أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف - اذار/ نيسان 2004 - مرور عام على الغزو/ الاحتلال الأمريكي للعراق وانهيار النظام البعثي الدكتاتوري - حمزة الجواهري - انتفاضة الحياد - أولا















المزيد.....

انتفاضة الحياد - أولا


حمزة الجواهري
الحوار المتمدن-العدد: 778 - 2004 / 3 / 19 - 09:49
المحور: ملف - اذار/ نيسان 2004 - مرور عام على الغزو/ الاحتلال الأمريكي للعراق وانهيار النظام البعثي الدكتاتوري
    


مقدمة:
مر عام على بدء عمليات اجتياح قوات التحالف العراق من أجل إسقاط النظام الدكتاتوري في العراق ، ذلك النظام الذي جثم على صدور العراقيين وشعوب المنطقة مدة ثلاثة عقود ونصف، والتي كانت من أبشع سنوات القهر والتنكيل والقتل والإبادة الجماعية والحروب الغير مبررة مع دول الجوار وغزوها والتنكيل بشعوبها، ومن خلال سياساته التي تميزت بالعنصرية الفجة ضد كل من هو غير عربي يعيش على أرض العراق، وسياسته الطائفية ضد المذاهب والجماعات الدينية المختلفة المتعايشة على أرض العراق منذ مئات السنين والتي كان النظام من خلالها يسعى إلى تأسيس بشع للعنصرية والطائفية ودق أسافين الخلاف بين أبناء الشعب العراقي والشعوب الجارة للعراق.
لقد سقط النظام سقوطا مذلا مريعا خلال تسعة عشر يوما فقط لم يستطع أن يصمد في أي شبر من أرض العراق بمواجه المحتل، ولكن ما كان لهذا السقوط أن يحدث بهذا الشكل المهين وبهذه السرعة لولا وقوف العراقيين موقف الحياد بين السلطة المستبدة والمحتل الجديد، وذلك بالرغم من أن المحتل الجديد لم يكن جديدا على العراقي بأي حال من الأحوال، فقد جاء البعث بقطار من الدولتين اللتان احتلتا العراق وكذلك الخذلان الذي أصاب العراقيين بعد أن تخلت عنهم أمريكا في العام 1991 حين دعت العراقيين إلى الانتفاضة ضد النظام بعد حرب تحرير الكويت، وحين أنتفض العراقيين ليسيطروا على أربعة عشر محافظة وثلثي بغداد، خذلهم الأمريكان والبريطانيون ليعيدوا تأهيل الحرس الجمهوري آن ذاك ويعطوا النظام حق الحركة في الجنوب أرضا وجوا ليسحق الانتفاضة، تلك التي دفع فيها العراقيين مئات الآلاف من الضحايا وخلفت مئات من المقابر الجماعية، تلك التي كشفت بعد سقوط النظام الأخير.
وهكذا وجد العراقي نفسه أمام إشكالية مخيفة، فإما أن يكون مع النظام الجائر ويدافع عنه أو أن يكون مع المحتل الذي خذله بالأمس وكان سببا بتمكين البعث أصلا من السلطة في صيف العام 1968 ، هذا بالإضافة إلى كونه جيشا أجنبيا جاء لاحتلال البلد. ولكن العراقيين قد اختاروا لهم طريقا ثالثا غير هذا وذاك، وهو طريق الحياد المطلق، فكان هذا الحياد حقا هو انتفاضة الحياد ضد الطرفين ومع الطرفين في آن واحد، وهذا الموقف الذي كان هو السبب الحقيقي بالسقوط المريع للنظام وليس الآلة العسكرية المتطورة فقط كما يزعم البعض. وبقي الحياد مستمرا لحد اليوم بالرغم من مرور سنة على اتخاذ ذلك الموقف، حيث بقي العراقي خلالها يطالب المحتل بالخروج ولكن بطريقة سلمية بعد أن يفي بجميع التزاماته التي ألزم نفسه بها، وذلك بإعادة أعمار العراق المدمر ومساعدة الشعب على إقامة نظام ديمقراطي، ذلك النظام الذي بقي العراقيين يناضلون من أجله مدة ثمانين عام متواصلة.
هذا الموقف الشعبي الواحد لم يكن منظما من قبل جهة مهما ادعت الجهات بأحقية اتخاذ هذا الموقف. فالحياد الذي أدى لسقوط النظام كان عبارة عن انتفاضة للحياد عفوية غير منظمة من جهة محددة، لتضيف لرصيد الإنسانية بعدا جديدا للانتفاضة لم يكن معروفا قبل ذلك التاريخ. وهذا ما سنحاول أن نقدم به دراسة أولية لتتلمس بعض جوانبه وذلك لفتح الباب أمام الدارسين في علم السياسة واسعا لاستيعاب هذه التجربة العظيمة بكل المقاييس.
مفهوم الانتفاضة الكلاسيكي باختصار:
من المعروف عن الانتفاضة شكلا ومضمونا بأنها عمل شعبي جماعي صاخب ويتخلله فعل ثوري رافض للسلطة العليا، وقد تكون منظمة وتقودها فئات سياسية من أحزاب أو منظمات تتوحد تحت قيادة واحدة أو حتى عدة مراكز قيادة متفرقة ولكن تنسق فيما بينها من أجل تحريك الجماهير بشكل سليم وهادف. وفي كثير من الأحيان تكون الانتفاضة عفوية تنطلق من رحم الجماهير وليس لها هدف سوى النقمة الجماهيرية على النظام التي ترزح تحت ظلمه واستغلاله لهم وذلك بالرغم من اختلاف توجهاتهم ودوافعهم أحيانا، ولكن لن يكون قاسم مشترك بينها سوى توحدهم ضد ذلك النظام. هذا النوع من الانتفاضة هي في الغالب الشكل الأعم لأنواع الانتفاضات عبر التاريخ، حتى إن بعض دارسي التاريخ، حين وجدوا إن الانتفاضات التي حدثت تاريخيا هي كلها من النوع العفوي أي من النوع الذي ينطلق من رحم المجتمع الذي يتوحد على رأي واحد إزاء السلطة، إلا من أرتبط بالنظام، فالعموم الغالب من الشعب لا يحمل غير ذلك الشعور الذي يسيطر على عقله وسلوكه، شعور الكراهية للنظام الجائر، وبعد أن تنطلق الانتفاضة لأي سبب كان، أو فعل ثوري يكون بمثابة الشرارة الأولى، أو الصاعق الذي يكون المسؤول الأول عن الانفجار. ولم يحدث ذلك في الغالب إلا بعد أن تكون الانتفاضة قد أصبحت أمرا محتوما وواقعا، أي إن الظروف الموضوعية قد نضجت وقد أنظم إليها الجموع بشك واعي، على الرغم من افتقارها إلى التنظيم. عند هذه اللحظة فقط تتدخل القوى السياسية التي تأخذ على عاتقها دور المنظم لتلك الانتفاضة. وهذه الظاهرة التاريخية أنتجتها تراكمات موضوعية لتشكل في النهاية ما يسمى بنضوج الظروف الموضوعية في مجتمعاتها. الانتفاضة أعادت نفسها بمختلف الأشكال وفي أماكن مختلفة وأزمان مختلفة عبر تاريخ الإنسانية. هذه هي التي تسمى بعلم السياسة "بالانتفاضة العفوية"، فهي نتاج للظروف الموضوعية عبر تراكمات تنعكس على وعي الإنسان لتشكل وعيا جماعيا كما الخوف من شيء معروف أو الابتهاج بحدث معين، فتجد الجميع فرحين دون أن يكون هناك اتفاق مسبق على الفرح بذاك الحدث، وهكذا التجاوب مع الانتفاضة على المستوى الشعبي، وحين يأتي الحدث الذي يكون بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير فتتفجر هكذا وبشكل تلقائي من دون أن يكون فيها أي دور لمنظم محدد، حزبا كان أو منظمة.
حاولت الفلسفات ذات الطابع الثوري أن تستفيد من هذه الظاهرة كما يستفاد المهندس من الريح ويسخرها لإنتاج الطاقة الكهربائية مثلا، فانصبت التحليلات على كيفية إطلاق انتفاضة تتمتع بروح الاستمرار وتمتلك كل مواصفات الانتفاضة العفوية ولكن معتمدة على حس ووعي شعبي واسع يتوحد عليه المجتمع بشكل غير عفوي، واعي، ومنظما من قبل الحزب أو المنظمة السياسية ذات الحضور القوي في المجتمع، فأحزاب هذه الفلسفات الثورية، كانت تحاول أن توجه انتباه الجماهير بشكل مباشر لأشكال الظلم الذي تمارسه السلطة عبر عمل منظم متواصل عبر سنين طويلة من أجل إنضاج الظروف الموضوعية بشكل أسرع مما هي عليه لو سارت الأمور لوحدها من دون أن يتدخل فيها الفعل السياسي، والتي تقابل بالضد بما يحد من تفاعل الإحساس بالكره والغضب، وذلك من قبل السلطة القمعية من خلال تسخير الإعلام للقيام بهذه المهمة، فهي تحاول جاهدة أن تقلب الصور لمشاهد الظلم أو تخفيها كي لا تترك أثرا على الشعب، أو على الأقل التقليل من أثرها اجتماعيا من أجل المد من عمر الأنظمة الظالمة لشعوبها خشية الانتفاض عليها وقلبها. وحين تجد تلك المنظمات التي تهيئ لانتفاضة شعبية إن الظروف الموضوعية قد نضجت، فإنها ستفجر الأمور ولو بحدث مفتعل مهيأ له مسبقا لتنطلق الجماهير بعفويتها كمحرك للانتفاضة ولكن بتوجيه من تلك الجهات السياسية المنظمة لها. ولكن غالبا ما كانت تخرج الأمور من أيديهم فتتحول تلك الانتفاضة إلى مجزرة على أيدي القوى القمعية للسلطة الظالمة، وتفشل الانتفاضة، ولكن بالتأكيد ستساهم بتشكيل إرث ثوري وتراكم يساهم بإنضاج الظروف الموضوعية أكثر مما كانت عليه، لتنطلق انتفاضة جديدة أعظم من سابقتها وربما تستطيع أن تحقق أهدافها المرسومة لها. أيضا، فإن الانتفاضة يمكن أن تنطلق دون أن يكون هناك حدث مخطط له مسبقا لكي يعتبر الشرارة الأولى لها ولكن يأتي بشكل عفوي فتبارد تلك الجهات السياسية لاستثماره من أجل تنفيذ واستكمال برامجها التي هي أصلا على وشك الاكتمال.
مما تقدم نجد إن الانتفاضة لا بد ستنطلق سواء بفعل عفوي أو بفعل مفتعل، وتنضج سواء بفعل معجل سياسي أو بدونه والذي يتحكم بسرعة نضوج الظروف الموضوعية هو الحدث الحقيقي على الساحة وليس المفتعل وإنها ستنطلق حين تنضج الأمور. وهكذا يمكن أن نميز بين نوعي الانتفاضة العفوية عن تلك المنظمة، إذ إن الآلية للاثنين واحدة، وهي مجموع الأفعال التعسفية للسلطة وأشكال الاستغلال للبشر بشكل مجحف، وتفاعل الشعب معها، هذا من ناحية النضوج، أما من ناحية انطلاق الانتفاضة، فإن الحدث الذي يعتبر حدا للتراكم الذي أصبح كبيرا ينذر بالانفجار هو ما سيفجرها سواء كان عفويا أم مفتعلا. لذا حين يدعي السياسيون من أن الانتفاضة لم تكن عفوية وإنها من فعل فاعل وكنتيجة لنضالها، فهي صحيحة إلى حد ما، ويمكن اعتبارها مدعية وغير صادقة بأحقيتها بالانتفاضة، وهذا الاعتبار إلى حد ما صحيح أيضا.
من هذه المقدمات عن مفهوم الانتفاضة نحاول أن ندرس التجربة العراقية التي أسميناها بانتفاضة الحياد والتي سنحاول فيها أن نلقي الضوء على مفهوم ""انتفاضة الحياد"" الجديدة على الإرث الثوري الإنساني ونحاول دراستها بشكل أوسع.
يتبع في الحلقة الثانيه.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- كل من لديه مشروع قذر فعليه بعمرو موسى
- الفقرة --ج-- تضمن حق الكورد المشرع، ولكن
- أمريكا والداخلية والزرقاوي، هم من أرتكب مجازر عاشوراء؟!
- المسؤولية القانونية للأعلام العربي في أحداث عاشوراء
- قراءة تحليلية متأنية في وثيقة الزرقاوي – الحلقة الثانية
- قراءة تحليلية متأنية في وثيقة الزرقاوي – الحلقة الأولى
- مخلوقات دونية دينها القتل!
- انتفاضة الحياد مستمرة، ووثائق العار تفضح المجرمين
- محاولات كتاب التيار الديني خلط الأوراق - في المجتمع المدني ي ...
- النموذج الإيراني والديمقراطية في إطار السلطة الدينية - في ال ...
- في المجتمع المدني يجب فصل الدين عن الدولة وليس الدين عن السي ...
- المنهج الإعلامي الذي تعمل عليه فضائية الجزيرة
- كي لا يكون مشروع الفدرالية سببا بهزيمتنا
- ما هي الشفافية المطلوبة من آية الله السيد السيستاني؟
- مظاهرات البصرة تقلب الموازين، وتضع العراق على حد السكين
- مجلس الحكم يفشل بكبح جماح قوى الظلام
- الخيار الآخر
- التكنوقراط العرقي بالواسطة يبيع الفجل وليس المهنية العالية
- لا أدري كيف يمكن لقضية أن تنتصر وأحد زعمائها خالد بيوض؟
- تسمية الإرهاب في العراق مقاومة، عنزة ولو طارت


المزيد.....




- قراصنة يخطفون طاقم سفينة ألمانية بنيجيريا
- أمير سعودي يكشف حقيقة التقارب بين المملكة وإسرائيل
- تقرير: تجارة البشر تجد طريقها إلى مخيمات الروهينغا
- العبادي يرد على تيلرسون: مقاتلو الحشد الشعبي أمل العراق والم ...
- أمريكا تقول إنها تدرس فرض عقوبات على ميانمار
- صحافية سورية تفوز بجائزة -روري بيك- لمصوري الفيديو
- مدرسة جديدة في البقاع اللبناني تفتح أبواب -الخلاص- للاجئات ا ...
- السلطات السعودية تمنع أبناء سلمان العودة من السفر
- مكتب التحقيقات الفيدرالي يعجز عن اختراق 7 آلاف هاتف محمول مش ...
- -إسرائيلي- يطعن مذيعة روسية داخل غرفة أخبار محطة إذاعة إيكو ...


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ملف - اذار/ نيسان 2004 - مرور عام على الغزو/ الاحتلال الأمريكي للعراق وانهيار النظام البعثي الدكتاتوري - حمزة الجواهري - انتفاضة الحياد - أولا