أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - أحمد سوكارنو عبد الحافظ - من ينقذنا من أخطاء الأطباء؟















المزيد.....

من ينقذنا من أخطاء الأطباء؟


أحمد سوكارنو عبد الحافظ

الحوار المتمدن-العدد: 2396 - 2008 / 9 / 6 - 04:13
المحور: الطب , والعلوم
    


العصر الذى نعيشه يختلف فى أمور كثيرة عن العصور السابقة. فى الماضى كنا نواجه أمراضا كالجدرى والكوليرا والملاريا. لقد باتت الأمراض الآن أكثر شراسة وتعقيدا عن ذى قبل. وفى المقابل فقد تقدمت علوم الطب لمواكبة التطوير الحاصل فى الأمراض حيث يسعى الباحثون لاتخاذ وسائل متقدمة لمواجهة الايدز وأنفلونزا الطيور وفيروس سى وسارس وغيرها من الأمراض. ومن المسلم به أن الأمراض التى نتعايش معها تحتاج إلى أطباء يتسمون باليقظة والعلم ولا يرتكبون الأخطاء الطبية. ورغم أننا قد نتسامح مع إنسان ارتكب خطأ مهنيا فإننا لا يمكن أن ننظر بعين الرأفة للأطباء الذين يرتكبون أخطاءا مهنية سواء عند تشخيص المرض أو أثناء إجراء العمليات الجراحية لأن خطأ الطبيب قد يكلف المريض حياته. وهذه الأخطاء الطبية ترجع إلى الإهمال أو نقص التدريب والمعرفة العلمية.

تختلف صور الإهمال فى المجال الطبى وفقا للحالات التى يتعامل معها الأطباء. فقد يتجلى الإهمال أثناء العمليات الجراحية كترك فوطة فى بطن المريض أو إجراء عملية فى العين اليمنى للمريض بدلا من العين اليسرى أو إعطاء المريض جرعة زائدة من "البنج" أو إعطاء المريض أدوية دون إجراء تحاليل طبية. وهناك نوع آخر من الإهمال يتمثل فى الشقق التى تتحول إلى عيادات يتكدس فيها المرضى حيث يستقبل الطبيب أكثر من مريض فى ذات الوقت أو العيادات التى تتحول فيها إحدى الحجرات إلى غرفة عمليات دون مراعاة قواعد التعقيم. ففى عيادة خاصة بمدينة كوم أمبو أجرت سيدة عملية جراحية—تحت تأثير البنج النصفى— لإزالة الزائدة الدودية والغريب أن الطبيب أجرى العملية دون إتباع الإجراءات اللازمة فى مثل هذه الحالات. لقد شاهدت السيدة المريضة الطبيب وهو يلوك اللبان ولا يرتدى غطاء الرأس مما ينم عن قمة الإهمال واللامبالاة. وربما يصاب القارئ بالدهشة لو شاهد ما شاهدت فى برنامج إخبارى على شبكة سى ان ان يوم الأربعاء 4 يونيو حيث رأيت مجموعة من الرجال وهم يرتدون البالطو الأبيض وغطاءا للرأس من البلاستيك ويضعون القفازات فى أيديهم والكمامات على وجوههم فاعتقدت للوهلة الأولى أنهم فى غرفة عمليات وفى انتظار اللحظة الحاسمة للتعامل مع أحد المرضى. لقد اندهشت حين اكتشفت أن هؤلاء الرجال ليسوا سوى عمال فى مخبز لإنتاج الخبز فى شارع من شوارع كنسينجتون فى لندن.

والغريب أن تشخيص أبسط الأمراض بات يشكل صعوبة لمعظم أطبائنا. لم أكن أصدق تردى المستوى الطبى فى بلادنا حتى مررت—منذ أيام قليلة— بتجربة مريرة، تجربة متكررة تكاد تكون ظاهرة فى بلادنا. لقد شعرت بالانزعاج حين عاد نجلى البالغ من العمر اثنا عشر عاما شاكيا وباكيا من الآلام حادة فى البطن ومصحوبة بسخونة وقئ فأخذته إلى مستشفى "الدكة" التابعة لمحافظة أسوان وبعد جهد جهيد استطعنا العثور على طبيب للكشف عليه وهذا الطبيب أجرى كشفا روتينيا لا يتعدى وضع "السماعة" على منطقة البطن والظهر ثم قرر بعض الأدوية وهى عبارة عن حقن فى العضل وشراب ثلاث مرات فى اليوم غير أن هذه الأدوية لم تخفف الحالة التى استمرت فى التعبير عن نفسها من خلال الأعراض التى اشرنا إليها، الأمر الذى دفعنى إلى اصطحاب الطفل إلى طبيب آخر فى مستشفى مدينة "كلابشة" الذى يقع على الطريق الزراعى "مصر-أسوان". المثير للدهشة هو أن الطبيب لم يختلف كثيرا عن زميله الآخر سواء فى طريقة الكشف أو التشخيص ومن ثم لم تتغير حالة الطفل قيد أنملة فقررت عرض الطفل على أخصائى حميات بكوم أمبو والذى تكتظ عيادته بالمرضى من كل الفئات العمرية بحيث من الصعب أن تجد موضعا لقدم. أما ما أثار حفيظتى فهو أن الطبيب يستقبل فى حجرة الكشف أكثر من مريض فى ذات الوقت ويكتفى بالكشف الروتينى "السماعة" فى حضرة مريض آخر ولم يطلب إجراء أى تحاليل أو كشف سونار أو خلافه بل سرعان ما كتب الأدوية بطريقة "نقش الفراخ"، وهى طريقة لا يستطيع قراءتها سوى الصيادلة لأن الطبيب يكتفى بكتابة الحروف الثلاثة الأولى للدواء وحتى طريقة استعمال الدواء لا يمكن فك طلاسمها رغم أنها مكتوبة ب"اللغة العربية". والمثير للحزن والأسى هو أن الطبيب اعترف أثناء الزيارة التالية أن الحالة تيفود وقال إنه لم يبلغنى حتى لا انزعج والخطورة فى الأمر هو أن التيفود من الأمراض المعدية التى قد تنتقل لسائر أفراد الأسرة إذا لم يعزل المريض فى حجرة مستقلة وكالعادة لم تجد الأدوية نفعا مع الطفل المريض إذ عادت الأعراض تطل برأسها مرة أخرى فاصطحبته إلى طبيب أخصائى أمراض باطنة بأحد مستشفيات أسوان الذى بادر بإجراء تحليل دم وبول وأجرى كشفا بالسونار وتوصل إلى أن الحالة اشتباه فى التهاب الزائدة الدودية ولكنها قد تهدأ ثم قرر بعض الأدوية التى خففت من أعراض المرض ثم زرنا الطبيب مرة أخرى للاستشارة حيث شعرنا بالارتياح بعد التحسن الملحوظ غير أن الآلام عاودته مرة أخرى فاتصلت بنفس الطبيب الذى نصحنى بعرضه على أخصائى جراحة عامة، فاصطحبت الطفل إلى عيادة أخصائى جراحة عامة فى كوم أمبو حيث أجرى الطبيب كشفا بالسونار ثم قرر إجراء عملية جراحية فورية فى نفس اليوم وإلا تعرضت الزائدة للانفجار إذ إن التدخل الجراحى كان واجبا منذ الساعات الأولى لظهور الأعراض التى اشرنا إليها، وهى الأعراض التى فشل ثلاثة أطباء فى تحديد أسبابها.

والجدير بالذكر أن الطبيب فى العالم المتقدم لا يسارع بتشخيص الحالة المرضية إلا بعد إجراء فحوصات شاملة من تحاليل وأشعة وخلافه. أذكر عندما كنت فى الولايات المتحدة الأمريكية فى الثمانينات أن شعرت باضطرابات معوية فتوجهت إلى مستشفى الجامعة (بفلو بنيويورك) راجيا أن يقدم لى أحد الأطباء الدواء الذى يقضى على الألم ففوجئت بالطبيبة المختصة تطلب إجراء تحاليل شاملة استغرقت أسبوعا كاملا وما أثار انتباهى هو أن الطبيبة لم تستخدم السماعة على الإطلاق ولم تقرر الدواء إلا بعد ورود التقارير التى أوضحت أن مصدر الآلام يكمن فى ديدان الانكلستوما التى استقرت فى بطوننا منذ عشرات السنين. ورغم هذه الدقة فى التشخيص الذى يعتمد على التحاليل فإن الأخطاء الطبية تعد من المثالب التى لم تنجو منها الدول المتقدمة. فوفقا لتقرير الهيئة القومية البريطانية لسلامة المرضى فإن متوسط المعدل للأخطاء الطبية فى العديد من الدول المتقدمة بلغ حوالى 10% من مرضى المستشفيات. وتشير مجلة بريطانية مختصة بالشؤون الطبية أن عددا قد يصل إلى 30 ألف شخص يتوفون سنويا فى بريطانيا بسبب أخطاء طبية. وكذلك جاء فى بحث الدكتور كلايام دونالدسون أن حوالى 10% من مرضى المستشفيات البريطانية ضحايا الأخطاء الطبية (حوالى 850 ألف سنويا). وقد بلغت نسبة الأخطاء الجسيمة حوالى 1% أى 80 ألف حالة انتهت بالوفاة أو الإعاقة الكاملة (34 ألف حالة وفاة و40 ألف حالة إعاقة تامة). أما فى الولايات المتحدة الأمريكية فقد قدم المعهد الطبى فى نوفمبر 1999م تقريرا يشير إلى أن حالات الوفاة الناجمة عن الأخطاء الطبية فى المستشفيات الأمريكية تراوحت بين 44 ألفا و98 ألف حالة سنويا. ومن الواضح أن الولايات المتحدة تشهدا تزايدا فى حالات الأخطاء الجسيمة، إذ أشار الدكتور ستارفيلد فى مجلة الهيئة الطبية الأمريكية إلى أن حالات الوفاة قد زادت لتبلغ 250 ألف حالة سنويا، وكذلك يشير قانون سلامة المرضى الذى قدم لمجلس الشيوخ فى 8 فبراير 2000م إلى أن أكثر من 100 مليون أمريكى لهم تجارب مع الأخطاء الطبية وحوالى ثلث هذه الحالات تعانى من إعاقة تامة.

ونخلص مما سبق بأن الأخطاء لن تختفى من الأوساط الطبية فى دول العالم والسبيل الوحيد للتعامل مع هذه الأخطاء هو الوقوف على الأسباب التى تؤدى إليها ومن ثم تقليل الأخطار الناجمة عنها. فمثلا يمكن تحجيم الأخطاء وتقليلها فى بلادنا من خلال إجراء تفتيش دورى على العيادات الخاصة وغلق العيادات التى لا تنطبق عليها المعايير الصحية اللازمة ومنع إجراء العمليات فى العيادات التى تفتقد إلى ضمانات سلامة المرضى. أما الإهمال الناجم عن عدم المعرفة والجهل بتفاصيل المهنة فيقع على عاتق جهتين هما الجامعة التى تخرج فيها الطبيب والنقابة التى تمنحه الرخصة لممارسة المهنة. فالجامعة عليها أن تبادر بتقليل أعداد المقبولين وتوفير كل سبل التعليم والتدريب. أما النقابة فيتعين عليها إعادة النظر في معايير منح ترخيص مزاولة المهنة. فبينما يحصل الطبيب فى بلادنا على الرخصة مرة واحدة وغير مطالب بتجديدها فإن بعض الدول الأوروبية تشترط تجديدها كل 5 سنوات بعد التأكد من مدي كفاءته وتقاريره عن الفترة الماضية وقضائه عدد محدد من ساعات التدريب في مجال تخصصه.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,467,664,126
- لا تصافحنى.. فإننى لا أصافح
- لا للمتاجرة بمطالب أهل النوبة
- هل فشلنا فى مواجهة الغش فى الامتحانات؟
- جرائم فى حق التعليم فى مصر
- هل يمكن أن تتحاور الثقافات المتباينة؟
- المحمول وسنينه
- هل سيرقص المسلمون إذا فاز حسين فى انتخابات الرئاسة الأمريكية ...
- ماذا نعرف عن التعليم فى إسرائيل؟
- حماس وحزب الله والأيادى الغريبة خلفهما
- قراءة فى قانون المرور الجديد: الايجابيات والسلبيات
- النفاق فى الدين بين العالم الإسلامى والغرب
- رفقا بهذا البلد
- قراءة فى الرسوم والأمور المسيئة للنبى
- أضواء على الانتخابات الأمريكية
- ظاهرة الطوابير فى كل مكان
- كرة القدم والاستقرار السياسى والاجتماعى
- باراك أوباما والانتخابات الأمريكية
- لماذا لا يتملك أهالى النوبة منازلهم؟
- المعلم فى مراحل التعليم المختلفة بين الأمس واليوم
- عشوائية القرارات فى التعليم الجامعى


المزيد.....




- دعاء ليلة الدخلة.. وما يجب فعله قبلها‎
- قرقاش يشيد بأمير سعودي نشط على تويتر: سرعة بديهة ومنطق وحضور ...
- شوربة العدس لذيذة حتى بالصيف.. تعرف على فوائدها!‎
- علماء يكتشفون اختلاف التمارين المفضلة باختلاف شخصية مؤديها
- استعدادًا للخريف.. كيف تستبدلين روتين العناية ببشرتك مع تغير ...
- الصين تتحدى بأرخص هاتف ذكي يدعم خدمات الجيل الخامس
- 40 لغة متاحة... -هواوي- تخطط لضربة قاتلة لأبرز خدمات -غوغل- ...
- فوائد البطيخ الأصفر للبشرة والجسم
- جربي هذه الوصفات للبشرة الحساسة‎
- 5 نصائح للأهل من أجل استقبال العام الدِّراسي الجديد


المزيد.....

- موسوعة الكون / كارل ساغان
- مدخل الى نظرية التعقيد و التفكير المنظومي Introduction To Co ... / فياض محمد شريف
- الكوزمولوجيا الفضائية غير البشرية / جواد بشارة
- نشوء علم الذكاء البصري / محمد عبد الكريم يوسف
- مادّتان كيميائيّتان تتحكّمان في حياة الإنسان / بهجت عباس
- أشياء يجب أن تعرفها عن الفيزياء الكمية / محمد عبد الكريم يوسف
- معلومات اولية عن المنطق الرياضي 1 & 2 / علي عبد الواحد محمد
- الوجود المادي ومعضلة الزمن في الكون المرئي / جواد بشارة
- المادة إذا انهارت على نفسها.. / جواد البشيتي
- الكون المرئي من كافة جوانبه / جواد بشارة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - أحمد سوكارنو عبد الحافظ - من ينقذنا من أخطاء الأطباء؟