أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد أحمد الزعبي - الحزب السياسي بين الدين والدنيا








المزيد.....


الحزب السياسي بين الدين والدنيا


محمد أحمد الزعبي

الحوار المتمدن-العدد: 2463 - 2008 / 11 / 12 - 04:26
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ينطوي مفهوم الحزب من الناحية اللغوية على ازدواجية تشير إلى كل من التجمّع ( حزب القوم( بالفتح ) : جمعهم أحزابا ) والتقسيم
( حزب القرآن : قسّمه أحزابا) . أما من الناحية الإصطلاحية ، فإن مفهوم الحزب عامة والحزب السياسي خاصة ، إنما يشير إلى "مجموعة من المواطنين ، يحملون رؤية مشتركة ( موحدة أو متقاربة ) حول ماضي وحاضر ومستقبل الأمة / الدولة / المجتمع الذي يعيشون فيه ، و / أو الجماعة التي ينتمون إليها ، التقوا طواعية على الإلتزام والعمل المشترك لتعميم وتنفيذ هذه الرؤية ، وجعلها هدفا استراتيجيا لهم ، وبالتالي للحزب الذي ينتمون إليه . " ومن الطبيعي أن تنطوي هذه الرؤية المشتركة على تلك الإزدواجية التي أشرنا إليها وبالتالي على الضدّيّة الإجتماعية ، من حيث أن أي حزب سياسي ، لابد وأن يكون مع جماعة إجتماعية معينة ، و ضد جماعة اجتماعية أخرى ، حتى في حال كون هذه الضدية من نوع " أنصر أخاك ظالما أو مظلوما " وإلاّ فلا مبرر لوجود التعددية الحزبية بوصفها انعكاسا موضوعيا للتعدد في الرؤى السياسية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية لهذه الأحزاب .
2.
إن انطواء مفهوم الحزب على تلك الإزدواجية ، إنما يعود واقع الحال لأسباب موضوعية ، تتمثل أساسا في ان كل أمة من الأمم / شعب من الشعوب / مجتمع من المجتمعات / قوم من الأقوام ، عادة ماتتكون/ يتكون من أفراد تتوازعهم مجموعة من الإنتماءات الإجتماعية المتعددة والمتشابكة السابق معظمها على وجودهم نفسه ، والتي يعتبر الحزب السياسي واحدا منها.
وبما أن هذه الإنتماءات ليست على درجة واحدة من الأهمية ، ومن التأثر والتأثير على حياة كل من الأفراد والجماعات ، فإنه باستخدام ما أطلق عليه الكاتب منهج الإحالة ( إحالة العارض إلى الجوهري ، والأقل أهمية إلى الأكثر أهمية ، والجزء إلى الكل ، والثانوي إلى الرئيسي ...الخ ) يمكن إحالة كل هذه الإنتماءت (التي قد تصل إلى 30 إنتماءً )إلى مابات متعارف عليه بالإنقسام العمودي ( القبلي ، القومي ، الديني ، الطائفي بصورة أساسية ) ، والإنقسام الأفقي ( الإقتصادي ـ الطبقي ).
هذا مع العلم أن هذين الإنقسامين متشابكان ومتداخلان ، ويؤثر كل عنصر فيهما بالآخر ويتأثر به ، كما أن العناصر المكونة لكل منهما ليست متكافئة ، ولا متساوية التأثر والتأثير ، فالإنتماء القومي ( الإنتماء إلى الأمة )، والدولتي( الإنتماء إلى الدولة ) مثلا يتعارضان مع الإنتماء القبلي ، ويتعارض الإنتماء الديني من جهته مع العصبية القبلية ، ومع العصبية القومية ( يايها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوب وقبائل لتعارفوا ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم ( الحجرات 13 )، وتتعارض الماركسية بدرجة أو بأخرى ، بصورة أو باخرى مع الإنتماءات العمودية الأربعة السابقة ، ولا سيما في نسختها المتعصبة ، الأمر الذي لابد أن يترتب عليه نظريا وعمليا التعارض بين كل من الحزب القبلي ، والحزب الطائفي والحزب القومي ، والحزب الديني ، والحزب الماركسي ، وهو مانراه اليوم في كل من لبنان والعراق والسودان بأجلى صوره وأوضحها ( وهذا على سبيل المثال لاالحصر ) . وفي رؤية
سوسيولوجية رمزية ــ وعلى سبيل التغليب ــ فإنه يمكن ربط الإنقسام العمودي باسم عبد الرحمن بن خلدون ( مسألة العصبية )، وربط الإنقسام الأفقي باسم كارل ماركس ( الطبقات والصراع الطبقي )، وتصبح دراسة الواقع الإجتماعي بما في ذلك الحياة السياسية والحزبية في أي مجتمع من المجتمعات ، ولا سيما مجتمعات البلدان النامية (ومنها الوطن العربي ) تقتضي الجمع المنهجي
( على المستويين النظري والتطبيقي ) بين رؤية كل من ابن خلدون وكارل ماركس ، والتشريع الإسلامي في آن واحد ، وهو مايمثل المثلث المنهجي لدراسة المجتمع العربي . هذا مع العلم أن الحضور الأساسي في مجتمعات البلدان النامية التي مايزال يغلب عليها طابع الإقتصاد الزراعي الماقبل ـ رأسمالي والماقبل ـ صناعي بأبعاده الإجتماعية والثقافية والفكرية هو لرؤية ابن خلدون السوسيولوجية ( العصبية ) ، بينما تسود الرؤية الماركسية في المجتمعات الصناعية المتطورة، حيث تراجع الإنقسام العمودي هنا إلى درجة كبيرة لصالح الإنقسام الأفقي( الطبقي ) .
إن هذا الفارق في الواقع الإجتماعي والإقتصادي بين المجتمعات الصناعية المتطورة ومجتمعاتنا العربية التي ماتزال على طريق التطور والنمو إنما يجد انعكاسه الموضوعي في الفارق الجوهري في الحياة السياسية والحزبية بين هذين النوعين من المجتمعات، وذلك بعيدا عن الدخول في متاهات الجانب القيمي المتمثل، بالفارق بين مفهوم التطور، الذي يشير إلى البعد التكنولوجي الذي تحتكره البلدان الرأسمالية الصناعية ، ومفهوم التقدم الذي يشير إلى البعدالأخلاقي والقيمي الذي أطلق عليه نبينا الكريم مكارم الأخلاق (إنما أتيت لأتمم مكارم الأخلاق ) ، ولاسيما ما يتعلق بتماسك الأسرة وتعاضدها وبمنظومة القيم الإجتماعية الدينية والدنيوية التي تحافظ على التكافل الإجتماعي في المجتمعات الإسلامية و الذي يبدأ بعلاقة الجيرة لينتهي بعلاقة المواطنة في بلداننا ، والذي ماتفتقرإليه البلدان الرأسمالية فيما يخص العلاقات الإجتماعية الحميمية بين الأفراد والجماعات .

3.
وفيما يتعلق بالدين وبالتالي بالحزب ذي المرجعية الدينية ، فإن الأمر يتعلق فيما يخص موضوعنا ، بمعنيين متداخلين ومتوازيين هما ، من جهة ، الإيمان بالله وباليوم الآخر ( البعث ) والذي يشير من الناحية السوسيولوجية إلى أن المرء مسؤول فيما يتعلق بالعبادات بصورة أساسية وأولية أمام الله وأنه إذا ماارتكب في مجال المعاملات معصية ما ، دينية كانت أو دنيوية، واستطاع بطريقة ما أن يفلت من عقاب الدنيا فإنه لن يقلت من عقاب الله في الدار الأخرى ، حيث ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره . الزلزلة / 7، 8 ) . ويعتبر الدين من هذه الزاوية حليفا لمنظومة القيم القانونية والإجتماعية الدنيوية ( الدستور والقوانين ) ، والتي
عادة ما تكون جذورها ضاربة في تربة الدين نفسه ، الأمر الذي يشير إلى إمكانية تعاون الطرفين على بناء المجتمع المعني بناءً
سليما ومتينا ومتوازنا ، على قاعدة " إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا "، وحيث يجد المستضعفون سلاحهم وعزاءهم في مواجهة الظالمين والمستكبرين بلجوئهم إلى الدين وإلى العبارات المعروفة " خاف الله ، اتق الله ، أمري إلى الله ، أشكيك لله ، حسابك عند الله ...الخ " وذلك بغض النظر عن الطابع الإتكالي القدري الذي يراه البعض في لجوء هؤلاء


المستضعفين إلى مثل هذه العبارات بدلا من أن يواجهوا مغتصبي حقوقهم بالسيف .
إن الحديث عن الدين بصورة عامة ، لايغني عن الإشارة إلى أن الدين الإسلامي ، بركيزتيه الأساسيتين ( القرآن والحديث) إنما يختلف عن الأديان السماوية الأخرى ، ولا سيما المسيحية واليهودية ، في احتوائه على عنصر " التشريع " ، الذي يتعلق بالحياة العملية
الدنيوية للناس ، ولاسيما في المجالين الإقتصادي والإجتماعي ، الأمر الذي ترتب عليه، من جهة عودة البعض إلى نظرية الحاكمية
(نسبة إلى شعار، لاحكم إلا لله الذي رفعه الخوارج ضد مسألة التحكيم المعروفة بين علي ومعاوية ) ، وتبني البعض الآخر مبدأ ولاية الفقيه ( جمهورية إيران الإسلامية ) ، ومن جهة ثانية ، ظهور الأحزاب والجماعات الدينية ( الإخوان المسلمين خاصة ) بوصفها منافسا إجتماعيا قويا للأحزاب السياسية ـ الدنيوية، ذلك أن رؤية هذه الأحزاب والجماعات السياسية ، تشتمل على كل من الدنيا والأخرة في آن واحد .
إن التساؤلات الإشكالية التي تطرح نفسها هنا هي : هل إن مثل هذه المنافسة بين حزب ذي مرجعية دينية سماوية ثابتة وآخر ذي مرجعية دنيوية متغيرة ، هي منافسة سياسية عاد لة ؟ أولا يعتبر قبول الحزب الديني بالإحتكام إلى صندوق الإقتراع الذي يمكن أن يفتح صدره لكافة المواطنين ، مؤمنهم وكافرهم ، مسلمهم ومسيحيهم ، يهوديهم وبوذيهم ، خروجاً على مبادئه الإلاهية ذاتها ؟ هل هنالك من ضمانة في أن لايعطي صندوق الإقتراع في بلد ديمقراطي حاكما غير مسلم، حتى في حال أن ألأكثرية في هذا البلد تعتنق الدين الإسلامي؟ وفي هذه الحال ماهو موقف الحزب الإسلامي ؟
4.
إن طرحنا للتساؤلات ـ الإشكالية في نهاية الفقرة الثالثة أعلاه ، يحتم علينا كمهتمين وكباحثين سوسيولوجيين ، ان نبحث عن الإجابة العلمية والموضوعية لتلك التساؤلات ، وبالتالي لحل تلك الإشكالية المتعلقة بحق الجماعات الدينية ، ولاسيما الإسلامية منها ، بتأسيس أحزابها الخاصة ، وبالوصول إلى الحكم بواسطة هذه الأحزاب . .إن ماينبغي قوله وتوكيده حول هذه المسالة هو ــ حسب اجتهاد الكاتب ــ بصورة أساسية مايلي :
ـــ إن قبول أي حزب بمبدأي المواطنة والديمقرطية ( أنظر الفقرة السابقة ) سينزله بالضرورة من السماء إلى الأرض ويحوله بالتالي إلى حزب سياسي دنيوي بامتياز ، أي يضعه عمليا في خانة المؤمنين بأن الدين لله والوطن للجميع / أعط مالقيصر لقيصر ، وما لله لله ، دون ضرورة الدخول ــ هنا أيضا ــ في متاهات مفهوم العلمانية عند كل من المرجعيتين الدينية والدنيوية .
ـــ إن الأمر الأساسي الذي يكمن وراء هذه المحايثة الإجتماعية والسياسية للحزب الديني ، ولا سيما الحزب الإسلامي ، إنما تعني هنا حقه المطلق في أن يدخل حلبة التنافس السياسي مع الأحزاب الأخرى ، من أجل الوصول إلى السلطة ، وبالتالي تنفيذ رؤيته الأيديولوجية الخاصة، التى يرى فيها مصلحة الأمة والشعب ، والتي تتجسد بالنظام الإجتماعي والإقتصادي والثقافي والسياسي الإسلامي ، وفق ماتنص عليه الشريعة الإسلامية ، شريطة ألايتعارض التطبيق العملي لهذه الرؤية الدينية مع مبدأي المواطنة والديمقراطية السياسية اللذين حملا هذا الحزب الديني إلى سدة الحكم ، واللذين يمكن أن يطيحا به في انتخابات أخرى ، وفقا لقواعد اللعبة الديمقراطية .
ـــ إن القبول بقواعد اللعبة الديمقراطية ، وبالتالي إمكانية الدخول والخروج إلى ومن سدة الحكم عبر صندوق الإقتراع ، يمثل الضمانة الإجتماعية للتطبيق السليم والأخلاقي والمقبول شعبيا لمبادئ الشريعة الإسلامية ، الموصوفة بالسمحاء ، والبعيدة كل البعد عن التعصب الأعمى لبعض غلاة الأفراد ، وبعض الأقليات الدينية المتطرفة ، التي تخلط بين قوانين الأرض النسبية وقوانين السماء المطلقة ، وتعطي لنفسها الحق بالتالي في
احتكار الدين ، وفي محاولة فرض تفسيرها الخاص لمبادئ الشريعة على كافة أفراد وجماعات الأمة والوطن بالقوة !!
ـــ إن التعددية السياسية لايمكن أن تكون تعددية منفلتة ، ولابد أن تخضع بالتالي للقانون السوسيولوجي المعروف ، الا وهو قانون " وحدة وصراع المتضادات " ، بمعني أن هذا التضاد وهذه التعددية ، يجب أن تكون مشروطة ومحكومة بمبدأ " الوحدة " ، أي عدم خروج أية رؤية حزبية عن الثوابت التاريخية والإستراتيجية التي تخص كافة مواطني وجماعات المجتمع والأمة ، قبل وبعد أي فرد
بعينه ، وأي حزب بمفرده . ولعل الأسماء ذات الصبغة العامة التي باتت تعطيها الجماعات والأحزاب لنفسها ( الحزب الوطني
، الحزب الديمقراطي ، حزب العدالة والتنمية ..الخ ) إنما تدخل في هذا الإطار .
ـــ إن التعددية الدينية ، سواء بين الأديان ، ولا سيما السماوية منها ، أو بين الطوائف المذهبية التي تنتمي إلى هذه الأديان ، لابد وان تخضع بدورها لقانون وحدة وصراع المتضادات الذي أشرنا إليه ، ولا سيما أن الحياة الدنيا لاتزيد في نظر معتنقي هذه الأديان على أن تكون مجرد معبرمؤقت للمخلوق في طريقه نحو الخالق . إن قبول أي حزب ديني أو أية مجموعة طائفية ، بشعار " الدين لله والوطن للجميع " إنما يعني بالضرورة عدم السماح لنفسه / لنفسها أن تحتكر السلطة من بين الجميع ، وأن تتعاون مع أعداء الدين ( بكل طوائفه ) من أجل هذا الإحتكار، كما يحدث الآن في العراق الشقيق . أما إذا كانت لاتقبل ولا تعترف بأن الدين لله والوطن للجميع ، فيصبح من حق المجتمع أن يحرمها من حق العمل السياسي والحزبي ، ذلك أن هذا العمل لايستقيم موضوعياً إلا مع القبول بمبدأي المواطنة والديمقراطية ، ومتضمناتهما المتعلقة بوحدة الوطن والأمة أرضا وشعبا وتاريخا ومقدسلت مجمع عليها من جهة وبالتعددية
الدينية واللغوية والقومية ضمن هذه الوحدة من جهة ثانية ، وبالقبول بحكم الأكثرية التي يفرزها صندوق الإقتراع النزيه والنظيف والشفاف من جهة ثا لثة .

5.
إن البنية الإجتماعية والسياسية لمجتمعات الديمقراطيات الأوروبية ، تشير إلى التباين الواضح بين ديمقراطية هذه المجتمعات ، التي تقوم على مبدأ التبادل السلمي للسلطة عبر صندوق الإقتراع ، الذي غالبا ما يرتكز دوره الديمقراطي على مبدأ المواطنة ، التي يتساوى في ظلها كافة حملة جنسية هذه المجتمعات امام القانون وبالتالي أمام صندوق الإقتراع ، بغض النظر عن أية تمايزات إثنية أو دينية أو لغوية أو جنسية بينهم ، وبين ديمقراطية البلدان النامية التي غالبا ماتكون انعكاسا مشوها لما دعوناه الإنقسام العمودي في هذه المجتمعات.


هذا مع العلم أن مثل هذه المساواة الإجتماعية بين كافة مواطني الدولة في ميعرف بالديمقراطيات الغربية ، لايعني الغياب التام لتلك الفوارق والتمايزات ( الإنقسامين العمودي والأفقي ) عن العملية الإنتخابية وبالتالي عن الحياة العامة في تلك الديمقراطيات ،بدليل الموقف السلبي المعروف لدول وحكومات الإتحاد الأوروبي من انضمام تركيا المسلمة إلى هذا الإتحاد ذي الصبغة المسيحية ، وأيضا الموقف المفضوح التحيز للكيان الصهيوني ضد الشعب العربي الفلسطيني ، بل وحتى ضد كل من يجرؤ على انتقاد إسرائيل و/ أو التعرض لإشكالية الهولوكوست من مواطني هذه الديمقراطيات حتى ولو كان فيلسوفا كبيرا بمستوى روجيه غارودي !! . إلاّ أن هذه الفوارق والتمايزات تظل هنا مكبوحة بحرية الصحافة من جهة وبالقبول الطوعي بمبدا الأكثرية والأقلية الذي يقع في اساس أي حكم ديمقراطي من جهة أخرى ، ناهيك عن أن طبيعة الرأسمالية الصناعية ذاتها ، تتعارض موضوعيا وذاتيا ، وبهذه الدرجة أو تلك مع الإنقسامات العمودية للمجتمع والتي هي بالأساس من مفرزات التشكيلة الإقتصادية ـ الإجتماعية لمرحلة ماقبل الرأسمالية .
أما بالنسبة للبلدان النامية عامة ، وللمجتمعات العربية خاصة ، فإن مالا تخطؤه العين هو أن غالبية ، إن لم نقل كل دولها وحكوماتها إنما تقوم على احتكار السلطة السياسية والإجتماعية وإلى حد ما الثقافية من قبل أسرة ، أو قبيلة ، أو منطقة ، أو طائفة ، أو أقلية ما، ومن خلال زعماء سياسيين أو اجتماعيين أفرزتهم وفرضتهم الظروف التاريخية المرتبطة بمنظومة القيم الماقبل ظهور الدولة القومية الحديثة ، والذين عادة ما يستمرون في الحكم من المهد إلى اللحد ، ويورثون هذا الحكم لأولادهم من بعدهم ، بغض النظر عن مدى اهلية أو أحقية أو عمر هؤلاء الأولاد ، بل وحتى بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي السائد ، أكان هذا النظام ملكيا او جمهوريا أوحتى جماهيريا ،... !!.
وكما ان الإبداع الفردي والجماعي لايرى النور ، ولا ينتعش ويترعرع إلا في جو من الحرية ، فكذلك الحزب السياسي فإنه لايمكن ان يكون انعكاسا صادقا وامينا عن الحالة الإجتماعية والسياسية التي أفرزته ، إلاّ إذا كان المناخ الإجتماعي الذي يعيش ويتنفس فيه هذا الحزب هو مناخ ديمقراطي، وإلا فسيتحول الحزب نفسه إلى جزء من الإشكالية الإجتماعية السياسية التي استلزمت وجوده بدلا أن يكون جزءا من حل هذه الإشكالية .
إن تجاوز الحزب السياسي لجرثومة الإنقسامين ، العمودي والأفقي ، اللذين أشرنا إليهما أعلاه ، لايمكن أن يتم ـ من وجهة نظر الكاتب ـ إلا بقبوله الطوعي ، المبني على قناعات حقيقية معلنة ومثبتة في أدبياته الرسمية في :
ــــ أن يكون حزبا وطنيا ، أي أن تكون منطلقاته النظرية ونظامه الداخلي موجها إلى كافة أبناء الأمة / الوطن / /الدولة التي انبثق منها ، والتي يعيش في كنفها ، ويكون لهم حق الإنتساب و/ أو الإنسحاب إلى / من هذا الحزب ، علما أن تعبير كافة أبناء الأمة إنما يشمل كلا من الرجال والنساء على حد سواء . ومن غير هذه الخاصية يكون الحزب حزبا انعزاليا او انفصاليا أو عنصريا ، وهو لايستحق بالتالي ان يوصف بالوطنية .
ـــ أن يكون حزبا ديمقراطيا ، سواء تعلق الأمر بالحياة الداخلية الخاصة بالحزب ، أو تعلق الأمر بموقف الحزب من المسألة الديمقراطية بصورة عامة ، سواء على المستوى الوطني أو القومي أو العالمي .
إن مفهوم الديمقراطية الذي ينبغي على الحزب السياسي أن يتبناه في مواقفه وفي أدبياته ، لابد أن يعني ويشير دونما تاتأة أو التباس إلى مايلي :
> القبول بالرأي الآخر ، وحل كافة الخلافات السياسية والأيديولوجية معه في حال وجودها، بالحوارالسلمي ، أي بالتي هي أحسن ( أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ،وجادلهم بالتي هي أحسن . النحل / 125) ،
> القبول بحاكمية صندوق الإقتراع ، وبالتالي بمبدأ خضوع الأقلية للأكثرية التي يوصلها الناخبون( الإنتخابات ) إلى سدة الحكم شريطة أن تكون هذه الإنتخابات نزيهة وشفافة وأخلاقية ، وليست من نوع انتخابات الـ 99% السورية المضحكة ، ولا من نوع انتخابات ال 12 مليون العراقية المبكية .ولا من نوع التعددية التي شهدناها مؤخرا في الإستفتاء الرئاسي في مصر !!، أو الإستفتاء الرئاسي في اليمن !! .
> التبادل الديمقراطي لللقيادات الحزبية ، ، والذي يمكن أن يكون الممر الإجباري للتبادل السلمي ـ الديمقراطي للسلطة على المستوى الوطني .
إن كافة المهتمين بالشؤون السياسية والحزبية يعرفون أن عددا من مؤسسي بعض الأحزاب العربية الوطنية أو القومية أو الماركسية قد استمروا على رأس أحزابهم ، إما حتى وفاتهم ، أو حتى وفاة أحزابهم ، أو حتى موت الطرفين معا ، بل إن بعضهم قد وّرث هذه القيادة إما لإبنه أولزوجته من بعده . كما وأن مثل هؤلاء القادة هم الذين وّرطوا أحزابهم بدعم الأنظمة الديكتاتورية في بلدانهم وربطوا مصيرهم الشخصي ومصير هذه الأحزاب مع مصير تلك الأنظمة المرفوضة من الغالبية الساحقة من أبناء الشعب بل ومن غالبيةأعضاء تلك الأحزاب التي يرأسونها !!.
ويرغب الكاتب أن يختم هذه الفقرة بشاهد للدكتور علي خليفة الكواري ، من مقالة له بعنوان " مفهوم الحزب الديمقرطي ـ ملاحظات أولية " جاء فيه : "... فإن الأحزاب جميعها تسعى للوصول إلى السلطة ، لذلك فإن ممارسة الديمقراطية داخل الحزب وشمولها المواطنين دون تمييز ... إضافة إلى نظرته غير الإقصائية إلى غيره من الأحزاب أيضا ، هي كبرى الضمانات للممارسة الديمقراطية داخل الدولة عندما يصل ذلك الحزب إلى سدة الحكم فيها . والحزب الذي لايؤسس على مبدأ المساواة بين المواطنين ، أو لايمارس الديمقراطية داخله وفي علاقاته ببقية الأحزاب قبل الوصول إلى الحكم ، يصعب إن لم يكن مستحيلا عليه ممارسة الديمقراطية في الدولة التي يصل إلى الحكم فيها سلميا أو عن طريق العنف .
6.
إن التعددية الحزبية في ظل الديمقراطية ، لابد أن تعني وجود حزب أو أكثر في السلطة ، وحزب أو أكثر في المعارضة ، الأمر الذي
يمكن أن يترتب عليه صراع غير موضوعي ، مكشوف أو مستتر بين الطرفين ، صراع من النوع الذي أطلق عليه عالم الإجتماع الألماني كارل مانهايم ، صراع بين الأيديولوجية والطوباوية ، حيث يظل المجتمع يدور في حلقة الوعود الكبيرة لأحزاب اليوتوبيا
( أحزاب المعارضة ) والإنجازات المتواضعة لأحزاب الأيديولوجيا ( الحاكمة ) .



إن مؤسسات المجتمع المدني التي هي الضلع الثالث في مثلث : السلطة ، الأحزاب السياسية ، مؤسسات المجتمع المدني ، إنما
تمثل الثلث الضامن ، والمخرج الشعبي السلسم من الأزمة السياسية والخلقية التي تعيشها سواء ديمقراطيات التبادل الشكلي للسلطة في الدول الأوروبية حيث تتضاءل الفروق العملية بين اليمين واليسار إلى مايقارب الصفر ، أو ديكتاتوريات احتكار السلطة وتوريثها
كما هي الحال في معظم الأقطار العربية .
وبما ان سورية ،( ذات الحزب الواحد الحاكم !! ) تأتي في المقام الأول من اهتمامات الكاتب ، بما هو مواطن سوري مشرّد ، فإنه يرى ــ من موقع الناصح ــ أن على حكام دمشق الفعليين ، أن يعيدوا النظر في سلوكهم الفئوي الذي لم يعد خافيا على أحد ، وأن يعيدوا الاعتبار لمنظمات المجتمع المدني وعلى رأسها منتديات ربيع دمشق التي شهدها مطلع عهد بشار الأسد والتي تم التخلّي عنها
بعد الإنتهاء من لعبة التوريث المعروفة !!. إن إعادة الإعتبار لربيع دمشق ، تقتضي من أولي الأمر في دمشق ، أن يعملوا على :

إلغاء قانون الطوارئ ، إلغاء المادة الثامنة من الدستور والتي تكرس فئة معروفة وشخصا محدداً سلفا على سدة الحكم ، الإفراج الفوري عن كافة معتقلي الرأي ، ولا سيما معتقلي ربيع دمشق ومعتقلي إعلان دمشق بيروت ـ بيروت دمشق ، ومعتقلي القانون
49 الطائفي البغيض من جماعة الإخوان المسلمين ، ومعتقلي الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان ، إصدار قانون يسمح بعودة كافة المبعدين عن وطنهم قسرا سواء أكان ذلك الإبعاد بصورة مباشرة أو غير مباشرة واستعادتهم لكامل حقوقهم المادية والمعنوية
التي حرمهم منها النظام عدة عقود ، وذلك على طريق إجراء إنتخابات حرة ونزيهة ، لاتستبعد أحدا من المواطنين الذين يحق لهم الإنتخاب ، ويكون لصندوق الإقتراع فيها الكلمة الفصل في اختيار المواطنين لحكامهم وممثليهم الحقيقيين ـ بمن فيهم رئيس الجمهورية ـ وليس للبندقية أو الدبابة ، أو التخفي تحت عباءة حزب البعث الذي لايملك من السلطة إلا هذا الإسم !!.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,386,500,435
- وقفة قصيرة مع بعض أقوال - الرئيسي -
- مرة أخرى : في البدء كان الفعل
- الأزمة اللبنانية بين الظاهر والباطن
- لرأي العام ومسرحية الإستفتاءات الصورية
- قراءة موضوعية لخطاب غير موضوعي
- التخلف والتقدم في البلدان النامية ؟ جدلية السبب والنتيجة
- نظرية المعرفة في ضوء علم الإجتماع
- حافظ الأسد ينتقل من حفر الباطن إلى المنطقة الخضراء


المزيد.....




- مماحكة بين تركيا والقوى الشيعية العراقية
- ياصاحبي لا تتعجب ولا تنبهر كلها شركات مسالمة داعمة للعراق وت ...
- بعد شهرين على الحريق.. إحياء أول قداس في كاتدرائية نوتردام ...
- أول قداس في كاتدرائية نوتردام بعد الحريق المدمر
- بعد شهرين على الحريق.. إحياء أول قداس في كاتدرائية نوتردام ...
- فرنسا: إصرار على إقامة القداس السنوي لكاتدرائية نوتردام بحضو ...
- حكاية الطائفة الدينية التي أسستها معلمة يوغا لخلق جنس متفوق ...
- جدل حول منع ارتداء قلنسوة اليهود -الكيباه- في ألمانيا
- كاتدرائية نوتردام تقيم أول قداس بعد الكارثة
- انها ليست كبوة ياوزير الخارجية محمد علي الحكيم,انها سقطة على ...


المزيد.....

- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد أحمد الزعبي - الحزب السياسي بين الدين والدنيا