أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - خليل اندراوس - كارل ماركس















المزيد.....


كارل ماركس


خليل اندراوس

الحوار المتمدن-العدد: 2467 - 2008 / 11 / 16 - 10:37
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


الرجل الذي كان أول من أعطى لعموم الحركة العمالية وبالتالي للإنسانية جمعاء أساس علمي فلسفي لمجتمع المستقبل، لمملكة الحرية على الأرض، وأعني به كارل ماركس ولد في مدينة ترير 1818. في البدء درس الحقوق في بون وبرلين، ولكنه سرعان ما انصرف كلياً إلى دراسة التاريخ والفلسفة، وفي سنة 1842 أصبح أستاذاً محاضراً لموضوع الفلسفة، وفي تلك السنة أيضاً قام زعماء البرجوازية الليبرالية في إقليم الراين، كامبهاوزن وهانزيمان وغيرهما، قد أسسوا في مدينة كولونيا "الجريدة الرينانية" بمشاركة ماركس حيث أصبح بعد ذلك رئيس تحرير الجريدة.
فكما كتب إنجلز "لو كانت هناك عشر جرائد أخرى تتحلى بشجاعة "الجريدة الرينانية" ويصدرها ناشرون لا يضنون ببضع مئات إضافية من التاليرات على الصف والطباعة، لغدت الرقابة في ألمانيا مستحيلة منذ عام 1843. ولكن أصحاب الجرائد الألمان كانوا برجوازيين صغاراً تافهين جبناء، فخاضت "الجريدة الرينانية" غمار نضالها لوحدها. وأخرجت من الساحة رقيباً بعد آخر".
وأخيراً فرضت عليها رقابة ثنائية، بحيث أنه كان ينبغي، بعد الرقابة الأولى، أن يراقبها رئيس الحكومة مرة ثانية وأخيرة، ولكن هذا أيضاً لم ينفع، وفي مطلع عام 1843 أعلنت الحكومة انه يستحيل فعل أي شيء بهذه الجريدة، فمنعتها بكل بساطة.
لذلك انتقل ماركس بعد ذلك إلى فرنسا حيث أصدر مع أرنولد روغة "الحولية الألمانية الفرنسية" التي افتتح فيها سلسلة أبحاثه "نقد فلسفة الحق عند هيغل". وكان في هذه الأثناء قد تزوج من أخت الوزير الرجعي المقبل فون ويستفالن.
ثم أصدر مع فريدريك إنجلز "العائلة المقدسة، ضد برونوبار وشركاه". وهذا الكتاب نقد هجائي لشكل من الأشكال الأخيرة التي أفرزتها في تلك الفترة الفلسفة المثالية في ألمانيا.
واستطاعت الحكومة البروسية أن تفرض على حكومة غيزو في فرنسا، نفي ماركس من فرنسا عام 1845 وعندها انتقل ماركس إلى بروكسل ونشر هناك سنة 1847 باللغة الفرنسية كتابة "بؤس الفلسفة"، وهو نقد لكتاب "فلسفة البؤس" لبرودون، ثم نشر عام 1848 "خطاب بصدد حرية التجارة". وفي الوقت نفسه تنجح في تأسيس رابطة العمال الألمان ببروكسل وبعد ذلك انتسب هو وأصدقاؤه السياسيون عام 1847 الى عصبة الشيوعيون السرية التي كانت قائمة منذ سنوات عديدة.
فأجري على التنظيم تعديل جذري وتحولت العصبة الى أول منظمة للحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني.
في المؤتمر الثاني للعصبة، عام 1847 تقرر وضع ونشر أسس برنامج الحزب بشكل بيان، عهد بتدبيجه الى ماركس وإنجلز، وهكذا ظهر "البيان الشيوعي"، الذي صدر للمرة الأولى عام 1848. وعندها بدأت الاضطرابات الشعبية في بروكسل أيضاً جراء ثورة شباط، وعندما بدا أن بلجيكا على أبواب انقلاب، اعتقلت الحكومة البلجيكية ماركس دون أي مراعاة للأصول القانونية ونفته، وكانت الحكومة المؤقتة في فرنسا قد دعته بواسطة فلوكون إلى العودة الى باريس، فاستغل هذه الدعوة.
وفي باريس عارض قبل كل شيء المغامرة التي تفتقت منها مخيلة الألمان العائشين في باريس، والتي كانت تهدف الى تكوين فيالق مسلحة من العمال الألمان في فرنسا لأجل نقل الثورة والجمهورية الى ألمانيا بواسطتها، فمن جهة كان ينبغي أن تقوم ألمانيا بنفسها بثورتها، ومن جهة أخرى، كان إضراب لامارتين في الحكومة المؤقتة يخونون سلفاً كل فيلق أجنبي ثوري يتشكل في فرنسا ويسلمونه إلى نفس الحكومة التي كان يجب إسقاطها، كما حدث في بلجيكا وفي بادن.
بعد ثورة آذار (مارس) انتقل ماركس إلى كولونيا وأسس فيها "الجريدة الرينانية الجديدة". وقد دامت هذه الجريدة من أول حزيران 1848 حتى 19 أيار 1849.
وكانت الجريدة الوحيدة التي عكست وجهة نظر البروليتاريا في الحركة الديمقراطية في ذلك الوقت، وقد تجلى هذا على الأقل في تضامنها المطلق مع ثوار باريس في حزيران 1848، ومن جراء هذا، تخلى عن الجريدة جميع مساهميها تقريباً، وهكذا صدر آخر عدد من الجريدة بتاريخ 19 أيار مطبوعاً بالحبر الأحمر.
ومن جديد ذهب ماركس إلى باريس ولكن بعد مظاهرة 13 حزيران 1849 ببضعة أسابيع وضعته الحكومة الفرنسية أمام أمرين لا ثالث لهما، إما أن يغادر فرنسا أو ينقل محل إقامته إلى بريطانيا. ففضل الانتقال إلى لندن حيث عاش هناك حتى وافته المنية.
بعد الحكم على أعضاء عصبة الشيوعيين في كولونيا كرّس ماركس نفسه في سياق عشرة أعوام، من جهة لدراسة الكنوز الوفيرة التي كانت تحتويها مكتبة المتحف البريطاني في ميدان الاقتصاد السياسي، ومن جهة أخرى للكتابة في جريدة "NEW YORK DAILY TRIRUNE" التي كانت قبل بداية الحرب الأهلية في أمريكا، لا تنشر المراسلات الموقعة باسمه وحسب، بل أيضاً ضد اللورد بالمرستون، المستندة الى دراسة مسهبه للوثائق الرسمية البريطانية، فقد كان يعاد طبعها في لندن بصورة مقالات هجائية.
وكان مؤلفه "مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي" الذي صدرت طبعته الأولى في عام 1859 (برلين دار دونكر للطبع والنشر) أول ثمرة لدراسته الاقتصاد السياسي في غضون سنوات عديدة، فإن هذا المؤلف ينطوي على أول عرض منهجي لنظرية القيمة، بما فيها تعاليمه بشأن النقود.
وابان الحرب الايطالية (المقصود هنا حرب فرنسا ضد النمسا في عام 1859). أشعل نابليون الثالث نيرانها بحجة تحرير ايطاليا ولكن بالفعل من أجل تحقيق الفتوحات الإقليمية وتوطيد النظام البونابرتي في فرنسا.
إلا أن نابليون الثالث، وقد تملكه من اتساع نطاق حركة التحرر الوطني في ايطاليا، ورغبة منه في الحفاظ على تجزؤها السياسي عقد معاهدة صلح منفرد مع النمسا، وبنتيجة الحرب، نالت فرنسا ساقوا ونيس، وضمت لومبارديا الى سردينيا وبقيت البندقية تحت الحكم النمساوي). ناضل ماركس في الجريدة الألمانية "DAS VOLK " "الشعب" الصادر في لندن سواء ضد البونابرتيه التي كانت آنذاك بلون ليبرالي وتتظاهر بأداء دور محرره للقوميات المظلومة (كالدور التي تلعبه الآن أمريكا في عصرنا وكأنها مدافعه عن الديمقراطية وحرية الإنسان)، او ضد سياسة بروسيا التي كانت آنذاك تحاول تحت ستار الحياد أن تصطاد السمك في الماء العكر. وفضلاً عن ذلك كان لا بد من النضال أيضاً ضد السيد كارل فوغت الذي كان يتقاضى راتباً من لويس نابليون ويحرض، بناء على تكليف من الأمير نابليون في صالح الحياد وحتى في سبيل التعاطف من جانب ألمانيا.
فقد صب فوغت على ماركس سيولاً من أحقر الاختلافات والافتراءات البينة الكذب، فرد عليه ماركس بكتاب "السيد فوغت" (لندن عام 1860)، وفيه فضح فوغت وسائر السادة من الزمره البونابرتيه الديمقراطية المزعومة، واتهم فوغت، استناداً الى معطيات داخلية وخارجية على السواء بأن إمبراطورية لويس نابليون قد اشترته.
وبعد عشرة أعوام بالضبط، تأكدت صحة هذه التهمة: ففي قائمة العملاء البونابرتيين التي وجدت في عام 1870 في قصر التوليري (المقصود قصر توليري في باريس وهو مقر نابليون الثالث)، والتي نشرتها حكومة أيلول (المقصود الحكومة المؤقتة التي سميت بحكومة الدفاع الوطني والتي اشترك فيها الجمهوريين المعتدلين والملكيين برئاسة حاكم باريس العسكري تروشو وملهمه الفعلي تيير.
وقد انتهجب هذه الحكومة سبيل الخيانة الوطنية والتآمر الغادر مع العدو الخارجي) ورد تحت الحرف المناسب "فوغت في آب 1859 أعطي 40,000 فرنك.
وأخيراً في عام 1867 ظهر في مدينة هامبورغ كتاب "رأس المال"، نقد الاقتصاد السياسي المجلد الأول" وهو المؤلف الرئيسي الذي كتبه ماركس والذي عرض فيه أسس نظراته الاقتصادية والاشتراكية، وكذلك أسس انتقاده للمجتمع القائم، ولأسلوب الإنتاج الرأسمالي وعواقبه. وفي عام 1872 صدرت الطبعة الثانية من هذا المؤلف.
وفي هذه الأثناء، كانت الحركة العمالية في مختلف بلدان أوروبا قد قويت من جديد الى حد أنه توفرت لماركس إمكانية التفكير بتحقيق أمنيته الحميمة، وهي تأسيس جمعية للعمال تشمل أكثر البلدان تقدماً في أوروبا وأمريكا وتمثل بلحمها ودمها، إذ جاز القول، الطابع العالمي للحركة الاشتراكية سواء في عيون العمال أنفسهم ام في عيون البرجوازية والحكومات ولما فيه فرح البروليتاريا وتوطدها، ولما فيه ذعر أعدائها.
وبتاريخ 28 أيلول عام 1864 عقد في قاعة سانت مارتينس بلندن الاجتماع الشعبي المتضامن والمتعاطف مع بولونيا التي كانت روسيا قد قمعتها للتو من جديد، وخلال هذا الاجتماع تم قبول هذا الاقتراح، أي تأسيس جمعية للعمال بحماسة وتأسست جمعية الشغيلة العالمية (أو ما يسمى تاريخياً الأممية الأولى). وانتخب في هذا المجلس المحلي العام المؤقت ومقره في لندن وكان ماركس روح هذا المجلس، وكذلك روح جميع المجالس العامة التالية حتى مؤتمر لاهاي.
وكان ماركس هو الذي وضع تقريباً جميع الوثائق التي أصدرها مجلس الأممية العام، ابتدأ من البيان التأسيس في عام 1864 حتى النداء حول الحرب الأهلية في فرنسا عام 1871.
أما مؤتمر لاهاي المنعقد بين 2 وحتى 7 أيلول 1872 وبحضور 65 مندوباً عن 15 منظمة وطنية، حيث أشرف ماركس وإنجلز على المؤتمر. خلال هذا المؤتمر بلغ النضال الذي خاضه ماركس وإنجلز وأنصارهما طوال سنوات عديدة ضد الانعزالية البرجوازية الصغيرة، بجميع صورها في الحركة العمالية، غايته فقد شجب المؤتمر نشاط الفوضويين الانشقاقي وفصل زعماءهم من الأممية.
أرست قرارات لاهاي الأساس لإنشاء أحزاب سياسية مستقلة للطبقة العاملة في مختلف البلدان.
وبعد سقوط كومونه باريس، أصبح الوضع لا يطاق، خاصةً نتيجة لتصرفات عناصر طائشة وفوضوية وقذرة جعلت ماركس يتخذ قرار بنقل المجلس العام للأممية الأولى إلى أمريكا وخصوصاً أن الوعي الطبقي الذي أيقظته الأممية وعي تضامن ووحدة مصالح البروليتاريا من جميع البلدان، يستطيع أن يشق لنفسه طريقاً حتى بدون اتحاد أممي رسمي، من شأن عراه، أن تتحول في الوقت الحاضر الى قيود.
بعد مؤتمر لاهاي توفر آخر الأمر لماركس الهدوء والوقت الحر لكي يعكف من جديد على عمله النظري كتابة المجلد الثاني من كتاب "رأس المال".
من بين الاكتشافات الهامة العديدة التي سجل بها ماركس اسمه في تاريخ العلم والفلسفة، الانقلاب الذي أحدثته في كامل مفهوم التاريخ العالمي. ففي جميع النظرات السابقة الى التاريخ، كانت تقوم الفكرة القائلة أنه ينبغي في آخر تحليل التفتيش عن سبب جميع التغييرات التاريخية في أفكار الناس المتغيرة، وأن التغييرات السياسية هي بين جميع التغيرات التاريخية، التغيرات الأهم، التغيرات التي تحدد التاريخ كله، أما من أين تظهر الأفكار عند الناس وما هي الأسباب، المحركة للتغيرات السياسية، فإن هذا لم يكن موضوع تفكير عميق.
فقط في مدرسة المؤرخين الانجلز، نشأ الاعتقاد ان نضال البرجوازية النامية ضد النبلاء الإقطاعيين في سبيل السيادة الاجتماعية والسياسية هو القوة المحركة للتاريخ الأوروبي، على الأقل منذ القرون الوسطى. أما ماركس فقد برهن أن تاريخ البشرية السابق كله هو تاريخ النضال بين الطبقات، وأن الكلام في كل النضال السياسي المتنوع والمعقد قد دار دائماً على وجه الضبط حول السيادة الاجتماعية والسياسية لهذه او تلك من طبقات المجتمع، حول احتفاظ الطبقات القديمة بالسيادة، حول توصل الطبقات الجديدة المتصاعدة إلى السيادة، ولكن بفعل أي شيء تظهر هذه الطبقات وتوجد! الظروف المادية، المحسوسة بشكل طبيعي صرف، المتوفرة كل مره، والتي ينتج ويبادل المجتمع في ظلها، في كل عصر بعينه، وسائل العيش الضرورية.
فإن السيادة الإقطاعية في العصور الوسطى كانت تعتمد على اقتصاد المشاعات الفلاحية الصغيرة، التي كانت تكفي نفسها بنفسها والتي كانت تنتج بنفسها قرابةً جميع الوسائل الضرورية لاستهلاكها، ولم تكن تعرف تقريباً التبادل والتي كان النبلاء ذوو النزعة الحربية يؤمنون لها الحماية من الـعداء الخارجين ويؤمنون لها الصلة القومية، أو على الأقل الصلة السياسية.
وعندما انبثقت المدن وانبثقت معها الصناعة الحرفية المحصورة وانبثق التداول التجاري داخل البلد في بادئ الأمر، ثم على الصعيد العالمي، عند ذاك تطورت البرجوازية المدينية التي سبق أن ظفرت لنفسها في القرون الوسطى، في غمرة النضال ضد النبلاء، بمكان في النظام الإقطاعي بوصفها هي أيضاً فئة مميزة.
ولكن البرجوازية كسبت منذ اكتشاف الأراضي خارج أوروبا، منذ أواسط القرن الخامس عشر، ميداناً أرحب بكثير لأجل النشاط التجاري، وكسبت بالتالي حافزاً جديداً لأجل إنماء صناعتها. وعلى هذا النمو أخذت البرجوازية تركز أكثر فأكثر في يدها الثروات الاجتماعية، وخاصةً بعد الثورة الصناعية، والقوة والسيطرة السياسية والاجتماعية، رغم أنها ظلت لفترة طويلة محرومة من السلطة السياسية التي بقيت في أيدي النبلاء وفي يد السلطة الملكية المعتمدة على النبلاء.
ولكنها في درجة معينة من التطور والهيمنة الاقتصادية ظفرت أيضاً بالسلطة السياسية وأصبحت بدورها الطبقة السائدة حيال الطبقة العاملة والفلاحين الصغار.
ومن جهة النظر هذه- وطبعاً بعد الاطلاع الكافي على أوضاع المجتمع الاقتصادية في المرحلة المعينة- تفسر جميع الظاهرات التاريخية بأبسط نحو، كما تفسر أيضا تصورات وأفكار كل مرحلة تاريخية معينة، بشكل بسيط للغاية، بشروط الحياة الاقتصادية وبالعلاقات الاجتماعية والسياسية التي تشترطها هذه الشروط في هذه المرحلة. وللمرة الأولى أقيم التاريخ على أساسه الفعلي.
وهذا الواقع الجلي، ولكن الذي غاب عن البال كلياً، وهو أنه يجب على الناس بادئ ذي بدء أن يأكلوا ويشربوا ويملكوا مسكناً ويلبسوا، وأنه يجب عليهم بالتالي أن يشتغلوا قبل أن يصبح في إمكانهم النضال من أجل السيادة والاهتمام بالسياسة والدين والفلسفة الخ.... هذا الواقع البين تم الآن في آخر المطاف، الاعتراف بحقوقه ودوره التاريخي، من خلال المادية التاريخية الماركسية. فقد أثبت ماركس أن التاريخ كله يسير في طريق التناحر والنضال بين الطبقات، وأنه وجدت على الدوام طبقات سائدة ومسودة، مستثمرة، وأن الأغلبية الهائلة من البشر كان دائماً من نصيبها العمل القاسي والعيشة الحقيرة. لماذا؟ بكل بساطة لان الإنتاج كان ضعيف النمو في جميع الدرجات السابقة من تطور البشرية، إلى حد أنه لم يكن بوسع التطور التاريخي أن يتحقق إلا في هذا الشكل بينما كان السواد الأعظم محكوماً عليه بكسب وسائل عيشه الزهيدة، فضلاً عن العمل دائماً على زيادة ثروات الطبقات السائدة.
ولكن هذا المفهوم ذاته عن التاريخ، الذي يفسر بنحو طبيعي ومعقول السيادة الطبقية القائمة حتى الآن، والتي لا يمكن تفسيرها على شكل آخر إلا بإرادة الناس الشريرة، يؤدي أيضاً إلى الاقتناع بأن الأساس الأخير لانقسام الناس إلى سادة ومسودين، ومستثمرين يزول في أكثر البلدان تقدماً على الأقل، نتيجة لنمو القوى المنتجة نمواً هائلاً في الوقت الحاضر، وبأن البرجوازية الكبيرة السائدة قد لعبت دورها التاريخي، وأصبحت كابحاً لاطراد نمو الإنتاج، كما تبين الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها الدول الرأسمالية المختلفة، وأنه في النهاية قيادة التاريخ ستنتقل، للبروليتاريا- للطبقة العاملة. هذه الطبقة التي لا تستطيع أن تحرر نفسها بحكم جميع شروط وضعها الاجتماعي، إلا بالقضاء على كل سيادة طبقية وكل عبودية وكل استثمار على العموم، وبأن القوى المنتجة الاجتماعية، التي تنامت الى حد أن البرجوازية لم تعد تستطيع السيطرة عليها، لا تفعل غير أن تنتظر أن تمتلكها البروليتاريا المتحدة وتقيم نظاماً يوفر لكل عضو من أعضاء المجتمع إلا فرصة الاشتراك في الإنتاج وحسب، بل أيضا فرصة الاشتراك في توزيع وإدارة الثروات الاجتماعية نظاماً يزيد قوى المجتمع المنتجة والمنتوجات التي تصنعها، ويكثرها بتنظيم كل الإنتاج تنظيماً منهاجياً، الى حد يضمن لكل فرد تلبية حاجاته المعقولة بمقادير متعاظمة على الدوام.
الاكتشاف الآخر الهام الذي حققه ماركس فيتلخص في توضيح العلاقة بين الرأسمال، والعمل توضيحاً وافياً ونهائياً، وبتعبير آخر، في تبيان الطريقة التي يتحقق بها استثمار العامل من قبل الرأسمالي في المجتمع الحالي، في ظل أسلوب الإنتاج الرأسمالي القائم. فمنذ أن تقدم الاقتصاد السياسي بالموضوعة القائلة ان العمل هو مصدر كل ثروة وكل قيمة، كان لا بد أن يطرح السؤال التالي: كيف يمكن التوفيق بين هذا الأمر، والأمر التالي وهو أن العامل الأجير لا يحصل على كل مقدار القيمة التي ينتجها بعمله، ويجب عليه أن يعطي الرأسمالي قسماً منها.
عبثاً حاول الاقتصاديون البرجوازيون وعبثاً حاول الاشتراكيون الطوباويون أن يعطوا جواباً معللاً علمياً عن هذا السؤال، الى أن جاء ماركس أخيراً بحله. هذا الحل يتلخص فيما يلي: أن أسلوب الإنتاج الرأسمالي يفترض وجود طبقتين اجتماعيتين هما من جهة الرأسماليون الذين يملكون وسائل الإنتاج ووسائل العيش، ومن جهة أخرى البروليتاريون المحرومون من هذه وتلك، والذين لا يملكون سوى بضاعة واحدة لأجل البيع هي قوة عملهم وهم مضطرون الى بيع قوة عملهم لكي يحصلوا على وسائل العيش الضرورية. ولكن العامل لا يجدد في عمله، في خدمة الرأسمالي قيمة قوة عمله التي دفع الرأسمالي أجرها وحسب، بل ينتج أيضا علاوة على ذلك قيمة زائدة، يستأثر بها الرأسمالي في البدء، ثم توزع فيما بعد بموجب قوانين اقتصادية معينة بين طبقة الرأسماليين برمتها وتؤلف ذلك المصدر الذي ينجم منه الريع العقاري والربح وتراكم الرأسمال. وبكلمة جميع تلك الثروات التي تستهلكها او تكدسها الطبقات غير العاملة.
وهذا ما نراه في عالمنا المعاصر حينما نرى تمركز رأس المال عالمياً في أيدي 1,000 عائلة أو شركة وفي إسرائيل في 16 عائلة.
من هنا فإثراء الرأسماليين المعاصرين يتحقق بواسطة امتلاك عمل غير مدفوع الأجر يقوم به آخرون أي العمال، بدرجة لا تقل عما كان عليه الحال عند مالكي العبيد أو عند الإقطاعيين الذين كانوا يستثمرون عمل الأقتان، وعلى جميع أشكال الاستغلال والاستثمار هذه لا يختلف بعضها عن بعض إلا بالطريقة التي يجري بها امتلاك العمل غير المدفوع الأجر. ولكن بفضل هذا، تحطم الأساس الأخير الذي تعتمد عليه الطبقات المالكة للتشدق بالأقوال المنافقة الزاعمة أن النظام الاجتماعي الحالي الذي يسوده القانون والعدل والمساواة في الحقوق والواجبات والتوافق العام بين المصالح، وبفضل هذا انفضح المجتمع البرجوازي الحالي بدرجة لا تثقل عن درجة انفضاح المجتمع السابق انفضح بوصفه مؤسسة كبيرة جداً لاستثمار الأغلبية الهائلة من الشعب من قبل أقلية ضئيلة تقل باستمرار.
على هذين الأساسين الهامين ترتكز الماركسية العلمية في دراسة النظام الاجتماعي الرأسمالي وتكشفه على حقيقته التاريخية، بأنه مرحلة تاريخية عابره وبأن الرأسمالية تحفر قبرها بنفسها طبقة رأسمالية سائدة اليوم ولكن ستسحب البساط من تحت رجليها من خلال مركزة رأس المال، المناقضة لكون عملية الإنتاج عملية اجتماعية وهذا هو التناقض الجدلي التاريخي الذي نعيشه اليوم في عصرنا الحالي.

* (عن مقال كتبه إنجلز في أواسط حزيران 1877 وصدر في صحيفة "تقويم الشعب" الصادرة في روانشفيغ عام 1878 بتصرف مع إضافات وتعليقات من كاتب المقال د. خليل).





لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,860,717,751
- مقولات الديالكتيك الماركسي: المحتوى والشكل
- مقولات الديالكتيك الماركسي: الضرورة والحرية
- مقولات الديالكتيك الماركسي: السبب والنتيجة- العلة والمعلول
- مقولات الديالكتيك الماركسي: الضرورة والصدفة
- الاقتصاد السياسي الرأسمالي من آدم سميث الى تأليه السوق الحرة
- الروابط الإسرائيلية مع المحافظين الجدد، والحرب على العراق
- النظرية الماركسية والثورة الاجتماعية
- المادية الديالكتيكية: ما هي المادة؟ المادة وأشكال حركاتها
- خواطر
- المادية الديالكتيكية: ما هي المادة
- المكون الأول للفلسفة الماركسية- المادية الفلسفية: المادية ال ...
- المادية الماركسية
- الفلسفة المثالية الألمانية
- ماركس من النظرية إلى التطبيق (1846- 1848)
- تطور الإشتراكية من طوباوية إلى علمية: ماركس من الطوباوية إلى ...
- من -الخطر الشيوعي- إلى -الخطر الإسلامي- - خدعة الإعلام الرسم ...
- نقد يهودية الدولة من وجهة نظر ماركسية
- العراق- مذبح هيمنة رأس المال وكهنة الحرب
- الماركسية فلسفة إنسانية
- الاشتراكية الطوباوية والاشتراكية العلمية


المزيد.....




- نساء الانتفاضة العدد 41
- حزب العمال: المصادقة على مشروع قانون لتعديل المرسوم 116 ضرب ...
- مصرع 8 عناصر من حزب العمال في غارة تركية شمالي العراق
- عمال البناء.. أقسى اغتراب وأقصى استغلال
- مقتل ثمانية عناصر من حزب العمال في غارة تركية في العراق
- النبي المسلّح: الفصل الثالث – على عتبة التاريخ جـ 6 (26)
- الشعبية: حملات العدو ضدنا تؤكد صوابية خيارنا الكفاحي والسياس ...
- الشرطة في مالي تطلق الرصاص لتفريق محتجين يطالبون باستقالة ال ...
- أي عمل نقابي لمواجهة الهجوم على مكتسبات الشغيلة
- النهج الديمقراطي بتطوان يدين انتهاك حقوق الطبقة العاملة ويدع ...


المزيد.....

- ماركس، العبودية السوداء والعنصرية / هشام روحانا
- دراسات اجتماعية-اقتصادية معاصرة / هاشم نعمة
- إضطهاد السود فى الولايات المتّحدة الأمريكيّة و الثورة الشيوع ... / شادي الشماوي
- دفاعا عن الماركسية - الجزء الخامس والاخير - ليون تروتسكي / احمد حسن
- ضد تفسير نشوء المعرفة من المعتقدات الايمانية / مالك ابوعليا
- تاريخ الدين: الأدلة الأركيولوجية للمعتقدات الدينية / مالك ابوعليا
- !ديفيد هارفي ضد الثورة: إفلاس -الماركسية الأكاديمية- / طلال الربيعي
- بعض المسائل العلمية-الفلسفية لنظرية الحقيقة. القسم الثاني: ا ... / مالك ابوعليا
- تلخيص مبسّط لكتاب كارل ماركس رأس المال والعمل المأجور (الجزء ... / سمية العثماني
- تلخيص مبسّط لكتاب كارل ماركس رأس المال والعمل المأجور (الجزء ... / سمية العثماني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - خليل اندراوس - كارل ماركس