أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - صادق إطيمش - نامت نواطير مصر عن ثعالبها.....















المزيد.....

نامت نواطير مصر عن ثعالبها.....


صادق إطيمش
الحوار المتمدن-العدد: 2583 - 2009 / 3 / 12 - 10:37
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
    


ألايام الثمانية ألأخيرة من شهر شباط الماضي التي قضيتها في مصر متنقلاً بين القاهرة وسيناء والأسكندرية كانت حافلة بكثير من المشاهدات التي يقوم بها السواح عادة حينما يأمون هذا البلد المليئ بالشواهد التاريخية الأثرية التي تجذب الغرباء لزيارته . من الطبيعي ان تكون ردود فعل السواح على زيارة مثل هذه المناطق التاريخية تتماشى وما قرأوه او سمعوه حول هذه المناطق وكذلك مع الصورة التي كونها هؤلاء لأنفسهم عن مثل هذه المعالم . إذ أن من عادة السواح ألأوربيين والألمان على وجه الخصوص الإستعداد الكامل لسفرات كهذه وذلك من خلال جمع المعلومات المختلفة عن بلد الزيارة وعن المعالم التي يتضمنها برنامج الزيارة . وقلما يجري التفكير في الزيارات التي يُطلق عليها زيارات عِلمية هدفها التعلم وليس التمدد على الشواطئ ، كهذه الزيارة التي قمت بها برفقة طلبة الدراسات الدينية والإجتماعية والتربوية في ألأكاديمية البروتستانتية في مدينة فرايبورغ ، أقول قلما يجري التفكير في مثل هذه الزيارات بالتعرف على حياة الناس عن كثب والإطلاع على تفاصيل الأوضاع السياسية والإقتصادية والإجتماعية ، حيث أن ذلك يتعلق بشكل اساسي بخلو برامج مثل هذه الزيارات من هذه الفقرات ولعدم وجود لغة التفاهم بين أهل البلد والزوار ، وإن تمت المحادثات فإنها تتم على أبسط أنواعها وتتعلق بقضايا البيع والشراء في الأسواق التي يعمها السواح . وبالرغم من قصر المدة إستطعت التحدث ، وأحياناً لفترة طويلة مساءً بعد إنتهاء البرنامج الرسمي ، إلى بعض الناس الذين قصدتهم بحجة شراء بعض الفواكه من سوق الخضر والفواكه أو شراء كتاب من بسطات الكتب على الشارع أو مع سائقي سيارات الأجرة . كما تحدثت لفترات طويلة نسبياً مع أناس لا أريد التطرق إلى هوياتهم أو الإشارة إلى مكان هذا الحديث تجنباً لما قد يحدث لهم من مكروه بسبب ذلك .
في أحد ألأيام كنت واقفاً مع محدثي أمام لافتة كبيرة مُزينة بصورة كبيرة أيضاً لرئيس الجمهورية حسني مبارك ومكتوب عليها " مبارك لمصر " . فعلقت أنا على ذلك وقلت له لو نكتب تحت هذه الجملة جملة أخرى تقول " ومصر لمبارك " . فضحك صاحبي وقال لي بلهجته المصرية التي لا أجيد ترديدها تماماً : ما هيَّ كلها لوه ، كتبنا ولّا ماكتبناش .
لا أخفي الحقيقة بان لهجتي العراقية كانت موضع ثقة بالنسبة لمن تكلمت معهم، سيما وإن كثيراً منهم كان في العراق ولا زال يعيش ذكرياته الطيبة هناك. الصورة التي تكونت لدي ، وأكرر القول : بالرغم من قصر المدة ، كانت صورة مليئة بشكوى الناس مما تعاني منه من فقر وغلاء وضياع بين سياسة الدولة التي تتجه لوضع المزيد من الصعوبات والعراقيل أمام حياة المواطنين وبعكسه فإنها تضع كافة التسهيلات امام تجار وسماسرة العقارات واصحاب الشركات المتنفذين في الحزب الحاكم وبالتالي بالدولة ومؤسساتها ، وبين القوى السياسية التي تضع نفسها في موضع المعارضة لهذه السلطة والتي تتمثل بشكل خاص بسياسة الأخوان المسلمين التي لا ترى فيها الناس الحل الأمثل لمشاكلهم ومعاناتهم اليومية. وبين هاتين السياستين تلوح في الأفق تدريجياً سياسة المعارضة التي تحاول ان تتجه نحو البسطاء من الناس دون الوصاية عليهم وصاية دينية او حزبية سياسية ، هذه الوصاية التي يمارسها فعلاً الحزب الحاكم وحركة الأخوان المسلمين . تتبلور سياسة المعارضة الجديدة هذه بشكل يجلب الإنتباه لا من خلال عمل الأحزاب السياسية القديمة المعروفة ، كحزب الوفد مثلاً ، بل من خلال الحركة الشعبية الجديدة التي يعول عليها الكثير من الناس والتي بدأت بحركة " كفاية ، التي تبلورت إلى حزب سياسي بإسم " حزب الغد " الساعي لسلوك خط معارضة يختلف تماماً عن خط المعارضة الذي جرى السير عليه لحد الآن .
تحاول احزاب المعارضة الجديدة ان تلتصق بحياة الناس والتعرف على معاناتهم وهي كثيرة وكثيرة جداً . فمعاناة الحصول على عمل ، خاصة لدى الشباب الأكاديميين وغيرهم ، تكاد تكون مرافقة لمعظم حياة هؤلاء الشباب . وحتى وإن حالفهم الحظ بالحصول على عمل فإن الأجر المدفوع لهذا العمل ، حتى بين حملة الشهادات الجامعية ، لا يكفي لسد نفقات الحياة الأساسية من مأكل ومسكن وملبس. لذلك فإن التوجه إلى ممارسة العمل المأجور الإضافي ، وبأي أجر ، يشكل ظاهرة بين هؤلاء الشباب .
تكاد مصر أن تكون البلد الوحيد في العالم الذي أصبحت فيه المقابر سكناً دائمياً للأحياء . مقبرة القاهرة ذات التعداد السكاني المتعدد الملايين، لا من الأموات بل من ألأحياء أيضاً، هي من أهم النماذج التي تشكلها هذه الظاهرة والتي أصبحت تُعامَل كحي سكني طبيعي من أحياء القاهرة . من الطبيعي أن لا يمكن ان نجد أي تشابه بين أحياء القاهرة هذه . فحي الزمالك مثلاً بعماراته وشوارعه والخدمات المتوفرة فيه لا يمكن مقارنته بحي مقبرة القاهرة الذي لا يتعدى تصميم " بيوته " بعض الأحجار المرصوفة جنب وفوق بعضها البعض والمغطاة بقطع معدنية او بسعف النخيل أو حتى بدون غطاء احياناً . الحالة الإقتصادية المزرية لملايين من الناس لا تسمح لهم بإستئجار أبسط الغرف أو البيوت التي تبلغ إيجاراتها اكثر من ضعف دخل الفرد أحياناً . إلا أن المرء يشاهد النشاط المحموم في البناء. عمارات سكنية كبيرة تُشيد في جميع احياء القاهرة ، وحينما تسأل عمن سيسكن هذه العمارات ومن يستطيع دفع إيجاراتها التي قد تصل شهرياً إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف متوسط دخل الموظف ، ياتيك الجواب فوراً بأن هذه العمارات لا تُبنى لعامة ابناء الشعب ، بل للأثرياء ولسكنة خارج مصر في اوربا او امريكا او للشركات التي تفتح فروعاً جديدة لها في مصر أو كفنادق سياحية ، حيث اصبحت السياحة تشكل واحداً من الموارد الأساسية للبلد .
في منطقة وادي النيل بين القاهرة والإسكندرية يلاحظ المرء إهتماماً جدياً بالزراعة من قبل الفلاحين . إلا أن هذا الإهتمام لا يرعى الإهتمام المقابل من جانب السلطة بتطوير العمل الزراعي وبالتالي تطوير الإنتاج الذي قد يتضاعف أكثر وأكثر لو ساعدت الحكومة الفلاح على إدخال وسائل التقنية الحديثة في الإنتاج الزراعي الذي لا يزال مقتصراً على الطرق التي إستعملها الفراعنة ألأقدمون سواءً في مجال الحراثة أو الزراعة أو الري أو الحصاد . قد يختلف التسويق بعض الشيئ عن الطرق الفرعونية وذلك بسبب بعد المسافات ودخول سيارات النقل في هذا المجال . إلا ان الملاحظ ايضاً بأن حتى أسعار المنتوج الزراعي المحلي المعروض لا تتناسب ومتوسط الدخل العام وتكاد تكون صعبة الدفع على فقراء الناس من ذوي الدخول الضئيلة .
بعض الصحف المعارضة التي تجرأ بكتابة بعض النقد هنا وهناك لا حول لها ولا قوة ويكاد نقدها أن يذهب أدراج الرياح إما بسبب الضغط الحكومي المسلط على وسائل الإحتجاج العلنية أو لضخامة الأموال المصروفة على الإعلام الحكومي المنتشر عبر وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة . وعلى هذا الأساس فإن اصوات المعارضة الحقيقية لم تبلغ قلب الشارع المصري بعد ، بالرغم من وجودها في البرلمان أو في بعض وسائل الإعلام ، خاصة تلك المعارضة التي قد تُشكل البديل الحقيقي للسلطة الرسمية ولحركة الأخوان المسلمين التي سلكت طريق المعارضة المؤسساتية .
هذه بعض الملاحظات العابرة لفترة وجيزة لا يستطيع المرء ان يرى ويسمع ويقرا فيها كل شيء عن بلد كمصر . إلا ان هذه الملاحظات تقود المرء مباشرة وبدون أية مقدمات إلى ملاحظات أخرى سمعها المرء أو قرأها أو حتى رآها عن حياة بعض المترفين في مصر . لا بأس إن كان هؤلاء المترفون من التجار وأصحاب الشركات أو غيرهم من هو على هذه الشاكلة . أما ان يكونوا من الحكام الذين يزعقون ليل نهار بانهم يمثلون الشعب ولا يعملون إلا لمصلحة الشعب ، فهذا امر لا يستطيع هضمه اي عاقل . والمثل ألأكبر الذي يمكن الإستئناس به كنموذج للشريحة الحاكمة المُرفَهة على حساب الشعب هو الرئيس الدائم لمصر حسني مبارك الذي ، وشأنه في ذلك شأن أغلب الحكام العرب ، لا يريد أن يترك هذا العيش الرغيد دون أن يضمن إستمراره لإبناءه وأحفاده من بعده وليذهب الشعب والوطن إلى الجحيم . وعلى هذا ألأساس تتُخذ الإجراءات الرسمية وتسير الحملات الدعائية وتُهيأ القوانين اللازمة لتولي جمال حسني مبارك زمام " المملكة المصرية " إسوة بالممالك العربية الأخرى التي حققت هذا النهج أو التي تسعى إلى تحقيقه في المستقبل .
فهل يعيد التاريخ نفسه حينما كان كافور الإخشيدي وزبانيته ينهبون خيرات مصر مما دفع المتنبي إلى القول :
نامت نواطير مصر عن ثعالبها فقد بشمن وما تفنى العناقيد
نرجو أن لا تطول نومة نواطير مصر ، فإن ثعالب كافور وإن شبعت ، فإنها لم تستطع القضاء على خيرات هذا البلد . إلا أن ثعالب حسني مبارك سوف لا تترك هذا البلد حتى وإن شبعت لأنها ستتوارثه على مر السنين والأعوام ، وما سبيل إلى الخلاص منها إلا نشاط وهمة ومسؤولية هؤلاء النواطير .
الدكتور صادق إطيمش







رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,919,441,154
- وتبقى المرأة شامخة ولو كَرِهَ فقهاء السلاطين
- الجامعة العربية....هل اصبحت ملاذاً للمجرمين أيضاً...؟
- إحذروا الثعالب ذات اللحى...
- عودة إلى إنتخابات المحافظات....النتائج والعبر
- إنتخابات المحافظات....النتائج والعبر القسم الثاني
- إنتخابات المحافظات....النتائج والعبر القسم الأول
- إذهبوا إلى الإنتخابات جموعاً....ولا تنتخبوا....
- الإخفاق يعني التنحي عن العمل...معادلة سيتبناها الشعب العراقي ...
- ويكافئون على الخراب رواتبا
- الفساد ألإداري : هل ستساهم نتائج ألإنتخابات اللاحقة بعلاج ما ...
- الفساد ألإداري : هل ستساهم نتائج ألإنتخابات اللاحقة بعلاج ما ...
- إنتخب ولا تنتخب / القسم الثاني
- إنتخب ولا تنتخب / القسم الأول
- ماذا....لو....؟
- التجارة بالأصوات الإنتخابية ....تجارة خاسرة
- ألإزدواجية في فكر الإسلام السياسي / القسم الرابع
- ألإزدواجية في فكر ألإسلام السياسي / القسم الثالث
- ألإزدواجية في فكر الإسلام السياسي / القسم الثاني
- الإزدواجية في فكر الإسلام السياسي / القسم ألأول
- الحكيم بالأمس والقزويني اليوم


المزيد.....




- -جحيم على الأرض-.. ما هو الماضي المظلم لسجن -ألكتراز- الإيرل ...
- فيديو: ملايين الشيعة يحيون ذكرى عاشوراء
- وئام الدخيل -اول سعودية- تقدم الأخبار الرئيسية بالقناة السعو ...
- السفن الروسية في المتوسط توجه صواريخها نحو إدلب
- مقتل 86 شخصاً على الأقل في حادثة غرق عبارة في بحيرة فيكتوريا ...
- عقوبات أميركية على الجيش الصيني
- صداقة من نوع مختلف بين طائر وكلب
- واشنطن تفرض عقوبات على بكين بسبب صفقات سلاح مع موسكو
- طالت 33 كيانا.. ترامب يقر عقوبات جديدة على روسيا
- الصمت تجاه معاناة الإيغور قد ينقلب على الصين


المزيد.....

- أسعار البترول وانعكاساتها علي ميزان المدفوعات والموازنة العا ... / إلهامي الميرغني
- ثروات مصر بين الفقراء والأغنياء / إلهامي الميرغني
- مدخل الي تاريخ الحزب الشيوعي السوداني / الحزب الشيوعي السوداني
- السودان : 61 عاما من التخلف والتدهور / تاج السر عثمان
- عودة صندوق الدين والمندوب السامي إلي مصر / إلهامي الميرغني
- الناصرية فى الثورة المضادة / عادل العمرى
- رأسمالية الزومبي – الفصل الأول: مفاهيم ماركس / رمضان متولي
- النازيون في مصر المعاصرة / طارق المهدوي
- كيف اصبحت اسرائيل قلب النظام الاقليمي ؟! / إلهامي الميرغني
- التقرير السياسي الصادر عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي المص ... / الحزب الشيوعي المصري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - صادق إطيمش - نامت نواطير مصر عن ثعالبها.....