أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وديع العبيدي - المريض العراقي















المزيد.....

المريض العراقي


وديع العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 2520 - 2009 / 1 / 8 - 08:15
المحور: الادب والفن
    


قبل اربعة عشر عاماً غادرت الجيش وحسب الاجراءات الرسمية!
قال ذلك بصوت منهك وعينين تكشفان عن انكسار كبير وربما (ألم وندم) ثم ألقى بجسده على كرسي الاسترخاء الوثير.. الذي يتوسط الحجرة.. تاركاً وراءه فراغاً كبيراً.. باتجاه الباب.. الفراغ الذي يعقب الأسئلة المحيرة عادة دون أن يعنّ لمستمعه أن ثمة في الأمر ما يبعث أو يستثير الغرابة!..
لكن عينيه ظلتا مسمرتين على وجه الطبيب الذي لم يجد بدا من مغادرة موقعه والدوران حول طاولته الكبيرة.. وهو يتصنع الكثير من المجاملة والبشاشة..
- ربما لم أكن مرة في الجيش أو الحرب.. كما كنتم..
وأشار إليه بطرف القلم الذي بين أصابعه، فأجابه بدون اكتراث:
- طبعاً..
- ولكني أعرف أنه أمر عظيم.. أن تخرج من الجيش أو من الحرب حياً.. أو على الأقل محتفظاً بأجزاء جسدك دون نقصان.. اسمح لي أن أقول لك أنك محظوظ جداً يا صديقي!..
- جداً!!.. أنا لا أعتقد ذلك!..
- على العكس يا صديقي.. عليك أن تعتقد ذلك!..
- هل ستفرض عليّ يا دكتور ما ينبغي عليّ أن أعتقده؟..
- معذرة.. لم يكن القصد اطلاقاً.. رجاء لا تسيء فهمي..لا.. لا..
- إذن أقول لك.. انني نادم لخروجي حيا من الحرب!!..
- هذا أمر جديد عليّ!..
- طبعاً.. انظر.. لقد قضيت عشر سنوات في الحرب.. عقداً من سني الشباب.. من العشرين إلى الثلاثين..تلك السنوات المليئة بالحيوية والتفاؤل والتدفق والأمنيات والمشاريع.. زرعتها هناك.. في الأرض الحرام.. في تربة لا تنبت شيئاً ولا تنتمي لجغرافيا محددة.. أرض ممسوحة من خرائط العالم..رمال ورمال وجبال وحصى.. لا يربطني بها شيء غير الخوف والأوامر.. ساعات طويلة من القلق والريبة واللاجدوى.. ليالي سديمية استغرقتها في تصورات وأحلام محبطة لم تنجب شيئاً .. غير أشباح خضراء هيولية ليس لها بداية أو نهاية..مثل أهوار المستنقعات أو.. أو طحالب البحار اللزجة.. ليس لها رأس بل رؤوس وأطراف مثل أخطبوطات هائلة.. أمي كانت تقول إذا رأيت الملابس الخضراء في الحلم فاعلم أنهم الأنبياء والأئمة يزورون هذا العالم.. وإذا رأيت الأردية البيضاء فهم الملائكة.. وهم يحفظونك ويهبونك الستر والحماية..
- هذا صحيح بالتأكيد.. ولقد حفظوك من كل شرّ..
- حفظوا جسدي ولم يحفظوا حياتي.. أنني الآن مثل ميت فاقد لأية رغبة في الحياة.. ليس لي هدف أو رغبات أو أي طموح.. فهل هذه حياة..
- سيكون وضعك حسناً جداً.. انك لست الوحيد بالتأكيد في مأساتك..
- انظر.. أنت قلت.. مأساة.. انظر..
- نعم.. هذه مأساة.. لأن الحياة جميلة وفي العالم أشياء كثيرة تبعث على الحياة والجمال.. أنا أكبرك سناً ولكن عليّ أن أقول لك ذلك.. مأساة.. أن الكثير من شباب اليوم يشعرون بأنفسهم في طريق مسدود.. وعلينا أن نقنعهم بأن الحياة ما تزال جميلة وحافلة..
- هؤلاء الشباب هم ضحاياكم.. وجيلكم هو المسؤول عن ما تسميه مأساتهم..
- نحن.. جيلنا..
- طبعاً.. دكتور.. هل تستطيع أن تقول ماذا تفعل كنت في الثمانينيات.. ومبلغ النمو الاقتصادي الذي أصاب بلادك عن الفترة التي سبقها..
- وما علاقة هذا بذاك.. تطور بلادنا الاقتصادي مرتبط بنمو العلاقات الاقتصادية داخل المجموعة الأوربية ولا علاقة له ببلاد أخرى..
- غير صحيح.. غير صحيح يا دكتور..
- وما هو الصحيح إذن..
- بلادكم والمجموعة الأوربية وكثير من دول العالم استفادت من حروبنا.. يكفي أن تعلم أننا.. نحن الجنود المساكين المساقين للحرب عنوة والمحرومين من أبسط شروط الحياة الانسانية.. وقلوب أهلينا تنزف علينا دماً.. وحنيناً.. أنني أتذكر الآن أمي تحديداً.. ان رفاهكم هذا كان جرى على حسابنا.. أننا سمعنا بالنمسا ونحن في المواضع الأمامية.. سمعنا بألمانيا وبولونيا والأسلحة الروسية والأمريكية ونحن محاصرون بين التراب المشبع بروائح الدم والقاذورات والمواد المتفجرة.. وبين خيمة السماء الممتدة بلا حدود أو بوليس..
- هذا أمر طبيعي.. العلاقات والصفقات الاقتصادية جزء من التعاون الدولي وهو من اختصاص الحكومة..
- أنا أعرف ماذا أقول.. وأنت تعرف ماذا أعني..
- لا أرى في ذلك ما يكدر خاطرك..
- على العكس.. لقد ابتاعت حكومتك وحكومات أخرى أسلحة للعراق أثناء الحرب.. وهذا يعني انها ساعدت على استمرار عجلة الحرب والدمار.. الاستمرار في قتلنا وخراب بلداننا.. هذه الأسلحة تسببت بمقتل الألوف من "ولد الخايبة"..
- ولد الخايبه!!. ما يعني هذا..
- يعني نحن يا دكتور.. ولولا الحرب ما كنا لاجئين في بلادكم..
- نحن نرحب بكم في بلادنا..
- ترحبون بنا أيدي عاملة رخيصة.. اتت اليكم باقدامها تتوسلكم.. وأنتم تتفنون في اهانتهم..
- اعترف ان لدينا بوليس وقح.. ولكن قوانيننا جيدة جداً.. ونحن بلد ديمقراطي..
- كنتم .. بلد دمقراطي..
- ههههاه.. انت متألم جدا يا صديقي.. ولكننا فعلاً بلد دمقراطي.. انه الشيء الذي لا نفرط به..
- لا بأس.. ولكن ما نعيشه هو العبودية.. ولا تتفق العبودية والدمقراطية..
- تعني .. في بلادكم طبعاً..
- في بلادنا لا توجد دمقراطية.. توجد عبودية فقط.. عبودية لكل شيء.. من تفاهات الارض حتى نجوم السماء.. ولكننا عبيد هناك وعبيد هنا..
- هناك سوء فهم.. ليس بامكان من ينتقل من نظام معين الى نقيضه ان يتفهم النظام الجديد بين يوم وليلة.. هذا يستغرق بعض الوقت..
- وهل تريد ان نضيع عمرنا كله في التعلم والخدمة.. اننا بحاجة للراحة.. عشر سنوات من الحرب تقتضي عشرة سنوات نقاهة.. ونحن لم نحصل على وقت لاعادة تنظيم مشاعرنا وافكارنا..
- اعتقد ان معك حق في ذلك.. ولكنه للاسف.. غير وارد في قوانيننا..
- ولا قوانين بلادنا.. لا عتب عليكم في ذلك..
- أي هي المشكلة إذن..
- المشكلة مع العالم.. مع الحياة.. مع شروطكم الصعبة لمواصلة الحياة هنا..
- الحياة في كل مكان صعبة اليوم.. تعرف ذلك.. الحياة كفاح وصراع..
- لا احب سماع هذه الكلمة دكتور.. ارحمونا.. كفانا صراع.. صدقني ان الحياة تافهة ولا شيء فيها يستحق الكفاح والصراع هذا..
- هذه طبعاً وجهة نظرك.. هناك سبعة مليارات انسان على الارض..
- عبيييييد!..
- حاول ان تنظر للعالم من زاوية اخرى..
- كل الزوايا تلتقي في نقطة واحدة..
- حاول أن تكون ايجابياً.. انظر.. سوف اعطيك هذا الكتاب.. هل تستطيع القراءة بالالمانية جيداً..
- القراءة ثانية.. كل ما قراته سابقاً القيته في الحرب.. فاين تقودني القراءة الجديدة يا دكتور!..
- انت انسان ذكي ومتعلم.. وسوف تستفيد من هذا الكتاب حتماً..
- لا نفع في ذلك.. لا فائدة..
- التجربة لن تكلفك كثيراً..
- كلفتني ما فيه الكفاية.. دكتور..
- نعم..
- نحن اثنان.. كائنان مختلفان.. انت تتحدث وجهة نظرك وانا وجهة نظري.. هل يستطيع أن يتفاهم اهل الجنة واهل النار؟؟!!..
- التفاهم ممكن في كل مكان.. لا بأس..
- ولكن اهل الجنة لن يتنازلوا عن حياتهم واهل النار لا يطيقون الاستمرار في العذاب..
- ولكنهم يمكن ان يحصلوا على مساعدة.. وهو ما نفعله هنا.. سوف تأخذ هذا الكتاب.. وتعود إلى هنا بعد شهر لنتحدث ثانية..
- لا بأس.. ربما احتاج الى نظارات ايضاً..
- هاهاها.. هذه مسالة سهلة..
وبينما هو في طريقه الى الخروج التفت ثانية:
- ولكن.. لم تقل لماذا باعات بلادكم السلاح للمتحاربين؟..
- لولا هذه الأسلحة كنتم خسرتم الحرب..
- لقد عملتهم مثل التاجر الأعمى.. وابتعتم السلاح للطرفين.. ودولتكم محسوبة على الحياد.. أنا أتحدث بالتحديد عن المدفع النمساوي المعروف لدينا "بالأخرس"..
عاد الدكتور إلى مقعده خلف الطاولة العريضة وضغط على زر أحد الأجهزة أمامه وهو يقول:
- أنت إذن في المكان الخطأ الآن.. عليك أن تتحدث مع السياسيين في هذا الأمر.. وأنا لست سياسياً ولا أهتم بالسياسة.. هذه عيادة نفسية للعلاج الطبيعي..
- كونك لم تكن سياسياً لا يعني أنك لم تستفد من ارتفاع قيمة العملة وتحسن الوضع المعيشي في البلاد..
- ارتفاع قيمة العملة يعني ارتفاع مدفوعات الضرائب والرسوم.. حاول أن تتصل بأحد أعضاء الحكومة لتحصل على أجوبة.. في المسائل الأخرى يمكنك مراجعتي بعد ذلك.. مع السلامة..
بقيت جالساً في مكاني وأنا أبتلع الكلام داخل حلقي.. كنت على وشك الوصول إلى نصر أبرر به كل خيباتي وخساراتي.. ولكن المحادثة انتهت قبل أن تنتهي.. مثل أي حرب في قمة استعارها أو قصة حبّ في أوج تأججها.. قذيفة تختطف عريساً شاباً أو عروساً في ليلة عرسها.. قذيفة عمياء تسوي منزلاً بالأرض وتدفن ضحكات وزقرقة أطفاله وأهله... أحسست برودة في جسدي ووجهي يتحول إلى قطعة بلاستك يابسة.. عيناي غارتا عميقاً عميقاً إلى السواتر الأمامية التي تفصل بيننا وبين الايرانيين وهم يؤدون الصلاة قرب مدافعهم النمساوية ويصيحون الله أكبر.. وخورشيد الذي كان خارجاً للتوّ من خلف صفيحة الزنك التي نسميها التواليت يسقط نحو الأرض وهو يمسك بين يديه امعاءه المندلقة بجانبه.. وصوت عميق يصيح..
- ديرو بالكم نمسسسسسسسسسساااااااااااااوي.. ديرو بالكممممممممم نممممممسسسسسسااااااوي.. خورشيييييييييييييييييد!!!!..*
أشحت بوجهي عن المكان.. ورفعت رأسي عالياً.. كانت الشوارع خالية وعتمة متقطعة تتوزع الأرصفة.. ورياح باردة تأتي من جهة ما.. دلفت في الأزقة الضيقة وفي بالي شيء واحد.. وجه واحد أبحث عنه.. ولابد أن أجده مهما كلف الأمر!.

 المدفع النمساوي من الأسلحة التي باعتها جمهورية النمسا أواسط الثمانينيات لكل من البلدين المتحاربين (العراق وايران) ويتميز بأن قذائفه لا تحدث صوتاً إلا بعد سقوطها، ولذلك تعارف عليها الجنود باسم (أخرس) أو (نمساوي). وكان أفضل ضحاياها في التجمعات البشرية ومنها تجمعات الافطار في رمضان أيام الحرب.





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,328,807,088
- أنا الخطاب.. أنا الآخر - في آلية الحوار-
- مات إله الشياطين
- رسالة لم تصل إلى جلجامش
- ابحث عن رصيف يحتمل موتي..
- أنسى..
- مدينة الحوار المتمدن
- الموت.. دورة المطلق الحميمة
- سيرة و مكان
- قراءة في مجموعة [إمرأة سيئة السمعة]
- الطائر الذي يغني من داخل القفص
- العنف.. ثمرة ثقافة سيئة
- الاشتراكية..تحرير الفكرة من العصبية والدولة
- وأذكر أني عراقيُّ.. فأبكي!..
- العنف الاجتماعي بين الهمجية والمرض النفسي
- (غداً..!)
- أشعياء بن آموص
- (حجيّة غُرْبَتْ)
- إلى وسام هاشم
- الانتخابات العراقية.. أكبر صفعة لآلام العراقيين (لكي لا يُلد ...
- منفيون(14)


المزيد.....




- وفاة? ?الشاعر? ?خضير? ?هادي? ?أشهر? ?شعراء? ?الاغنية? ?العرا ...
- مخرج عالمي شهير يدرس إمكانية تصوير أفلام في روسيا
- وسائل إعلام أجنبية تصور مسرحية -موت- سبعة أشخاص في حماة من أ ...
- رحيل الشاعر العراقي خضير هادي
- رفاق بنعبد الله غاضبون من برلمانيي العدالة والتنمية
- -غوغل- تدعم اللغة العربية في مساعدها الصوتي
- كيف أخذتنا أفلام الخيال العلمي إلى الثقب الأسود؟
- جميلون وقذرون.. مقاتلو الفايكنغ في مخطوطات العرب وسينما الغر ...
- جائزة ويبي تكرم فيلم -أونروا.. مسألة شخصية- للجزيرة نت
- -بعد ختم الرسول- في السعودية.. سمية الخشاب تظهر في سوريا (ص ...


المزيد.....

- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- ‏قراءة سردية سيميائية لروايتا / زياد بوزيان
- إلى غادة السمان / غسان كنفاني
- قمر وإحدى عشرة ليلة / حيدر عصام
- مقدمة (أعداد الممثل) – ل ( ستانسلافسكي) / فاضل خليل
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وديع العبيدي - المريض العراقي