أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسقيل قوجمان - ثورة اكتوبر وراسمالة الدولة















المزيد.....


ثورة اكتوبر وراسمالة الدولة


حسقيل قوجمان
الحوار المتمدن-العدد: 4256 - 2013 / 10 / 25 - 07:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تحل اليوم ذكرى اعظم ثورة في تاريخ البشرية، ثورة اكتوبر العظمى، التي انجبت اول مجتمع اشتراكي خال من الاستغلال في التاريخ.
ليس في نيتي في هذا المقال ان اكتب عن اهمية ثورة اكتوبر او عن تاريخ ثورة اكتوبر او عن دقة الاعداد والتنظيم التي سبقت ثورة اكتوبر لان هذه المواضيع بحثت كثيرا وسيتناولها الكثير من الذين سيكتبون اليوم عن هذه الذكرى. ولكني احاول ان ابحث موضوعا قد لا يتطرق اليه كتاب اخرون في هذه المناسبة.
من التعليقات على نتائج ثورة اكتوبر انها نجحت اقتصاديا في تحقيق راسمالية الدولة. وهذه التعليقات لا تصدر فقط عن منتقدي ثورة اكتوبر بل تصدر حتى عن بعض اشد المؤيدين والممجدين لثورة اكتوبر. فهل حقيقة ان ما حققته ثورة اكتوبر في الاتحاد السوفييتي اقتصاديا كان راسمالية الدولة؟
يبدو لي ان اعتقاد الذين يقولون ان الدولة في الاتحاد السوفييتي، وليسمح لي القراء بتسميتها الدولة الاشتراكية، كانت راسمالية الدولة يتوصلون الى ذلك لوجود العديد من الظواهر التي تبدو متشابهة بين الدولة الاشتراكية والدولة الراسمالية. فالدولة الاشتراكية تبدو كانها مالكة للاقتصاد الاجتماعي كله ودولة راسمالية الدولة تمتلك كل او اغلب المشاريع الاقتصادية. والدولة الاشتراكية تمارس نظام الاجور واستخدام العمال وكذلك راسمالية الدولة. والدولة الاشتراكية تمارس انتاج السلع والتبادل السلعي بين الريف والمدينة وكذلك راسمالية الدولة. والدولة الاشتراكية تستخدم النقود كوسيلة للتبادل وكذلك الدولة الراسمالية. وحتى وجود الدولة ذاته في النظام الاشتراكي شبيه بوجود الدولة في راسمالية الدولة. والعامل في الدولة الاشتراكية ينتج خلال عمله اليومي اكثر مما يحتاجه لاعادة انتاج قوة عمله اليومي كما العامل في راسمالية الدولة. هذه الظواهر التي تبدو متشابهة تجعل بالامكان التوصل الى ان الدولة الاشتراكية كانت راسمالية دولة سواء من قبل منتقديها او من قبل مؤيديها.
علمنا كارل ماركس ان الاشتراكية لا تهبط من السماء بل تنشأ من احضان النظام الراسمالي وتحتوي على كل مظاهر النظام الراسمالي. وهذا ما شاهدناه واضحا نتيجة لثورة اكتوبر وعند اتخاذ الاتحاد السوفييتي السياسة الاقتصادية الجديدة (نيب) في ١-;-٩-;-٢-;-٢-;-.
وكان على الدولة الاشتراكية اولا ان تقضي على كل المظاهر الراسمالية المناقضة للاشتراكية ولكن في نفس الوقت ان تبقي وتستفيد من المظاهر الراسمالية المساعدة على تحقيق المجتمع الاشتراكي.
اول هذه المظاهر التي تقتبسها الدولة الاشتراكية من الدولة الراسمالية هي الدولة ذاتها. فحسب الفهم الماركسي لا توجد دولة في المجتمع الشيوعي. ولكن المجتمع الشيوعي لا يولد فجأة يوم انتصار الثورة بل يكون المجتمع بعد الثورة مجتمعا راسماليا بكل ما في الكلمة من معنى. وواجب الحكم الجديد الناجم عن انتصار الثورة هو القضاء على كل المظاهر المعادية القائمة في المجتمع لكي يستطيع تحويله في النهاية الى مجتمع شيوعي. وتحقيق هذا الهدف يتطلب دولة. فرغم ان الدولة ليست من مستلزمات المجتمع الشيوعي فانها ضرورية من اجل السير بالمجتمع الجديد نحو المجتمع الشيوعي. والدولة كما هو معلوم منذ نشوء اول دولة في المجتمع البشري هي اداة دكتاتورية تمارس اشد انواع الدكتاتورية ضد معارضيها لان هذه الدكتاتورية هي الشرط الضروري اللازم لتحقيق الديمقراطية للطبقة الحاكمة. فلم تكن في التاريخ دولة ديمقراطية صرفة ولا دولة دكتاتورية صرفة. كانت كل الدول في التاريخ دولا ذات صفتين متناقضتين ومتلازمتين، صفة الدكتاتورية اللازمة لتحقيق صفتها الثانية صفة الديمقراطية. فلا وجود للدولة الديمقراطية بدون الدولة الدكتاتورية. وحين نتحدث عن عدم وجود دولة في المجتمع الشيوعي فهذا يعني زوال وجود هذين النقيضين اي زوال وجود طبقات يجب ممارسة الدكتاتورية ضدها ولذلك لا توجد حاجة الى ممارسة الديمقراطية لطبقة معينة. ان ازدواجية الدولة هو ما نشاهده باشد الوضوح في الدول الراسمالية التي تسمي نفسها دولا ديمقراطية. ان الديمقراطية في هذه الدول لا تتحقق للطبقة الحاكمة الا عن طريق ممارسة اقصى انواع الدكتاتورية ضد الطبقات المستغلة الاخرى كالطبقة العاملة.
ولا يختلف الامر في الدولة الاشتراكية. فالدولة الاشتراكية منذ اليوم الاول لنشوئها تجابه اقصى انواع المقاومة ليس من قبل الطبقات المطاح بها فقط بل من قبل عناصر اخرى كالمؤسسات الدينية التي تصدر الفتاوى لخدع انصار الدولة الجديدة، الطبقة العاملة وفقراء الفلاحين، وتحريضهم على الدولة الجديدة بخلق كل انواع الاتهامات كالكفر والهرطقة واشاعة المراة وسلب الاطفال من عوائلهم وغير ذلك من الاتهامات التي نسمعها كل يوم في شتى اقطار العالم. وكذلك نضال المراتب المتوسطة كمتوسطي الفلاحين والمثقفين وغيرهم. والطريق الوحيد لبقاء الدولة الاشتراكية هو ممارسة اقصى انواع الدكتاتورية ضد الطبقة او الطبقات المطاح بها الى درجة القضاء النهائي على كافة هذه الطبقات المستغلة واقناع الفئات المتوسطة بجدوى الدولة الجديدة وتحقيق مصالحهم الحقيقية عن طريقها. ولان طبيعة الدولة الرئيسية حسب النظرية في نظر ماركس هي الدكتاتورية التي تحقق الديمقراطية للطبقة الحاكمة فقد اطلق كارل ماركس على الدولة الاشتراكية اسم دكتاتورية الطبقة العاملة لا لان هذه الدولة دكتاتورية محضة بل لانها ككل دولة في التاريخ لا تستطيع البقاء والحفاظ على سلطتها وتحقيق الديمقراطية لطبقتها الحاكمة الا عن طريق اقصى انواع الدكتاتورية. ولذلك قال لينين ان دكتاتورية البروليتاريا اكثر ديمقراطية مليون مرة من اية دولة ديمقراطية راسمالية. فدكتاتورية النظام الاشتراكي هي دكتاتورية ضد اقلية ضئيلة من المجتمع كانت تستغل المجتمع كله من اجل تحقيق الديمقراطية لملايين الشعب المتحرر من النظام الراسمالي. فلا قياس بين ديمقراطية الدولة الاشتراكية وديمقراطية الدولة الراسمالية.
ما هي راسمالية الدولة؟ راسمالية الدولة هي ان تكون الدولة مؤسسة راسمالية كبيرة تعمل على نفس الاساس الذي تعمل به الشركات الراسمالية الخاصة وتستغل العمال والفلاحين وسائر الكادحين بنفس الطريقة التي تستغلهم بها الشركات الراسمالية الخاصة. ان راسمالية الدولة هي مؤسسة تستلب فائض القيمة من العمال وهي اكثر من الشركات الخاصة قدرة على السيطرة على الحركات العمالية وقمعها. ولا تغير من ذلك التسميات الاخيرة التي اطلقت على المؤسسات الراسمالية للدولة مثل القطاع العام او القطاع الاشتراكي واعتبار القطاع العام شكلا من اشكال الملكية الاشتراكية. فهل كانت الدولة الاشتراكية مؤسسة كهذه؟
اذا اتفقنا على ان الطبقة العاملة اصبحت هي الطبقة الحاكمة في الدولة الاشتراكية نستطيع ان نرى ان الامر يختلف اختلافا جوهريا عن راسمالية الدولة في الاقطار الامبريالية. فكما كانت الدولة ضرورة قصوى لحكم الطبقة العاملة التي تستخدم دكتاتوريتها ضد الطبقات المطاح بها فانها من الجانب الاقتصادي ضرورة لتسيير مصالح الطبقة العاملة. فحين استولت الطبقة العاملة على السلطة وصادرت جميع المشاريع الراسمالية كان من الضروري ان توجد مؤسسة تستطيع ادارة هذه الملكية الجديدة للطبقة العاملة. وهذه المؤسسة هي الدولة الاشتراكية. فالدولة الاشتراكية ليست هي المالكة للاقتصاد وانما هي المؤسسة التي تختارها الطبقة العاملة لادارة اقتصادها. اذ لا يمكن للطبقة العاملة ان تدير اقتصادها بدون مؤسسة تقوم بهذا العمل الهائل وتديره بطريقة تحقق مصالح الطبقة العاملة الاقتصادية.
في راسمالية الدولة يكون الانتاج الذي تنتجه الطبقة العاملة ملكا للدولة الراسمالية كما هو الحال في الانتاج الذي ينتجه العمال في اية شركة راسمالية خاصة. فالدولة تستلم الانتاج الذي ينتجه عمالها لتحوله الى سلع تبيعها على العمال الذين انتجوها وعلى الشركات وسائر فئات الشعب. وليس هنالك فرق بين الاستغلال الذي تمارسه الشركات الراسمالية وبين الاستغلال الذي تمارسه الدولة تجاه العمال. ففي الحالتين، حالة الشركات الراسمالية الخاصة وحالة راسمالية الدولة يتحول فائض القيمة الى ارباح شخصية للطبقة الراسمالية.
والوضع في الدولة الاشتراكية يشابه في الظاهر العملية الاقتصادية التي تمارسها راسمالية الدولة. فالدولة هي المستخدم لجميع العمال في المجتمع وجميع الموظفين بعد القضاء النهائي على المشاريع الراسمالية في البلاد كما حصل في الثلاثينات من القرن الماضي في الاتحاد السوفييتي. والدولة هي التي تدفع اجور العمال نقودا كما تفعل الشركات الراسمالية. والدولة هي التي تحوز على الانتاج الذي ينتجه عمالها كما هو الحال في الدولة الراسمالية. فما الفرق اذن بين الدولة الاشتراكية والدولة الرسمالية؟
الفرق هو ان الدولة الاشتراكية هي مؤسسة تقوم بادارة اقتصاد الطبقة العاملة وسائر الكادحين وان ما تحوز عليه الدولة الاشتراكية هو ملك الطبقة العاملة والكادحين. فبينما يصبح انتاج الشركات الراسمالية ملكا خاصا للراسماليين يبقى انتاج المجتمع الاشتراكي ملكا للطبقة العاملة والكادحين. فالانتاج الذي ينتجه العمال في الدولة الاشتراكية لا يصبح ملكا خاصا للدولة بل يبقى ملكا للطبقة العاملة والكادحين تقوم الدولة بادارته. فالانتاج الواسع النطاق في الدولة الاشتراكية لا يتحول الى سلع تباع للشركات الراسمالية ولجماهير الشعب كما هو الحال في الدولة الراسمالية. ان الانتاج يجري توزيعه على المصانع والمعامل حسب خطة موضوعة ولا يتحول هذا الانتاج الى ملكية للمصانع والمعامل وانما يبقى الانتاج والمعامل والمصانع ذاتها ملكا للطبقة العاملة تديره الدولة. فما هو شان الاستخدام والاجور والنقود في مثل هذا المجتمع؟
لكي اوضح هذا الموضوع لقرائي الكرام اورد مثالا غير حقيقي يسهل فهم موضوع استخدام العمال واجورهم في المجتمع الاشتراكي. لنفرض وجود عامل خياطة او خياط يمتلك ماكنة الخياطة ويستطيع شراء القماش اللازم لانتاجه ويعمل على خياطة ثماني قطع من انتاجه في اليوم. ولنفترض ان نفس الخياط فقد ماكنته واضطر ان يبيع قوة عمله للراسمالي الذي يمتلك الماكنة والقماش فينتج للراسمالي نفس ثماني القطع التي كان ينتجها حين كان يعمل لنفسه. في الحالة الاولى يحتفظ الخياط بالقطع التي انتجها لنفسه ويتصرف بها حسب رغبته وحاجته وحاجة عائلته بينما لا يحتفظ نفس الخياط باي جزء من القطع التي انتجها لنفسه بل كل القطع تصبح ملكا للراسمالي. والراسمالي في هذه الحالة يمنح الخياط جزءا من قيمة القطع التي انتجها على شكل اجور.
في حالة العمل لدى الراسمالي يقوم الخياط ببيع سلعته الوحيدة، قوة عمله، الى الراسمالي. والراسمالي يدفع للخياط قسما مما انتجه ويحتفظ بالقسم الباقي لنفسه. هنا لابد من تقسيم يوم عمل الخياط الى قسمين، القسم الذي يتقاضاه من الراسمالي، وهو قيمة قوة عمله، والقسم الذي يحتفظ به الراسمالي، وهو فائض القيمة.
ولكن الامر يختلف حين يعمل الخياط لنفسه. فهو يحتفظ بكل القطع التي ينتجها لنفسه ويتصرف بها كما يشاء. هنا لم يقسم يوم العمل الى قسمين، القسم الممثل لقيمة قوة عمله والقسم الممثل لفائض القيمة بل احتفظ الخياط بكامل قيمة ما انتجه بدون تقسيم. فليس في عمل الخياط الخاص تقسيم للعمل الى قيمة قوة عمله وقيمة فائض القيمة. ليس في عمله فائض قيمة رغم ان العملية متشابهة من حيث ان العامل ينتج في يوم عمله اكثر مما يستهلك من اجل طعامه وطعام عائلته بالضبط كما كان الامر حين عمل اجيرا لدى الراسمالي. ولكن الخياط في حالة عمله لنفسه يستطيع ان يتصرف بالزيادة في انتاجه كيفما يشاء وكيفما تحتاجه عائلته وهذا ما لا يستطيعه لدى تقسيم انتاجه الى قيمة قوة عمله والى فائض القيمة.
في المجتمع الاشتراكي تمتلك الطبقة العاملة وسائل الانتاج وتمتلك الانتاج كله سوى ان هذا الانتاج يجمع كله في كيان واحد لدى الدولة الاشتراكية لتقوم بالتصرف به كما تتطلبه مصلحة المجتمع كله. ان ما يحدث هو شبيه بما يحدث للخياط حين يعمل لنفسه. فالطبقة العاملة كلها تعمل لنفسها وتحتفظ بكل ما انتجته لنفسها وتتصرف به حسب حاجتها وحاجة المجتمع كله، كما لو كان المجتمع الاشتراكي عاملا واحدا يعمل لنفسه ويحتفظ لنفسه بكل ما انتجه. فاستخدام العمال في المجتمع الاشتراكي ليس شراء لقوة عملهم وانما قيامهم بالعمل من اجل انفسهم، من اجل المجتمع. فلماذا اذن بقيت الاجور والنقود والاستخدام في مثل هذا المجتمع؟
من خواص المجتمع الشيوعي انتفاء الاستخدام وانتفاء الاجور وانتفاء النقود. فالانتاج يكون كله ملك المجتمع وكل عضو من اعضاء المجتمع ياخذ منه وفقا لما يحتاجه بدون تحديد. ولكن تحقيق ذلك يتطلب بالضرورة وجود ما يكفي لسد حاجة كل عضو من اعضاء المجتمع. الحديث هنا يتناول الجانب الاقتصادي ولا يتطرق الى الجانب الثقافي والفكري والاخلاقي من المجتمع الشيوعي. ولكي يتوفر في المجتمع ما يكفي لسد حاجة كل عضو فيه بدون تحديد ينبغي ان يرتفع الانتاج الى درجة توصل المجتمع الى انتاج هذه الكميات من الحاجات الاجتماعية. واذا جرت محاولة للتوزيع قبل التوصل الى ذلك فلا يتحقق الا بمثل ما يتحقق في بطاقات التموين في البلدان الراسمالية.
واذا تتبعنا تاريخ تطور الانتاج في الاتحاد السوفييتي نجد ان الدولة الاشتراكية سارت خطوات هائلة في اتجاه توفير حاجات المجتمع الى درجة توفير لكل عضو ما يحتاجه بدون تحديد. فكون الزيادة التي ينتجها العمال خلال عملهم تبقى ملكا لهم ولا تصبح ملكا لغيرهم جعلت بالامكان توظيف هذه الزيادة لاجل تطوير الانتاج بخطوات هائلة وهو ما شاهدناه في مشاريع السنوات الخمس المتتالية بحيث اصبح الاتحاد السوفييتي بعد ثلاثة مشاريع ثاني دولة صناعية في العالم. وشعور العمال بانهم يعملون من اجل انفسهم يفسر الحماس الذي مارسه العمال في تحقيق هذه المشاريع حتى قبل موعدها.
وكما ان القوانين الطبيعية للمجتمع الراسمالي تعمل بالاستقلال عن ارادة الانسان وتتحكم بتطور النظام الراسمالي كذلك نشأت قوانين تتحكم بتطور النظام الاشتراكي وسيره نحو تحقيق المجتمع الشيوعي. واحد اهم هذه القوانين الاقتصادية هو قانون التطور النسبي او التطور المتوازن للاقتصاد الاشتراكي. لا اود في هذا المقال صرف انظار القارئ عن الموضوع الاساسي بشرح هذا القانون ولكن باختصار يحتم هذا القانون تطوير الاقتصاد وفق برنامج معين ينبغي على الدولة ان تنظم تطوير الانتاج وفقا له. واي انحراف عما يتطلبه هذا القانون يؤدي الى ابتعاد الاقتصاد عن الاتجاه الطبيعي للاقتصاد الاشتراكي وعن الاتجاه نحو تحقيق المجتمع الشيوعي. وكان من ميزات مشاريع السنوات الخمس انها كانت اقرب ما يمكن لشروط هذا القانون الطبيعي للمجتمع الاشتراكي.
وبما ان انتاج المجتمع الاشتراكي لم يبلغ حده الاقصى من اجل التحول الى المجتمع الشيوعي كان من اهم مظاهره ان المجتمع لا يستطيع توفير جميع حاجات المجتمع من المواد الاستهلاكية اليومية لكل عضو من اعضائه بدون تحديد. فكانت هناك اجزاء من الانتاج غير كافية لتحقيق ذلك. اهم هذا الجزء من الانتاج كان المواد الاستهلاكية اليومية المباشرة في المجتمع. وتحقيق الكميات الكافية من هذه المواد لا يمكن انجازه بدون تطوير الانتاج الاجتماعي كله وفقا لقانون التطور المتوازن للاقتصاد الاشتراكي. فقد حقق المجتمع الاشتراكي توفير الكثير من المواد حسب حاجة المجتمع، كمجانية المعالجة الطبية ومجانية الثقافة ومجانية تربية الاطفال ومجانية دور الحضانة للمرضعات ومجانية تمتع كل عائلة بعطلة اصطيافية في منتجعات الاتحاد السوفييتي وكثير غيرها. وهذه كلها من مستلزمات المجتمع الشيوعي. واستطاعت دولة العمال ان توفر للعمال وسائل المتعة كالباليه والحفلات الموسيقية والمسارح التمثيلية والسينما باسعار طفيقة لا يحلم بها اي عامل في خارج المجتمع الاشتراكي.
ولكن الانتاج الاشتراكي لم يبلغ درجة تحقيق حاجات كل عضو من اعضاء المجتمع من المواد الاسهلاكية اليومية بدون تحديد. وهذا جعل من الضرورة ايجاد وسيلة لتوزيع الكميات المنتجة من هذه المواد الاستهلاكية على اعضاء المجتمع. كان كارل ماركس قد بحث هذه الظاهرة وتوصل الى ان المجتمع في هذه الحالة يقدم للعامل شهادة تدل على مقدار الخدمة التي قدمها للمجتمع لكي تخوله تناول من المجتمع كمية من المواد الاستهلاكية تعادل هذه الخدمة. وقد جابهت الدولة الاشتراكية نفس هذه المشكلة فرات ان افضل شيء هو ان تقتبس من المجتمع الراسمالي اداة تمثل مثل هذه الشهادة هي النقود. فاهم وظيفة للنقود في الاتحاد السوفييتي كانت شكل هذه الشهادة التي تحدث عنها كارل ماركس. فالاستخدام في المجتمع الاشتراكي ليس شراء لقوة عمل العامل وانما تقديم شهادة له عما قدمه من خدمة للمجتمع بشكل اجور او ما كان يطلق عليه مكافأة لانها ليست من نفس طبيعة الاجور في النظام الراسمالي.
فالمجتمع الاشتراكي استطاع ان يقدم لكل اعضائه قسما من الانتاج وفقا لحاجتهم وحل ما لم يستطع تحقيقه في هذا المجال عن طريق تقديم المكافاة التي يتناول بها الانسان وفقا لما قدمه وفقا لشعار "من كل حسب طاقته ولكل حسب عمله". وكان دور النقود الاساسي في المجتمع الاشتراكي تحقيق هذا الشعار.
يمكننا ان نتوسع في بحث كيفية تقدم المجتمع الاشتراكي نحو تحقيق هدف توفير لكل حسب حاجته ولكن بحث ذلك يطول في مثل هذا المقال. ولكن المهم هو انتفاء موضوع فائض القيمة وتوزيع يوم العمل الى العمل الضروري وفائض القيمة وبقاء الاجور والنقود في نطاق ضيق جدا هو توزيع المواد الاستهلاكية التي لا يستطيع المجتمع انتاجها بما يكفي لسد حاجات المجتمع كله بدون تحديد. وان نجاح المجتمع الاشتراكي في تحقيق هذا الهدف اقتصاديا ينهي المجتمع الاشتراكي ويحول المجتمع الى مجتمع شيوعي.
ان اول تغيير اقتصادي اجراه التحريفيون الخروشوفيون في القضاء على الاشتراكية كان تحويل الملكية الاشتراكية الى راسمالية دولة. فقد تصرف الخروشوفيون بالاقتصاد الاشتراكي كانه ملك للدولة يتصرفون به كيفما شاؤوا. وتخلوا عن مستلزمات قانون التطور النسبي للاقتصاد الاشتراكي. وعلى سبيل المثال لا الحصر اذكر التغييرات الاقتصادية الاساسية التي قام الخروشوفيون باجرائها. كان اول واهم هذه التغييرات تحويل محطات المكائن الزراعية الى سلع. كانت المكائن الزراعية في هذه المحطات ملكية المجتمع الاشتراكي ولم تكن تباع الى المزارع التعاونية بل تقدم لها الخدمات مقابل جزء من انتاجها الزراعي. ولكن الخروشوفيين باعوا هذه المكائن للمزارع التعاونية فحولوها من ملكية المجتمع الاشتراكي الى ملكية خاصة للمزارع التعاونية وما رافق ذلك من حاجة المزارع التعاونية الى النقود والقروض من اجل تحقيق هذا الشراء واستمرار المزارع التعاونية في استخدام هذه المكائن التي اشتروها اطول مدة ممكنة حتى بعد تحولها الى مكائن قديمة غير قادرة على الانتاج الموسع والمتقدم ما ادى الى تدهور الانتاج الزراعي بدلا من تقدمه.
وثاني هذه التغييرات الاقتصادية التي حققها الخروشوفيون هو فلسفة تحويل المعامل الى العمال وما اسموه الادارة الذاتية ببيعهم المصانع في الظاهر الى عمالها وفي الواقع تحويلها الى مؤسسات خاصة تحقق ارباحا وتنافس المصانع الاخرى كما هو الحال في النظام الراسمالي. وتحولت المكائن الصناعية والمواد الخام التي كانت ملكية الطبقة العاملة في النظام الاشتراكي الى سلع تباع الى هذه المصانع لتحقيق ارباح للدولة وما رافق ذلك من زيادة كمية النقود اللازمة لمثل هذا التداول.
والمثال الثالث الذي اود الاشارة اليه هو ادعاء الخروشوفيين بالعمل على زيادة المواد الاستهلاكية على حساب المصانع غير المربحة. فاغلقوا مصانع ومؤسسات كانت حيوية للاقتصاد الاشتراكي رغم كونها مصانع ومشاريع غير مربحة بالمفهوم الراسمالي بحجة زيادة الانتاج السلعي الاستهلاكي. وكانت نتيجة ذلك تدهور الانتاج الصناعي وتدهور انتاج المواد الاستهلاكية وتحول العمال الى عمال اجراء شأنهم في ذلك شان العمال في الدول الراسمالية.
والمثل الرابع هو تحويل الارض الى سلعة. فمن المعروف ان اول قرارات الحكم السوفييتي يوم تاسيس الحكمومة الاشتراكية كان تاميم الارض ومنع بيعها او شرائها او رهنها او امتلاكها. وقام الخروشوفيون باعادة جعل الارض سلعة يمكن شراؤها وتاجيرها وامتلاكها وبيعها.
بهذه الطريقة حول الخروشوفيون الاقتصاد الاشتراكي الى راسمالية دولة.
هنا لابد ان اشير الى حقيقة تاريخية. كان التعرف على الاقتصاد الاشتراكي قبل الحرب العالمية الثانية محرما او محدودا بالنسبة للعالم الراسمالي بسبب الحصار الاقتصادي والسياسة المعادية. وكانت اكثر الدول، وخصوصا الدول المستعمرة والتابعة، محرومة من اي اتصال حقيقي مع الدولة الاشتراكية. بل لم تكن لهذه الدول علاقات دبلوماسية او سياسية او اقتصادية مع الدولة الاشتراكية. وجاء انفتاح هذه الدول على الاتحاد السوفييتي متأخرا. فاذا اخذنا العراق مثلا فان علاقات العراق مع الاتحاد السوفييتي نشأت بالدرجة الرئيسية بعد ثورة تموز وهذا يعني ان العراقيين وخصوصا الشيوعيين منهم الذين زاروا ودرسوا وشاهدوا ما يجري في الاتحاد السوفييتي كان راسمالية الدولة التي انشأها الخروشيوفيون مع وجود بقايا الحقوق التي كان الشعب السوفييتي قد حققها والتي لم تستطع حكومات الخروشوفيين بعد استلابها. وان استلاب هذه الحقوق شرط حتمي لتحول النظام الاشتراكي نهائيا الى نظام راسمالي اي ايجاد طبقة عاملة لا تمتلك سوى قوة عملها تبيعها الى الراسماليين. ولم يتحقق ذلك نهائيا الا في عهد غورباشوف اخر الحكومات الخروشوفية. فكانت البيريسترويكا والغلاسنوست اخر الخطوات في تحويل المجتمع السوفييتي الى مجتمع راسمالي كامل.
ان العراقيين كغيرهم من ابناء الشعوب الاخرى الذين زاروا الاتحاد السوفييتي بعد تحوله تحت القيادة الخروشوفية الى راسمالية دولة لم يشاهدوا الاقتصاد الاشتراكي الحقيقي الذي شاهده الرفيق فهد مثلا اذ سنحت له فرصة الدراسة والحياة في المجتمع الاشتراكي. كان من الطبيعي ان يكون الانطباع الذي اخذه هؤلاء الشيوعيون عن الاتحاد السوفييتي هو ما شاهدوه من تحول النظام الاشتراكي الى نظام راسمالي وظنوا ان هذا هو النظام الاشتراكي وتوصلوا استنادا الى ذلك الى ان ما حققته ثورة اكتوبر من الناحية الاقتصادية هو جعل الاتحاد السوفييتي راسمالية الدولة. ليس في الاقتصاد الاشتراكي الذي تحقق في الثلاثينات من القرن الماضي في الاتحاد السوفييتي تحت قيادة الحزب البلشفي وستالين اي مظهر من مظاهر راسمالية الدولة الذي شاهده زوار الاتحاد السوفييتي في الفترة الخروشوفية.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- كتاب- خارطة طريق الولايات المتحدة الاميركية برؤية ماركسية - ...
- كتاب - خارطة طريق الولايات المتحدة الاميركية برؤية ماركسية - ...
- قانون انخفاض نسبة الربح في النظام الراسمالي
- الاحتلال يحمي العراق من الاحتلال
- هل الانهيار المالي الحالي نهاية الراسمالية؟
- ماركسية لينينية ام ماركسية لينينية ماوية؟ 2-2
- ماركسية لينينية ام ماركسية لينينية ماوية؟ 1-2
- الارباح الحقيقية والارباح الوهمية للطبقة الراسمالية
- دور المثقفين في نضال الطبقة العاملة وفي قيادتها 2-2
- دور المثقفين في نشأة الطبقة العاملة وفي قيادتها 1-2
- شرح مبسط لقانون فائض القيمة
- لماذا لا يمكن اعتبار العولمة مرحلة تاريخية؟
- اقتصاد المعرفة وتقييم عمل المثقفين واختصاصيين بموجب قانون ال ...
- رسالة الى عزيزي الاخ سليم امامي
- ملاحظات حول كتاب مقالات لينين
- حوار مع الاخ فؤاد نمري (8) أخيرة
- حوار مع الاخ فؤاد نمري (7)
- لماذا يجب ان تتحقق الثورة البرجوازية قبل الثورة الاشتركية؟
- حوار مع الاخ فؤاد نمري (6)
- حوار مع الاخ فؤاد نمري (5)


المزيد.....




- مصرع 14 شرطيا أفغانيا في هجوم لطالبان
- النفايات الإلكترونية السنوية يمكنها بناء 4500 برج إيفل
- وفد إسرائيلي يتوجه إلى البحرين
- مؤتمر صحفي لرئيس وفد الحكومة السورية لمفاوضات جنيف بشار الجع ...
- بوتين: نشرنا في سوريا عناصر شرطة روسية من -السنة- لأنها تحظى ...
- تقرير رواندا الجديد: فرنسا متواطئة في الإبادة الجماعية لعام ...
- تغطية مباشر لقمة المجلس الأوربي حول الهجرة وبركسيت
- مصدر بريطاني يدافع عن -دقة- وثيقة مبارك- ثاتشر بشأن -توطين ا ...
- كيف ترغب روسيا بإنهاء الحجرب في سوريا؟
- تقرير رواندا الجديد: فرنسا متواطئة في الإبادة الجماعية لعام ...


المزيد.....

- ثورة في الثورة / ريجيە-;- دوبريە-;-
- السودان تاريخ مضطرب و مستقبل غامض / عمرو إمام عمر
- انعكاسات الطائفية السياسية على الاستقرار السياسي / بدر الدين هوشاتي
- لماذ الهجوم على ستالين... والصمت المطبق عن غورباتشوف ؟ / نجم الدليمي
- التنمية الإدارية وسيكولوجيا الفساد / محمد عبد الكريم يوسف
- كتاب أساطير الدين والسياسة-عبدلجواد سيد / عبدالجواد سيد
- اري الشرق لوسط-تأليف بيتر منسفيلد-ترجمة عبدالجواد سيد / بيتر منسفيلد--ترجمة عبدالجواد سيد
- كتالونيا والطبقة والاستقلال / أشرف عمر
- إسرائيل القديمة: حدوتة أم تاريخ؟؟ / محمود الصباغ
- العلمانية وحقوق الإنسان / محمد الحنفي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسقيل قوجمان - ثورة اكتوبر وراسمالة الدولة