أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مازن كم الماز - قتل فيل















المزيد.....

قتل فيل


مازن كم الماز

الحوار المتمدن-العدد: 2428 - 2008 / 10 / 8 - 04:41
المحور: الادب والفن
    


قتل فيل
لجورج أورويل
في مولمين , في بورما السفلى , كنت مكروها من قبل عدد كبير من الناس – المرة الوحيدة في حياتي التي كنت فيها مهما بما يكفي ليحدث هذا لي . كنت ضابط الشرطة الفرعي في البلدة , و بشكل ثانوي لا هدف له كانت المشاعر المعادية للأوروبيين مريرة جدا . لم يكن لدى أحد الشجاعة ليثير الشغب , لكن إذا ذهبت امرأة أوروبية لوحدها إلى السوق فمن المحتمل جدا أن أحدا ما سيلقي عصير التنبال ( نبات متسلق ) على ثوبها . كنت كضابط شرطة هدفا واضحا و مغريا كلما بدا فعل ذلك آمنا . عندما أسقطني بورمي رشيق في ملعب كرة القدم و نظر الحكم ( و هو بورمي آخر ) إلى الجهة الأخرى صرخت الجماهير بضحكة مريعة . حدث هذا أكثر من مرة . في النهاية كانت الوجوه الصفراء المتهكمة للشبان التي تلاقيني في كل مكان , صيحات الاستهجان ورائي كلما كنت على مسافة آمنة أثرت سلبا على أعصابي . كان الرهبان البوذيون الشبان هم الأكثر سوءا . كان هناك عدة آلاف منهم في البلدة و بدا أنه ليس لأي منهم أي عمل ما عدا الوقوف في زوايا الشوارع و التحديق في الأوروبيين بسخرية .
كل هذا كان مربكا و مزعجا . في ذلك الوقت كنت قد حزمت أمري على أن الإمبريالية هي شيء شرير و أنه كلما أسرعت بالتخلص من وظيفتي و الخروج منها كلما كان ذلك أفضل . نظريا - و بشكل سري بالطبع – كنت أقف تماما إلى جانب البورميين و بالكامل ضد مضطهديهم , البريطانيين . بالنسبة للعمل الذي كنت أقوم به فقد كرهته بمرارة أكثر مما يمكنني أن أوضحه ربما . في عمل كهذا يمكنك أن ترى العمل القذر لإمبراطورية في أيامها الأخيرة . السجناء البائسين المجموعين في الزنازين النتنة للسجون , الوجوه الرمادية الشبيهة بالبقر للمدانين لفترات طويلة , المؤخرات ذات الندوب للرجال الذين ضربوا بالخيزران – أرهقني كل هذا مع إحساس لا يمكن تحمله بالذنب . لكني لم أستطع فعل أي شيء في هذا الإطار . كنت شابا و ذا تعليم سيء و كان علي أن أفكر في مشاكلي في إطار ذات الصمت المطبق المفروض على كل انكليزي في الشرق . لم أعرف يومها حتى أن الإمبراطورية البريطانية كانت تموت , و كنت أعلم حتى أقل من ذلك أنها ستكون أفضل بكثير من الإمبراطوريات الأكثر شبابا التي ستحل محلها . كل ما عرفته أنني كنت عالقا بين كرهي للإمبراطورية التي كنت أخدمها و بين غيظي من الوحوش الصغيرة ذوي الأرواح الشريرة الذين حاولوا أن يجعلوا عملي مستحيلا . في جزء من عقلي نظرت للحاكم البريطاني كطاغية لا يمكن قهره , كشيء يطبق بمفرده على الأشخاص التابعين , و بجزء آخر فكرت أن أكبر متعة في العالم ستكون في توجيه حربة إلى أمعاء راهب بوذي . مشاعر كهذه هي نتائج ثانوية للإمبريالية , اسأل أي موظف انكليزي هندي إذا تمكنت من الإمساك به خارج أوقات الدوام .
يوما ما حدث شيء كان تنويريا بطريقة ما ملتوية . كان حدثا صغيرا بحد ذاته لكنه أعطاني فكرة أفضل مما كان لدي من قبل عن الطبيعة الحقيقية للإمبريالية – عن الدوافع الحقيقية التي تعمل وفقا لها الحكومات الاستبدادية . باكرا ذات صباح اتصل بي مساعد المفتش في الطرف الآخر من البلدة بالتلفون و قال أن فيلا كان يخرب السوق . و هل يمكن رجاء أن أحضر و أفعل أي شيء بخصوصه ؟ لم أعرف ما يمكنني أن أفعله , لكني أردت أن أرى ما الذي يحدث فقفزت على فرس و انطلقت إلى هناك . أخذت معي بندقيتي , بندقية وينشستر عيار 0,44 قديمة و هي أصغر بكثير من أن تقتل فيلا لكنني اعتقدت أن ضجيجها قد يكون مفيدا في الإرهاب . أوقفني بورميون عدة على الطريق و حدثوني عما كان الفيل يفعله . لم يكن بالطبع فيلا وحشيا , بل فيل أليف لكنه أصبح "جامحا" . كان مقيدا بالسلاسل كما تكون الفيلة الأليفة دوما عندما يحين وقت "جموحها" لكنه في الليلة الماضية كان قد كسر قيوده و هرب . سائقه , الشخص الوحيد الذي يمكنه السيطرة عليه عندما يكون في هذه الحالة قد بدأ بمطاردته لكنه ذهب في الاتجاه الخاطئ و هو الآن على مسيرة 12 ساعة , و في الصباح عاد الفيل فجأة للظهور في البلدة . ليس لدى السكان البورميين أية أسلحة و كانوا عاجزين تماما أمامه . لقد دمر بالفعل كوخ أحدهم المصنوع من الخيزران , و قتل بقرة و هاجم بعض مخازن الفواكه و التهم مخزونها , التقيت أيضا بعربة نفايات البلدية التي عندما قفز منها السائق و فرا هاربا قام الفيل بقلبها و ألحق بها الدمار .
مساعد المفتش البورمي و بعض رجال الشرطة الهنود كانوا ينتظرونني في المنطقة التي شوهد فيها الفيل . كانت منطقة فقيرة جدا , عبارة عن متاهة من أكواخ الخيزران الحقيرة المسقوفة بسعف النخيل المتدرجة على طرف تل منحدر . تذكرت أنه كان صباحا غائما متجهما في بداية فصل الأمطار . بدأنا نسأل الناس إلى أين ذهب الفيل و كالعادة فشلنا في الحصول على أية معلومات قاطعة . هذه هي الحالة بشكل أكيد في الشرق , تبدو قصة ما دائما واضحة لدرجة كافية عن بعد لكن كلما اقتربت من مسرح الأحداث كلما أصبحت أكثر غموضا . قال البعض أن الفيل قد ذهب في اتجاه , و بعضهم الآخر أنه ذهب في اتجاه آخر , قال بعضهم أنهم حتى لم يسمعوا عن أي فيل . كنت قد قررت أن كل هذه القصة هي على الأغلب جملة من الأكاذيب عندما سمعنا صرخات على مسافة قريبة . كانت هناك صرخة عالية فضائحية " ابتعدوا أيها الأطفال ! ابتعدوا الآن ! " و امرأة عجوز تحمل بيدها عصا خرجت من وراء زاوية أحد الأكواخ , تدفع بقوة حشدا من الأطفال العراة . تبعها عدد آخر من النساء و هن يفرقعن بألسنتهن و يصرخن , من الواضح أن هناك شيئا ما يجب ألا يراه أولئك الأطفال . درت حول الكوخ و شاهدت جثة رجل ميت ممددة في الوحل . كان هنديا , عاملا أسود درافيدي ( أي يتكلم بلغة الشعب السريلانكي - المترجم ) , شبه عار , و لا يمكن أنه قد مات قبل زمن طويل . قال الناس أن الفيل قد هاجمه فجأة عند زاوية الكوخ و أمسكه بخرطومه , وضع قدمه على ظهره و طرحه أرضا . كان هذا فصل الأمطار و كانت الأرض طرية , و كان على وجهه ثغرة بعمق قدم و بطول ياردتين . كان مستلقيا على بطنه و يديه متصالبتان ( بوضعية الصليب - المترجم ) و رأسه متدل بشدة إلى أحد جانبيه . كان وجهه مغطى بالوحل , عيناه مفتوحتان على آخرهما , أسنانه مكشوفة و على وجهه تكشيرة ألم لا يمكن احتماله . ( لا تخبرني أبدا بالمناسبة أن الموتى يبدون مسالمين . معظم الجثث التي رأيتها كانت ذا منظر شيطاني ) . مزق احتكاك قدم الوحش الهائل الجلد عن ظهره بذات المهارة التي يسلخ فيها الإنسان أرنبا . ما أن رأيت الرجل الميت حتى أرسلت حاجبا إلى منزل صديق في الجوار ليستعير بندقية فيل ( مخصصة لقتل الفيل - المترجم ) . أعدت الفرس بالفعل , لم أرغب بأن تجن بسبب الخوف و أن تلقي بي إذا ما شعرت بالفيل .
عاد الحاجب في غضون دقائق معدودة مع بندقية و خمس خرطوشات , في تلك الأثناء وصل بعض البورميين و أخبرونا أن الفيل كان في حقول الأرز في الأسفل , على بعد عدة مئات من الياردات فقط . عندما بدأت بالتقدم تجمهر كل سكان المنطقة فعليا خارجين من بيوتهم و أخذوا يتبعوني . لقد رؤوا البندقية و كانوا جميعهم يصرخون بهياج بأنني سوف أقتل الفيل . لم يظهروا كثير اهتمام بالفيل عندما كان يخرب بيوتهم فقط , لكن الأمر مختلف الآن عندما كان سيقتل . كان فيه شيء من المتعة بالنسبة لهم , كما كان الأمر ليكون بالنسبة لحشد انكليزي , إضافة إلى أنهم كانوا يريدون لحم الفيل . جعلني هذا مرتبكا بشكل غامض . لم أكن أنوي قتل الفيل – لقد أرسلت بطلب البندقية ببساطة لأدافع عن نفسي عند الضرورة – و لكنك تصاب دوما بالضعف إذا كان هناك حشد يتبعك . سرت أسفل التلة , أبدو و أشعر كأحمق , و البندقية على كتفي , و هناك جيش يتزايد باستمرار يتدافع عند قدمي . في القاع عندما أصبحت بعيدا عن الأكواخ كان هناك طريق محصى و بعده الأرض الموحلة لحقول الأرز بعرض ألف ياردة , التي لم تحرث بعد لكنها كانت ندية بفعل الأمطار الأولى و منقطة بعشب جاف . كان الفيل يقف على بعد ثمانية ياردات من الطريق , و جانبه الأيسر في اتجاهنا . لم يلق أدنى بال لاقتراب الحشد . كان يمزق حزما من الأعشاب يضربها ضد ركبتيه لينظفها و يدفعها إلى فمه .
توقفت على الطريق . ما أن رأيت الفيل حتى عرفت بثقة كاملة أنه ليس علي أن أقتله . إنه أمر جدي أن تقتل فيلا يعمل – إنه مثل تدمير جزء ضخم و باهظ من آلة ما – و من الواضح أنه لا يجب على المرء أن يفعل ذلك إذا كان من الممكن تفاديه . و على تلك المسافة , و هو يأكل بسلام لم يبد الفيل أكثر خطورة من بقرة . فكرت حينها و أفكر اليوم أيضا أن هجمة "جموحه" قد مرت بالفعل , و في تلك الحالة فإنه سيتجول فقط في الأنحاء حتى يعود سائقه و يمسك به . أكثر من ذلك لم تكن عندي أدنى رغبة في قتله . قررت أنني سأراقبه لبعض الوقت لأتأكد أنه لن يتوحش ثانية و بعدها أن أعود إلى المنزل .
لكن في تلك اللحظة لمحت فيها الحشد الذي تبعني . كان حشدا هائلا , ألفين على الأقل و كان يزداد كل لحظة . لقد سدوا الطريق على كلا الجانبين و لمسافة بعيدة . نظرت إلى بحر الوجوه الصفراء فوق الملابس الملونة – كلها وجوه سعيدة و ثائرة بسبب بعض المتعة هذا , جميعهم متأكدون أن الفيل سوف يقتل . كانوا يراقبونني كما لو أنهم كانوا يشاهدون ساحرا على وشك أن يقوم بخدعة ما . لم يحبوني , لكن مع تلك البندقية السحرية في يدي كنت أستحق المشاهدة مؤقتا . و فجأة أدركت أنه علي أن أقتل الفيل بالرغم من كل شيء . توقع الناس ذلك مني و كانت علي أن أقوم بذلك , كان بمقدوري أن أشعر برغبة الألفين تضغطني إلى الأمام بشكل لا يقاوم . و كان في تلك اللحظة و أنا أقف هناك و البندقية في يدي , أن أدركت لأول مرة خواء و عبث سيطرة الرجل الأبيض في الشرق . ها أنا هنا , الرجل الأبيض مع بندقيته , أقف أمام جمهور من السكان الأصليين غير المسلحين – الممثل الذي يقود المشهد على ما يبدو , لكنني كنت في الواقع دمية تافهة دفعت ذهابا و إيابا من قبل رغبة تلك الوجوه الصفراء خلفي . لقد أدركت في تلك اللحظة أنه عندما يتحول الرجل الأبيض إلى طاغية فإنها حريته تلك التي يدمرها . يصبح نوعا من الدمى الفارغة المتكلفة , الشكل الاصطلاحي للسيد الهندي ( الانكليزي – المترجم ) . لأن شرط حكمه هو أن يقضي عمره محاولا أن "يترك انطباعا" عند "السكان الأصليين" , و هكذا في كل أزمة عليه أن يفعل ما يتوقعه منه هؤلاء "السكان الأصليون" . إنه يلبس قناعا و على وجهه أن يكبر ليناسبه . كان علي أن أقتل الفيل . لقد ألزمت نفسي بفعل ذلك عندما أرسلت في طلب البندقية . على السيد أن يتصرف كسيد , عليه أن يبدو حاسما , أن يعرف الصواب و أن يفعل أشياء محددة . أن أتي كل هذه المسافة و البندقية في يدي و ألفي شخص يسيرون روائي ثم أتصرف بعدها بشكل ضعيف , دون أن أفعل أي شيء – كلا , هذا مستحيل . سيضحك الناس علي . و كل حياتي , حياة كل رجل أبيض في الشرق , كانت صراعا طويلا كيلا يضحك علينا أحد .
لكنني لم أرد قتل الفيل . راقبته يضرب حزمة الأعشاب على ركبتيه بذلك الجو المنشغل الذي يشبه أجدادنا الذي تملكه الفيلة . بدا لي أنها ستكون جريمة قتل أن أطلق النار عليه . في هذه المرحلة لم أكن أشعر بحساسية ضد قتل الحيوانات لكنني لم أكن قد قتلت فيلا قط و لم أرغب بذلك أبدا . ( لسبب ما يبدو أنه أكثر سوءا أن تقتل حيوانات أكبر ) . إضافة إلى أنه يجب أخذ صاحب هذا الوحش بعين الاعتبار . و هو حي كان الفيل يساوي مائة جنيه على الأقل , أما و هو ميت فهو سيساوي فقط ثمن أنيابه , خمس جنيهات ربما . لكن كان علي أن أتصرف بسرعة . التفت إلى بعض البورميين ذوي الخبرة الذين كانوا هناك عندما وصلنا و سألتهم كيف كان الفيل يتصرف . قالوا جميعهم نفس الشيء : إنه لن ينتبه لك إذا تركته لوحده , لكنه قد يهاجمك إذا اقتربت منه أكثر من اللازم .
كان واضحا تماما بالنسبة لي ما كان علي أن أفعله . كان علي أن أتقدم , لنقل إلى مسافة خمس و عشرين ياردة من الفيل و أن أختبر سلوكه . إذا ما هاجمني فعلي عندها أن أقتله , أما إذا لم يعرني أي اهتمام فسيكون من الآمن تركه حتى يعود سائقه . لكني عرفت أيضا أنني لن أفعل شيئا كهذا . كنت سيء التصويب بالبندقية و كانت الأرض موحلة و رطبة و كنت سأغرز فيها مع أي خطوة . إذا هاجمني الفيل و أخطأته فستكون أمامي فرصة للنجاة فقط مثل ضفدع تحت مدحلة بخارية . لكن حتى عندها لم أكن أفكر بنجاتي تحديدا , فقط بالوجوه الصفراء المحدقة بي ورائي . لأنه في تلك اللحظة مع الحشد الذي كان يراقبني لم أكن خائفا بالمعنى العادي كما كنت لأكون لو أني كنت وحيدا . يجب على الرجل الأبيض ألا يخاف أمام "المحليين" , و هكذا فإنه عموما لا يخاف . الفكرة الوحيدة في ذهني كانت أنه لو أن أي شيء ما مضى بشكل خاطئ فإن الألفي بورمي هؤلاء سيرونني ألاحق و أمسك و يداس علي و أحول إلى جثة مكشرة مثل ذلك الهندي أعلى التلة . و لو حدث هذا فمن المحتمل تماما أن يضحك بعضهم . هذا يجب ألا يحدث مطلقا .
كان هناك بديل واحد فقط . حشوت الخرطوشات داخل المخزن و استلقيت على الطريق لأحصل على وضع تصويب أفضل . ما زال الحشد يتزايد , و صدرت تنهيدة عميقة خافتة , كما يفعل الجمهور الذي يرى ستارة المسرح تفتح في النهاية , من تلك الحلوق التي لا تحصى . كانوا على وشك الحصول على حصتهم من المتعة بعد كل شيء . كانت البندقية شيئا ألمانيا بديعا مع مهداف ذا شعرة التعامد . لم أعرف عندها أنه عند قتل فيل يجب على المرء أن يصوب ليقطع خطا متخيلا يمتد من فتحة الأذن إلى فتحة الأذن الأخرى . لذلك كان علي لأن الفيل كان يقابلني بجانبه أن أصوب مباشرة إلى فتحة أذنه , في الحقيقة لقد صوبت عدة بوصات أمام هذه النقطة معتقدا أن الدماغ سيكون أكثر نحو الأمام .
عندما ضغطت على الزناد لم أسمع صوت الضربة أو أشعر بالارتداد – إن المرء لا يسمعها أبدا عندما تذهب رصاصته إلى مستقرها – لكني سمعت الهدير الشيطاني للجمهور . في هذه اللحظة و خلال وقت قصير جدا أقصر حتى من الوقت الذي تحتاجه الرصاصة لتصل هناك كما قد يفكر المرء , طرأ اضطراب مريع و غامض على الفيل . إنه لم يتحرك و لم يسقط , لكن كل خط في جسده قد تغير . بدا فجأة مضطربا , و قد انكمش و بدا عجوزا بشكل كبير كما لو أن التأثير المرعب للرصاصة قد أصابه بالشلل دون أن يطرحه أرضا . في النهاية بعد ما بدا وقتا طويلا جدا – قد يكون خمس ثوان كما قد أتجرأ على القول – انحنى بضعف على ركبتيه . سال اللعاب من فمه . بدا أن هرما شديدا قد حل به . قد يتخيله المرء مسنا يبلغ عمره خمسة آلاف سنة . أطلقت النار ثانية على نفس النقطة . لم ينهار عند الرصاصة الثانية بل تسلق ببطء يائس على قدميه و وقف عموديا بضعف , و ساقاه ترتجفان و وجهه متدلي . أطلقت النار للمرة الثالثة . كانت هذه هي الرصاصة التي وضعت حدا له . كان بمقدورك أن ترى ألمه يهز كل جسده و يبطش بآخر ما بقي من قوة في ساقيه . لكن في سقوطه بدا للحظة و كأنه سينهض , لأنه عندما انهارت قائمتيه الخلفيتين تحته بدا و كأنه يرتفع مثل صخرة عملاقة تتدحرج , ارتفع جذعه نحو السماء مثل شجرة . أطلق صرخة مدوية لأول و آخر مرة . و بعدها سقط , و بطنه نحوي مع صوت ارتطام بدا و كأنه قد هز الأرض حتى حيث كنت أستلقي .
نهضت . كان البورميون يتسابقون بالفعل ورائي عبر الوحل . كان من الواضح أن الفيل لن يستطيع النهوض ثانية , لكنه لم يكن ميتا . كان يتنفس بتواتر شديد بلهاث متحشرج طويل , كان الارتفاع الكبير لجنبه يرتفع و يهبط بشكل مؤلم . كان فمه مفتوحا على وسعه – أمكنني أن أرى عميقا حتى مغارات حلقه الشاحب الوردي . انتظرته طويلا حتى يموت , لكن تنفسه لم يضعف . أخيرا أطلقت الرصاصتين المتبقيتين على الموقع حيث اعتقدت أن قلبه يجب أن يكون . تدفق الدم الكثيف منه مثل مخمل أحمر , لكنه لم يمت . حتى أن جسده لم يهتز عندما أصابته الرصاصتان , استمر تنفسه المعذب دون توقف . كان يحتضر , ببطء شديد و بألم هائل , لكن في عالم ما بعيد عن حيث كنت حتى أن رصاصة جديدة لا يمكنها أن تلحق به أي ضرر إضافي . شعرت أنه علي أن أضع نهاية لهذه الجلبة المريعة . بدا مريعا أن أرى الوحش الهائل ملقيا هناك عاجزا عن الحركة , و لم أكن قادرا حتى على إنهائه . أرسلت وراء بندقيتي الصغيرة و أطلقت الرصاصة وراء الأخرى في قلبه و في حلقه . بدا أنها جميعا لم تترك أي تأثير . استمر التنفس المعذب بانتظام مثل دقات الساعة .
في الآخر لم أستطع تحمل ذلك أكثر و انصرفت . سمعت فيما بعد أنه قد احتاج إلى نصف ساعة ليموت . كان البورميون قد بدؤوا يحضرون الأوعية و السلال حتى قبل أن أغادر , و قد أخبروني أنهم قد سلخوا جسده حتى العظام تقريبا بحلول بعد الظهر .
فيما بعد كانت هناك طبعا نقاشات لا تنتهي عن قتل الفيل . كان المالك غاضبا لكنه كان هنديا فقط و لا يستطيع فعل أي شيء . إضافة إلى أنني قد فعلت الشيء الصحيح قانونيا , لأنه يجب قتل فيل هائج مثل الكلب المجنون إذا لم يتمكن مالكه من السيطرة عليه . كانت الآراء منقسمة بين الأوروبيين . قال الرجال الأكبر سنا أنني كنت مصيبا , قال الرجال الأصغر أنه من العار قتل الفيل لأنه قتل عاملا لأن الفيل يساوي أكثر من أي عامل كورينغي ( هندي من مدينة كورينغا – المترجم ) . و فيما بعد كنت مسرورا جدا لأن العامل قد قتل , لقد جعلني هذا مصيبا قانونيا و منحني مبرر كاف لقتل الفيل . تساءلت غالبا فيم لو أن أيا كان قد أدرك أنني قد فعلت ذلك فقط كيلا أبدو غبيا .

ترجمة : مازن كم الماز
نقلا عن http://www.george-orwell.org
مقال عن حادثة حقيقية لجورج أورويل الكاتب الانكليزي المعروف مؤلف 1984 و إجلالا لكاتالونيا .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,468,403,966
- 1958 : الثورة الهنغارية
- ما هو جبد لوول ستريت جيد لوول ستريت فقط
- تضامنا مع إبراهيم عيسى
- تأثير اللبرلة الجارية على أنظمة رأسمالية الدولة
- شيزوفرينيا رمضان
- الوصايا الثابتة للأناركية بقلم ألبرت ملتز
- لا لحرب جديدة في القوقاز !
- المحاصصة كشكل للخروج من أزمة الأنظمة الشمولية
- نحو الحرية لا إحياء الحرب الباردة
- تعليق على أستاذنا عبد الرزاق عيد
- الأناركية و الجنس
- التابو , السلطة , النخبة و نير الاستبداد
- المعارضة العمالية 1919 - 1922
- هكذا يموت الفقراء !
- هذا الكلام الفاشي
- سادة من دون عبيد ( من وثائق الأممية الموقفية )
- ميخائيل باكونين : بنية الدولة في معارضة بنية الأممية
- لا للصواريخ الروسية في سوريا أو الأمريكية في بولندا و تشيكيا
- من وثائق الأممية الموقفية الإصلاح و الإصلاح المضاد في الكتلة ...
- ما هي مجموعة الألفة ؟


المزيد.....




- بفيلم استقصائي.. الجزيرة تروي معاناة الطفلة بثينة اليمنية من ...
- وزير الثقافة السعودي يوجِّه بتأسيس «أكاديميات الفنون»
- فيلم -غود بويز- يتصدر إيرادات السينما في أمريكا الشمالية
- اللغة الإنجليزية الإسلامية.. دروب لقاء الدين باللغات العالمي ...
- السعودية تعتزم إطلاق أكاديميتين للفنون التقليدية والموسيقى
- لعشاق الحياة والموسيقى... حفلات الرقص تعود إلى بغداد (فيديو) ...
- شاهد: عرض أزياء للكلاب في أتلانتا
- شاهد: عرض أزياء للكلاب في أتلانتا
- القبض على مخرج سينمائي حاول إدخال مواد مخدرة بمطار القاهرة ( ...
- حكاية سرية لفتيات خاطرن بحياتهن لتذوق طعام هتلر وتجرع السم ب ...


المزيد.....

- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مازن كم الماز - قتل فيل