أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - باسنت موسى - متى سندخل جنينة الأسماك؟















المزيد.....

متى سندخل جنينة الأسماك؟


باسنت موسى

الحوار المتمدن-العدد: 2530 - 2009 / 1 / 18 - 08:07
المحور: الادب والفن
    


الأفلام الجيدة التي تناقش فكرة عميقة لا يضع منتجيها أمال كبيرة على نجاحها جماهيرياً ومن ثم تجارياً خاصة وأن قطاع كبير من مجتمعنا المصري أصبحت له مصطلحاته الخاصة عند التعامل مع الفن السينمائي، مما أبرز لنا على السطح عبارات السينما النظيفة وسينما الأسرة وما إلى ذلك من مسميات تؤكد أن كثيرين منا يتعاملوا مع شاشة السينما كما نتعامل مع الحياة من حولنا من خلال منظور ضيق ديني في الغالب يقيم الأشياء بكلمتين حادتين"صواب وخطأ".
لذلك كله ابتعد الكثير من الصناع الحقيقيين للسينما ممن يؤمنون أن الفن ليس دوره التسلية فقط ومليء الفراغ بل هو فكر يتخذ صور مرئية للوصول لعقل ووجدان المشاهد عن الإطلال عبر شاشات السينما وذلك لأن إطلالتهم لا تجلب لهم سوى الهجوم والخسارة المادية،مما أتاح الفرصة كاملة لمحترفي التزييف والإيحاءات المتدنية في أفلام الأسرة النظيفة لأن يبثوا قاذوراتهم السينمائية بيسر عجيب يحقق لهم الملايين من جيوب المغيبين الصامتين.
"جنينة الأسماك" فيلم لـ يسري نصر الله وإنتاج مشترك بين مهرجان برلين وشركة أفلام مصر العالمية واحد من الأفلام التي لاقت هجوم عاصف من بعض الأقلام التي تعتبر ذاتها حارسة للفضائل، إضافة لأن الجمهور المصري لم يتفاعل إيجابياً مع الفيلم لأنه تعود أن يستخدم داخل السينما فمه فقط للضحك وتناول الأطعمة والمشروبات وليس عقله ووجدانه كما كان يحدث في الماضي عندما كانت السينما المصرية محرك أساسي لوجدان المصريين قبل إصابتهم بالدروشة وسيطرة الغيبيات على عقولهم التي تآكلت تحت وطأة نصوص أفعل ولا تفعل.
ليلي بكر إحدى شخصيات الفيلم وهى مذيعة شابة في بداية الثلاثينات من عمرها لها برنامج إذاعي شهير تتعرف من خلاله على المشكلات العاطفية والنفسية للمستمعين وهم في واحدة من أصدق لحظات حياتهم حيث يبيحون عما يدور في صدورهم دون خوف من أن تكشف هويتهم وهى بدورها تتحدث إليهم بإحساس حقيقي يجعلها تطرح عليهم أفكار خطيرة ومحظور تداولها مثل أن مريض الإيدز ليس أثم يستحق النبذ وإنما مريض يستحق العلاج والعطف.
أوصياء الله على الأرض المكلفين بالحديث نيابة عنه أثار بالطبع حفيظتهم أفكار ليلي خاصة بعد أن احتلوا المؤسسة الإعلامية الرسمية المصرية التي تعمل بها ليلي لكنها تنجح في أن تمرر ما تريد من أفكار عبر برنامجها من خلال اللعب مع الأتقياء والمؤمنين رؤسائها بطريقتهم التي تؤكد أن البقاء والاستمرار في وضع مجتمعنا حالياً يكون للأقوى وليس الأصلح.
في سبيل تحقيقها لتلك القوة تتخذ ليلي من رجل يكبرها بعدد من السنوات الكثيرة مصدر لقوتها تمنحه الحب والجنس وهو يمنحها السلطة والحماية والمعلومات التي تمكنها من البقاء قوية ممسكة في يديها كل خيوط لعبة الحياة ناكره لتعيش قوية وناجحة مشاعر زميلها المخرج الشاب لها.
على الرغم من كون ليلي على علاقة حميمة بهذا الرجل إلا أنها تؤكد دوماً للجميع أنه مستشار محب لها كأب ولا تتعدى لقاءاته معها حدود الأماكن الهادئة لتناول وجبات العشاء.
تنتمي ليلي لعائلة لها وضع اجتماعي مرموق توفي والدها وتعيش مع والدتها وأخيها الأصغر منها وعلى الرغم من أن جدران مسكن تجمعهم إلا أن مساحة التلاقي النفسي بينهم تكاد تكون شبة معدومة وهذا ما أبرزته الكاميرا بشكل واضح يجعلك تشعر بعمق برودة وقسوة مثل هذا الوضع،لكنها تتعامل دوماً مع والدتها تحديداً بذكاء فهي لا تختلف معها في أي من أفكارها ولا تفعل أمامها ما يثير الشكوك في عقل الأم عن طبيعة حياة ابنتها،لذلك هى-أي ليلي- تصطنع مظهر تختفي ورائه كقناع من خلال إضفاء الجدية على ملابسها ولمزيد من حبكة التصنع تستخدم ليلي ماكياج وطريقة تصفيف شعر تحقق ذات الهدف إضافة لخوفها من مجرد عرض فكرة الاستقلال بالمسكن عن بيت الأسرة، وبذلك كله تروض ليلي والدتها وأخيها كما يروض مدرب السيرك الحيوانات المفترسة لكن هذا الترويض من قبله لا يمنع الحيوان من افتراسه في أي وقت يغضب فيه منه والوضع مشابهه مع ليلي.
لـ"ليلي" أفكارها المتحررة التي تفصح بها من حين لأخر في برنامجها الإذاعي لكنها لا تدافع عن تلك الأفكار على أرض الواقع وخارج حدود الأستوديو الذي يسجل فيه برنامجها، وحياتها الخاصة كانت دليل على ذلك إضافة لمساعدتها لفتاة صغيرة أحبت وأصبحت حامل من ذلك الحب أن تجهض ذاتها وتجرى عملية تعيد لها بكارتها وبتلك المساعدة تكتمل حياة ليلي والتي تؤكد أنها تخشي أن تقف على باب جنينة الأسماك وليس الشروع في دخولها.
يوسف شخصية أخرى طبيب تخدير من أسرة مرموقة اجتماعياً أيضاً ووالده قانوني شهير يريد له كابن أن تكون مواقفه واتجاهاته في الحياة وسطية نابعة من قراءة حقيقية للواقع،لكن الابن يريد غير ذلك ولأنه خائف يظل ثابت غير محدد الاتجاه ليس يمين أو يسار أي غير موجود.
طبيعة عمل يوسف تتيح له أن يستمع لأفكار الناس وهم نصف واعيين لذلك يكونوا صادقين يعبروا عما بداخلهم دون سيطرة العقل والمنع والخوف، وهو يستمتع بهذا البوح بل يسعى لسماعه خاصة وأنه يخاف من أن يبوح عما بصدره أو يتخذ موقف محدد تجاه أي شيء في حياته الخاصة أو العامة،يخاف أن يعبر عن مشاعر الحب حتى لا يفقد كرجل عالمه الخاص وسيطرته على ذاته أمام امرأة، لذلك علاقة الجنس وليس الحب بحياته مع امرأة لا يحبها بشكل عاطفي حقيقي وإنما هى امرأة أعتاد عليها كوسيلة ليست سيئة لتخفيف بعض من التوتر الذي قد يعيشه رجل لأنه بلا زواج وجنس.
ليوسف صديق طبيب أيضاً في منتصف الخمسينات من العمر يجتمعان سوياً لكشف تناقضاتهم الشخصية على كورنيش النيل، لتتشابك تناقضاتهم مع تناقض مجتمعهم الذي يعكسه الكورنيش حيث الفتيات المحجبات وغير المحجبات يتبادلن القبلات في الشارع هكذا في مجتمع يوصف بأنه محافظ متدين مؤمن والكثير من الأوصاف التي تعكس حجم الزيف.
لطبيب الخمسيني هذا أعتاد طوال حياته أن يفعل ما يريد من خلف أعين الجميع يدعم ما يريد في الخفاء،فهو مع زوجته الطبيب المرموق حيث يصدر لها صورة زائفة عن شخصيته ويحادث الصغيرات في الهاتف أحاديث جنسية تسعده وتحقق له كامل السعادة،وعندما دعاه يوسف أن يصارح زوجته بما يفعله فربما تساعده غضب بشدة لأن مصارحته لزوجته برغبته يعنى سقوط القناع الذي صدره لها لسنوات يعنى السقوط في الحقيقة للأفكار التي يدعمها هذا الطبيب ويرغب بها للاستمتاع وهو يدافع عن حقوق أمثاله من البشر ويتفهم موقفهم لكنه غير قادر على أن يتفهم موقف ذاته لذا يفعل ما يريد في الخفاء.
يظهر الفيلم عدد من الشخصيات التي تختلف كل منها في تفاصيل الحياة والأساس الاجتماعي والمعرفي لكن هناك قاسم ما يجمع غالبيتهم ألا وهو البقاء خارج أسوار معترك الحياة أي البقاء خارج أسوار جنينة الأسماك،بالطبع لا أقصد المعنى المكاني للجنينة بالزمالك وإنما المعنى الرمزي فجنينة الأسماك بشكلها الذي يشبه المتاهة كالحياة تماماً منحنيات وطرق واتجاهات كثيرة بها ولا يليق بالبشر أن يعيشوا بالحياة كما الأسماك بالجنينة داخل أحواض،لأن البقاء داخل أحواضنا وهروبنا من إبداء موقف واتجاه في الحياة يعنى أننا ندمر حياتنا بأيدينا ولا نستمتع بها كما يعنى الانهيار لوطننا نحو الوراء لأننا مجتمع الأغلبية الصامتة





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,279,642,286
- الكشح ...هل مازالت الحقيقة الغائبة؟
- رشيدة داتي.. ونقاش ساخن
- كلمات تشعرني بعمق الحب
- كتاب -الثورات- للراحل -سلامة موسى-
- العلاج السيكولوجي
- نحو مزيد من العشش
- الأرمن والغرب والإسلام... جناة وضحايا ومتهمون
- عم محمود وأستاذ أحمد
- مأساة شابين
- عرض كتاب -عصا الحكيم- ل -توفيق الحكيم-
- أنه يحبني أليس كذلك؟
- في الوقت الضائع- للراحل توفيق الحكيم
- مكتئبات بدعوى الأمومة
- عرض كتاب أحاديث إلى الشباب للراحل سلامة موسى
- حوار مع بائعة متجولة
- حوار مع د. يحيى الجمل
- هل سبق وأن تعرضتِ لتحرش جنسي؟
- عمل المرأة وإحساس الرجل بذاته
- حوار مع . نادية عيلبوني
- التوائم مفاجأة سارة ومخيفة معاً للأم


المزيد.....




- أشرف زكي يفوز بمقعد نقيب المهن التمثيلية في مصر
- كولر يعتزم عقد مائدة مستديرة ثالثة بنفس الصيغة
- فوز روسيين بجائزة -برافو- الموسيقية الدولية
- الشرعي يكتب: الشباب .. والنخب السياسية
- صدر حديثا : الجدة ونعجتها - تأليف الكاتب العراقي ج ...
- كيف استلهم سفاح نيوزيلندا نظرية -الاستبدال الكبير-؟
- مترو دبي يتحوّل إلى قاعة للعروض الموسيقية
- النوروز.. أساطير مختلفة حول عيد يجمع ملايين المحتفلين
- شاهد: فنانون عرب وعالميون في ختام الأولمبياد الخاصة في أبوظب ...
- كيف أصبحت هذه الفنانة مهووسة بالنقط؟


المزيد.....

- المسرح الشعبي في الوطن العربي / فاضل خليل
- مدين للصدفة / جمال الموساوي
- جينوم الشعر العمودي و الحر / مصطفى عليوي كاظم
- الرواية العربية و تداخل الأجناس الأدبية / حسن ابراهيمي
- رواية -عواصم السماء- / عادل صوما
- أفول الماهية الكبرى / السعيد عبدالغني
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- ليلة مومس / تامة / منير الكلداني
- رواية ليتنى لم أكن داياڨ-;-ورا / إيمى الأشقر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - باسنت موسى - متى سندخل جنينة الأسماك؟