في ذهني : ان اهتمامي الفائق بواقعِ مصرَ خلال تلك السنوات لا ينبع من إرتباطٍ عاطفيًّ بطبقةٍ كانت "الأسعد" ابان سني تلك الحقبة ... وكذلك فانه اهتمام لا ينبع من "الكراهيةِ" للتجربةِ التي تلت تلك الحقبة (أي تجربة ما بعد 23 يوليو1952) ... وإنما هو اهتمامُُ ينبعُ من نقطةٍ واحدةٍ أساسيةٍ وهي أن هذه السنواتِ قد شهدت "المشروع النهضوى الوحيد" في تاريخ مصرَ والشرق الأوسط. ان مصر التي لم تتخل خلال سنى هذه الحقبة عن خصائصِها الثقافية هي مصر التي حلمت بمشروع نهضوىٍّ لا يقوم على "الرجوع للماضي" ولا على "مخاصمة الحاضر" وانما على اللحاق بركب المدينة انطلاقاً من إيمانٍ عميقٍ بأَن هناك ثقافات عدة في إطار حضارةٍ واحدةٍ هي الحضارة الإنسانية. من أجل ذلك بنت مصرُ دار الأوبرا ... وترجم لطفي السيد أعمالاً لفيلسوف الإغريق العظيم أرسطو... وترجم عبد العزيز فهمي مدونة جوستنيان ... وترجم طه حسين أعمالاً لعلَم التنوير الفرنسي فولتير ... وأُقيمت جسوراً هائلة بين "عقلنا المصري" و"عقل الإنسانية في طوره الأحدث". ولا يعني ذلك اقتناعي بأن تلك الحقبة كانت "خيراً محضاً " – فلست من المؤمنين بذلك، بل انني على يقينٍ أن لتلك الحقبة "مثالب عظمى" لعل أهمها عدم توسيع وتكبير الطبقة الوسطى الرائعة التي أو جدتها التجربةُ – ولوأن ذلك حدث لتواصل تطورُنا بشكلٍ مذهلٍ اقتصادياً وسياسياً ولتجنبنا "مغامرات" كانت (ولا تزال) عواقبها وخيمة. ولكن يبقى لتلك الحقبة أنها ضمت بين ثناياها "التجربة النهضوية الوحيدة" لمصر والمنطقة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين وأَن ذلك قد أَفرز كادراً بشرياً لا مثيل له اليوم في أي دولة من دول العالم الثالث – ولوان تلك التجربة قد طوّرت نفسها بشكلٍ ناجحٍ لما كنا اليوم من أعضاءِ ذلك النادي ( العالم الثالث!! ).

* * *

(10)
أؤمنُ بأنَ صُنعَ مستقبلٍ أفضلٍ لمصرَ هو عمليةٌ لا تتم إلا بثلاثِ أدواتٍ. أداةٌ أولي اقتصادية تعملُ علي ايجادِ حياةٍ اقتصاديةٍ ناجحةٍ تحققُ مردوداتٍ عاليةٍ تسمحُ بالوِفرةِ الانتاجيةِ اللازمةِ لأي برنامجٍ من برامجِ الإصلاحِ. ثم أداةٍ ثانيةٍ سياسيةٍ تتمثلُ في توسيعِ الهامشِ الديمقراطي وبالتالي كفالةُ مشاركةٍ أو سع لإعدادٍ أكبر من أبناءِ وبناتِ هذا الوطن في صياغةِ الخياراتِ السياسيةِ له. ثم تــأتي أداةٌ ثالـثةٌ لا تقل أهمية عن الأداتين الأخريين وهي "الأداة الثقافية" والتي يشترك في صياغتِها وتوظيفِها كلُ ما يندرج تحت مسميات المؤسساتِ التعليميةِ والإعلاميةِ والثقافيةِ. وإذا كان لزاماً علينا أن ننتقلَ من (العمومياتِ) إلي (المحدداتِ) ؛ فإنني أصيغُ في هذا المقالِ معالمَ عدة ركائز أعتقدُ أنها لازمةٌ وحتميةٌ لإيجادِ الجوالثقافي العام الذي بتوفُرِهِ تتضافرُ جهودُ الأدواتِ الثلاثةِ (الاقتصادية والسياسية والثقافية ) لصنعِ واقعٍ ومستقبلٍ أفضل لهذا الوطن. ورغم أنَ هذهِ الركائزُ (كلها أحياناً وبعضها أحياناً أخري) تجعلُ "الفكرَ" الذي تقدمه هذه الركائز في خلافٍ مع معظمِ التياراتِ الفكريةِ السائدةِ في واقعنا ومع سَدَنَةِ هذهِ التياراتِ (من الماركسيين والناصريين والإسلاميين والقوميين وأيضاً أنصار مذهب "بقاء الحال علي ما هو عليه") إلاّ أن ذلك لا يمنعني من صياغتِها وتقديمِها ليس فقط لإيماني العميق بصوابِها وحتميتِها، وإنما أيضاً ليقيني أنها تهدفُ للترويجِ لأهمِ معالمِ فكرِ المستقبلِ وهو (التخلي عن الأيدولوجيا) فالإنسانيةُ المتقدمةُ (في اعتقادي) تركت القرنَ العشرين ومعهُ التوجهات الأيدولــوجية ودخلت القرن الحــادي والعشرين بالإيمـانِ بالعلمِ والحداثةِ والمنافسةِ والديموقراطـيةِ وحقــوقِ الإنسانِ دونَ أن تـكونَ هذهِ القيـم منطلقة من "إطارٍ أيدولــوجي". بــل إن أهــم أدواتِ التفــوقِ في العالمِ المعاصرِ وهي (الإدارةُ الحديثة الفعّالة) هي أكبرُ دليـــلٍ علي (أدواتٍ غيرِ أيــدولوجية) لصنعِ الواقعِ المستقبلِ (أُسوةً بالعلمِ والتكنـولوجيا واللذين لا يستندانِ أيضاً لأي خلفيةٍ أيدولوجية). وفيما يلي عرضٌ موجزٌ للركائزِ الأساسيةِ لجوثقافيٍّ لازمٍ للإصلاحِ الاقتصادي والتقدمِ الديموقراطي حتي تنتج الأدواتِ الثلاثَ الثمراتِ المرجوةَ وهي الإزدهار والإستقراروالسلام الإجتماعي والتآخي الإنساني وصيرورَتنا جزءاً إيجابياً فعالاً من أجزاءِ العالمِ المعاصرِ.

* الركيزة الأولي : الإيمان بالديموقراطية والحرية :
حجرُ الأساسِ في أيّ فكرٍ (وجوثقافيٍّ عامٍ) يريد أن يكون متوائماً مع العصر وفي سلامٍ مع العالم الجديد هو الإيمان بأنَ الديمـوقراطيةَ هي أعظَمُ منتجاتِ ومنجزات مسيرةِ التمَدُنِ الإنساني. ويقيني أنَ المنتجاتِ الكُبرى لمسيرةِ التَمَدُنِ الإنساني قد تحدُثً في ظِلِ حضارةٍ مُعينةٍ، إلا أنـها تكونُ ثمرةَ تطورٍ طويلٍ عَبرَ مَسيراتِ الحضارةِ الإنسانيةِ المختلفة. كذلكَ، فان الإيمان بجدوي الديموقراطية يحمي من السقوط في خطيئة الكفر بـها بسبب كَوْن التجارُبِ الديموقراطيةِ المتقدمةِ تَشوبُها نواقصٌ ويعتريها خللٌ في بعضِ جوانبها. بل- علي النقيضِ- يجب أن يزدادَ إيماننُا بالديموقراطيةِ لمعرفتنا المُؤكدة بأنَ كلَ نظامٍ جيدٍٍ أنتجَهُ البشر قد يكونُ مُتجهاً صَوْبَ الكمـالِ ولكنهُ لا يبلُغُ حدَ الكمالِ. ولا ينقُصُ ذلك قَطْ من الإيمان بـأنَ البشريةَ لم تُنتِجُ نظاماً أو فكرةً أسمى وأرقى من الديموقراطيةِ (بنواقِصِها). ويسيرُ في محاذاةِ الإيمانِ بالديموقراطيةِ الإيمانُ بالحُرياتِ العامةِ وتقديسِها والإيمانُ الموازى بحقوقِ الإنسانِ (حتى لوكانت حركةُ حقوقِ الإنسانِ لا تزالُ في بواكيرِ عُمرِها ويَشوبُها الكثيرُ من النقصِ والخَللِ وأحياناً الكَيلُ بأكثرِ من مكيالٍ)
.
* الركيزة الثانية : الإيمانُ بالعلمِ والحَداثَةِ :
كذلكَ، ينبغي أن يكونَ الجــوالثقافي العام عامراً بإيمانٍ قــويٍّ بأنَ مخاصَمَةَ العِلمِ (ومن عِندَهُم العلم) ومُحارَبَةَ الحَداثَةَِ (ومن يقودونَ رَكبَ الحداثةِ) هُما خَطــيئةٌ لا تُغـتَفَرُ، فالعـلمُ والحداثةُ يمثلانِ (محركَ) و(وقودَ) التقدمِ وتحسينِ نوعيةِ الحياةِ الإنسانيةِ، فكيفَ لا نكونُ محكومينَ بالإيمانِ العميقِ بالعلمِ والحداثةِ ؟ وبديهيٌ أن يكونَ هذا الإيمانُ سبباً لرفضِ من يروجونَ لأفكارٍ ماضويةٍ تجعلُ مجتمَعنا في خصومةٍ مع "العلمِ" وتنافرٍ مع "الحــداثةِ". كذلك، فإنَ رحلتي مع دراســةِ الحضـارةِ الإنسانيةِ بوجهٍ عامٍ والحضارةِ الغربيةِ الحديثةِ بوجــهٍ خاصٍ تجعــلُ دعوةَ البـعضِ للفصلِ بين المنتجاتِ الماديةِ للحضارةِ الغربيةِ (العلم والتكنولوجيا وثمارِهما) وبين الشِقِ الثقافي لهذهِ الحضارةِ تتقلصُ ويتناقَصُ أتباعها. إذ أن المُناخ الثقافي العام الذي وُجد في الحضارةِ الغربيةِ هو الذي أنتجَ الشِقَ المادي لهذهِ الحضارةِ. ولا يعني ذلكَ المُحاكاةَ العمياءُ للحضارةِ الغربيةِ بقدرِ ما يعني الإيمانُ بأن مجموعةَ القيمِ الإيجابية في هذه الحضــارةِ هي من جهةٍ أساسُ تقدمِها في كل الجوانبِ ومن جهةٍ ثانية فإنها لا تنفي الخصوصيـات الثقــافية للآخرين والدليلُ علي صحة هذا ما حدث في جنوبِ شرقِ آسيا واليابان حينَ تبنت هذه الشعوب الكثيرَ من القِيمِ الأساسيةِ للحضارةِ الغربيةِ فحققت أشكالاً عديدةً من التقدمِ دونَ أن تخسرَ خصوصياتها الثقافية.

* الركيزة الثالثة : الإيمانُ بأنَ هناكَ عالمية للثقافة لا تنقضُ الخصوصيات الثقافية :
كذلكَ يصعبُ تصورَ وجـودِ جــوثقافيٍ عام ملائمٍ للعصرِ بدونِ إيمانٌ عميقٌ بأنَ (الفكرَ) و(الإبداعَ) و(العبقريةَ) هي مجالاتٌ توجد فيها مناطقٌ واسعةٌ "لا جنسيةَ لها"، بمعنى أنها "إنسانية بحتة". وقد أسهبتُ في الكتابةِ عن هذه المسألة، وقد نُشِرَ لي في هذا الصدد مقالاً بعنوان (هل للفكر والإبداع جنسية؟). وجوهرُ هذهِ النقطةِ أنَ جُـلَ الإبداعــاتِ الفكريةِ والأدبيةِ والفنية تعلوفوقَ أرضِ الخصوصيات وتحلق في سماء الإنسانية والعالمية. ولا يجعلني ذلك أنفى على الإطلاق "الخصوصيات الثقافية"، بل أنني أدعودوماً لحالاتٍ من "الوحدة" في ظل "الاختلاف" كما أدعولحياةٍ ثقافيةٍ تعمل علي إثراءِ المعرفةِ بروائـعِ إبداعاتِ العــقولِ الجبارةِ بصرفِ النظرِ كليةً عن جنسيةِ أصحابِها. كذلك، فإنَ علي آلياتِنا التعليميةِ والثقافيةِ أن تظهرَ أنَ الخوفَ مما يسميهِ البعضُ بالغزوالثقافي هو خوفٌ هُلاميٌ ومبالغٌ فيه، إذ أنَ الذينَ ليسَ عندهم ما يفقِدونه (ونحنُ لسنا مِن هؤلاء) لا ينبغي أن يتخوفوا من مستجداتٍ ثقافيةٍ سيكونُ معظمَها في الأغلبِ أفضلَ من خِواءِهم الثقافي، أما من عِندهم خصوصياتٌ ثقافية إيجابية فإن مجردَ التعاملِ الحُرِ والواسعِ مع الحضارةِ الغربيةِ لن يكنسَ خصوصياتِهم الثقافية الإيجابية، لأن لهذه الخصوصياتِ جذورٌ أعمقُ وأقوي من أن تكنِسَها الكوكـاكولا والهامبرجر كما يزعُمُ أصحابُ نظريةِ "الذئب ... الذئب". والدليلُ القائمُ أمام أعيننا يتمثلُ في اليابان والنماذجِ الناجحة في جنوبِ شرقِ آسيا.

* الركيزة الرابعة : الإيمانُ بأنَ الدينَ مصدرٌ للأخلاقِ والقيمِ الرفيعة أما النظمُ السياسية والاقتصادية والاجتماعية فتتغير مع الزمانِ ولا يمكنُ الزعمُ بوجودِ نظمٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ واجتماعيةٍ في أي دينٍ :
فكلُ ما "يتصـورهُ" البعضُ من نظمٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ واجتماعيةٍ تنبعُ من دينٍ من الأديان، ما هي إلا "أفكارٌ بشرية" إستقاها أصحابُها في ظلِ ظروفٍ معينةٍ من فِهمهم الخاص لخطوطٍ دينيةٍ عامةٍ. وفي هذا المفهوم فأنني أؤمنُ أن الأديانَ يُمكنُ أن تُستلهمُ كمصدرٍ للقيمِ العليا، ولكنني أرفضُ زعمَ من يزعم أن الأديان (كالماركسية) قد قدمت حلولاً تفصيلية للمسائلِ السياسيةِ والاقتصاديةِ والاجتماعيةِ في كل زمانٍ ومكانٍ. وانطلاقاً من هذا الفِهم، فأنني أرى أن كلمة (العِلمانية) لا تعنى الكُفر أو (إنكارِ الأديان) أو (الإِلحــاد) وإنما تعنى أن البشرَ في كـل زمـانٍ ومكــانٍ موكــولٌ لهم وضعَ النُظمِ السياسـيةِ والقانونيةِ والاقتصاديةِ والثقافيةِ والاجتماعيةِ التي تحكمُ حياتهم وتجعلُ ظُروفها على أحسنِ ما يكون. ومعنى ذلك، أنني ممن لا يَجِدونَ غرابةً في قولِ البعض (على ندرتهم) أنهم يعتقدونَ بعلِمانيةِ الإسلامِ. بل أنني أعتقدُ أن القولَ بذلك يتضمنُ دفاعاً حقيقياً عن الدين، إذ أنَ ارتفاعه فوقَ مستوى المتغيرات هو ما يليقُ به كدينٍ. وما لم تغرسُ برامِجَنا التعليميةُ ووسائلُ الإعلامِ هذا الفــهمَ للـدينِ، فإنَ الزمنَ الحالي والأزمنةَ المُستقبَلةَ ستكونُ في صِدامٍ هائِلٍ مع أولئكَ الذينَ يُريدونَ أن يفرِضوا فِهمَهُم للدينِ كمنهجٍ شاملٍ يقدمُ نُظماً مُتكاملةً في كلِ المجالاتِ الحياتيةِ والمجتمعيةِ

* الركيزة الخامسة: الإيمانُ بأن التجاربَ الاشتراكية كانت كارثة في كل مراتِ تطبيقها :
وقد أفْرَدتُ ثلاثةً من كتبي (صدر أولها منذ 22 سنة وصدر آخرُها منذ 18 سنة) لنقدِ الفكرِ والتجاربِ الاشتراكيةِ. وسيبقى اقتناعي راسخاً بأنَ الاشتراكيةَ (بمعناها المُستقى من الماركسيةِ) ستبقى بالغةَ العجزِ عن تحقيقِِ أيةِ وفرةٍ اقتصاديةٍ أو رخاءٍ اجتماعي أو مجتمعٍ يعرفُ الإزدهارَ. وستبقى من أهمِ مهماتِ من يتوخي تنقيةَ الجوالثقافي العام في مصرَ من أسبابِ تأخُرِنا إظهـارُ الكوارثِ التي تسببت فيها التجــاربُ الاشتراكية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. وحتى ما يعتقده البعض من أن التجاربَ الاشتراكيةَ كانت ذاتَ أثرٍ كبيرٍ علي المجتمعاتِ الرأسماليةِ والتي أفرزت نظماً ذاتَ مردودٍ كبيرٍ على العدالةِ الاجتماعيةِ، فهو في رأيي (خطأٌ صِرف) إذ أنَ الرأسماليةَ تطورت بعوامل ذاتية خلال القرن العشرين تطوراً كان في صالحِ الاعتباراتِ الاجتماعيةِ . ورغم أنني أعطيتُ دراسةَ الفِكرِ والتجاربِ الاشتراكية آلافَ الساعاتِ ورغم أن كُتُبي الثلاثة الأولى كانت في هذا المجال إلا أن إيماني العميق بعجزِ الفكرِ الإشتراكي عن تحقيقِِ أي نجاحٍ اقتصاديٍّ (وهو أساسُ كل أشكالِ النجاحِ الأخري) إنما جاءني من تجربةِ ممارسة العملِ القيادي الإداري في المؤسساتِ الاقتصاديةِ العالميةِ الكبرى، حيث رأيتُ بعيني أن أدوات النجاحِ لا توجد بالكاملِ إلا في المنظومةِ الرأسمالية، وأن انتظارَ تحقيقِ نفسِ النجاح عن طريقِ الفكرِ الإشتراكي يماثلُ وهم المتأسلمينَ القائمِ علي اعتقادهم أن المسلمينَ لوإلتزمــوا بدقائقِ دينهم (من الصلاةِ وحتي المسواك) فإنهم سيتقدمونَ على العالم الغربي (الكافر) ؛ فالحقيقةُ أن النجاحَ المنشود ليست له أدوات إلاّ (العلم) و(الإدارة) وكلاهُما في الأزمنةِ الحالية مترعرعٌ في ظلالِ الحضارةِ الغربيةِ. والخلاصةُ، أنَ تنقيةَ الأدمغةِ والجــوالثقافي العام من الأفكارِ والتوجهاتِ والأُطُرِ التي تكونت في ظلِ سيادةِ الفكرِ الاشتراكي هو شرطٌ لازمٌ لوجودِ إنسانٍ عصري قادرٍ علي صُنعِ التقدمِ المنشودِ .

* الركيزة السادسة : الإيمانُ بأن تجربةَ مصر في الخمسينات والستينات بحاجةٍ لنقدٍ ذاتي :
رغمَ الشعبيةِ الواسعةِ لحقبةِ وقيادةِ الخمسيناتِ والستيناتِ ، إلا أنني على يقـينٍ أنَ تقـــدمَ هذا الوطن ونموعواملِ ازدهارِهِ واستقرارِهِ ستجعلُ الكثـيرينَ من أبـــناءِهِ يُدركون أنه من غير العلمِ والمنطق والحكمة عدمُ مراجعةِ وتقييمِ هذهِ الحقبةِ وممارسةِ نقدٍ ذاتي عقلاني غير منطلقٍ من التَشَيُعِ الوِجداني والتَحَزُبِ السياسي بما يسمحُ برَصدِ الإيجابياتِ كما يَسمحُ برصدِ الأخطاءِ والسلبياتِ. فمن غيرِ المعقولِ أن يستمرَ الكثيرونَ في واقعِنا في الدفاعُ عن الذينَ تسببوا خلالَ الخمسيناتِ والستيناتِ في العـديدِ من النكباتِ وعلى رأسِها نكبةُ الخامسِ من يونــيو1967. كذلكَ، فإنهُ من غيرِ المنطقي أن تمنعَنا مشاعرُ الإعجابِ والوجدانياتِ من الوقوفِ علي الظواهرِ والقراراتِ التي إتُخِذَت إبّانَ تلكَ الحقبةِ وأدت إلي ما طَرَأَ علي واقعِنا من انهيارٍ في التعـليمِ والأخلاقِ والثقافةِ والاقتصادِ والعديدِ من معالمِ مُجتمعِنا وهو ما كان نتيجةً طبيعية لنظامٍ شِمــولي كانَ ضيقَ الصدرِ بالنقــدِ كما أنهُ وأَدَ تِلكَ الآليةَ اللازمةَ لأي تطــويرٍ وتقدمٍ وهي آليةُ النقدِ الذاتي. وإذا كانَ البعضُ يدين حِقبةَ الخمسينات والستينات لصالحِ ما قبل يوليو1952، فإنني لستُ واحداً من هؤلاء، فما قبل يوليو1952 لم ينجح – في اعتقادي- في تجاوزِ الواقعِ المؤلمِ والذي تمثلَ في طبقةٍ عليا صغيرة جداً ثم طبقةٍ وسطي صغيرة ثم طبقاتٍ دُنيا تشملُ الأغلبيةَ من الشعبِ في ظلِ ظروفٍ حياتيةٍ لا يمكنُ قَبولُها أو غُفرانِ ذنبِ من سَمَحَ بإستشرائها. كذلك، فإنني لا أدينُ الخمسينات والستينات لصالحِ العهدِ الساداتي كما يفعلُ البعض، فأنا أعتقدُ أن السادات كان قائداً ذا رؤية صائبة في الشئونِ الخارجية وأن قرارَ حرب اكتوبر 1973 ثم قرار الإنتقال بالصراعِ لمائدةِ المفاوضاتِ وهو ما أدي لعودةِ كل الأراضي المصريةِ المحتلةِ كانا قرارينِ علي أعلي مستوي من النجاحِ. ولكنني أري أيضاً أنَ إدارتَهُ للشئونِ الداخليةِ كانت أبعدُ ما تكونُ عن الصوابِ، وأن فِهمَهُ للتحولِ من الإقتصادِ الموجهِ للإقتصادِ الحُرِ وآليةِ ذلكَ كانَ فهماً بسيطاً وخاطئاً. والخلاصةُ، - هنا - أننا بدونِ تحررٍ من الإرتباطِ العاطفي بحقبةِ الخمسيناتِ والستيناتِ، سنبقي عاجزينَ عن ممارسةِ عمليةِ نقدٍ ذاتي تُظهِرُ لنا (كمَ) و(حجمَ) الأخطاءِ التي إقتُرِفَت إبّانَ هذهِ الحقبةِ وكانت وراءَ العديدِ من مشكلاتِنا الكُبري لسنواتٍ عديدةٍ. وينطبقُ نفسُ القولِ علي أيٍّ عهدٍ سياسي، إذ أنَ عمليةَ تقييمهِ تصبحُ مدموغةً بالخطأِ من بدايتِها طالما شابَ التفكيرُ حماسٌ وتعاطفٌ وجداني. فالهوى في اللغةِ العربيةِ كلمةٌ رائعة لأنها تفيدُ (العاطفةَ) كما تفيدُ (السقوطَ) .

* الركيزة السابعة: الإيمانُ بحتميةِ الوصولِ لسلامٍ شاملٍ في الشرقِ الأوسط حتى نتجنبَ سقوطَ المنطـقـةِ في يــدِ العُنفِ والماضويةِ والتخلفِ والفقرِ:
الحقُ العربي في فلسطين حقٌ لا يُماري. ولكنَ بنفسِ القدرِ فإنَ الأخطاءَ العربيةَ في حقِ هذا الحق هي أيضاً حقائقُ لا تُنكر، وأكبرُ هذه الأخطاء هي النكبات الأربع التالية :

- موقفُ الفلسطينيينَ والعرب من الهجرةِ اليهوديةِ لفلسطين خلالَ نصفِ القرنِ السابقِ لإعلانِ قيامِ دولةِ إسرائيل (بما في ذلك النزوح العربي خارج فلسطين) .
- رفضُ العربِ لقرارِ التقسيمِ في سنة 1947 ثم دخولهم الحربَ وكلُ قياداتهم علي معرفةٍ بإستحالةِ النصرِ علي ضوءِ حقائِقِ الفوارقِ بينَ الجانبين عسكرياً .
- خطأُ التسببِ (بدون أي مبررٍ) في المواقفِ التي أدت إلي هزيمة 5 يونيو1967 .
- خطأُ التخلي عن" أنور السادات" منذ قامَ بزيارَتِهِ للقدس في نوفمبر 1977 رغم أن السنواتِ قد أثبتت أنَ (الواقــعَ) و(الممــكنَ) لا يسمحـا بحلٍ أفضلَ مما كانَ السادات يُحاوِلهُ.
فإذا كان الحقُ العربي في فلسطين لا يُماري، وإذا كانت تِلك الأخطاءُ الأربعة الكبري لا تُنكَر، فإن من أو جبِ واجباتنا أن نمارسَ عمليةَ نقدٍ ذاتي لكلِ أساليبِ تعاملنا مع الصراعِ العربي الإسرائيلي. وفي يقيني أن عمليةَ النقدِ الذاتي هذهِ ستقودُنا لموقِفٍ معتدلٍ قِوامُهُ الإعترافُ بأن (الحلمَ الأمثل) وهو قيامُ دولةٍ ديموقراطيةٍ لا دينية علي كاملِ ترابِ فلسطين يتساوى فيها اليهودُ والمسلمونَ والمسيحيونَ وغيرِهــم في الحقوقِ والواجباتِ هذا الحلمَ الأمثل غيرُ قابلٍ للتحقيقِ علي المدى القصير بسببِ الأخطاءِ الأربعةِ الكبرى التي ذكرتها أعلاه (ولأسبابٍ غيرِها). وعليه ؛ فإن المنطقَ والحكمةَ يحتمانِ ايقافَ نزيفِ الخسائرِ والهزائمِ والوصولِ في أقربِ وقتٍ ممكنٍ لتسوياتٍ بين اسرائيل وجيرانها يتحولُ بعدها اهتمامُ دولِ المِنطَقةِ لبناءِ مجتمعاتٍ عصريةٍ وقويةٍ (من الداخلِ) عن طريقِِ حياةٍ اقتصاديةٍ ناجحةٍ ونظمٍ سياسيةٍ تقومُ علي الديموقراطيةِ والحُرياتِ العامةِ مع محاولةٍ جادةٍ للحاقِ بركبِ العلمِ والتقدمِ والحداثةِ. وبدونِ جوثقافيٍّ عامٍ يكونُ مشبعاً بهذهِ الرؤيةِ فسنظلُ ننظرُ للخلفِ عِوَضاً عن توجُهِ وجوهِنا وعقولِنا وأرواحِنا للأمامِ.

* الركيزة الثامنة: الإيمانُ بوجودِ ثقافــةٍ عربيـةٍ تَربِطُ العربَ ولكنها لا تنفى الخصوصياتِ الثقافـيةِ الأُخرى وبالتالي، فإنهُ ينبغي إثراءُ هذهِ الرابطةِ الثقافيةِ دونَ الوقوعِ في خطأِ الاعتقادِ بأَنها تكفي لوجودِ وحدةٍ سياسيةٍ شاملةٍ :
لاشك أنَ (البُعدَ العربي) هو أحدُ أبعادِ ثقافتنا كمصريينَ. ولكن لا شكَ أيضاً أنهُ ليسَ البُعد الوحيد، فإنَ لنا تاريخاً فرعونياً وقبطياً عظيماً يسبقُ الحقبةََ العربيةََ، كما أننا تأثرنـا كثيراً بحقيقةِ أننا بلدٌ يقعُ علي البحرِ المتوسطِ ويرتبطُ تاريخياً وجغرافياً وثقافياً بثقافاتِ البحرِ المتوسـطِ. وينطبقُ نفسُ الشيء علي دولٍ عربيةٍ أخري، فالبعدُ العربي من أبعادِ ثقافاتِ لبنان وتونس والجزائر والمغرب، إلا أنَ هناكَ أبعاداً أخري في ثقافاتِ هذهِ البلدانِ لا يمكنُ إنكارُها. وعليه، فإننا يجب أن نُثري الروابطَ الثقافيةَ العربيةَ ولكن ليسَ علي حسابِ الأبعادِ الأخري. ومعني ذلك أننا نشتركُ مع العربِ الآخرين في الإرتباطِ بالثقافةِ العربيةِ، دونَ أن يكونَ ذلك مَدعاةَ حديثٍ عن وحدةٍ سياسيةٍ بناءً علي ذلك الإرتباط الثقافي. فلا شك أن بيننا روابطُ لا تُنكر، ولكنها لا تصلُ لمرحلةِ (فناء الجزء في الكل). بل إن الحديثَ عن (وحدةٍ سياسيةٍ عربيةٍ) في ظلِ وجودِ أبعادٍ أخري لكلِ شعبٍ تخلـقُ وضعــاً من شــأنه أن يحفزَ (الخصــوصيات) لتـدخلَ في صِدامٍ مع (المناطق المشتركة) وهذا ما حدثَ في الخمسينات والستينات وأدي لفشلِ المشروعِ الوحدوي العربي وعليه، فإنَ هناكَ مسئوليةٌ جسيمةٌ ملقاة علي عاتقِ مؤسستنا التعليميةِ وأجهزتِنا الإعلامية لإصلاحِ الخللِ الذي إستشري خلالَ قرابةَ نصفِ قرن عندما اعتقدنا أنَ ثقافَتنا عربيةٌ صِرف وأهملنا ما لا يُمكنُ إهمالهُ من الأبعادِ غيرِ العربيةِ في ثقافتنا .

* الركيزة التاسعة: الإيمانُ بأنَ العولمةَ حقيقةٌ واقعيةٌ لا ينبغي التعامـلُ معها كاقتــراحٍ أكاديمي وإنما التعايش الفعّال مع حقائِقها :
عندما إنهارَ الإتحـادُ السوفييتي والدولُ التي كانت تسيرُ في رِكابِهِ أو تتبعهُ بشكلٍ أو بآخـر، كان ذلك إيذاناً بإنتهاءِ مرحلةِ الحــربِ الباردة، وبدأ العالــمُ يري أمامَهُ (دُنيا جديدة) لا تنقسم إلي (مُعسكرٍ شرقي) و(معسكرٍ غربي). وكان معني ذلك بالنسبةِ للمؤسساتِ الاقتصاديةِ والصناعيةِ والخدميةِ أنَ كلَ أسواقِ العالمِ أصبحت متاحةً أمامها لتصلَ إليها وتتعاملُ فيها مع أسواقٍَ جديدةٍ. ومن رَحِمِ هذا الوضعِ الجديد نشأت الحالةُ التي سُمِيت بالعولمة. وعليه، فإن (العولمة) بَزَغَتْ من (مطبخٍ سياسيٍّ) يتمثلُ في انتهاءِ الحربِ الباردةِ ومن مطبخٍ آخر (إقتصادي) هو الواقعُ الجديدُ الذي وجَدَ فيه المنتجونَ أنفسهم أمامه. وللأسـف، فإن هناكَ فارقٌ كبيرٌ-هنا- بين ما (ينبغي أن يكون) وبين (ما هو كائن وما سوف يكون). والعولمة تنتمي للظاهرةِ الثانيةِ، فهي –بمعزلٍ عن العـدلِ أو عدمِ العدلِ والمنطـقِ أو عدمِ المنطقِ- شيء يحدثُ وسوف يحدثُ بشكلٍ أكبر وأوسع في المستقبلِ لأنهُ يعكسُ واقعاً خرجَ من رَحِم أكبرِ الحقائــقِ المعاصرةِ وهي إنهيارِ المعسكرِ الشرقي وإنتهاءِ الحـربِ البــاردةِ . وعلينا أن نبثَ في جوِنا التعليمي والثقافي العام إدراكَ حقيقة أن (العولمة) واقعٌ محتومٌ خرجَ من رَحِمِ الأوضاعِ العالمية الكبري، وأنها ليست (ذئباً) يجبُ الإختفاءَ منهُ وإنما واقعٌ صعبٌ يمكنُ (بل وينبغي) أن نوجِدَ لأنفُسِنا في ظلهِ مكانةً طيبةً. مع التيقنِ من أنَ العولمةَ (شأنَها شأنُ كلِ الآلياتِ الكبيرةِ في المجتمعاتِ الرأسماليةِ) ستُطَوِرُ من نفسِها، فلا تمُرُ السنواتُ إلاَّ وقد اصبحت شديدةَ الإختلافِ عن صورتها القاسيةِ الحاليةِ (ليسَ بفعلِ عواملَ إنسانية وإنما لأنَ المصالِحَ ستُملي ذلكَ).
* الركيزة العاشرة: الإيمانُ بأنَ الكثير قد تمَ إنجازهُ في مصر خلالَ العقدينِ الأخيرين، إلا أن الكثير مازال في حاجة لأن يتحقق، وأن الرِضا الزائد عن الذات أمرٌ في غايةِ الخطورة :
أعتقد أن مصرَ قد شهدت منذُ سنة 1975 (وليس منذ سنة 1981 كما يُكررُ المتزلفونَ دائماً) جهوداً عديدة لإصلاحِ الحياةِ الاقتصاديةِ وجهوداً أقلَ لإصلاحِ الحياةِ السياسيةِ. وأنَ هذهِ الجهود (بدءاً من المُدنِ الجديدةِ في عهدِ الرئيـسِ السادات ومروراً برحلةٍ طويلـةٍ من عملياتِ التطويرِ لاسيما منذُ عام 1991) قد جنبت مصرَ أن تشهدَ انهياراً اقتصادياً واجتماعياً كالذي شهِدَتهُ روسيا وغيرُها. ولكن ذلك لا يعني أن يلتحقَ المفكرُ الحُر بجوقةِ الرياءِ ويأخذُ (معهم) في عزفِ سيمفونيةِ التزلفِ والتملقِ والتي تُصَوِرُ ما حدث وكأنهُ (غايةُ المرامِ). والحقُ أنَ ما حدثَ هو (بعض) وليس (كل) ما ينبغي تحقيقهُ، وأن إنجازاتِ الحكوماتِ المتعاقبةِ ليست تفضلاً وإنما هي الحدُ الأدنى المنتظرُ منها، كما أنه لا يحق لحكومةٍ أياً كانت أن تقارنَ نفسها بحكوماتٍ أخري أقــلُ كفاءة في أزمنةٍ وأمكنةٍ مختلفة وإنما المنطقي أن نقارنَ أداءَ حكوماتنا بأداءِ حكوماتٍ أخري في دولٍ كانت من العالمِ الثالثِ وحققت من الإنجازاتِ ما جعلَ دُوَلَـها في مصافِ الــدولِ الأكثرِ تقدماً. كذلك، فأنني أعتقدُ أن ظاهرةَ الرضى عن النفسِ والمبالغة في ترديدِ ما يُكتب مدحاً عن "إنجازاتنا" وإحتشادِ الصحفِ بما يقولُهُ عنا "الآخرون" من المدحِ والثناءِ، هو ظاهرةٌ سلبيةٌ، وقد ساهمَ الإعلامُ المصري في تضخيمِ هذا العيبِ حتى صارَ مثارَ حديثِ الكثيرينَ في العالمِ، بل ولا يساورني شكٌ أن بعضَ الجهاتِ في العالمِ تستعملُ هذا الضعف فينا (لسماعِ المدحِ) لتحقيقِِ أغراضِها هي. وقد ثبت أن الغربَ كان يتبعُ نفسَ المنهج مع عددٍ من دولِ آسيا (بل ومع إندونيسيا بالذات) قبل تعرُضِـها للهـــِزةِ الكبيرةِ التي تعرضت لهــا سنة 1997.



* الركيزة الحادية عشر: إصلاحُ التعليمِ المصري :
لا يجادلُ أحدٌ في أن مستوي معــارفِ وثقافـةِ ولغةِ (سواء كانت لغة عربية أو أجنبية) وإتقانِ خريجِ المدارسِ المصريةِ (الحكوميةِ) في العشريناتِ والثلاثيناتِ والأربعيناتِ كانَ أفضلَ بكثيرٍ من مستوي خريجِ المدارسِ المصريةِ اليومَ وخلالِ السنواتِ العشرينَ الأخيرةِ. ولا يجادلُ أحدٌ أن هذا (التدهورَ) هو (تدهورٌ كيفي) أي تدهورٌ في مستوي التعليمِ والقيمِ التي تُكتَسَبُ أثناءَ التعليمِ وليسَ (تدهوراً كمياً). بل أنني أعتقدُ أنَ (التدهورَ الكيفي) هو نتيجةٌ لعدةِ عواملٍ منها (الحِرصُ علي الكمِ) لا (الكيف) ناهيك عن الإنهيارِ الراجعِ لأخطاءٍ فادحةٍ في البرامــجِ التعليميةِ والإنهيارِ الراجعِ لتدهورٍ لا ينكرُ في مستوياتِ المدرسينَ. وقد حدثت خلالَ السنواتِ العشرِ الأخيرةِ محاولاتٍ عديدةٍ لإصلاحِ التعليمِ إلا أن معظمَ الجهودِ كانت في (الجانبِ الكمي) سواءٌ بالنسبةِ لبرامـجِ التعلـيمِ أو عددِ المدارسِ الجديدةِ وتزويدِها بأجهزةٍ أفضل وذلك لا يمكنُ إنكاره ولكنه لا علاقــةَ له بالمشكلـةِ الأساسيةِ وهي "نوعيةُ" التعليمِ و"نوعيةُ" المدرسِ و"نوعيةُ" القيمِ التي تُغرَسُ في التلاميذِ والطلابِ إبّانَ العمليةِ التعليميةِ. ونحن الآن بحاجةٍ لثورةٍ في التعليمِ تركزُ علي جانبِ القيمِ التي تُزرَعُ أثناءَ التعليمِ، بحيث نضمن غرسَ قيمِ العصرِ الإيجابيةِ بشكلٍ ثابتٍ وقوي. كذلكَ نحن بحاجةٍ لأن نتوقفَ عن الإجتهادِ في المقرراتِ العلميةِ (أي المتصلةِ بالعلومِ التطبيقيةِ) إذ أن كلُ ما علينا أن نتوقف عن الإبتكار هنا (فلسنا بأيةِ حالٍ من الأحوالِ من روادِ العلومِ الحديثةِ) وأن نكتفي بأن تكونَ مقرراتُ الرياضياتِ والفيزياءِ والكيمياءِ والتاريخِ الطبيعي مجردُ ترجماتٍ للمقرراتِ في الدولِ التي سبقتنا في التعليمِ بسنواتٍ ضوئيةٍ (مثل اليابان). أما في العلومِ الإجتماعيةِ والإنسانيةِ، فنحنُ بحاجةٍ لأن نعهدَ لمجموعةٍ من أصحابِ القاماتِ الكبيرةِ (من غيرِ مدرسي المدارسِ) ليضعــوا مقرراتِ هذهِ العلومِ بشكلٍ عصريٍّ وبما يضمنُ خلوها من (أفكارِ الماضويين المسمومةِ) وأن تكون عامرة بقيمِ العصرِ والعلمِ والعملِ الحديثِ .


* الركيزة الثانية عشر: الإيمانُ بالإدارةِ الحديثةِ كأساسٍ للتقدمِ الاقتصادي :
لا يوجدُ سببٌ واحدٌ لتقدمِ كل المجتمعاتِ الناجحةِ سوى (الإدارةِ الفعّالةِ). فالإقتصادُ الأمريكي وإقتصادياتُ أو روبا الغربية واليابان والنماذجُ الناجحةُ في جنوبِ شرقِ آسيا هي أدلةٌ واضحةٌ علي أنَ (الإدارةَ) تجلبُ (الثروةَ)، وأن العكسَ غيرُ صحيحٍ (فالثروةُ لا توفرُ الإدارةَ الناجحةَ). بل أن النجاحَ العلمي والتكنولوجي هو ثمرةٌ من ثمارِ الإدارةِ الناجحةِ ؛ وأيضاً فإنَ العكسَ هنا غيرُ صحيحٍ .

* الركيزة الثالثة عشر: الإيمانُ بأنَ القطاعَ الخاص هو قاطرةُ التقدمِ الإقتصادي:
أياً كانت مواضعُ القوةِ في الفكرِ الماركسي بوجهٍ عام والفكرِ الاقتصادي الماركسي بوجهٍ خاص، فإنَ تجربةَ القرنِ العشرين أكدت أن النظمَ الإقتصاديةَ القائمةَ على التخطيطِ المركزي أو الإقتصادِ الموجهِ قد تنجحُ علي صفحاتِ الكتبِ، أما علي أرضِ الواقعِ فإنها لم تتمكن ولوفي مرةٍ استثنائيةٍ واحدةٍ من أن تحققَ أي نجاحٍ.

وفي المقابلِ فإنَ كلَ أشكالِ النجاحِ الإقتصادي سواءً في التجاربِ الأوروبيةِ الغربيةِ والأمريكيةِ أو في تجاربِ شرقِ آسيا كانت ترتكزُ علي عبقريةِ المؤسساتِ الخاصةِ وقدرتِها علي توليدِ آفاقٍ من النجاحِ ما كانت تخطرُ لأحدٍ ببالٍ. وعليه، فإنَ أملَ مصرَ في إزدهارٍ إقتصادي (يساهمُ في تأسيسِ إستقرارٍ إجتماعي) هو أمرٌ مرهونٌ بنجاحِ القطاعِ الخاصِ المصري في النمووتحقيقِ الأهدافِ المنشودةِ من وفرةٍ إنتاجيةٍ وخلقِ فرصِ عملٍ عديدةٍ وتواصلٍ مع حركةِ التوظيفِ التجاري العالميةِ للتكنولوجيا. إلا أنَ القطاعَ الخاص المصري والذي عاني مِراراً من الضرباتِ (في الخمسينات والستينات) ثم من البيروقراطيةِ والفسادِ والتخبطِ التشريعي في سنواتٍ لاحقةٍ يحتاجُ لعمليةِ تنقيةٍ واعيةٍ لبيئةِ الإستثمارِ في مصرَ حتي يكونَ بمقدورهِ أن يتحولَ الي الشكل المؤسسي المستهدفِ وهو ماسيسمحُ له بتحقيقِ النهضةِ المرجوةِ بما تعنيهِ من عوائدٍ إقتصاديةٍ وإجتماعيةٍ.
* الركيزة الرابعة عشر: شيوعُ ثقافةٍ إيجابيةٍ تجاهَ المرأةِ والأقلياتِ :
لا يمكن تحقيقُ النهضةِ الكاملةِ المرجوةِ ونصفُ المجتمعِ (النساء) يعانينَ من ثقافةٍ ذكوريةٍ قرون أو سطية. وبنفسِ القدرِ فإنَ السلامَ الإجتماعي المنشود يقتضي أن تأخذَ الأغلبيةُ مُبادرةَ معالجةِ كلِ مشاكلِ الأقلياتِ في إطارٍ من الروحِ الحضاريةِ القائمةِ علي إحترامٍ عميقٍٍ للآخرِ وبعيداً عن الروحِ القرونِ أو سطية من الأقلياتِ .

* الركيزة الخامسة عشر: وجودُ جهازٍ أو أجهزةٍ إعلاميةٍ عصريةٍ وحُرةٍ :
دورُ الإعلامِ هو تسليطُ الضوءِ علي الحقائقِ العالميةِ والمحليةِ والمشاركةِ في كشفِ الأخطاءِ الي جانبِ الإثراءِ الثقافي والمُتعِ الراقيةِ. أما أجهزةُ الإعلامِ التي نشأت في العالمِ الثالثِ عن طريقِ خبراءٍ ألمانٍ شرقيين من تلامذةِ مدرسةِ جوبلز فإنها إما تندثرُ مع التطورِ العالمي وإما أن تواصلَ عملياتِ الإضرارِ البالغةِ بالرأي العام .

وفي إعتقادي أن قيامَ وترويجِ مشروعٍ ثقافي لمصرَ المستقبل ينهضُ علي أساسٍ من تلك الركائز هو أمرٌ علي أعلي درجةٍ من درجاتِ الأهميةِ ؛ وهو كذلك أمرٌ ممكنٌ وغيرُ عسيرٍ متي وُجِدَت (الرؤيةُ) ولم نبق أسري الركائِزِ الأخري التي سيكونُ تمسكنا بها تمسكاً تراجيدياً بكلِ أخطاءِ وهزائِمِ ونقائصِ ومشكلاتِ واقعنا خلالَ نصفِ القرنِ الأخيرِ.

وإذا كانت تلكَ الركائزُ تضعنا في خلافٍ مع معظمِ الأيدولوجيينَ، فليكن عزاؤُنا أننا نعرفُ جيداً ما الذي يمكنُ أن يقودَنا إليه الأيدولوجيونَ من تأخرٍ وتشرذمٍ وهياجٍ اجتماعي وبعدٍ عن العصرِ وإنجازاتِه وربما العودةُ عدةَ قرونٍ للخلفِ.

في حوار بإحدى الفضائيات ذائعة الصيت قال محاوري إنني –في ظنه- أقدم مشروعي الفكري بحذر مبالغ فيه ولا أحاول تقديمه بدرجة من القوة والوضوح يراهما من ضروريات نجاح مشروعي الفكري. وكان ردي بأنني أن أكتب وأحاضر وأظهر على شاشاتِ التليفزيون للترويج لهذا المشروع بلغةٍ عفيفة ليس فيها تجريح لأحدٍ ودون الإنغماسِ في أي هجومٍ شخصيٍّ على أحدٍ، كما أنني أحاولُ إقناع كل الأطراف بفائدةِ هذا المشروع الفكري لمصرَ بل وللعالم بأسره - إلاِّ إنني لا أملك (ولا أريد أن أملك) أدوات تأثير أخرى - فقد أكون مؤهلاً للتفكير والكتابة والمحاضرات والحوار مع العقول المتجهة للحداثةِ والتقدمِ ولكنني (ورحم اللهُ إمرءً عرفَ قدرَ نفسِه) لا أملك مؤهلات العمل السياسي مع الجماهير – وموقفي هنا يشبه موقف أحمد لطفي السيد الذي فشل في إنتخابات برلمان 1924 لأن خصومه قرأوا على الجمهور سطوراً من مقدمة أحد كتبه التي تضمنت ترجمةً لأحد مؤلفات آرسطوطاليس الشهيرة (!!). من أجلِ هذا أرفضُ الكثيرَ من العروضِ، وكان آخرُها عرض مجلس إدارة جمعية النداء الجديد (مركز الدعوة الأول لليبرالية في مصرَ) لرئاستها – ولكنني إعتذرتُ لأن هذه الرئاسةُ تقتضي تعاملاً متواتراً وواسعاً مع الجماهيرٍ – وأنا خُلقت (بلغةِ طه حسين) ليس للتأثيرِ في الناسِ وإنما للتأثيرِ في الذين يؤثرون في الناس – لا أريد إلا الكتابة والمحاضرة والعمل الفكري. كذلك فإنني أعتقد أنني واضحٌ في إعلان رؤيتي السياسية الإصلاحية – ولكني أعلم يقيناً أن من يريد في مجتمعٍ مثل مصرَ أن يقول ما يشاء وأن يستمر في ذلك فإن عليه أن يلتزم بمنتهى العفةِ في التعبيرِ (عفة القلم وعفة اللسان) وألاِّ تجذبه إغراءاتُ الهجومِ الشخصي والتجريح لأحدٍ. وربما أيضاً تكون كراهيتي الشديدة لما يمكن أن نسميه باللهجة المصرية "الردح الفكري" هي من أسباب ذلك. أيضاً فإن من الضروري لمفكرٍ صاحب مشروع نهضوي وإصلاحي وتقدمي أن يستمر: والصدام الحاد يعوق هذه الإستمرارية ويكون مضيعةً للطاقةً. إنني أقدرُ أن "فرج فودة" كان يعبر عن آراء مخلصةٍ ولكنه لم يُقتل بسبب جوهر تلك الآراء وإنما بسبب منهجه الصدامي المفرط في المناطحةِ. ولا يعني ذلك أن الجانبَ الآخر كان على صوابٍ: بل إن الذين قتلوه والذين أفتوا بقتله والذين أرضاهم مقتله هم خارج الإنسانية والقانون– بل وخارج أي دينٍ، ومنهجهم كما قتل فرج فودة فقد قتل منذ قرون عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب. يضاف لذلك إنني لست صحفياً وإنما خلفيتي هي مؤسسة إقتصادية عالمية رسّخت في عقلي أن الحوار الصارخ لا يليق بأصحاب الحجة والمنطق. أضف لذلك، أن من يجرح الآخرين عليه أن يقبل أن يجرحه الآخرون. لقد إتصل بي أحد محاوري قناة فضائية عربية خليجية شهيرة مرات عديدة يطلبُ أن أكونَ ضيفَه – بل وأن أختارَ من يحاورني .. وكان ردي أن من المستحيلِ أن ألتحقَ بجوقةِ الصخب الفكري في أي شكلٍ من أشكالها. ودعني أسترسل قليلاً في هذه الجزئية: قبل أن أبلغ العشرين قرأت بشغفٍ مأساةَ سقراط الرجل الذي كان في جانب الفلسفة الأرستوقراطية فلما إنتصر الحزبُ الثوري رأى أنايتس ومليتس أن من الأفضل أن يموت سقراط. والقصة المأساوية لما حدث عندئذٍ كتب عنها كثيرون إلا أن مصدرهم جميعاً كان أفلاطون (أعظم تلاميذ سقراط) الذي سجل القصة فيما لا مثيل له من الإعجاب والعمق والإبداع. كان بوسع سقراط أن ينجومن الموت (بشرب السم) لوأنه فقط طلب الرحمةَ من الجماهيرِ؛ إلا إنه أبى بكبرياءٍ عاليةٍ أن يناشد الجماهير الرحمة. وكما قال ويل ديورانت، فقد كان جوهـر جريمة سقـراط أنه علَّم الناس فوق طاقتهم على التعلم. في سنة 399 قبل ميلاد السيد المسيح أدى سقراط أمام تلاميذه وعلى رأسهم أفلاطون المشهدَ الذي وصفه أفلاطون بعبقريةٍ إذ تجرع السم في ثباتٍ عجيبٍ دون ذرة من ترددٍ أو إرتباكٍ، بل أنه عندما أجهش أبولودوروس بالبكاءِ قال سقراط في هدوءٍ غريبٍ: "ما هذا الصخب؟؟ … لقد طلبت إبعاد النساء عن هذا المكان حتى لا أشعر بالمهانة … إهدأوا وأصبروا" ... مات سقراط بهذه الطريقة التراجيدية ليس لأنه (أحكم وأعدل وأفضل جميع الرجال) حسب كلمات أفلاطون وإنما لأنه لم يعرف أنه خُلِقَ ليس للتأثير في الناس وإنما للتأثير في الذين يؤثرون في الناس .

وأضيف قصة أخرى توضح خلفية منهجي: في سنة 1923 كَتَبَ طه حسين من باريس يقارن بين المستوى الثقافيِّ الفرنسيِّ العام ونظيرِه المصريِّ … قصَّ علينا طه حسين أنه توجه للحلاَّق (حلاَّق الإسفنكس) .. يقولُ طه حسين: (تحدَّثَ إليَّ حلاَّق "الإسفنكس" في سياسةِ فرنسا من جميعِ وجوهِها: مع ألمانيا ومع إنجلترا، في سوريا وفي الجزائر، وقارنَ لي حلاَّقُ "الإسفنكس" بين المذهبين الإنجليزيِّ والفرنسيِّ في الإستعمارِ، وألمَّ لي حلاَّق "الإسفنكس" بطرقٍ من سياسةِ الأحزابِ البرلمانيةِ في بلدِه. وكان حلاَّقُ "الإسفنكس" إشتراكياً من الوجهةِ النظريةِ، ولكنه يائسٌ من مذهبِه الإشتراكيِّ، فهو كغيرِه من الناسِ في الحياةِ العمليةِ. وأؤكدُ لك بأني وجدتُ لذةً جديدةً عظيمةً في الإستماعِ إلى حلاَّقِ "الإسفنكس". وذكرتُ أول خادمةِ فرنسيةِ لي لقيتُها في مرسيليا سنة 1914 فتحدثت إليَّ بما يشبهُ هذا الحديثَ. وتمنيتُ لوكنا جميعاً في مصرَ كحلاَّقِ "الإسفنكس" – وأحسبُ أنَّا سنقطعُ زمناً طويلاً جداً قبل أن تصلَ كثرُتنا المطلقةُ من التعليمِ والتهذيبِ إلى حيث وصلَ حلاَّقُ "الإسفنكس") – إنتهت كلماتُ طه حسين. وأنا أؤمنُ بصوابِ وعمقِِ وواقعيةِ كلِ حرفٍ من هذه الشهادةِ لأحدِ أعظمِ العقولِ في تاريخِنا. إنه من المؤسفِ أن طرائقَنا في الحوارِ وكثرةِ هبوطِ الحوارِ لمستوى بالغِ الإنخفاضِ بل وأحياناً مسف لم تتقدم بل ربما تكونُ خلالُ السنواتَ العشرَ الأخيرةَ قد تراجعت لدرجـةٍ أسوأِ من البعدِ عن الموضوعيةِ – وكل ذلك يملي علىَّ أن أتمسك أكثر بمنهجي: محاولة التأثير فيمن يؤثرون في الناس .. وعرض مشروعي الفكري بقلم (أولسان) عفيف .. ورغم إحتشاد كتاباتي بالنقد، فإنه نقد موضوعي لظواهر وليس لأشخاص – فليس هذا مقصدي - ولن يكون.








رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,274,531,074
- لو كنت كرديا من سوريا ... : سلسلة - لو كنت ..... - الحلقة ال ...
- بين الإستقرار والفوضى.
- العربي النمطي ... فى الشعر النبطي
- مستقبل العقل المسلم.
- الحالة الإيرانية فى كبسولة.
- من دفاتر طارق حجي القديمة - مسألة ديكتاتورية البروليتاريا
- من دفاتر طارق حجي القديمة : مسألة الدولة فى الفكر الماركسي.
- من دفاتر طارق حجي القديمة : الماركسية - إلى أين ؟
- برقية تلغرافية لكل لبناني حر ...
- طارق حجي : من المؤلفات الأولي : الإقتصاد الماركسي .
- شكر وإمتنان لموقع الحوار المتمدن وقراءه.
- ماذا فعل 23 يوليو 1952 بمصر؟ (1)
- عبقرية سعد زغلول .
- هلوسات 1- 2
- هلوسات ثقافية
- مرة أخري (وليست أخيرة) : -عن مظالم الأقباط أكتب- ...
- رسالة لوزير الأوقاف المصري .
- الأحزاب الدينية : محض وهم ومخادعة
- سجون الثقافة العربية : السجن الثالث : الرعب من الحداثة
- سجون الثقافة العربية : السجن الثاني : المفاهيم السلبية الشائ ...


المزيد.....




- حملة قمع وحشية أخرى لحماس في غزة
- آلاف الجزائريين يتظاهرون ومطالبة بعدم تدخل الجيش في الأزمة ا ...
- آلاف الجزائريين يتظاهرون ومطالبة بعدم تدخل الجيش في الأزمة ا ...
- الأمم المتحدة تطرح خطة جديدة للانسحاب من مدينة الحديدة اليمن ...
- بعد اختفائه لأشهر.. عائلة لاجئ فلسطيني بلبنان تطالب غانا بكش ...
- وزير لبناني : ملتزمون عودة النازحين السوريين وتخفيف وطأة أزم ...
- اللواء ابو العزايم: قبول عضوية ذوى الاحتياجات الخاصة بالنادى ...
- الحريري: الجميع في لبنان يريدون عودة النازحين السوريين ولا أ ...
- هيومن رايتس تطالب بالكشف عن مصير مصطفى النجار
- فيديو: تقرير أمريكي رسمي يندد بتعذيب المعارضين في مصر ويثير ...


المزيد.....

- وسائل الاعلام والتنشئة الاجتماعية ( دور وسائل الاعلام في الت ... / فاطمة غاي
- تقرير عن مؤشر مدركات الفساد 2018 /العراق / سعيد ياسين موسى
- المجتمع المدني .. بين المخاض والولادات القسرية / بير رستم
- المثقف العربي و السلطة للدكتور زهير كعبى / زهير كعبى
- التواصل والخطاب في احتجاجات الريف: قراءة سوسيوسميائية / . وديع جعواني
- قانون اللامركزية وعلاقته بالتنمية المستدامة ودور الحكومة الر ... / راوية رياض الصمادي
- مقالاتي_الجزء الثاني / ماهر رزوق
- هنا الضاحية / عصام سحمراني
- عودة إلى الديمقراطية والمجتمع المدني / كامل شياع
- معوقات نمو الأبنية المدنية في الأردن / صالح أبو طويلة


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - طارق حجي - ثقافتنا: ... بين الوهم والواقع