أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - راندا شوقى الحمامصى - أسباب اعتراض الإنسان على رسل الله















المزيد.....


أسباب اعتراض الإنسان على رسل الله


راندا شوقى الحمامصى

الحوار المتمدن-العدد: 2424 - 2008 / 10 / 4 - 09:06
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


أسهب حضرة بهاءالله(المظهر الإلهي للدين والعقيدة البهائية) تاريخ الرسل السابقين والأسباب الرئيسة لاعتراض البشر عليهم. وبفهم هذه الأسباب يستطيع الإنسان أن يهتدي إلى حقيقة أمر الله في هذا اليوم.
يتفضل حضرة بهاءالله بما يلي:
"فانظروا الآن وتأملوا قليلا في هذه الأمور. وماذا كان سبب أمثال هذه الاختلافات، إذ كلما ظهر ظهور حق في الإمكان من أفق اللامكان كان يظهر ويبدو في أطراف العالم أمثال هذا النوع من الفساد والفتنة والظلم والانقلاب، مع أن جميع الأنبياء كانوا يبشرون الناس في حين ظهورهم بالنبي التالي، ويذكرون لهم علامات الظهور الآتي، كما هو مسطور في كل الكتب. ومع طلب الناس وانتظارهم لظهور المظاهر القدسية، وذكر العلامات في الكتب، لماذا تحدث هذه الأمور في العالم، ويرد على جميع الأنبياء والأصفياء في كل عهد وعصر أمثال هذا الظلم والعسف والتعدي.
وهنا يعرض حضرة بهاءالله أسبابا عدة لاعتراض البشر على رسل الله، وأولها أن جمهور الناس في كل عصر كانوا يتبعون رجال الدين ويطيعونهم طاعة عمياء، فهؤلاء هم الذين ناهضوا إلى حدّ بعيد الرسول الجديد. أما بالنسبة إلى رجال الدين فقد كتب حضرة بهاءالله الكلمات التالية:
"إن علماء العصر في كل الأزمان كانوا سببا لصد العباد، ومنعهم عن شاطىء بحر الأحدية، لأن زمام هؤلاء العباد كان في قبضة قدرتهم. فكان بعضهم يمنع الناس حبا للرياسة، والبعض الآخر يمنعهم لعدم العلم والمعرفة. كما أنه بإذن علماء العصر وفتاويهم قد شرب جميع الأنبياء سلسبيل الشهادة، وطاروا إلى أعلى أفق العزة. فكم ورد على سلاطين الوجود، وجواهر المقصود، من ظلم رؤساء العهد، وعلماء العصر، الذين قنعوا بهذه الأيام المحدودة الفانية، ومنعوا أنفسهم عن الملك الذي لا يفنى.
ويدين حضرة بهاءالله علماء الدين على جهلهم وضعف بصيرتهم بقوله:
"ومن جملة السبحات المجللة هم علماء العصر وفقهاء زمان الظهور الذين هم جميعا نظراً لعدم إدراكهم، واشتغالهم بالدنيا، وحبهم للرياسة الظاهرية، لم يذعنوا لأمر الله. بل إنهم كانوا لا يمدون آذانهم لاستماع النغمة الإلهية، بل (يجعلون أصابعهم في آذانهم)( القرآن الكريم، سورة البقرة، آية 19). ولما كان العباد قد اتخذوهم أيضاً أولياء من دون الله لذا هم منتظرون لرفض تلك الخشب المسندة وقبولهم. لأنه ليس لهم بصر ولا سمع ولا قلب ليميزوا به ويفرقوا من تلقاء أنفسهم بين الحق والباطل.
وسبب آخر في رفض الناس قبول الرسول الجديد يرجع إلى إتيانه تعاليم جديدة تبطل شرائع الماضي وتؤسس نظاماً جديداً. فهذا التغيير الجذري يثير حفيظة رجال الدين لأنهم يرون في الرسالة الجديدة تحدياً لسلطتهم فيقومون على الاعتراض بكل ما لديهم من نفوذ وقدرة.
وثمة سبب إضافي آخر للاعتراض هو أن كل رسالة إلهية قد أوردت علامات وإشارات تدل على مجيء الظهور التالي، وبما أن الناس كانوا ينتظرون أن تتحقق هذه العلامات والإشارات حرفيا عجزوا عن إدراك الرسالة الإلهية الجديدة.
علامات رجوع السيد المسيح
وأورد ما يلي عن علامات المجيء الثاني:
وهذه نغمات عيسى بن مريم التي تغنى بها في رضوان الإنجيل بلحن جليل، في وصف علائم الظهور الآتي بعده، المذكور في السفر الأول المنسوب إلى متّى، عندما سألوه عن علامات الظهور الآتي بعده فأجاب بقوله "وللوقت من بعد ضيق تلك الأيام تظلم الشمس، والقمر لا يعطي ضوءه، والكواكب تتساقط من السماء، وقوات الأرض ترتج، حينئذ يظهر علامات ابن الإنسان في السماء، وينوح كل قبائل الأرض ويرون ابن الإنسان آتيا على سحاب السماء مع قوات ومجد كبير، ويرسل ملائكته مع صوت السافور العظيم(إنجيل متى، إصحاح 24، الآيات 29-31)...
إن علماء الإنجيل لما لم يعرفوا معاني هذه البيانات، ولا المقصود منها، المودع في تلك الكلمات وتمسكوا بظاهرها، لهذا صاروا ممنوعين من شريعة الفيض المحمدي، وسحابة الفضل الأحمدي، وجهال تلك الطائفة، الذين تمسكوا بعلمائهم أيضا، ظلوا محرومين من زيارة جمال سلطان الجلال، لأن في ظهور الشمس الأحمدية، لم تظهر هذه العلامات المذكورة."
تفسير العبارات الرمزية
وبشيء من التفصيل يشرح حضرة بهاءالله معاني هذه الكلمات بقوله:
"... أن المقصود من الضيق هو ضيق عن استيعاب المعارف الإلهية، وعجز عن إدراك الكلمات الربانية حيث أن العباد بعد غروب الشمس، واختفاء مراياها عن الأبصار، يقعون في ضيق وشدة، ولا يعرفون إلى من يتوجهون... كما نشاهد اليوم، أن زمام كل طائفة في يد جاهل، يحركهم كيفما أراد، ولم يبق بينهم من المعبود إلا اسمه، ولا من المقصود إلا لفظه... ومع أنهم يعتقدون أن حكم الله واحد، فإنه يصدر منهم من كل ناحية حكم، ويظهر من كل محل أمر. فلا يشاهد بينهم نفسان متفقان على حكم واحد. إذ لا يعرفون إلها غير الهوى. ولا يسلكون سبيلا إلا الخطأ... يحافظون على هذه المراتب بتمام القوة والقدرة، حتى لا يجد النقص سبيلا إلى شوكتهم، ولا يتطرق الخلل إلى عزتهم، وإذا ما تنورت عين بكحل المعارف الإلهية، فإنها تشاهد عدة وحوش مرتمية على جيف أنفس العباد.
فالآن أي ضيق وشدة أشد من هذه المراتب المذكورة، فإنه إذا أراد شخص أن يطلب حقا، أو يلتمس معرفة، فلا يدري إلى من يذهب، وممن يطلب، لأن الآراء مختلفة للغاية، والسبل متعددة. وهذا الضيق وتلك الشدة من شرائط كل ظهور. وما لم يقع هذا ويحصل، فلا تظهر شمس الحقيقة، لأن صبح ظهور الهداية يطلع بعد ليل الضلالة...
وعن المقصود من كلمتي "شمس" و "قمر" يصرح حضرة بهاءالله:
"فالمقصود من الشمس والقمر المذكورين في كلمات الأنبياء، ليس منحصرا في هذين الكوكبين المشهورين، بل إنهم قد أرادوا من الشمس والقمر معاني عديدة. وفي كل مقام منها يريدون معنى خاصا بمناسبة ذلك المقام. فمثلا: أحد معاني الشمس يطلق على شموس الحقيقة، الذين يطلعون من مشرق القِدم، ويكونون واسطة إبلاغ الفيض إلى جميع الممكنات. وهؤلاء الشموس هم المظاهر الإلهية الكلية، في عوالم صفاته وأسمائه. فكما أن الشمس الظاهرة بتقدير من المعبود الحقيقي تربي الأشياء الظاهرة، من الأثمار والأشجار والألوان والمعادن وما دون ذلك، مما هو مشهود في عالم الملك، بتأثير حرارتها، كذلك تظهر أشجار التوحيد وأثمار التفريد، وأوراق التجريد وأوراد العلم والإيقان، ورياحين الحكمة والبيان، من أثر تربية الشموس المعنوية وعنايتها... وتنبعث حرارة المحبة الإلهية في أركان العالم من هذه الشموس الإلهية ونيرانها المعنوية...
وفي الرتبة الثانية يكون المقصود من الشمس والقمر والنجوم هم علماء الظهور السابق، الذين يكونون موجودين في زمان الظهور اللاحق، وبيدهم زمام دين الناس. فإذا ما استناروا بضياء شمس أخرى أثناء ظهورها، يكونون من المقبولين والمضيئين والمتلألئين، وإلا يجري في حقهم حكم الظلمة، ولو يكونون بحسب الظاهر من الهادين. لأن جميع هذه المراتب من الكفر والإيمان، والهداية والضلالة، والسعادة والشقاوة، والنور والظلمة، منوطة بتصديق تلك الشموس المعنوية الإلهية. فكل نفس من العلماء جرى عليها في يوم التغابن والإحسان حكم الإيمان من مبدأ العرفان يصدق في حقها العلم والرضا، والنور والإيمان. وإلا يجري في حقها حكم الجهل والنفي والكفر والظلم.
ومن المشهود لدى كل ذي بصر، أنه كما ينمحي نور النجم عند إشراق الشمس الظاهرة، كذلك تنمحي وتظلم شمس العلم والحكمة والعرفان الظاهري عند طلوع شمس الحقيقة وإشراق نير المعاني...
وفي مقام آخر يكون المقصود من إطلاقات الشمس والقمر والنجوم، هو العلوم والأحكام المرتفعة في كل شريعة، مثل أحكام الصوم والصلاة...
إذا قد ثبت وتحقق بالآيات النازلة والأخبار الواردة، إطلاق لفظ الشمس والقمر في هذه المراتب، على هذه المقامات المذكورة في الآيات النازلة والأخبار الواردة. وهذا هو المقصود من ذكر ظلمة الشمس والقمر، وسقوط النجوم، أي ضلالة العلماء، ونسخ الأحكام المرتفعة في الشريعة، التي كان مظهر ذلك الظهور يخبر عنها بهذه التلويحات...
ومن المسلم أنه في كل ظهور تال تظلم شمس العلوم والأحكام والأوامر والنواهي، التي كانت مرتفعة في الظهور السابق، والتي أظلت أهل ذلك العصر، واستناروا من شمس معارفها، واهتدوا بقمر أوامرها. أي أنه ينتهي حكمها وينعدم أثرها.
وحول "ظهور علامة ابن الإنسان في السماء" يؤكد حضرة بهاءالله أنها علامة تظهر في السماء الظاهرة والسماء الباطنة. فقبل مجيء كل رسول يظهر نجم في السماء مدلا على مولد رسالة جديدة. وليس هذا فحسب بل يظهر في الوجود مبشر يعلن للملأ هذه البشارة. ولنأخذ مثلا أيام حضرة موسى عندما حذر المنجمون فرعون:
"... بأن كوكبا قد طلع في السماء، وهو دليل على انعقاد نطفة على يدها يكون هلاكك أنت وقومك. وكذلك قد ظهر عالم كان يبشر بني إسرائيل في الليالي يسليهم ويطمّنهم.
وقبل ظهور السيد المسيح ذهب نفر من المجوس إلى هيرودس وقالوا: "أين هو المولود ملك اليهود؟ لأننا رأينا نجمه في المشرق وأتينا لنسجد له"( إنجيل متّى، إصحاح 2، آية 2.
) فكانت تلك علامة ظهوره في السماء الظاهرة. أما يوحنا المعمدان فقد كان الكوكب الروحاني الذي بشر الناس بقرب ظهور عيسى عليه السلام. وكذا الأمر قبل مجيء الطلعة المحمدية فظهرت أيضا مثل هذه العلامات. ومما تفضل به حضرة بهاءالله بخصوص من بشروا بالرسول الكريم:
"وأما الآثار الباطنة فقد كانوا أربعة رجال واحدا بعد الآخر يبشرون الناس على الأرض بظهور شمس الهوية. وقد تشرف بشرف خدمتهم "روزبه" الذي سمي بسلمان، وكان كلما حضرت الوفاة أحدا منهم يرسل (روزبه) إلى الشخص الآخر إلى أن أتت نوبة الرابع الذي قال له في حين وفاته يا روزبه اذهب من بعد تكفيني ودفني إلى الحجاز حيث تشرق هناك الشمس المحمدية ويا بشراك بلقاء حضرته.
وفي هذا الظهور، وقبل أن يعلن حضرة الباب دعوته، ظهرت هذه العلامة في الظاهر والباطن وصرح حضرة بهاءالله بقوله:
"...أخبر أكثر المنجمين عن ظهور نجم في السماء الظاهرة. كما أنه قد كان على الأرض النوران النيران أحمد وكاظم قدس الله تربتهما(الشيخ أحمد الأحسائي مؤسس المدرسة الشيخية في الإسلام وتبعه في ذلك تلميذه السيد كاظم الرشتي. وقد علما أتباعهما بأن قدوم الموعود بات قريبا جدا فهيأهم لظهوره. فكان معظم البابيين الأوائل من أتباع مذهب الشيخية.)...
أما عن قوله: "ينوح كل قبائل الأرض، ويرون ابن الإنسان آتيا على سحاب السماء بقوات ومجد كبير"،( إنجيل متى، إصحاح 24، آية 30.) فيتفضل حضرة بهاءالله:
"...أنه في ذلك الوقت ينوح العباد من فقدان شمس الجمال الإلهي، وقمر العلم، وأنجم الحكمة اللدنية، ويشاهد في تلك الأثناء طلعة الموعود، وجمال المعبود نازلا من السماء، وراكبا على السحاب. يعني أن ذاك الجمال الإلهي يظهر من سماوات المشيئة الربانية في هيكل بشري ولم يقصد من السماء هنا إلا جهة العلو والسمو التي هي محل ظهور تلك المشارق القدسية والمطالع القدمية. ولو أن هذه الكينونات القديمة قد ظهرت من بطون الأمهات بحسب الظاهر إلا أنهم في الحقيقة نازلون من سماوات الأمر، وإن يكونوا ساكنين على الأرض إلا أنهم متكئون على رفرف المعاني. وحيثما يمشون بين العباد فإنهم يكونون طائرين في هواء القرب. يمشون على أرض الروح بغير حركة الرجل، ويطيرون إلى معارج الأحدية بغير جناح. وفي كل نفس يطوون عالم الإبداع من مشرقه إلى مغربه، وفي كل آن يمرون على ملكوت الغيب والشهادة.
وعن معنى الغمام يتفضل:
"...فالمراد من الغمام هنا... تغيير الأحكام وتبديل الشرائع وارتفاع القواعد والرسوم العادية وتقدم المؤمنين من العوام على المعرضين من العلماء. وكذلك يقصد به ظهور ذلك الجمال الأزلي خاضعا للحدودات البشرية، مثل الأكل والشرب، والفقر والغنا، والعزة والذلة، والنوم واليقظة، وأمثال ذلك، مما يثير الشبهة عند الناس ويحجبهم. فكل هذه الحجبات قد عبر عنها بالغمام...
ويفسر معنى "يرسل ملائكته"، بأنها تلك النفوس المقدسة التي:
"... صارت هذه الوجودات القدسية منزهة ومقدسة عن العوارض البشرية، ومتخلقة بأخلاق الروحانيين ومتصفة بأوصاف المقدسين لهذا أطلق اسم الملائكة على هذه النفوس المقدسة.
ثم يضيف حضرة بهاءالله مؤكدا:
"... لو كانت أشراط الظهور في أي عصر، تظهر في عالم الظاهر مطابقة لما ورد في الأخبار، فمن الذي كان يستطيع الإنكار والإعراض، وكيف كان يفصل بين السعيد والشقي، والمجرم والتقي. أحكم بالإنصاف. مثلا لو تظهر بحسب الظاهر هذه العبارات المسطورة في الإنجيل. وتنزل الملائكة مع عيسى بن مريم من السماء الظاهرة على السحاب. فمن ذا الذي يقدر على التكذيب أو يستطيع الإنكار ويستكبر عن الإيمان بل إن الاضطراب يأخذ أهل الأرض قاطبة على الفور بدرجة لا يقدرون على التكلم والتفوه بحرف واحد فكيف يصل الحال إلى الرد أو القبول...
أسباب أخرى لاعتراض الناس على الرسل
تعزى أسباب عدم إدراك الناس لمعنى العلامات والإشارات التي جاءت في الكتب المقدسة إلى اتّباعهم رؤساء دينهم وإطاعتهم طاعة عمياء. ويؤكد حضرة بهاءالله على ذلك في "كتاب الإيقان" بقوله:
"... إن أمثال هذه الاعتراضات كانت موجودة بين الناس في كل الأزمان والأعصار. وكانوا في كل الأيام مشتغلين بزخارف القول، بحجة إن العلامة الفلانية لم تظهر، والبرهان الفلاني لم يتحقق وما انتابتهم هذه الأمراض إلا من تمسكهم بعلماء عصرهم في تصديق وتكذيب هذه الجواهر المجردة، والهياكل الإلهية. ونظرا لاستغراقهم في الشؤونات النفسية، واشتغالهم بالأمورات الدنية الفانية لهذا كانوا يرون في هذه الشموس الباقية، أنها مخالفة لعلمهم وإدراكهم، ومعارضة لجهدهم واجتهادهم. وكانوا يفسرون معاني الكلمات الإلهية، ويبينون أحاديث الحروفات الأحدية وأخبارها، تفسيرا لفظيا بحسب مداركهم القاصرة- لهذا حرموا أنفسهم وجميع الناس من أمطار ربيع الفضل.
وحتى ندرك الأسرار المكنونة في دين الله، يقرر حضرة بهاءالله مرارا أن على الإنسان أن يطهر قلبه عن جميع الشؤون الدنيوية، كما يتضح من الفقرة التالية:
"فإن أنت نظفت ولو قليلا مرآة قلبك وطهرتها من غبار الغرض فإنك تدرك جميع التلميحات في كلمات الكلمة الجامعة الإلهية، وتقف على أسرار العلم في كل ظهور. وما لم تحرق الحجبات العلمية المصطلح عليها بين العباد بنار الانقطاع فإنك لا تفوز بصبح العلم الحقيقي النوراني.
والعلم علمان: علم إلهي، وعلم شيطاني، أولهما يظهر من إلهامات السلطان الحقيقي، وثانيهما يبدو من تخيلات الأنفس الظلمانية. فمعلم ذاك حضرة الباري، ومعلم هذا الوساوس النفسانية. بيان الأول: اتقوا الله ويعلمكم الله. وبيان الثاني: العلم هو الحجاب الأكبر. أثمار ذاك الشجر الصبر والشوق والعرفان والمحبة، وأثمار هذا الشجر الكبر والغرور والنخوة. ومن بيانات أصحاب البيان التي ذكروها في معنى العلم أنه لا يستشم منه أية رائحة من روائح هذه العلوم الظلمانية التي أحاطت ظلمتها كل البلاد. لا يثمر هذا الشجر إلا البغي والفحشاء، ولا يأتي إلا بالغل والبغضاء، ثمره سم قاتل، وظله نار مهلكة.
وثمة حقيقة أخرى هامة عملت على احتجاب الناس عن المظاهر الإلهية تلك هي الامتحانات التي تواجه البشر عند ظهورهم. ففي كل دورة برزت في حياة المظهر الإلهي أحداث معينة غدت سدا أمام الناس في إدراكهم الحقيقة. وفي هذا المقام أنزل حضرة بهاءالله الكلمات التالية:
"واعلم بأن المقصود من جميع هذه الكلمات المرموزة، والإشارات العويصة الظاهرة من المصادر الأمرية، إن هو إلا امتحان للعباد، كما قد ذكر، حتى تعرف أراضي القلوب الجيدة المنيرة من الأراضي الجرزة الفانية. هذه سنة الله بين عباده في القرون الخالية، يشهد بذلك ما هو مسطور في الكتب.
ويثبت حضرة بهاءالله هذه الحقيقة (الامتحانات الإلهية) ببعض الأمثلة، ويتحدث عن محمد(صلعم) الذي كان يولي وجهه شطر بيت المقدس وهو يؤم المسلمين في الصلاة وكيف أنه في مرة من المرات استدار فجأة أثناء الصلاة وولى وجهه شطر المسجد الحرام (مكة):
"... بعد هجرة شمس النبوة المحمدية من مشرق البطحاء إلى يثرب استمر في التوجه إلى بيت المقدس في وقت الصلاة... نزل عليه .) وقال (فولِ وجهك شطر المسجد الحرام)،( القرآنجبريل(الملاك الذي تمثل للرسول الكريم، سورة البقرة، آية 149.) فانحرف حضرته أثناء الصلاة عن بيت المقدس، وولى وجهه شطر الكعبة وفي الحين حصل تزلزل واضطراب بين أصحابه بدرجة أن جمعا منهم تركوا الصلاة وأعرضوا. فهذه الفتنة لم تكن إلا امتحانا للعباد... أجل إن مثل هذه الأمور التي هي سبب وحشة جميع النفوس لم تقع إلا لكي يرد الكل على محك امتحان الله، كي يحصل التمييز والفصل بين الصادق والكاذب.
وهناك قصة أخرى توضح هذا القصد أوردها حضرة بهاءالله عن موسى عليه السلام:
"فمثلا: موسى بن عمران... بينما كان مارا في السوق ذات مرة في أوائل أيامه قبل بعثته رأى اثنين يتخاصمان، فطلب أحدهما من موسى أن يعاونه على خصمه، فأعانه حضرته بما أدى إلى قتله...
فتفكر الآن في الفتن الإلهية وبدائع امتحاناته كيف أن شخصا عرف بقتل النفس واعترف أيضا بالظلم كما هو مذكور في الآية، وتربى أيضا في بيت فرعون بحسب الظاهر نحوا من ثلاثين سنة أو أقل، ونشأ ونما في نعمائه، ثم يجتبيه ربه بغتة من بين العباد، ويأمره بأمر الهداية الكبرى، والحال أن ذاك السلطان المقتدر، كان قادرا على أن يمنع موسى من القتل، حتى لا يكون مشهورا بين العباد بهذا الاسم، الذي هو سبب وحشة القلوب، وعلة احتراز النفوس.
وبالطريقة نفسها امتحن الله العباد عند ظهور السيد المسيح، إلا أنها كانت فتنة تعلقت بظروف ولادته كما يشرحها حضرة بهاءالله:
"ولننتقل الآن إلى حالة مريم لنشاهد كيف أن هذه الطلعة الكبرى تمنت الموت من عظمة الأمر، وشدة التحير، كما يستفاد من الآية المباركة التي ناحت بها مريم بعد ولادة عيسى، ونطقت بهذه الكلمة (يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا)( القرآن الكريم، سورة مريم، آية 23.)... ثم تفكر أي جواب كان يمكن أن تقوله مريم للناس بشأن طفل ليس له أب معين! وكيف يمكن أن يقال لهم إنه من روح القدس! لهذا حملت مخدرة البقاء ذاك الطفل، ورجعت به إلى المنزل...
فانظر الآن إلى هذه الفتنة الكبرى، والامتحان الأعظم، واصرف نظراً عما مضى، وتفكر كيف أن نفس جوهر الروح المعروف بين القوم بأن لا أب له، قد منحه الله النبوة وجعله حجته على كل أهل السموات والأرض.






كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,358,698,608
- الميزان
- القيامة والساعة
- الموت والحياة
- التمثيل والتشبيه في الكتب السماوية
- شاهد ومبشر ونذير
- التوحيد في كتاب الله
- سُرُج نورها واحد
- لا يا شيخ الأزهر-تحروا....تسلموا
- المهدي وعيسى
- تأويل المتشابهات
- بشارات الكتب السماوية
- وقت الميعاد
- نهاية العالم ولقاء الله
- يوم القيامة-يوم الحساب-والبعث من القبور
- حسن ومرقص- فلنكن جميعنا حسن ومرقص ولكن يكون ظاهرنا هو عين با ...
- مبدأ حقانية الأديان الإلهية
- لماذا كانت هذه الرموز والاستعارات التي يحيطها الغموض موجودة ...
- لماذا كانت هذه الرموز والاستعارات التي يحيطها الغموض موجودة ...
- لماذا كانت هذه الرموز والاستعارات التي يحيطها الغموض موجودة ...
- لماذا كانت هذه الرموز والاستعارات التي يحيطها الغموض موجودة ...


المزيد.....




- الأسد يهاجم الوهابية ويصف الإخوان بـ-الشياطين-.. ويعطي -دروس ...
- أيها المسلمون لا أتمنى لكم رمضانا كريما
- نيوزيلندا توجه تهمة جديدة لمنفذ مذبحة المسجدين
- رسميا.. سفاح المسجدين في نيوزيلندا يواجه تهمة الإرهاب
- تاريخ: المسجد العباسي بمدينة شبين الكوم بمحافظة المنوفية
- نيوزيلندا توجه تهمة جديدة لمنفذ مذبحة المسجدين
- الأسد يشن هجوما حادا على -الإخوان المسلمين- ويصفهم بـ -الشيا ...
- الأمن المصري يقتل 12 عنصرا من -الإخوان المسلمين-
- شرطة شيكاغو تعزز حماية المنشآت اليهودية بعد سلسلة من -جرائم ...
- الصحوة الإسلامية.. البداية والنهاية


المزيد.....

- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - راندا شوقى الحمامصى - أسباب اعتراض الإنسان على رسل الله