أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - عبد الحسين شعبان - المواطنة «المفترضة»!















المزيد.....

المواطنة «المفترضة»!


عبد الحسين شعبان

الحوار المتمدن-العدد: 2490 - 2008 / 12 / 9 - 05:40
المحور: حقوق الانسان
    


لا تزال فكرة المواطنة في عالمنا العربي «مفترضة»، بمعنى أنها لم تصبح بعد حقيقة واقعة أو مُعاشة، خصوصاً في ظل كوابح وعقبات كبيرة تحول دون الوصول إلى مواطنة عضوية في كيانية مستقرة. ولعل الأمر يعود في جزء منه إلى حداثة الفكرة وجدّتها من جهة، ومن جهة ثانية إلى طبيعة الدولة التي لا تزال أسيرة مرحلة ما قبل الحداثة في الكثير من الأحيان.
ومثلما هي فكرة المواطنة حديثة، فالدولة العربية حديثة هي الأخرى، قياساً إلى المواطنة والدولة في أوروبا، وحتى الآن لم تنشأ على نحو حيوي وفاعل حركة مواطنة في العالم العربي، حيث لا تزال الفكرة أقرب إلى الإرهاص منها إلى انبثاق صيرورة، فالعالم العربي رغم التقدم الحاصل لا يزال في أول السلّم العالمي بالنسبة لفكرة المواطنة، وهذه الأخيرة تواجهها أسئلة شائكة حول الهوية، على صعيد البحث والواقع، وإن كانت تجاذبات وتحديات كثيرة داخلية وخارجية تواجهها.
وظلّت في العالم العربي علاقة الإنسان -الفرد-المواطن بالحاكم، أقرب إلى علاقة الراعي بالرعية، وما على الرعايا إلا إطاعة أولي الأمر، لاعتبارات دينية أو تبريرات تاريخية أو استحقاقات وراثية، أو ذرائع ثورية أو غيرها. أما موضوع الحقوق، بما فيها الحق في تغيير الحاكم والثورة عليه طالما هو «سلطان جائر»، فكانت تدخل في إطار الصراع وأحياناً لا تنتهي إلاّ بالعنف والإلغاء. وإذا كان ذلك سمة للحكام بشكل عام وليس في الدولة العربية فحسب، لا سيما قبل ولادة الدولة العصرية، فإن التشبّع بمفاهيم الحكم المدني واحترام حقوق الإنسان، بدأت ملامحه تتوضح بعد الثورة الفرنسية العام 1789، والتي جاءت بأفكار الحرية والإخاء والمساواة بين بني البشر، بما يعدّ تطوراً مهماً لخلفية المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
ما زالت مواقف الكثير من الجماعات والتيارات السياسية والاجتماعية في العالم العربي تثير التباساً نظرياً وعملياً بخصوص المواطنة المفترضة، وهناك اختلافات حول زاوية النظر إليها، إذ لا يوجد تصوّر مشترك بين الفئات والكيانات المختلفة فيما يتعلق بالحقوق والواجبات، بما فيها تلك التي تعتبر أساساً تنطلق منه فكرة المواطنة، وإذا ما أضفنا مبادئ المساواة والعدالة والحرية والمشاركة والموقف من المرأة والموقف من الأقليات الدينية والقومية، فإن المسألة سيكون لها بعد آخر، تساوقاً مع مسألة الهوية العامة الجامعة من جهة، وعلاقاتها بالهويات المصغّرة من جهة أخرى، حيث تتراوح بين الإلغاء والإقصاء، في حين اتخذت شكل التعايش والتواؤم في المجتمعات المتقدمة التي توافقت بعقد اجتماعي-سياسي وقانوني حول مفهوم المواطنة، وإن تعرضت أحياناً إلى هزّات أو تصدّعات. هناك جدلية بين فكرة المواطنة وحقوق الإنسان، خصوصاً وأنها تخص علاقة الفرد بالدولة، وهذه الأخيرة يفترض أن تقوم على أساس تعاهد دستوري، ينظم الحقوق والواجبات، ويستطيع الفرد-المواطن-الإنسان، بل وله الحق، في التمتع بالحقوق الإنسانية كافة، وبصورة عادلة.
وهكذا تتبلور عناصر المواطنة المفترضة التي تقوم على مبادئ المساواة التي هي ركن أساس بالتواشج مع مبادئ حقوق الإنسان، وهذه نواتها وسداها ولحمتها الحرية، التي هي الركن الثاني من أركان المواطنة، أما الركن الثالث فيقوم على مبادئ المشاركة، سواء في اتخاذ القرارات الأساسية أو في تولّي المناصب العليا دون تمييز، أما الركن الرابع فيتعلق بمبادئ العدالة، تلك التي تشكل هاجساً أساسياً لأية مواطنة حقيقية. وهذه الأركان الأربعة تنتظم في إطار أساسي قوامه الهوية التي تشكل المشترك الإنساني والذي يقوم على قاعدة حقوق الإنسان.
ما زال النقص فادحاً في الثقافة العربية إزاء فكرة المواطنة، لا سيما من زاوية الدولة العصرية، والأمر لا يتعلق بالتيارات الفكرية والسياسية الحاكمة فحسب، بل والمحكومة أيضاً. وتعاني عموم النخب من ضعف في الوعي، ناهيكم عن سعي لتدجين الواقع لاعتبارات سياسية أو اقتصادية ومصلحية مسبقة، تارة باسم «الشرعية الثورية» يسارية أو قومية، وأخرى باسم «الشرعية الدينية»، وثالثة تحت باب «ادعاء الأفضليات»، ولذلك تبرر بعض القوى مصادرة حق الشعب حين تزعم أنه غير مؤهل أو غير واع لخياره الديمقراطي الحر في مواطنة متكافئة ومتساوية في دولة يحكمها القانون، وهكذا تتم مقايضة المواطنة المفترضة بشرعيات غير الشرعية الدستورية! وهكذا ظلّت المواطنة الحيوية غائبة ومنتقصة في عالمنا العربي، كما إن هناك نكوصاً في وظيفة الدولة التي لم تقم بواجبها كدولة حماية، فما بالك ونحن نتحدث اليوم عن مواطنة فاعلة، في دولة رعاية. وبهذا المعنى فلا تزال تفصلنا هوة سحيقة عن التطور العالمي في هذا المضمار.
وإذا كانت الليبرالية قد طبعت القرن الـ18 بسماتها، بإعلاء قيمة الفرد وحرياته وبخاصة الفردية والخاصة، إضافة إلى تقديس السوق وحرية حركة رأس المال وانسيابيته، فإن القرن الـ19 كان قرن الحريات المدنية والسياسية بامتياز كبير، حيث تطور مفهوم المواطنة في ظل الحق في الاقتراع العام وتعمّق مفهوم الديمقراطية، أما القرن الـ20 ولا سيما النصف الثاني منه، فقد اتسّم بسيادة مفاهيم حقوق الإنسان، وذلك بعد صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان العام 1948، ومن ثم صدور العهدين الدوليين العام 1966، الأول الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والثاني الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إضافة إلى عشرات من المعاهدات والاتفاقيات الدولية الخاصة بمنع التعذيب وتحريم التمييز العنصري، ورفض كل شكل من أشكال التمييز ضد المرأة، وحقوق الطفل وحقوق اللاجئين والحق في التمتع بمحاكمة عادلة، يضاف إليها الحق في التنمية والسلام والاستفادة من منجزات الثورة العلمية-التقنية والحق في بيئة نظيفة، وكذلك الحق في الديمقراطية والحق في التعددية والحق في التنوّع والخصوصية، دون أن يعني ذلك تحللاً من الالتزامات الدولية. لقد واجهت مسألة المواطنة ولا تزال تواجه كوابح قبلية ودينية وطائفية واجتماعية ومناطقية تحول دون حق الإنسان في الحصول والتمتع بالحقوق كافة وبصورة عادلة. وأحياناً يُراد إخضاع الدولة لمنطق العشيرة أو لمنطق الطائفة أو لمنطق القومية السائدة أو الدين السائد، على حساب حقوق المواطنة المتساوية واحترام حقوق الأقليات.
إن أية مواطنة مفترضة تتطلب وجود دستور وقوانين تنظم علاقة الفرد بالدولة، على أساس المساواة والحرية والمشاركة والعدالة وفي إطار هوية مشتركة، وهذه تحتاج إلى مؤسسات وقضاء مستقل وانتخابات دورية ومجتمع مدني حيوي، ولعل هناك ضغوطاً مجتمعية وحكومية لتحجيم فكرة المواطنة المفترضة، من خلال الموروث والتسلّط، حيث تنشط الجماعات المتشددة والمتعصبة لإضفاء «هويتها» الخاصة على حساب هوية الدولة وفكرة المواطنة. مثلما تريد الجهات المهيمنة إخضاع الدولة لحساباتها الأنانية الضيقة.
إن علاقة المواطن الأوروبي بدولته تختلف نوعياً عن علاقة المواطن العربي بدولته، فالأولى علاقة تصالحية من الجانبين حيث ينظر الفرد نظرة مسؤولة إلى المرفق العام، انطلاقاً من الشعور العام بالمسؤولية، والتوازن بين الحقوق والواجبات في إطار مواطنة عضوية، كما أن الدولة تتعامل بمسؤولية إزاء حماية المواطن والحفاظ على حياته وممتلكاته وضبط النظام والأمن العام، وتقديم الخدمات الضرورية إلى المواطن وغير ذلك، وهذه حقوق للمواطن وواجب على الدولة، مثلما يكون من واجب المواطن حماية المرفق العام والحفاظ عليه وعدم العبث به أو تبديده، باعتبار ذلك حقاً للدولة.
أما في العالم العربي فعلاقة المواطن بالدولة هي علاقة عدائية وتأخذ طابع الاحتجاج والمعارضة والرفض وضعف الثقة أو انعدام الشعور بالمسؤولية إزاء المرافق العامة، وبالمقابل فإن نظرة الدولة للمواطن هي نظرة تشكيكية، ولعلنا بحاجة إلى فك الاشتباك بين السياسة والمواطنة التي لا يمكن نزعها تعسفاً، مهما كان الاعتراض أو الشك أو التربص أو العدائية للحكومة، بحيث تأخذ المواطنة شكلاً انشقاقياً يستحق من جانب الحكام سحبها بنزع الجنسية مثلاً، في حين أنها علاقة قانونية بين الفرد والدولة، يتم تنظيمها دستورياً وفي إطار حقوق وواجبات متساوية هي جزء من الدولة العصرية.

ولكي تتحول المواطنة من افتراضية إلى واقعية، فلا بدّ من إقرار بعض المبادئ دستورياً والعمل على تطبيقها، حماية ورعاية، بما يضمن النقد والنقد الذاتي بين المواطنة والسلطة، وفي إطار الحقوق والواجبات التي تقرّها الدولة وينظمها القانون ويحميها الدستور وترعاها المؤسسات الشرعية المنتخبة على نحو دوري يضمن تداولية السلطة سلمياً، ويحميها قضاء مستقل ورأي عام مؤثر عبر مجتمع مدني فاعل. هكذا تتحول المواطنة إلى حركة عضوية فاعلة وبناء سليم وشراكة حقيقية طبقاً لمبادئ العدل والمساواة والحرية والمشاركة، الأساس في تكوين هوية مشتركة!





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,566,579,327
- شرق أوسط ممكن شرق أوسط مستحيل
- الاتفاقية الامنية رهن للعراق وشعبه
- الاتفاقية العراقية- الامريكية من الاحتلال العسكري الى الإحتل ...
- المعاهدة العراقية-الأميركية: من الاحتلال إلى الاحتلال! (2-3)
- أوباما الشرق أوسطي!!
- زمان الطائفية
- أولويات الرئيس أوباما!
- استحقاقات أوباما
- الإرث الثقيل
- المعاهدة العراقية-الأميركية... من الاحتلال إلى الاحتلال! (1- ...
- ست حقائق أفرزتها الانتخابات الأميركية
- بغداد - واشنطن بين التبرير والتحذير
- المستقبل والمجتمع المدني
- سباق اللحظة الأخيرة بين بغداد وواشنطن
- هل المجتمع المدني شريك للحكومات؟
- أنغولا غيت!
- موريتانيا والديمقراطية إلى أين؟
- العراق منجم الخطر
- من المستفيد من استئصال المسيحيين في العراق؟
- المستوطنات الإسرائيلية: الصقور والحمائم!!


المزيد.....




- اللبنانيون يتظاهرون لليوم الخامس وترقب لخطوة الحريري
- تركيا ترفض تقرير العفو الدولية بشأن -نبع السلام-
- “التجديد العربية” تدعم صمود الأسرى الأردنيين في سجون الاحتلا ...
- مصريون يتداولون فيديو لـ-اعتقال سيدة رفضت تفتيش تليفونها-
- احتجاج واعتقالات ومخاوف من إفلات المتهم.. قضية -شهيد الشهامة ...
- ضحايا دارفور: لا سلام بدون مثول البشير أمام المحكمة الجنائية ...
- كارمين وامتحان التأمين
- شهادات مؤثرة لضحايا دارفور.. وإصرار على مثول البشير أمام الم ...
- مئات اللبنانيين يتظاهرون في فرنسا دعما لمواطنيهم المحتجين ضد ...
- برلماني إيراني: اعتقال عدد من موظفي الرئاسة بتهمة التواطؤ مع ...


المزيد.....

- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان
- على هامش الدورة 38 الاعتيادية لمجلس حقوق الانسان .. قراءة في ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- حق المعتقل في السلامة البدنية والحماية من التعذيب / الصديق كبوري
- الفلسفة، وحقوق الإنسان... / محمد الحنفي
- المواطنة ..زهو الحضور ووجع الغياب وجدل الحق والواجب القسم ال ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الحق في حرية الراي والتعبير وما جاوره.. ادوات في السياسة الو ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - عبد الحسين شعبان - المواطنة «المفترضة»!