الازمة العامة للعولمة الراسمالية في ظرف ضعف الحركة الثورية تحررها من هيمنة القطب الاكبروتعمق وتطور تناقضاتها


سعاد خيري
2008 / 11 / 14 - 08:20     

كان يمكن للقوى الثورية في العالم الاستفادة من ظروف الازمة العامة الشاملة للعولمة الراسمالية وان تحقق انتصارات كبرى على صعيد التحرر الوطني والطبقي. كان يمكن للشعب العراقي الاستفادة من ضغط الازمة الشاملة التي تعانيها الامبريالية الامريكية ليس فقط لقبر الاتفاقية الاستعبادية وانما لتحقيق انسحاب قوات الاحتلال فورا من العراق دون الخوف من أي تهديدات امبريالية او قوى رجعية، لو لم تترهل قواه الثورية وحتى تهادن معظم قياداتها مع المحتلين. ولو استمرت قواه الثورية في توعية وتعبئة الجماهير لتنهض بمهامها، لتمكنت ليس فقط حماية الوطن من كل عدوان او اجتياح خارجي وحماية الامن الداخلي، وانما ان تسيير شؤون الدولة عامة والاقتصاد خاصة كما فعلت في ثورة 14/تموز عام 1958، لاسيما وهي مسندة اليوم بنضالات الشعب الامريكي المطالب بسحب القوات الامريكية من العراق. ولو لعبت القوى الثورية الامريكية دورها التاريخي في توعية وتعبئة الشعب الامريكي لتمكن بدوره من تصعيد كفاحه الطبقي ضد هيمنة الشركات الاحتكارية الكبرى التي تجسد مصالحها الادارات الامريكية الديموقراطية والجمهورية على السواء وتسفك دماء ابنائه في حروب ليس له اية مصلحة فيها وتبدد كل ثرواته . ولتمكن الشعب الفلسطيني بقيادة قواه الثورية الموحدة والمتطورة من توحيد صفوف مقاومته للاحتلال الاسرائيلي بعيدا عن المنافسة على المناصب القيادية البائسة في ظل الاحتلال او التبعية لاسياده، من تحقيق اهدافه في اقامة الدولة الفلسطينية الديموقراطية وعاصمتها القدس. ولتمكنت القوى الثورية في امريكا اللاتينية الاستفادة من انشغال الامبريالية الامريكية في ازمتها للتقدم بخطوات واثقة نحو بناء الاشتراكية متسلحة بالنهج الماركسي المادي الديالكتيكي في حل كل ما يفرضه عصرنا من مشاكل وفي الاستفادة من كل ما يتيحه عصرنا من امكانيات. ولاصبحت منارا اكثر اشراقا وجاذبية ليس لبقية شعوب امريكا اللاتينية بل ولشعوب العالم. ولتمكن الشعب الروسي بقيادة قواه الثورية ، بدلا من المعاناة من تاثير الازمة الشاملة للعولمة الراسمالية التي اصبحت روسيا احد اقطابها، ان يصعد نضالاته ضد الاستغلال الطبقي وضد استقتال الحكومة الروسية الممثلة للراسمال الروسي، لتحتل مركز القطب الراسمالي الاكبر واستعداداتها العسكرية لزج الشعب الروسي في حروب يمكن ان تدمر لا روسيا وحدها وانما العالم كله لتحقيق اهدافها.
وفي ظل هذه الاوضاع العالمية ستتمكن العولمة الراسمالية اجتياز ازمتها على حساب شعوب العالم بما فيها شعوب اقطابها ويبقى العبء الاكبر على عاتق شعوب البلدان التابعة ولاسيما المحتلة. وسيختل ميزان القوى بين اقطابها التي لم ينج أي منها من عواقب الازمة العامة الكامنة اسبابها وحتمية تطور وتعمق نتائجها في قوانينها الاساسية ومع انتهاء دورها التاريخي في خدمة تطور البشرية وتحولها الى خطر يهدد وجودها . وسيتصاعد التنافس بين اقطابها على مركز القطب الاكبر بين الاقطاب المنهكة اقتصاديا والمختالة عسكريا ولاسيما بين امريكا وروسيا، بما تمتلكه من اسلحة دمار شامل قادرة على تدمير الكرة الارضية عدة مرات. في حين تسعى الاقطاب الراسمالية الاخرى كفرنسا والمانيا وانكلترا الى تدعيم العولمة الراسمالية بالتحرر من هيمنة القطبية والتوجه الى تحويل صندوق النقد الدولي الى مصرف مركزي عالمي، والى نواة حكومة مالية عالمية. والحلم بتحويله من اداة لاطفاء حرائق الازمات المستعرة الى اداة لادارة العمارة المالية العالمية ومنسق ومنظم للعلاقات المالية العالمية . ومن خلال زيادة موارده وتجنب السياسات التي ادت الى الفقاعات المتكررة التي يؤدي انفجارها الى تدمير الاقتصاد الانتاجي الحقيقي كما طالبت به 185 دولة تشترك في عضوية الصندوق وهيئة مراقبة القواعد المالية الجديدة التي بلورها منتدى الاستقرار المالي مع صندوق النقد الدولي. واستنفرت كل طاقاتها الايديولوجية واجهزتها الاعلامية لتصوير هذه الازمة بانها ازمة جميع الشعوب والبلدان ومن الضروري اسهام جميع الشعوب والبلدان لحلها وتدافعت الحكومات التابعة بدون اية مقاومة او حتى معارضة شعوبها، لتقديم احتياطيات شعوبها التي جمعتها من دماء وعرق كادحيها لدعم الاجهزة المالية العالمية العملاقة التي فجرت هذه الازمة ، واشغال الشعوب عما ستكلفه نتائج الازمة من تعميق للاستغلال وبطالة وافقار وتجويع.
ان كل هذه الحلول والمشاريع والاصلاحات لايمكنها ان تحرف مسيرة التاريخ التي استطاعت الماركسية كشف اتجاهاته وافاقه على ضوء الفلسفة المادية الديالكتيكية ولا ان تقضي على التناقضات الرئيسية لعلاقات الانتاج الراسمالية القائمة على الاستغلال الطبقي الذي توسع ليشمل البشرية ولا على الركض وراء الارباح والتنافس الذي تطور الى حروب محلية وعالمية ومن هيمنة محلية الى هيمنة عالمية . ولا يمكن ان تقضي على طموحات البشرية للتحرر من اشكال الاستغلال والاستعباد الوطني والطبقي وبناء المجتمع الانساني الحقيقي . وكل ما يمكنها تحقيقه هو تأخير العملية التاريخية وتحميل البشرية مزيد من الكوارث والالام ومزيد من الازمات، حتى تتطور وتتوحد القوى الثورية الوطنية والعالمية لتقود النضال الوطني والعالمي نحو النصر الحاسم على علاقات الانتاج الراسمالية وكل ما انتجته وتنتجه قوانينها الاساسية وتناقضاتها وازماتها المتفاقمة عبر كل مراحل تطورها .