أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي - لياس سي الزبير - التطبيع العصيّ على الجزائر الممزقة















المزيد.....


التطبيع العصيّ على الجزائر الممزقة


لياس سي الزبير
الحوار المتمدن-العدد: 780 - 2004 / 3 / 21 - 07:57
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي
    


الأحد 8 شباط/فبراير 2004، الجزائر كلها تقريباً مسمرة امام شاشات التلفزيون لمتابعة المباراة ربع النهائية من كأس الأمم الافريقية التي يتواجه فيها منتخبها الوطني مع منتخب المغرب في صفاقس في تونس. قبل ست دقائق من نهاية المباراة سجل منتخبهم الهدف الأول وبدا أن التأهل قد بات مؤكداً. وبدون انتظار صفرة النهاية اندفع آلاف الجزائريين الى شوارع البلاد، من تلمسان الى أنبا ومن العاصمة الى تامارسيت، عمت الفرحة العارمة.ويروي المهندس المعماري الجزائري حميد مكراني: "لم نعد نرى مشهداً كهذا منذ العام 1990 عندما فازت الجزائر بكأس الأمم الافريقية على أرضها. حتى أن بعض الذين لا يتحمسون عادة لكرة القدم شاركوا في الفرحة".

لكن وللأسف عادل المغاربة قبل 109 ثواني من انتهاء المباراة، ليعودوا ويفوزوا بعد تمديد الوقت. وهكذا خرجت الجزائر وبدا الشعب مصعوقاً. ويتابع حميد: "بدأ البكاء، وحولي قامت نوبات عصبية وشتائم وحتى مشاجرات بين الأشخاص الذين كانوا يتعانقون قبل خمس دقائق. لقد كانت هناك رغبة فعلية في الشعور بالسعادة، إنما مرة أخرى كان موعد جديد مع الخيبة."

ولم تنتهِ القصة هنا. ففي اليوم التالي سرت شائعة انطلقت على ما يبدو من مدن شرق البلاد تقول بفوز الجزائر في تلك المباراة بعد إسقاط الفريق المغربي بسبب المنشطات. فأطلق العنان للراديوهات على الأرصفة واجتاح النبأ الكاذب البلاد بسرعة البرق مثيراً موجة جديدة من مسيرات الفرح أشد من احتفالات الليلة السابقة، واستمرت ساعات بالرغم من التكذيب الذي راحت تكرره وسائل الاعلام المحلية. وبشيء من الحسرة يقول السيد عزيز شليق، وهو من تجار أور في الثامنة والثلاثين من العمر: "سادت حال من الجنون، راحت النساء يطلقن الزغاريد والسيارات تزعق بأبواقها. وراح الجميع يؤكد أن الخبر رسمي وأن محطتي الجزيرة وأوروسبور قد أكدتاه. يا للبهدلة!" ويضيف السيد حميد مكراني من جهته: "أنا أيضاً صدقت، وعبثاً يذكّرني ذاك الهاتف في داخلي بأن الشائعة نفسها سرت بعد هزيمة الجزائر في بطولة كأس العالم في العام 1982، لقد أردت تصديق ذلك. وقد كان من السذاجة بمكان الاعتقاد بإمكان التأهل لأنه عندما تنتهي الأمور يعني أنها انتهت!"

وكان من شأن الهزيمة امام الأخوة الاعداء المغاربة، والاذلال والشعور المهانة اللذين نتجا بعد انتشار هذه الشائعة، إنما أيضاً المعاملة السيئة التي تلقاها المشجعون الجزائريون على يد الشرطة التونسية (حوالى 60 جريحاً بحسب الاحصاء الرسمي، 200 بحسب بعض المصادر الديبلوماسية الجزائرية)، كل هذا كشف فجأة حال الضيق الشديد التي تعصف بالمجتمع الجزائري منذ أواخر تسعينات القرن الماضي. مجتمع عانى الأمرين وبحسب ما يوضح وزير سابق من عهد الرئيس هواري بومدين "لم يضمد جراحه وهو بالتالي ينتظر بفارغ الصبر خبراً طيباً، فرصة لكي يتمكن من الضحك صراحة ناسياً سنوات البؤس والارهاب والكوارث الطبيعية".

فبعد اثني عشر عاماً على إلغاء فوز جبهة االإنقاذ الاسلامية (المنحلة) في الدورة الأولى من الانتخابات التشريعية وبداية "الليل الجزائري"، يظهر على وجوه الناس هنا حزن لا يكاد يخفى وقد حل مكان قلق الأمس . فبشيء من الحزن تقول السيدة ياسمينة ت.، الموظفة المتخرجة من المعهد الوطني للادارة: "بات هناك الكثير من الانفعالية. مجرد كلمة، "نعم" او "لا" تحمل على البكاء. والمثال اللافت على ذلك هو احتفالات الزواج التي افتقدت مرحها السابق، وكأن الناس يعطون انطباعاً بالسأم. خلال سنوات الارهاب الصعبة كانوا بالعكس يريدون إطلاق مكبوتاتهم. وكانوا ينتهزون أي مناسبة ملائمة للمرح. فربما أن المجتمع الجزائري يستعيد الحياة شيئاً فشيئاً إنما هو يفعل ذلك وراء قناع رمادي على الوجه". وكما هذه السيدة، يلفت العديد من الجزائريين الى أن الحنين الى الثمانينات والسبعينات من القرن الماضي لم يكن أبداً بهذه القوة كما يظهر من خلال الجماهير الغفيرة التي تتجمع عند إعادة عرض الأفلام أو أثناء اللقاءات الرياضية في هذه الحقبة.

ويوضح الوزير السابق أن "الحزن يصيب بنوع خاص البالغين، أولئك الذين عرفوا "جزائر أخرى"، حيث لم يكن من المطروح عدم الثقة في الجار أو التفكير في اقتناء السلاح لحماية الأهل. وهم لم يدركوا حتى الآن، وبعد زوال الارهاب تدريجياً، حجم الأضرار التي لحقت بالمجتمع. لقد أصبنا بتراجع رهيب على صعيد القيم الانسانية والفضول الفكري والانفتاح على سائر العالم. فبصراحة، وبالعودة الى الوراء، نحن نتحقق مصعوقين من مدى الكابوس الذي عشناه، وانا أفكر خصوصاً في المجازر ما بين العامين 1996 و1998". إن عمق الصدمة بلغ درجة بحيث أصاب جميع الأجيال.

وتلك هي مثلاً حال الجزائريين الذين يسمّون احياناً "فرنسا القديمة". فهذه الفئة من الشعب، المتمسكة عادة بنمط من اللباس الصارم الموروث عن العهد الاستعماري والتي تتبع نظاماً صحياً بالغ الدقة، من حلاقة الذقن يومياً على مدى الأسبوع الى ربطة العنق التي تلازمها الى الأحذية اللماعة بالرغم من الغبار في الشوارع، هذه الفئة اعتراها الاهمال وباتت لا تختلف في مظهرها الخارجي عن الهيئة المهملة للذين يصغرونها.

ويلاحظ طبيب عام شهير من العاصمة أن "هناك ما هو أخطر. فمن بين الذين بنوا الجزائر المستقلة والذين همشهم النظام شيئاً فشيئاً من التسعينات، هناك عدد كبير من الأشخاص ما عادوا يهتمون بصحتهم. لقد تخلوا عن كفاحهم وهم ينتظرون الموت بشكل واضح." وهذا التزهّد يقابله واقع آخر مقلقاً مثله ويشهد بدوره عل حالة المرض الجزائري الجديد. فبحسب الجمعية الجزائرية للأطباء النفسيين الخاصين، والتي عقدت خلوة في الجزائر العاصمة في شهر سباط/الماضي، أن "الانتحار ومحاولات الانتحار تتزايد بشكل واضح منذ أربع الى خمس سنوات". وتذكر الارقام الرسمية ما بين 2 و5 حالات انتحار و34 محاولة انتحار على كل 100000 من السكان.

وهذا المعدل هو أدنى بخمس عشرة مرة أو عشرين منه في الدول الأوروبية، الا أنه لا يمنع الأطباء النفسيين في الجزائر من قرع ناقوس الخطر. فهم على غرار الدكتور محمد بوضيف، أستاذ الطب النفسي ورئيس القسم في مستشفى أنبا، يبدون تحفظاً عن الاحصاءات الرسمية التي يرون أنها أدنى من الواقع، كما يشجبون غياب أي سياسة وقائية. وفي الواقع ليس في الجزائر حالياً سوى مركز واحد لاستقبال الأشخاص الذين يحاولون الانتحار ووقايتهم، وفي انبا بالتحديد. وهو ليس سوى نقطة في بحر حالات القلق والمخاوف التي تولدت عبر عشر سنوات من انتشار العنف. ويتابع الطبيب العام في العاصمة: "وبدون الحديث عن غياب الردود على مسألة إفلات القتلة من العقاب أو عن مصير المفقودين، فان السلطة تبدو عاجزة عن وضع سياسة صحية متماسكة للتخفيف من الانعكاسات النفسية وحتى الجسدية الناتجة من سنوات المواجهة هذه"، ثم يورد رقماً مرعباً، متحدثاً عن مليون فتى ما دون الخامسة عشرة من العمر كانوا ضحايا مباشرين لأعمال العنف الارهابي، وقلة قليلة منهم تحظى بالمتابعة الطبية.

وبدلاً من الاعتراف صراحة بأهمية العواقب الاجتماعية والمبادرة رسمياً الى طريقة لمعالجتها، يفضل الزعماء الجزائريون التشديد على قدرتهم على إقفال موضوع العنف نهائياً. فبحسب احصاءات شبه رسمية أجرتها وزارة الداخلية الجزائرية، فقد سقط، في العام 2003 وبنتيجة المواجهات المرتبطة بالارهاب، أقل من 1500 قتيل، 450 منهم من المسلحين الاسلاميين. وتشدد السلطة على أنه رقم أدنى من عدد ضحايا حوادث الطرق (بمعدل 4000) ولا يصل بشيء الى حصيلة "العقد الأسود" الذي سقط فيه بحسب المصادر ما بين 000 100 و000 200 قتيل.

وفي ما يعتبر دليلاً على تقهقر حركة المعارضة الاسلامية الراديكالية، فان توزيعة الجماعات المسلحة تغيرت بشكل جذري. فاذا أخذنا بأرقام هيئة الأركان في الجيش الجزائري فان هذه الجماعات قد "تشرذمت"، كما حدث لـ"الجماعة السلفية للتبشير والقتال" GSPC ، التي طالما كانت الأفضل تنظيماً بين المنظمات، والتي كانت تنوي إسقاط النظام بقوة السلاح بغية إنشاء جمهورية اسلامية. فـ"أميرها" السابق، حسن حطاب أصبح معزولاً في "قبيلة" بعد أن تخلى عنه رجاله، فيما الأمير الجديد نبيل صحراوي، المكنى بأبي ابراهيم، فقد انتقل الى شرق البلاد على مقربة من الحدود الجزائرية ــ التونسية، بمعظم العناصر الـ500 الذين تشكلت منهم الجماعة السلفية في مطلع العام 2003. أما بالنسبة الى "الجماعة الاسلامية المسلحة" ( GIA الدموية فلم تعد تضم أكثر من ثلاثين عنصراً متمركزين في ميتيجا، السهل الزراعي في محيط العاصمة. وأخيراً فان العديد من المجموعات المنشقة الأخرى، ومنها "حومة الدعوة السلفية"، تبقى ناشطة في المناطق الريفية في غرب البلاد.

ويوضح احد المختصين الجزائريين بالمسائل الأمنية، وقد طلب عدم ذكر اسمه أن "الزمن الذي كانت فيه الجماعة الاسلامية المسلحة تستطيع أن تجند كتائب من مئة رجل قد ولى. ففي المدن فككت غالبية شبكات الدعم وفي الأدغال تمكنت حملات الجيش الضخمة من تدمير البنى الكبرى. الا أن بعض المجموعات القليلة العدد، إنما المتميزة بقدرة كبيرة على التحرك، تبقى ناشطة. وهي تستطيع، بعد أن صقلتها الخبرة، ولمعرفتها التامة بطبيعة الأرض، أن تعيث فساداً على مدى سنوات. حتى أنها قد تشكل خطراً جدياً إذا ما ساء الوضع السياسي مجدداً أو إذا انبعث مثلاً الاسلام السياسي من تحت رماده."

وهذا احتمال لا يتجاهله الشعب، إنما هو يسقطه الى المصاف الثاني من اهتماماته، إذ هو يحاول منذ سنوات أن يستعيد حياته الطبيعية بالرغم من أن البلاد لا تزال خاضعة لحال الطوارئ المعلنة منذ 9 شباط/فبراير عام 1992. فمدن البلاد ونشاطاتها، والصفحات الأولى في الصحف المستقلة، تعزز الفكرة القائلة بأن الشعب قد قلب صفحة الارهاب وهو يتناسى شيئاً فشيئاً حالات الرعب في ظل منع التجول أو شبح الحواجز المزيفة على الطرق أو حتى أعمال الخطف الليلية على يد مجهولين يرتدون بدلات قوى النظام.

ويعترف السيد فيصل ر.، المهندس الأربعيني الذي يقيم في مدينة عين نجدة، من الضاحية الجنوبية الشرقية للعاصمة الجزائرية، وبدون أن يبدي أي ابتسامة: "لقد استعدنا انفاسنا. لم أعد أخاف مثل ذي قبل. لقد مر عليَّ زمن لم أكن انام فيه عملياً. كنت أقبع منصتاً الى الأصوات ليلاً محاولاً معرفة مصدر أصداء إطلاق النار، وأجفل لدى سماع أي تنهيدة في بيت الدرج. وقد بت الآن أنام بشكل أفضل إلا أنني لا ازال أخاف قليلاً قبل خروجي من المنزل صباحاً. وانت تتفهم ذلك، ففي العام 1996 اكتشفت رأس رجل موضوعاً على سيارة أحد جيراني، ولم نعرف أبداً رأس من كان."

ويعترف أعضاء أحزاب المعارضة طوعاً بأن أعمال العنف قد خفت بشكل واضح، إلا انهم يحذرون من أي نشوة بالظفر. فيؤكد أحد الكوادر القيادية في جبهة القوى الاشتراكية FFS (وهو حزب معارض يؤيد التحاور مع الاسلاميين) قائلاً: "بالتأكيد لقد تراجع خوف الناس، والغالبية تقر بأنه تم القضاء على المجموعات المسلحة. لكن يجب ألا يدفع هذا الى الاعتقاد بأن العنف قد زال كلياً. ففي الواقع أن المدن الكبرى لم تعد تتعرض للاعتداءات، لكن الوضع أكثر اضطراباً في عمق البلاد. فهناك طرق لا يزال سلوكها خطيراً وخصوصاً في غرب البلاد ووسطها فيما تبقى بعض الضيع المعزولة فريسة للقتلة الليليين."

إلا أن ما يبقى مثيراً للقلق هو تصاعد موجة الاجرام. إذ تنقل الصحف بانتظام اخبار جرائم السرقة والاعتداء بالسلاح على مكاتب البريد أو على المراكز المصرفية. وحتى أن أرباب المصالح الخاصة قد رأوا ضرورة الاحتياط ضد أعمال العنف هذه. فالسيد توفيق ب.، العسكري السابق البالغ الخامسة والثلاثين من العمر، لم يجد أي ضير بعد انتهاء خدمته من التحول الى أعمال حماية الشخصيات الخاصة. وهو يوضح ذلك قائلاً: "إنه عمل مستور، إنما مدفوع بشكل جيد. فعندما يريد تاجر رفيع المصاف "الذهاب" الى الجزائر العاصمة وهو يحمل نقداً مبالغ ضخمة من المال، يستدعيني لأرافقه، وليس غريباً أن يرافقني اثنان أو ثلاثة من زملائي السابقين الذين يحتاجون الى زيادة مدخولهم الشهري."

وفي أيار/مايو عام 2003، نشر المجلس الوطني الاقتصادي الاجتماعي( CNES تقريراً مفصلاً حول تفاقم الاجرام والجنح. وقد أبرزت الوثيقة بنوع خاص ظهور منظمات اجرامية منظمة متخصصة في أعمال الابتزاز وتجارة المخدرات والدعارة. وشكل هذا التقرير إنذاراً عززته الاحصاءات التي نشرتها دوائر الدرك الجزائرية. وبحسب هذه الأرقام فان حوالى 5000 جنحة، منها 407 جرائم دموية (غير ارهابية) قد ارتكبت خلال الفصل الأول من العام 2003، أي بزيادة واضحة بالنسبة الى العام 2002 (زائد 35 في المئة). والأفدح من ذلك أن السلطة تتوقع تزايداً بنسبة 100 في المئة في الأعمال الاجرامية للعامين 2004 و2005. ويعترف أحد أعضاء المجلس الوطني الاقتصادي الاجتماعي بأن هذه "موجة عميقة سوف يكون من الصعب استئصالها" ليضيف مركزاً على أن الجزائر العاصمة ووهران تأتيان على رأس لائحة المدن الأكثر خطراً في البلاد.

ولا تعزى الحال السوداوية التي يجتازها المجتمع الجزائري الى حال الاضطراب الأمني المتنامية وحسب. فالسيد رشيد ب.، النقابي في المركز الصناعي في رويبا يحذر من أن "الكآبة ليست سوى عارض من العوارض. وما يدركه الجزائريون هو أنه ولو تمت هزيمة الارهاب إلا أنه لم تتم تسوية أي من الأمور الجوهرية. والكثيرون يعتقدون أن كل شيء قد يستأنف." والأجواء السياسية الفاسدة ما قبل الانتخابات الرئاسية ليست بعيدة عن إضفاء جو التشاؤم هذا. وهكذا فان البلاد تعيش منذ صيف العام 2003 شعوراً بالعودة الى مرحلة جديدة من المخاوف تنذر بتجدد أعمال العنف.

فمثلاً إن إطلاق سراح الزعيمين السابقين لجبهة الإنقاذ الاسلامية، السيدين عباس مدني وعلي بن حاجي، قد فتحت جراحات قديمة مبرهنةً أن مسألة موقع الاسلام السياسي لم تحل. ويأسف صحافي من جريدة "الوطن" "لأن أصحاب اللحى لا يزالون موجودين، وسواء تعلق الأمر بالتائبين منهم أم بالزعماء والمناضلين السابقين في جبهة الإنقاذ الاسلامية، فانهم جميعاً يرفعون رؤوسهم مجدداً." ففي 15 كانون الثاني/يناير الماضي، ومن الدوحة (في قطر) عزز السيد مدني الفرضية القائلة برغبة جبهة الإنقاذ السابقة في العودة الى الساحة السياسية الجزائرية. وبالرغم من أن هذا الزعيم الاسلامي قد تعهد للسلطة الجزائرية بعدم التكلم علناً قبل مغادرة البلاد للاستشفاء في ماليزيا، فقد أعلن في مؤتمر صحافي عن "مبادرة سلام" مقترحاً تأجيل الانتخابات الرئاسية وعفواً عاماً عن جميع أطراف "المحنة".

لكن أكثر ما أقلق جميع خصوم الاسلام السياسي هو أن السيد مدني قد استأنف بكل وضوح كلامه نفسه في تسعينات القرن الماضي، فقد طالب "بانتخاب مجلس تأسيسي حر من أجل وضع دستور لجمهورية جديدة" وجمهورية جديدة تضمن "كل الحريات في إطار المبادئ الاسلامية". وفي ذلك ما يرتعش له أنصار المرأة الذين أسفوا لهذا الانبعاث للنزعة الاسلامية في ظل ظروف تتميز بغموض الممسكين الفعليين بالسلطة.

ويوضح المحلل في جريدة "وهران" سعدون المقري أن "الناس قلقون لأن الجيش، وللمفارقة، يعطي انطباعاً بأنه لا يريد الانحياز الى طرف في المعركة التي يتواجه فيها بوتفليقة (السيد عبد العزيز) ومنافسوه. ويفسر هذا التردد على أنه اعتراف بالضعف يمكن أن يفضي الى موجة جديدة من العنف. ويتابع الصحافي في إشارة منه الى المعركة الشرسة حول السيطرة على جبهة التحرير الوطني: "والأسوأ هو أن رجل الشارع لا يمكنه فهم الوضع السياسي القائم".

فهناك معسكران يتنازعان الامساك بالحزب الحاكم الوحيد سابقاً، فمن جهة هناك "الشرعيون" المجتمعون حول رئيس الوزراء السابق علي بن فليس، المرشح بدوره الى الرئاسة، ومن جهة أخرى "التصحيحيون" وهم أنصار الرئيس المنتهية ولايته الذين ينوون استعادة السيطرة على الحزب الذي جمدت محكمة الجزائر العاصمة نشاطه منذ 30 كانون الأول/ديسمبر الماضي. وما وراء هذا الوضع صورة خبث تهريجي ذات أبعاد اقليمية، كون السيد بوتفليقة مولوداً في غرب البلاد في حين أن السيد بن فليس مولود في الشرق، صورة لا يضحك لها الجزائريون كونها تمثل الى حد بعيد حياة سياسية في عز تبدلها. يضاف الى ذلك وضع يبقى بالغ التوتر في منطقة القبائل حيث "الأرش" (مجالس القبائل) قد قررت مقاطعة الانتخابات. وعلى كل حال، فإن هذا ما يهدد به جميع خصوم بوتفليقة احتجاجاً على انحياز الادارة الى أوامر وزير الداخلية يزيد زرهوني. اللهم إذا لم يقرر الجيش في النهاية فرض تأجيل هذه الانتخابات...

وبشكل قاطع تقول نوال، المترجمة البالغة من العمر 25 عاماً: "إن "البوليتيك" (أي سياسة المحترفين) لا تهمني. وفي مطلق الأحوال النتائج معروفة سلفاً". فهي وسط بحر الكآبة الذي تغرق فيه الجزائر، نما جيل يحمل، وبعيداً عن جو التشكيك المسيطر عليه، عدداً من المراقبين الأجانب على التفاؤل. فهي بعد أن كانت موظفة سابقاً في مصرف خليفة، وجدت عملاً "نصف شرعي " لدى احد المستوردين الخاصين، بعد افلاس المؤسسة المصرفية. وهي تؤكد، ملخصة تماماً شعور الشبيبة الجزائرية تجاه المليونير المنهزم أن "خليفة قد حاول أن يحقق الكثير من الأمور. والشباب جميعهم يحلمون بأن يكونوا مثله، وما كان عليه أن يتعاطى السياسة". وهي، من دون أن تتخلى عن عملها، تنتقل من "مقابلة الى أخرى" "سعياً الى إيجاد عمل أفضل". وتضيف مستبعدة فكرة الهجرة: "مقابل ألف دينار بالزائد أغيّر عملي.إنه قانون اللعبة. وإذا كان عليّ الرحيل يوماً ما فسيكون ذلك مع الخبرة وبعض المدخرات. فأنا لا أريد أن أذهب لأشكو العوز مثل جميع من لا اوراق لديهم.

ويعترف والدا نوال، وكلاهما موظف، بحيرتهما. فيقول والدها محللاً: "إنه جيل لا يطالب، بل يأخذ. لقد كانت نوال في العاشرة من العمر عندما اندلعت أحداث تشرين الأول/أكتوبر. وقد انطبعت مراهقتها كلها بالعنف. وليست معاييرها مثل معاييرنا." والصحافة نفسها لم توفرها هذه الظاهرة كما يوضح سعدون المقري "فكتّاب المقالات من الشباب يتصرفون كمرتزقة حقيقيين. فلديهم لائحة مطالب يفاوضون عليها العديد من الصحف، من دون أن تكون لديهم أية مشكلة."

وهذه الدينامية، التي تشجبها النقابات وأحزاب اليسار متهمةً السلطة بالتأسيس لنظام العمل الموقت، تتجاوب مع التنفيسة التي تولدت مع المجموعات الخاصة الجزائرية. فهذه الجماعات، التي ظلت في الظل أكثر من خليفة، لا تشعر أبداً بأي ارتباط بإرث الجزائر "الاشتراكي"، بحسب ما لحظه خبراء "نور سود أكسبورت" في آذار/مارس عام 2003. وهي، المدافعة عن ليبيرالية كلية، تقرض شيئاً فشيئاً عقداً اجتماعياً تقوض أساساً مع الاصلاحات الاقتصادية التي أجريت في تسعينات القرن الماضي. ويب ي ن عالم الاقتصاد علي شاربيه أن "هذه الشبيبة، وفي غياب أي التزام على الأرض من جانب الأحزاب أو النقابات، ليس لديها أي وعي سياسي أو نقابي. والسنوات القادمة سوف تكون حاسمة بالنسبة الى النظام الاقتصادي الجزائري الجديد. فإذا ظلت الأطراف الاجتماعية السياسية غائبة، فسوف تدخل البلاد شيئاً فشيئاً في عصر "إهمال" تتفاقم فيه حالات التفاوت الاجتماعي."

وعشية الانتخابات الرئاسية يؤكد الوضع الاجتماعي هذه المخاوف. ففي العام 2003 جنت الجزائر ما يزيد على 24 مليار دولار من الفواتير الخارجية وحقق احتياطها من النقد الأجنبي رقماً قياسياً وصل الى 30 مليار دولار. وهذا ما لم تشهده البلاد أبداً منذ الاستقلال، إنما هو لا يفيد أبداً نصف الشعب الذي يعيش تحت عتبة الفقر. فالمتقاعدون وموظفو القطاع العام، كما أيضاً العاطلون عن العمل، لا يعيشون إلا بفضل التضامن العائلي. فأحد المهندسين العاملين في شركة "سوناتراش" النفطية الضخمة، يقر قائلاً: "لقد أجريت حسابات وتبينت أن معاشي كان يساهم في إعالة عشرين نسمة، أي ضعف ما كان منذ عشر سنوات". فإضافة الى ولديه البالغين من العمر ثمانية وعشرين وثلاثين عاماً، والعاطلين عن العمل، كان مضطراً الى التكفل بإحدى شقيقاته وأولادها الأربعة، إضافة الى العديد من أفراد العائلة الذين ما كان لهم أن يصمدوا لولا مساعداته.

لكن آخرين كانوا أقل حظاً، فمنذ بضع سنوات اكتشفت الجزائر أن عندها هي أيضاً من لا مأوى لهم. ففي العاصمة وسائر المدن الكبرى هناك عائلات بأكملها مشردة في الشوارع ساعية الى تأمين الغذاء والمأوى اللائق. وهذا ما يجعل وزير بومدين يأسف له قائلاً: "لقد وجدت فعلاً جزائر المثل العليا. وقد تثبتت في النهاية حقيقة مجتمع ذي سرعات متعددة" ليستنتج أن "هذا الفقر المتنامي سوف يغذي على المدى القصير تجدد العنف الارهابي."

* صحافي، الجزائر العاصمة.

جميع الحقوق محفوظة 2003© , العالم الدبلوماسي و مفهوم





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647





- المغني المصري أبو: لم أتوقع نجاح -3 دقات- في وقت قصير والنجو ...
- شمس -كريستالية- تسطع في سماء دبي.. هل تعرف قصّتها؟
- السيسي يمازح وزير دفاع مصر عن مشروعات الجيش: يعني الفريق صبح ...
- رسالة من عمرو أديب للشيخة موزا بعد حديثها عن العراق واليمن.. ...
- أكبر مزرعة سمكية في الشرق الأوسط بمصر
- مظاهرات في هايتي ضد إحياء الجيش في البلاد
- ديدان وصراصير في وجبات طعام العسكريين بأوكرانيا
- خلافات على التاريخ تعرقل حركة العبور بين أوكرانيا وبولندا! ...
- صحيفة: وينستاين وظف محققين لمساعدته على تجنب الفضائح
- حبس ناشطة مصرية على ذمة قضية متعلقة بالتظاهر


المزيد.....

- الحزب الثوري أسسه – مبادئه - سمات برنامجه - حزب الطليعة الدي ... / محمد الحنفي
- علاقة الريع التنظيمي بالفساد التنظيمي وبإفساد العلاقة مع الم ... / محمد الحنفي
- الطبقة العاملة الحديثة والنظرية الماركسية / عبد السلام المودن
- الانكسارات العربية / إدريس ولد القابلة
- الطبقة العاملة الحديثة و النظرية الماركسية / عبدالسلام الموذن
- أزمة الحكم في تونس، هل الحل في مبادرة “حكومة الوحدة الوطنية“ / حمه الهمامي
- حول أوضاع الحركة الطلابية في المغرب، ومهام الوحدة.. / مصطفى بنصالح
- تونس ، نداء القصرين صرخة استمرار ثورة الفقراء. / بن حلمي حاليم
- الفكر المقاصدي عند ابن رشد الحفيد 520_ 595 هــ - قراءة تأويل ... / الباحث : بوبكر الفلالي
- في ذكرى ثورة أكتوبر الاشتراكية المجيدة / وديع السرغيني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي - لياس سي الزبير - التطبيع العصيّ على الجزائر الممزقة