أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعيدي المولودي - ولاء















المزيد.....

ولاء


سعيدي المولودي

الحوار المتمدن-العدد: 2399 - 2008 / 9 / 9 - 00:50
المحور: الادب والفن
    



قال الرجل الأزرق:
يحدث شيء ما في مسالك القلب الثخينة، فلا يتحرك. أعرف الآن أن الحرية لموجة السكون، من غابات جريحة لايكتمل خطونا، وكل الأسفار المغمدة تجلس في رحبة الدم، سماوات الأهل، وظلال الأحبة الغائمة، وتباشير المتاع المغمور في لجة النبض، وأشياء قديمة قدم هذا الرعب.. يومها قالوا: ادخلوا مساكنكم أيها النمل المهزوم...دخلنا. قلنا: نحن لا نملك شمسا قريبة نؤويها أو تؤوينا، وأن لا تملكوا، تلك هي القاعدة، والاستثناء لا حكم له...
أنا لا أتوعد. ما زلت أتمسك بحبل السرة الممدود ـ المقصور الذي يفصلني عن حلمة الأرض، من زمان هي، قدماي افتقدت عادة الخطو، وأنا أترقب هدوء العاصفة، ولا عاصفة، ألوذ بالسكون قبل سكونها، وأسأل متاهات الخوف الطويل: من يحرك في وجهي فوضى هذا الغبار الصريح؟. هي، يداي افتقدتا نوبة الصعود والهبوط، والبسط والقبض، أنام طويلا تحت ظل مشنقة قادمة، فبأي لغة أفتح كمائن هذه الخيمة المشدودة للصدأ المنسي، هذا الحجر الأسود المخلوع كقرينة..أقف طويلا في قارة هذا الصف الطويل، الطويل كعمود دخان سامق. شهورا، وأنا ثابت كالطلل البالي، لا يتحرك الصف قيد أنملة، لا أتحرك، تتقاذفني مرارات من سكون، كأنما تلك الشارات، المكاتب، الإشارات، والأسوار الشاخصة لا تتحرك.هكذا توهمت. لكن جاري العمودي قال:
ـ بأم عيني رأيتهم يتحركون، يتحركون في أي اتجاه، لذلك لا يصل خطوهم هوانا، ويمضي في ركض يخطف مرايا الانتظار، أو يجمع المسافات، ويطفو فوق احتمالاتها..

قال الجار الأفقي:
ـ كنت هذا الغريب أحمل متاع العمر، كطائر مهاجر، أقتات على شهوة الأرض، إذ هي تدور، تدور،أحس بأثدائها الرخوة تهتز، وأقول لها:طوبى للأغصان إذ تخضها الغيوم، وللجذور إذ توقظها الريح...أضع يدي على جمر الشرفات، تسقيني هاوية السكون، كأنما تجرفني، أسألها امتداد الرحيل، وأوبة المروج.. هكذا نحن أبدا نغرس أهواءنا في مملكة تاء التأنيث الساكنة، ننهض في سغب الصمت. جمد قداس الدم في العروق. أحس أني الساكن الذي لا يتحرك، أشهر سيفي مغلولا، وأغوص في غيس هذه الكينونة اليابسة، أحتفي بخساراتي. وحده هذا النزيف المشترك بيننا يتحرك..

قال الجار العمودي:
ـ كنت كاتما للصوت، أكتب أسراري في حانة عاقر تسكنها قبائل من رصاص فاشل، ودمع غارق أليم، وزعموا، يومها، أنه في جزيرة ما، تقع في كل المهب، بابها الظل والبكاء، أكل فيها القوي لحم الضعيف، والمستأجر لحم المأجور، والآمر شحم المأمور، كأنما تنتشي في تضاريسها لغات الأنياب، وكان يعيش فيها قوم تحسبهم موات العباد، نام الفجر على مشارفهم، وختم الله على قلوبهم، وأصبحوا بحمده ساكنين. كانت تاء التأنيث الساكنة أميرتهم، الأمارة بالخوف، ترمي أمامهم الكوارث، حتى بلغ السيل زباهم، ومع ذلك تحملوا وظلوا ساكنين... وحدث أن خرج من قهرهم أحدهم قاصدا بلادا كانت تحكمها الأميرة الرمادية التاء المتحركة ـ وكان قد سمع عن صلاتها بالسماء ـ ولما بلغها، رأى ما لا عين رأت، وسمع ما لا أذن سمعت، وتميز قلبه من الغيظ، وعز عليه ما ترك عليه أبناء قومه من هوادات في بلاد الله الساكنة، وقرر أن يشكو الحال والمآل لسيدة الأوان الأميرة التاء المتحركة، وتوجه إلى مرساها، رغبة في لقائها، متوسلا ذهولها وعطفها الداني، فكان له ما أراد، ورضيت باستقباله بعد سور امتناع، وأخذ ورد، فقص عليها ما وصلت إليه أمور البلاد والعباد في مملكة تاء التأنيث الساكنة، واستبكى رحمتها، فوعدته خيرا، وقالت: والله لأحركن هذه البلاد الساكنة، وأرفع عنها فجيعتها لتصير إلى الذبول.
وكان أن أمرت التاء المتحركة، بجيش عظيم، دججته بالبروق، والتوابل والعطور، والزلازل المعاقرة للهزائم والحروب، وألقت فيه خطبة من طوفان:
ـ .. أيها الندامى. إنا قد عزمنا، أيهاالنشامى، على الزحف بعون الله على مملكة تاء التأنيث الساكنة، وما ذلك رغبة منا في اجتلاب المغانم ولا طمعا في المال والخراج، ولكن رحمة بعبادها الساكنين، ورأفة بأحوالهم، وأنتم تعلمون أنهم قوم لا يفقهون، فكونوا كما عهدناكم أشداء على القهر، وبئس مصير تاء التأنيث الساكنة...
وفي ذلك اليوم المشئوم تحرك الندامى وتقدموا نحو الثغور، واحتلوا الدساكر والأمصار، واستيقظ أهل المملكة الساكنة على وقع الجيوش الندامى، وسرعان ما امتلأت الشوارع، وارتجت الصوامع، وشاع بين الأهالي خبر نهاية تاء التأنيث الساكنة، وخرج الناس عن بكرة الأجداد يهتفون:
ـ بالدم، بالروح، نفديك أيتها التاء المتحركة، سيدة الأمام والخلف، والأوان وما بعد الأوان..
واستتب لها الأمر، وكان الفتح، وكان الضم، وكان الكسر.حدث ذلك في جزيرة ما، في زمان ما، فلا تسألوني عن المزيد...

قال الرجل الأزرق:
ـ.. تماما..قد يحدث ذلك ولو مرة على رأس كل عام. أذكر ذلك، وأنا ما زلت صغيرا، آه، كم هي هذه الذاكرة تخون..ولكن كنا نتفرج في يوم شديد الانحدار على ضفاف القبور الساكنة في الجهة الغربية على ساحل قريتنا الجريحة. كان جدي يلبس جبته كقصبة، وكأنه يحس بدنو أجله، وأبي على ما يبدو كان متماسكا بعض الشيء، وأنا على العكس منهما كنت متأرجحا بين طرفي الإقدام والإحجام، لست متأكدا تماما، ولكن المعجزة حدثت كم لو أنها تحدث الآن، آه كم كان الأمر مدهشا. انفتحت ممالك القبور، وخرج الموتى واحدا، واحدا، أنا مازلت أحفظ كل الأسماء، قال جدي إن ملامحهم،هي،هي، ولكن شيئا ما غريبا، كان يراوده، ويحمله على التردد والتربص...اقترب جدي أكثر من باحة القبور، وبدأ الموتىـ كالأشباح تماما ـ يمهلونه ولا يستمهلونه، ولكن فارق المكان كان كافيا لأن يفحص أبي بدوره ملامحهم الغريبة، وثبت أنهم ـ قال لي ذلك بعد ـ استنجدوا بكل خبرات الصباغين، وتواشي الصائغين ونحاتي المدائن، كي يهربوا من صورتهم الحقيقية، ولكن ذلك لم يمنحهم فرصة التخفي. الشمس كانت أقوى من الحجب، وتحركوا في اتجاه القرية، وأهل القرية كلهم نائمون.ومع الصباح استطاعوا أن يقفوا على الحقيقة، حيث افتضح أمر الموتى الذين تحركوا ـ وما تحركوا ولكن شبه لهم ـ ولذلك لم يحرك أحد ساكنا على الرغم من أن الموتى برعوا في الاستخفاء، وكانوا يتحدثون لغات كان أهل القرية يجهلونها...
مازال الصف طويلا، قال الجار الأفقي، عام وأنا أتردد على حافات هذا الصف، وأنا متيقن من أن لا شيء يتحرك، هذا الفراغ الهائل، القاتل، وحده، أحسه يملأ أعماقي، ويتحرك بلا حدود..

عادت شمس الأصيل ملتمعة ـ وللتذكير فقط فإن الشمس لا تتحرك ـ وأغلقت النار أبوابها، وانفض خاتم الصف، وتحركنا في كل اتجاه، وضاعت منا الآثار في مهب الخطو، ومشينا، نحن الذين لا نحسن المشي إلا على أقدامنا، وحين اختلى الجار العمودي للجار الأفقي، همس في لوعته:
ـ من لي بتاء متحركة، تضمني لصدرها، وتفتح لي أبدية ذراعيها، وتضعني في برج الأمام ذاهبا في عمق الصف.
قال الجار الأفقي:
ـ ليس هناك أبعد من هذا السكون.
وافترقا على موعد.

ذلك المساء دخل الرجل الأزرق منهكا إلى بيته، وحدثه الأولاد أن التاء المتحركة غزت البلاد في حفظ الله ورعايته، وأطبقت منها على السماء والهواء، وكاد يحمد الله في سره، أطلق سراح خوفه، ونام ذبيحا على أمل أن الصف سيتحرك غدا، ويفتح الله أبواب الجنة المهجورة. ومع تباشير الصباح، خرج من الخواء الذي دثره الليل كله، والتقينا في ساحة الصف، ساعات استبقنا هذه الدمى الماكرة التي تتفسخ على المكاتب. واعتصمنا بالصف طوال الصف، وهو لا يتحرك كالعادة الواسعة، قال بعضنا:
ـ من يسوق أسوارنا إلى هذه الخديعة، ويجعلنا في المهب قلعة ماء تترقب مجراها السائب..
ظل الصف ثابتا كالسماء، والأفق يرتدي غمامات بيضاء كالضمادات، وعاد الرجل الأزرق هادئا، نام كالغوطة تتقاذفه أحلام كسيرة، تتهاطل على سواحله، وتحول بينه وبين الغفوة، وهو على مدار الوقت الموحل يدرك أن لا شيء يتحرك، قالت له زوجته:
ـ في السكون يجلس قلبي..
قال لها:
ـ أنا سعيد لأني ما زلت قادرا على أن أقف في الصف. طيلة هذا السواد.( وكان في سره يعلن ولاءه للجذور، ولتاء التأنيث الساكنة ).

1984.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,397,782,423
- الضاحية
- الثلاثة
- الشجرة
- النفس غير المطمئنة
- فصول المودة القديمة
- حالة شبه خاصة
- تكوين
- الولدعديشان
- تلخيص جراح قديمة
- العربة
- سبعة ( رجال )
- بلاد
- باب انقلاب الحال
- باب-عبس وتولى-
- باب التلقيح
- ساعة ألم مضافة للزمن المغربي
- ديموقراطية في سبيل الله
- مثل الدجاجتين
- باب الفتنة
- باب القران


المزيد.....




- مصر.. وفاة مخرج فيلم -زمن حاتم زهران- إثر وعكة صحية مفاجئة
- مايكل جاكسون: كيف كان يومه الأخير؟
- زملاء ناجي العلي يوظفون الكاريكاتير لإسقاط ورشة البحرين وصفق ...
- مكتبة قطر الوطنية.. تواصل ثقافي مستمر في زمن الحصار
- فيديو لمدحت شلبي حول -اللغة الموريتانية- يثير موجة سخرية عبر ...
- بالفيديو: فنان أفريقي يجسد أسلافه في العبودية
- حول مؤتمر البحرين... وزير الثقافة الفلسطيني يوجه رسالة للشعو ...
- صدر حديثًا: كتاب -من برج بابل إلى أبراج نيويورك-
- بداية ونعي وأتباع -فشي شكل-!!
- فيلم -الممر-.. خطوة للأمام أم تقليد لسينما الحرب الأميركية؟ ...


المزيد.....

- الاعمال الشعرية الكاملة للشاعر السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- مسرحيات (برنارد شو) توجهات لتوعية الإنسان / فواد الكنجي
- الملاكم / معتز نادر
- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعيدي المولودي - ولاء